1-02: مذكرة أمن وطني – 200 -6

الفصل الخامس: آثار الضغوط السكانية على الأمن الوطني

يبدو أن من المفهوم جيداً أن العوامل السكانية على مواضيع تم دراستها مسبقاً – التنمية، احتياجات الطعام، الموارد والبيئة- تؤثر عكسياً على رفاهية وتقدم الدول التي لدينا معها مصالح ودية وبالتالي تؤثر عكسياً بشكل غير مباشر على مصالح الولايات المتحدة الواسعة ايضاً.

هناك فهم أقل وحاجة لمزيد من التحليل لآثار العوامل السكانية على الاستقرار السياسي لهذه البلاد وآثارها على النظام أو الفوضى الداخلية والدولية، والاضطرابات الاجتماعية المدمرة، العنف والأنشطة الأجنبية المدمرة. مع ذلك، بعض الاستراتيجيين والخبراء يعتقدون أن هذه الآثار قد تكون في الأساس الأكثر أهمية من تلك الناشئة من عوامل سكانية، أكثر ضرراً للدول التي حدثت بها وتؤثر بشكل خطير على مصالح الولايات المتحدة. خبراء آخرون في حكومة الولايات المتحدة لا يتفقون مع هذا الاستنتاج.

دراسة حديثة[1] لخمسة وأربعين صراعاً محلياً في دول العالم الثالث درست الطرق التي تؤثر بها العوامل السكانية على نشأة ومسار صراع في مواقف مختلفة. الدراسة توصلت الى استنتاجين رئيسيين:

  1. “… العوامل السكانية مهمة وعادة محددة للصراع العنيف في المناطق النامية.  الاختلافات القطاعية (الدينية والاجتماعية والعنصرية)، والهجرة والزيادة السكانية السريعة، والمستويات التفاضلية للمعرفة والمهارات، والاختلافات الريفية/حضرية، والضغط السكاني والموضع الخاص للسكان بالنسبة للموارد – في هذا الترتيب الاولي للأهمية – كلها تبدو مساهمات مهمة في الصراع والعنف…
  2. بوضوح، الصراعات التي يُنظر إليها من الناحية السياسية في الأساس لها جذور ديموغرافية/ الاعتراف بهذه العلاقات يبدو مهماً لأي فهم أو منع لهذه الأعمال العدائية”

لا يبدو أن العوامل السكانية تعمل وحدها أو عادة بشكل مباشر لكي تسبب التأثيرات المدمرة. فهي تعمل من خلال عناصر طارئة – متغيرة. وهي أيضاً تُضاف إلى عوامل سببية أخرى تحول ما قد يكون موقف صعب فقط الى موقف له نتائج مدمرة.

هذا الفعل نادراً ما يكون بسيطاً. البروفيسور فيليب هوسي من جامعة شيكاغو اقترح مفهوم “الانفجار السكاني  population complosion ” لوصف الوضع في الكثير من الدول النامية عندما

  1. يتم ولادة المزيد من الناس او يتحركوا داخل أو ينضغطوا في نفس مساحة المعيشة
  2. تحت ظروف ومضايقات من أجناس والوان وأديان ولغات أو خلفيات ثقافية مختلفة، وعادة مع معدلات مختلفة من الزيادة السكانية بين تلك المجموعات
  3. مع احباطات الفشل في تحقيق طموحاتهم في مستويات معيشة أفضل لأنفسهم أو لأطفالهم.

قد يُضاف الى ذلك ضغوط من أجل أو مع هجرة دولية فعلية. هذه العوامل السكانية تبدو أنها تضاعف آثار عوامل أخرى داخلة في أوضاع عنف أولي. كثافة السكان، الاكتظاظ السكاني يُعتقد غالباً في هذا الخصوص أنه أقل أهمية.

هذه العوامل السكانية تساهم في متغيرات اجتماعية-اقتصادية تتضمن تفكك في البنى الاجتماعية، وعمالة زائدة أو بطالة، وفقر، وأناس محرومين في الأحياء الفقيرة، وفرص قليلة لتعليم الجماهير، وفرص قليلة للعمل لمن يحصلون على تعليم، وتنافسات دينية وإقليمية وعرقية، وأعباء مالية وتخطيطية وإدارية متزايدة بحدة على الأنظمة الحكومية على كل المستويات.

