1-02: مذكرة دراسة أمن وطني -200 -3

الفصل الثاني: السكان وامدادات الغذاء العالمية

الزيادة السكانية السريعة وإنتاج الغذاء المتراجع في الدول النامية، سوياً مع التدهور الحاد في وضع الغذاء العالمي في عامي 1972 و1973م، صعدوا مخاوف خطيرة حول قدرة العالم على إطعام نفسه بشكل كاف في الربع قرن القادم وما بعده.

نتيجة للزيادة السكانية، ولدرجة ما أيضاً زيادة الترف، الطلب على الغذاء العالمي زاد بنسب غير مسبوقة. في عام 1900م، الزيادة السنوية في الطلب العالمي للحبوب كان حوالي 4 مليون طن. في عام 1950م، زادت الى 12 مليون طن في العام. في عام 1970م، الزيادة السنوية في الطلب كانت 30 مليون طن (على أساس أكبر من 1200 مليون طن). هذا يكافئ تقريباً محصول القمح السنوي لكندا وأستراليا والأرجنتين مجتمعين.  الزيادة السنوية في الطلب على الغذاء تتكون من 2% زيادة سنوية في عدد السكان و 0.5% زيادة في الطلب من نصيب الفرد. جزء من الزيادة في الطلب من نصيب الفرد يعكس تحسين في وجبات بعض شعوب الدول النامية. في الدول الأقل نماء حوالي 400 رطل من الحبوب متاحين للفرد في السنة وتؤكل غالباً كحبوب. لكن، الأمريكي الشمالي المتوسط، يستخدم تقريباً طن من الحبوب في السنة، فقط 200 رطل بشكل مباشر والباقي على هيئة لحم، لبن وبيض والتي يتطلب انتاج رطل من الإنتاج الحيواني منها الى عدة أرطال من الحبوب (مثلاً خمسة أرطال من الحبوب لإنتاج رطل واحد من الابقار). خلال العقدين السابقين، الدول الأقل نماء تمكنت من الاحتفاظ بإنتاج الغذاء أعلى من عدد السكان، بالرغم من معدلات الزيادة السكانية المرتفعة الغير مسبوقة. الأرقام الأساسية مجملة في الجدول التالي [محسوبة من بيانات من وضع الزراعة العالمي في وزارة الزراعة الامريكية، مارس 1974م]

1-02-03

من الملاحظ ان المكسب النسبي في الإنتاج الغذائي الإجمالي للدول المنخفضة النماء كبير بالنسبة للدول المتقدمة، ولكنه اقل بكثير بناء على نصيب الفرد بسبب الاختلاف الحاد في معدلات الزيادة السكانية. كما أن، داخل مجموعة الدول المنخفضة النماء هناك 24 دولة (من بينها أندونيسيا، ونيجيريا، الفلبين، وزائير والجزائر، وغيانا والعراق وشيلي) تتجاوز فيها نسبة الزيادة السكانية نسبة الزيادة في الإنتاج الغذائي؛ وهناك مجموعة مزدحمة بالسكان (من بينها الهند وباكستان وبنغلاديش) والتي تتجاوز فيها بالكاد نسبة الزيادة في الغذاء نسبة الزيادة السكانية ولكنها لا تتماشى مع الزيادة في الطلب المحلي. [مؤتمر الغذاء العالمي، التقييم الأساسي، 8 مايو 1974؛ U.N.  Document E/CONF. 65/PREP/6, p. 33. ]. المتطلبات العامة تم توقعها للأعوام 1985 و2000 بناء على تقديرات الأمم المتحدة المتغيرة الوسيطة للسكان وتسمح لتحسين ضئيل في الوجبات في الدول المنخفضة النماء.

توقع حديث من وزارة الزراعة يشير الى قدرة إنتاجية محتملة أكثر من كافية للوفاء باحتياجات العالم من الحبوب (الغذاء الأساسي للعالم) لعدد سكان 6.4 مليار نسمة في العام 2000م (متغير الخصوبة الوسيط medium fertility variant) بالأسعار النسبية الحالية تقريباً.

الصورة الكلية تعطي سبب صغير للرضا عند تقسيمه على الأقاليم الجغرافية. لدعم فقط تحسين شديد التواضع في مستويات استهلاك الحبوب الحالي (من 177 كلجم للفرد في 1970م الى ما بين 200 – 206 كجم عام 2000م) التوقعات تبين زيادة مقلقة في اعتماد الدول المنخفضة النماء على الواردات. هذه الواردات متوقع أن ترتفع من 21.4 مليون طن عام 1970م الى ما بين 102 – 122 مليون طن في نهاية القرن. واردات الحبوب ستزيد ما بين 13 – 15 % من استهلاك الدول النامية مقابل 8% عام 1970م. كمجموعة، الدول المتقدمة لا يمكنها فقط سد احتياجاتها ولكن ستنتج ايضاً فائضاً كبيراً. بالنسبة للدول المنخفضة النماء، تحليلات قدرة انتاج الغذاء تتنبأ بإمكانية مادية لسد احتياجاتهم، بشرط أن تكون:

  1. الظروف الجوية طبيعية
  2. المحاصيل بوحدة المساحة تستمر في التحسن بنفس معدلات العقد الماضي، مما يجعل المتوسط في 1985م قريب من المحاصيل الحالية في الدول المتقدمة
  3. تحويل سنوي كبير من الحبوب يمكن ترتيبه من فوائض الدول (شمال أمريكا أساساً)، سواء بالبيع التجاري او من خلال مساعدات الغذاء المستمرة المتزايدة.