هذه الظروف المعاكسة تساهم كثيراً في تطورات مؤذية ذات طبيعة سياسية: جنوح الأحداث، السرقة وجرائم أخرى، الحرابة المنظمة، الخطف والإرهاب، أعمال شغب بسبب الطعام، واشكال أخرى من اندلاع العنف؛ وحرب العصابات، والعنف الطائفي، والحركات الانفصالية، والحركات الثورية والانقلابات المضادة للثورة. كل تلك تحدث بسبب ضعف أو انهيار المحليات والدولة أو الوظائف الوطنية للحكومة.

ما وراء الحدود الوطنية، العوامل السكانية كان لها أدوار فعالة في بعض الهجرات الجماهيرية الشرعية أو الغير شرعية المسببة للفوضى السياسية، وحوادث الحدود والحروب. لو استمرت الضغوط السكانية المتزايدة الحالية قد يكون لها في قطع محتمل للعلاقات الخارجية المستقبلية.

ربما يكن الأكثر أهمية ان في العقد الماضي العوامل السكانية أثرت بشدة أكبر عما سبق على توافر الأرض الزراعية والموارد والتصنيع والفساد والبيئة. كل ذلك حدث في وقت عندما أنشأت الاتصالات الدولية توقعات متصاعدة أُحبطت بالتنمية البطيئة وعدم عدالة التوزيع.

بما أن العوامل السكانية تعمل مع عوامل أخرى وتعمل من خلال روابط متداخلة، فإن البحث المتعلق بتأثيراتها ذات الطبيعة السياسية صعب. لكن هذا لا يعني أن السببية غير موجودة. ولكن يعني فقط أن قرارات السياسة الأمريكية يجب أن تأخذ في حسبانها السمة المبرمجة والأقل دقة لمعرفتنا بهذه الروابط.

بالرغم من صعوبة تصور الفرضيات العامة، الا ان بعضها يبدو محتملاً بشكل معقول.

  1. الزيادة السكانية والموارد الغير كافية. عندما يكون حجم السكان أكبر من الموارد المُتاحة، او يزيد بسرعة أكبر من الموارد المتاحة، تكون هناك نزعة تجاه الفوضى الداخلية والعنف وأحياناً سياسات دولية أو عنف مدمر. كلما زادت معدلات الزيادة السكانية، يزيد بروز عامل الزيادة السكانية.  الاكتظاظ المتزايد سواء كان حقيقياً أو خيالياً يبدو أنه يولد تلك النزعات، خاصة لو بدا أنه يعوق الحصول على أهداف وطنية أو شخصية مرغوب فيها.
  2. أعداد سكان بها نسبة عالية من الزيادة. الشباب، الذين تكون نسبتهم أعلى في كثير من الدول المنخفضة النماء، من المحتمل أن يكونوا أكثر تقلباً، عدم استقرار، عرضة للتطرف، والعزلة والعنف من السكان الأكبر سناً. هؤلاء الشباب لديهم استعداد أكبر للاقتناع بمهاجمة المؤسسات الشرعية للحكومة أو الأملاك الثابتة للمؤسسة، الامبرياليين والشركات المتعددة الجنسيات أو أهداف وتأثيرات أخرى – عادة أجنبية – موجه لها اللوم على مشاكلهم.
  3. العوامل السكانية مع الانشقاقات الاجتماعية. عندما تتزامن العوامل السكانية المعاكسة مثل الزيادة والحركة والكثافة والفائض أو الضغط مع انشقاقات اجتماعية أخرى مثل العنصرية والدين واللون واللغة والثقافة أو غيرها، ستتطور أكثر الأوضاع المحتملة انفجارا للفوضى الداخلية، ربما مع عوامل خارجية. عندما تتواجد هذه العوامل سوياً مع حقيقة أو إحساس بالحرمان النسبي بين المجموعات المختلفة داخل نفس الدولة أو على علاقة بدول أو شعوب أخرى، يزيد احتمال العنف بدرجة كبيرة.
  4. التحركات السكانية والهجرات الدولية. التحركات السكانية داخل الدول لها دور كبير في الفوضى والاخلال بالنظام. الهجرات الى الدول المجاورة (خاصة الدول الأغنى أو الأكثر استقراراً)، سواء كانت شرعية أو غير شرعية، يمكن أن تثير ردود أفعال سياسية أو قوة.

قد تكون هناك نزعات متزايدة للعنف ناشئة ببساطة من التطورات التكنولوجية التي تجعلها اسهل –مثلاً انتشار السلاح دولياً او الوصول الأكثر سهولة من مجموعات تحت-وطنية لأسلحة نووية ومميتة. هذه الإمكانيات تجعل العوامل السكانية المدمرة التي تم مناقشتها سابقاً أكثر خطورة.

بعض آثار الضغوط السكانية الحالية

في الستينات والسبعينات، كانت هناك سلاسل من حلقات العوامل السكانية فيها كانت لها دوراً – مباشر أو غير مباشر – أثر في دول لنا مصالح فيها. حرب السلفادور هندوراس مثال على ذلك، كانت الحرب عام 1969م بين السلفادور وهندوراس. أُطلق عليها “حرب كرة القدم”، اشتعلت بسبب شغب أثناء مباراة كرة قدم، سببها الكامن كان التوتر الناتج من الهجرة الواسعة النطاق للسلفادوريين من بلدهم المكتظ بالسكان المتزايدين بسرعة الى المناطق الغير مأهولة نسبياً في هندوراس. الهندوراسيون استاءوا من وجود المهاجرين وبدأوا في 1969م في فرض قانون ايجار أراضي قائم بالفعل لطردهم. السلفادور غضبت من المعاملة التي عومل بها مواطنوها. الانفعالات المشتعلة من كلا الجانبين بسبب هذا الموضوع أوجدت وضعاً أدى في النهاية إلى صدام عسكري.

نيجيريا. الحرب المدنية النيجيرية أخرت بدرجة كبيرة تقدم أكبر دولة افريقية مكتظة بالسكان وتسببت في تداعيات وضغوط في الولايات المتحدة. كانت في الأساس موضوع علاقات قبلية. مضايقات بين القبائل جزئياً بسبب الاعداد المتزايدة بسرعة من الناس، في وضع من الفرص الغير كافية لكثير منهم، ضخمت القضايا القبلية وقد تكون ساعدت على التعجيل بالحرب. هجرة قبائل آيبوس من شرق نيجيريا، بحثاً عن وظيفة، أدى إلى تنافس مع الشعوب المحلية لقبائل أخرى وساهم في شغب قبلي. هذا الوضع الغير مستقر ازداد حدة لأن في تعداد سكان عام 1963م تم تزوير الأرقام لتضخيم سكان الإقليم الغربي وبالتالي تمثيله في الحكومة الفدرالية. الآيبوس في الإقليم الشرقي والذين لديهم موارد البترول في البلد، شعروا أن مواردهم سوف تؤخذ بطريقة جائرة وحاولوا ترسيخ استقلالهم.

باكستان-الهند-بنجلاديش 1940-71م. هذا الصراع الديني القومي يحتوي عدة نقاط حيث العامل السكاني في وقت حرج قد يكون له تأثير سببي في تحويل الاحداث بعيداً عن الحلول السلمية الى العنف. الحكومة المركزية في باكستان الغربية لجأت إلى القمع العسكري للجناح الشرقي بعد الانتخابات التي حققت فيها رابطة عوامي[2] نصراً كاسحاً في باكستان الشرقية. هذه الانتخابات تبعت مجموعتين من الظروف. الأولى كانت استياء متزايد في باكستان الشرقية من المعدل البطيء للتقدم الاقتصادي والاجتماعي المتحقق والشعور البنغالي أن باكستان الغربية تتعامل بطريقة غير متكافئة وغير عادلة مع باكستان الشرقية في توزيع العوائد الوطنية. العامل السكاني الأول كان ال75 مليون بنغالي الذين يسعى ال45 مليون باكستاني غربي في الاستمرار في الهيمنة عليهم. بعض المراقبين يعتقدون أنه كعامل سكاني حديث المعدل السريع للزيادة السكانية في شرق باكستان قللت بدرجة كبيرة تحسين الدخل الفردي من العوائد المتاحة وساهم بدرجة كبيرة في الاستياء. جانب خاص من الانفجار السكاني في شرق باكستان (العامل السكاني الثاني) كان حقيقة أن الاحتلال الكثيف لكل الأراضي الزراعية الجيدة دفع مئات الآلاف من الناس إلى التحرك الى الأراضي المنخفضة الغير آمنة بوضوح على طول الساحل الجنوبي. وأصبحوا ضحايا للإعصار عام 1970م. مات عدد يُقدر ب30000. الحكومة كانت عاجزة عن التعامل مع كارثة أثرت في كثير من الناس. زعماء وشعب باكستان الشرقية تفاعل بقوة مع فشل الحكومة في توفير المساعدة.

بدا من المحتمل بقوة ان هذه الأوضاع التي لعبت فيها العوامل السكانية دوراً مهماً أدت إلى النصر الكاسح لرابطة عوامي الذي جعل الحكومة تلجأ إلى القوة في باكستان الشرقية مع المذابح والاغتصابات التي تبعت ذلك. خبراء آخرون يعتقدون أن آثار العاملين الأخيرين لهم تأثير هامشي في انتصار رابطة عوامي.

يبدو أيضاً من المحتمل أن كثير من العنف حفز عليه أو ضخمته الضغوط السكانية. مجموعتان من المسلمين كانتا تتنافسان على الوظائف والأراضي في شرق البنغال منذ تقسيم عام 1947م. البيهاريون[3]، أقلية صغيرة من المسلمين الغير بنغاليين اختارت التوطن في باكستان الشرفية في ذلك الوقت. اندماجها في المجتمع البنغالي كُبح بلا شك بسبب الظروف المعيشية المتدهورة للغالبية العظمى من البنغاليين. مع حملة الجيش الباكستاني في مارس 1971م، البيهاريون تعاونوا مع السلطات، وقيل انهم بذلك تمكنوا من تحسين ظروفهم الاقتصادية على حساب البنغاليين المضطهدين. عندما قُلبت الطاولات بعد الاستقلال، تم اضطهاد البيهاريين وتم الاستيلاء على أراضيهم ووظائفهم.

يبدو من المرجح أن كلا من انفجارات العنف هذه كانت بسبب او توسعت بفعل عامل الانفجار السكاني. العنف في باكستان الشرقية ضد البنغاليين وخاصة الأقلية الهندوسية التي تحملت العبء الأكبر لقمع الجيش أدى إلى العامل السكاني التالي، الهجرة الجماعية خلال عام واحد لتسعة أو عشرة ملايين لاجئ الى غرب البنغال في الهند. هذا وضع عبئاً هائلاً على الاقتصاد الهندي الضعيف بالفعل. كما قال قيادي هندي في برنامج تنظيم الأسرة، “تدفق تسعة ملايين فرد محا مدخرات تسعة مليون مولود تم تجنبهم على مدار 8 سنوات من برنامج تنظيم الأسرة”.

هناك عوامل أخرى في غزو الهند لشرق البنغال، ولكن من الممكن أن ضرورة إعادة هؤلاء التسعة أو عشرة ملايين لاجئ الى شرق البنغال – طردهم من الهند—قد تكون قد لعبت دوراً في قرار الغزو الهندي. من المؤكد بمعنى أوسع، أن التهديد المُشكل من عدم الاستقرار المتسع الخطير على الحدود الهندية الشرقية – عدم استقرار كانت العوامل السكانية سبب كامن كبير فيه – هو سبب رئيسي في القرار الهندي.

الترتيبات السياسية في شبه القارة تغيرت، ولكن كل العوامل السكانية الكامنة التي حفزت على الأفعال المأساوية التي وقعت في 1970 – 71م مازالت قائمة، بأبعاد أسوأ لتؤثر في أحداث مستقبلية.

توضيحات إضافية.

العوامل السكانية يبدو أيضاً أن لها علاقات سببية غير مباشرة، بدرجات مختلفة، على أعمال القتل في إندونيسيا في 1965 – 1966م، والمذبحة الطائفية في رواندا في 1961 – 1962م و 1963 -1964م وفي بورندي عام 1972م، وفي الانقلاب العسكري في أوغندا عام 1972م، وفي التمرد في سريلانكا عام 1971م. بعض الآثار المحتملة لضغوط السكان المستقبلية بين نهاية الحرب العالمية الثانية وعام 1975م سكان العالم زادوا مليار ونصف نسمة – تقريبا مليار منهم من 1960 حتى وقتنا الحاضر. معدل الزيادة يتزايد وسيتم إضافة ما بين مليارين ونصف الى ثلاثة مليارات ونصف نسمة حتى العام 2000م، جزئياً بناء على كفاءة برامج التحكم في الزيادة السكانية. هذه الزيادة في ال25 عام التالية سوف تتراكم هرمياً على العدد الكبير المضاف بهذه السرعة في ال25 عام الأخيرة. العوامل السكانية التي ساهمت في الضغوط السياسية وفي عد الاستقرار في العقود الأخيرة سوف تتضاعف.

جمهورية الصين الشعبية PRC – حكومة الصين الشعبية بذلت مجهوداً كبيراً لإطعام سكانها المتزايدين. الأراضي الزراعية والتي تبلغ مساحتها 107 مليون هكتار (الهكتار 10000 م2)، لم تزيد بشكل كبير على مدار ال25 عام الماضية، بالرغم أن مخرجات المزارع احتفظت بدرجة كبيرة بخطوتها مع الزيادة السكانية من خلال محاصيل محسنة مؤمنة بتحسين الأراضي، وتمديد الري، والزراعة المكثفة والتوسع السريع في استخدام المخصبات.

في عام 1973م تبنت الصين الشعبية إجراءات جديدة إجبارية للتحكم في السكان. في المناطق الحضرية أعلنت بكين عن إجراءاتها للتحكم في المواليد التي وفرت اسرة بها طفلين وزيادة سكانية 1%، واقترحت مد هذا التطوير الى المناطق الريفية عام 1980م الآثار السياسية للزيادة السكانية المستقبلية في الصين مهمة بوضوح ولكن لن يتم تناولها هنا.

إسرائيل والدول العربية.

لو تم التوصل إلى اتفاقية سلام، القضية المحورية ستكون كيف جعلها باقية. مصر بها اليوم 37 مليون نسمة مع زيادة سكانية 2.8% سنوياً. سوف تقترب من 48 مليون عام 1985م، و75 مليون عام 1995م وأكثر من 85 مليون عام 2000م من المشكوك فيه أن يتجاوز التقدم الاقتصادي المصري بدرجة كبيرة زيادتها السكانية. مع إسرائيل اليوم عدد سكانها 3.3 مليون نسمة، التفاوت بين عدد سكانها وعدد سكان الدول العربية سيتزايد بسرعة. داخل إسرائيل، إن لم تستمر الهجرة اليهودية، الفجوة بين حجم السكان العرب والسكان اليهود ستقل. جنباً إلى جنب مع العداوات التقليدية – التي ستبقى المحددات الرئيسية للصراع العربي الإسرائيلي – هذه العوامل السكانية تنذر احتمالات السلام ومصالح أمريكا في المنطقة بالسوء. 

الهند – بنغلاديش.

شبه القارة سيبقى لسنوات البؤرة الرئيسية لمخاوف العالم من الزيادة السكانية. سكان الهند الآن 580 مليون تقريباً، ويزيدون مليوناً كل شهر. سفارة نيو دلهي (نيو دلهي 2115، يونيو 1974م) قالت:

“لا يبدو أن هناك طريقة لإيقاف الصنبور عن بلوغ الهند مليار نسمة، مما يعني أن الهند يجب أن تستمر في كارثة اقتصادية واجتماعية. ليس من الواضح كيف يمكن لاقتصاد الهند المتزعزع والبطيء النمو تحمل النفقات الهائلة على الصحة والإسكان والتوظيف والتعليم والتي يجب إنفاقها حتى لو حافظ المجتمع على مستوياته المنخفضة الحالية (من الزيادة السكانية)”

معدلات الوفيات زادت مؤخراً في أجزاء من الهند وأحداث مثل وباء الجدري المؤخر قادت سفارة نيو دلهي إلى إضافة ما يلي:

“فشل مستقبلي في محصول غذاء الهند سيتسبب في موت ومعاناة على نطاق واسع قد لا يمكن التغلب عليه من حكومة الهند أو المساعدات الخارجية. ارتفاع معدل الوفيات في عدة مناطق ريفية يبين ان الضغوط المالتوسية محسوسة بالفعل”

وقالت ايضاً:

“يجب توقع الاضطرابات السياسية المتزايدة في المستقبل، والتي تغذيها ضغوط زيادة السكان في المناطق الحضرية، والنقص في الغذاء، والندرة المتزايدة للسلع المنزلية. حكومة الهند لم تكن ناجحة بشدة في تخفيف البطالة في المدن. الاضطرابات المؤخرة في جوجارات وبيهار يبدو أنه فقط بداية لفوضى سياسية مزمنة وخطيرة ستحدث في كل الهند”

قد يكون هناك اضعاف ومن المحتمل انهيار لتحكم الحكومة المركزية في بعض الولايات والمناطق. النظام الديمقراطي سوف يحدد وقد يكون في خطر افساح الطريق لتشكيل ديكتاتورية، حميدة أو غير ذلك. وجود الهند كدعامة ديمقراطية في آسيا سوف يكون مهدداً.

بنغلاديش.

مع الكثافة السكانية المرعبة، والزيادة السكانية السريعة، والفقر الواسع ستعاني أكثر. سكانها زادوا 40% منذ التعداد السكاني منذ 13 عام ويزداد السكان بمعدل 3% سنوياً. ال75 مليون الحاليين ان لم يُقللوا بمجاعة أو بمرض أو تحكم شامل في المواليد سيتضاعفون في 23 عام ويتجاوزوا 170 مليون في عام 2000م.

الاحتياجات الى الطعام والضروريات الأساسية الأخرى للمعيشة تزداد بمعدل أسرع مما يمكن أن تقدمه الموارد والأنظمة الإدارية. في المناطق الريفية، حجم المزرعة المتوسطة انخفض وهناك عدد متزايد من الذين لا يملكون أراضي. المزيد من الناس يهاجرون الى مناطق حضرية. الحكومة اعترفت بان معدل البطالة والبطالة المقنعة 30%. سفارة دكا كتبت تقريراً (دكا 3424، 19 يونيو 1974م) بأن هناك أسباب سكانية-اقتصادية مهمة لعدم امتلاك الأراضي الذي يتزايد بسرعة ويساهم في جرائم قتل عنيفة وسرقات مسلحة ترهب المواطن العادي.

“بعض من الجيش الكبير من العاطلين والذين لا يمتلكون أراضي، وهؤلاء الذين جُلدوا بسياط التكاليف المتصاعدة للسلع الأساسية تحولوا بلا شك الى الجريمة”

هذه الفقرات من تقرير سفارة دكا ترسم بحدة التأثير الذي نتوقعه على المصالح السياسية الأمريكية من العوامل السكانية في بنغلاديش وبلاد أخرى التي لو لم تتغير الاتجاهات الحالية ستكون في ظروف مماثلة لبنغلاديش في سنوات فليلة فقط.

عدة نتائج محتملة تقلق الولايات المتحدة مع ازدياد الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي سوءاً في العقود القادمة.

الحكومة البنغالية المصابة بالفعل بعقلية الأزمة التي ينظرون من خلالها الى الدول الأجنبية الغنية لدعم اقتصادهم المترنح، ستستمر في تصعيد مطالبها للولايات المتحدة سواء ثنائياً أو دولياً لتوسيع مساعدتها، في كل من السلع والتمويل. بنغلاديش الآن مؤيد قوي الى حد ما لمواقف العالم الثالث، تناصر التوزيع الأفضل لثروة العالم وتنازلات تجارية واسعة للدول الفقيرة. مع تزايد مشاكلها ومع فشل قدرتها على اكتساب مساعدات تمكنها من الاستمرار في السير، مواقف بنغلاديش في المواضيع الدولية من المحتمل أن تصبح متطرفة، لا محالة متعارضة مع مصالح الولايات المتحدة في قضايا كبيرة وهي تحاول ان تصف نفسها مع آخرين لدفع وفرض تقديم مساعدات كافية لها.

“مصالح الولايات المتحدة في بنغلاديش تتركز على تطوير بلد مستقر اقتصادياً وسياسياً لن يهدد استقرار جيرانه في شبه القارة ولن يدعو الى تدخل قوى خارجية. بنغلاديش المحاطة من ثلاثة اتجاهات من الهند وتتقاسم حدود قصيرة مع بورما، لو سقطت في فوضى، فستهدد استقرار تلك الدول ايضاً. البنغاليون يهاجرون بالفعل بطريقة غير شرعية الى المقاطعات الحدودية في آسام وتريبورا، المناطق الحساسة سياسياً في الهند، والى بورما المجاورة. لو أن الهجرة البنغالية الموسعة والانهيار الاجتماعي السياسي في بنغلاديش هددوا استقرار الهند فستضطر الى التفكير في التدخل، بالرغم انه من الصعب رؤية الطريقة التي سيتعامل بها الهنود مع الوضع.

بنغلاديش حالة دراسة لآثار الموارد القليلة والاكتظاظ بالسكان ليس فقط على الاستقرار الوطني والإقليمي ولكن ايضاً على مستقبل نظام العالم. بمعنى أنه لو أننا نحن وعناصر غنية أخرى في المجتمع العالمي لم نواجه اختبار صياغة سياسة لمساعدة بنغلاديش على اليقظة من كابوسها الاقتصادي والديموغرافي، فلن نكون مستعدين في العقود المستقبلية للتعامل مع نتائج مشاكل مماثلة في بلدان أخرى لها آثار سياسية واقتصادية أكثر بكثير على مصالح الولايات المتحدة”

أفريقيا – دول الساحل.

المأساة الحالية لدول الساحل، التي كانت المساعدات الأمريكية في السنوات الماضية قليلة، فجأة كلفتنا مجهوداً كبيراً في امدادات الطعام في وقت نحن مضغوطين فيه بقوة لإمداد دول أخرى، وأسعار الغذاء المحلي تسبب تداعيات سياسية قوية في الولايات المتحدة. التكاليف بالنسبة لنا وللدول المانحة الأخرى للمساعدة على استعادة الأراضي المدمرة ستكون مئات الملايين. لكن القليل من الاهتمام يوجه الى حقيقة أنه حتى قبل التأثير العكسي للجفاف المستمر، كانت الزيادة السكانية والهجرة الإضافية للرعاة الى حافة الصحراء هي التي أدت إلى قطع الأشجار وجز العشب، مما جعل الصحراء تتقدم الى الأمام.  التحكم في الزيادة السكانية والهجرة يجب أن يكون جزءاً من أي برنامج لتحسين القيمة الدائمة lasting value.

بنما

المشكلة المزعجة المتعلقة بالسلطان القضائي على منطقة القناة ناتج في الأساس من الشعور البنمي بالفخر الوطني والرغبة في تحقيق السيادة على كامل أراضيها. اتفاق بنمي في متابعة اهداف معاهدتها هو ان السيطرة الامريكية على منطقة القناة تمنع التوسع الطبيعي لمدينة بنما، توسع مطلوب نتيجة للضغوط الديموغرافية. في عام 1908م، في وقت انشاء القناة، عدد سكان المنطقة كان حوالي 40000 نسمة. اليوم يقترب من نفس الرقم حوالي 45000 نسمة. من جانب آخر، مدينة بنما التي كان بها 20000 نسمة عام 1908 م، استقبلت هجرة متزايدة من المناطق الريفية والآن بها أكثر من 500000 نسمة. معاهدة جديدة قد تعطي بنما سلطان قضائي على الأرض الآن في المنطقة ستساعد في المشكلة الناتجة من نمو مدينة بنما.

المكسيك والولايات المتحدة.

الأقرب الى الوطن، الزيادة السكانية المشتركة للمكسيك وجنوب غرب الولايات المتحدة تنذر بصعوبات كبرى في المستقبل. عدد السكان في المكسيك يتزايد بنسبة 3.5% سنوياً وسيتضاعف في 20 عام في زيادات مصاحبة في الطلب على الطعام، والإسكان والتعليم والتوظيف. في عام 1995م، ال 57 مليون فرد الحاليين سيزيدون الى 115 مليون ومالم يحقق برنامجهم الحالي لتنظيم الأسرة نجاحاً كبيراً، فستتجاوز المكسيك 130 مليون نسمة عام 2000م. الأكثر أهمية، هو أن أعداد الشباب الداخلين في سوق العمل كل سنة سوف تزيد بسرعة أكبر. هذه الأعداد المتزايدة سوف تزيد الضغط على الهجرة الغير شرعية الى الولايات المتحدة، وتحول القضية الى مصدر أكثر خطورة للاحتكاك في علاقاتنا السياسية مع المكسيك.

من جانبنا، مكتب إحصاء السكان يقدر أنه مع تزايد انتقال الأمريكيين الى الولايات الجنوبية الغربية عدد السكان الحالي والذي هو 40000000 نسمة سيقترب من 61000000 نسمة عام 1995م. الاستخدام المحلي لمياه نهر كولورادو[4] سيزيد مرة أخرى مستوى الملوحة في المكسيك ويعيد فتح هذه القضية السياسية.

السفارة الامريكية في مدينة مكسيكو (مكسيكو 4953، 14 يونيو 1974م) أجملت آثار العوامل السكانية على المصالح الأمريكية كما يلي:

“الاستمرار الغير محدد للزيادة السكانية المرتفعة في المكسيك ستعمل بتزايد كفرامل للتحسينات الاقتصادية والاجتماعية. العواقب ستكون ملحوظة بطرق مختلفة. المكسيك من الممكن أن تتخذ مواقف أكثر راديكالية في الساحة السياسية. الهجرة الغير شرعية الى الولايات المتحدة قد تزيد. في بلد البطالة والبطالة المقنعة مرتفعة بالفعل، دخول أعداد متزايدة في قوة العمل ستزيد فقط من الضغط للبحث عن عمل في الولايات المتحدة بأي طريقة ممكنة. وهي نتيجة أخرى ستزيد من الطلب على واردات الطعام من الولايات المتحدة خاصة لو استمر نمو الإنتاج الزراعي في التأخر وراء معدل الزيادة السكانية. في النهاية لا يمكن صرف النظر عن شبح عدم الاستقرار المحلي المستقبلي كنتيجة على المدى البعيد لو تداعى الاقتصاد الغير قوي”

مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية[5]، والجمعية العامة للأمم المتحدة [6]الخاصة، والأمم المتحدة[7].

الدول النامية بعد عدة سنوات من المناورات الغير منظمة والهجمات الشاردة شكلت الآن تجمعات محكمة في اللجنة الخاصة لتعاون أمريكا اللاتينية  the Special Committee for Latin American Coordination ، ومنظمة الدول الأفريقية the Organization of African States ، ومجموعة السبعة وسبعين[8] the Seventy-Seven. كما هو موضح في إعلان سانتياغو والمؤتمر العام الخاص المؤخر، هذه التجمعات تبدو أحياناً أنها تعكس رغبة عامة لإطلاق هجمات اقتصادية ضد الولايات المتحدة وبدرجة أقل على الدول الأوروبية المتقدمة. عامل مشترك فيها كلها، يؤخر نموها، ويثقل العبء على رصيدها من العملات الأجنبية، ويعرضها للأسعار العالمية للطعام والمخصبات وضرورات الحياة ويدفعها الى علاقات تجارية غير مفيدة هو نموها السكاني السريع الى حد بعيد. حتى تكون قادرة على التغلب على هذه المشكلة، من المحتمل أن مظاهر عدائها للولايات المتحدة في كيانات دولية ستزيد.

عوامل عالمية

في الدول الصناعية، الزيادة السكانية رفعت الطلب على المخرجات الصناعية. هذا مع مرور الوقت يميل الى استنزاف مصادر المواد الخام الوطنية ويدعو بتزايد الى مصادر ذات ربحية هامشية وإمدادات أجنبية. للحصول على مواد خام، تسعى الدول الصناعية الى تحديد وتطوير مصادر خارجية للإمداد. احتمال اصطدام المصالح بين الدول النامية واضح وبدأ بالفعل. وهو مرئي ومزعج في مطالب بالمياه الإقليمية والسيادة الوطنية على المصادر المعدنية. قد يصبح حاداً في التنافس على استكشاف واستغلال مصادر قاع المحيط.

في الدول النامية، عبء العوامل السكانية مضافاً إلى أعباء أخرى، سيضعف الحكومات الغير مستقرة، التي تكون عادة تكون فعالة بشكل هامشي في أوقات السراء، وسيفتح الطريق أمام الحكومات المتطرفة.

الدول التي تعاني تحت هذه الأعباء ستكون أكثر عرضة للتحول الى التطرف. قابليتها للإصابة ستدعو الى التدخل الأجنبي من دول أقوى تميل إلى اكتساب امتيازات سياسية واقتصادية.

التوترات بين الكيانات التي ليست دول Have-not nations  من المحتمل أن تزداد حدة، والصراعات بينهم وبين الدول قد تتصاعد.

التجربة الماضية توفر القليل من المساعدة في التنبؤ بتلك التطورات لأن سرعة الزيادة السكانية اليوم، والهجرات والتحضر تتجاوز أي شيء شاهده العالم من قبل. كما أن، نتائج العوامل السكانية هذه لم يعد من الممكن تجنبها بالانتقال الى أراضي صيد أو مراعي جديدة ، وبانتزاع أراضي جديدة، وباكتشاف أو استعمار قارات جديدة، أو بالهجرة بأعداد كبيرة.

العالم به انذار مبكر بأننا كلنا يجب أن نبذل جهود أكثر سرعة في النمو الاجتماعي والاقتصادي لتجنب أو تخفيف هذه الأفاق القاتمة. يجب أن نُحذر أيضاً من أننا كلنا يجب أن نتحرك بأسرع ما يمكن في اتجاه تثبيت الزيادة السكانية الوطنية والعالمية.

الملحوظات

[1] Choucri, Nazli, Professor of Political Science, M.I.T. – “Population Dynamics and Local Conflict; A Cross-National Study of Population and War, A Summary,” June 1974.

[2] https://en.wikipedia.org/wiki/Bangladesh_Awami_League

[3] https://en.wikipedia.org/wiki/Biharis

[4] https://www.doi.gov/water/owdi.cr.drought/en/#Introduction, https://en.wikipedia.org/wiki/Colorado_River, https://en.wikipedia.org/wiki/Colorado_River_(Texas)

[5] https://en.wikipedia.org/wiki/United_Nations_Conference_on_Trade_and_Development

[6] https://en.wikipedia.org/wiki/United_Nations_General_Assembly

[7] https://en.wikipedia.org/wiki/United_Nations

[8] https://en.wikipedia.org/wiki/Group_of_77

الإعلانات

اترك رد