 تقييم قدرة الإنتاج لا تعتمد على تقدم تقني جديد كبير في وسائل إنتاج الغذاء، ولكنها تحتاج وجود ووضع كميات متزايدة من المخصبات والمبيدات الحشرية ومياه الري، ومدخلات أخرى للزراعة الحديثة، مع التقدم التكنولوجي المستمر بمعدلات الماضي والإصلاحات المؤسسية والإدارية (بما في ذلك خدمات البحوث والإرشاد المتوسعة) الضرورية للتطبيق الناجح لهذه المدخلات. وهي تفترض أيضاً ظروف جوية طبيعية. إرادة سياسية حقيقية مطلوبة في الدول المنخفضة النماء لإعطاء الأولوية الضرورية لإنتاج الغذاء.

هناك شك كبير ان كانت شروط تحقيق توازن غذاء في الدول المنخفضة النماء يمكن تحقيقها في الحقيقة. التغييرات الجوية يُساء فهمها، ولكن اتجاه مستمر لتبريد الغلاف الجوي قائم. رأي علمي محترم يعتقد أن ذلك ينبئ بفترة من صقيع سنوي أكثر اتساعاً، ومن المحتمل انخفاض في الامطار طويل المدى في المناطق الموسمية في آسيا وأفريقيا.

المخصب النيتروجيني سيكون به نقص عالمي في أواخر السبعينات، على الأقل؛ بسبب أسعار الطاقة المرتفعة، قد يكون ايضاً أكثر تكلفة من حيث القيمة الحقيقية عن الستينات.

الاستثمارات الرأسمالية في الري والبنية التحتية والمتطلبات التنظيمية لتأمين تحسينات مستمرة في محاصيل زراعية قد تكون أعلى من قدرة الكثير من البلدان المنخفضة النماء المالية والإدارية. لبعض المناطق الواقعة تحت ضغط سكاني كثيف، هناك امال صغيرة أو لا آمال في عائدات نقد أجنبي صغيرة لتغطية واردات الغذاء المستمرة التزايد.

بينما من عدم الحكمة دائماً اسقاط الماضي الحديث على مستقبل طويل المدى، إلا أن تجربة 1972 – 1973   شديدة الواقعية.  تزامن الجو المعاكس في الكثير من الأقاليم عام 1972م أعاد نصيب الفرد من الإنتاج في الدول المنخفضة النماء الى مستوى أوائل الستينات. في نفس الوقت، مخزونات الطعام العالمية (أمريكية في الأساس) استُنزفت تقريباً، ولم يُعاد بنائها خلال سنة الإنتاج العالي عام 1973م.

تكرار تحت هذه الظروف المماثلة لنمط 1972م سوف ينتج عنه مجاعة واسعة النطاق من نوع لم يتم المرور به منذ عدة عقود – نوع من المجاعات يظن العالم أنه مستبعد تماماً.

حتى لو تم تجنب مجاعة واسعة النطاق، أكثر التنبؤات تفاؤلاً لإمكانات الإنتاج الزراعي في أكثر الدول المنخفضة النماء سكاناً تظهر تحسن بسيط في المستويات الحالية الغير كافية وفي نوعية التغذية. وطالما أن الزيادة السكانية السنوية مستمرة عند معدل 2 أو 3% أو أكثر، يجب أن تجعل الدول المنخفضة النماء انتاج الغذاء الموسع على قمة أولويات التنمية، حتى لو كان سيمتص جزء كبير من رأس المال المتاح والعملة الأجنبية.

تخفيف معدلات التنمية السكانية في الدول المنخفضة النماء يمكن ان يصنع بعض التغيير في احتياجات الغذاء عام 1985م، واختلاف كبير في عام 2000م، واختلاف هائل في الجزء الأول من القرن القادم. من وجهة نظر المصالح الأمريكية، هذه التخفيضات في احتياجات الطعام في الدول المنخفضة النماء ستكون مفيدة بوضوح.  هذه التخفيضات لن تخفض الأسواق الأمريكية التجارية للطعام بما أن الانخفاض في احتياجات الطعام التي يمكن أن تنتج من إبطاء الزيادة السكانية في الدول المنخفضة النماء يمكن أن تؤثر فقط في طلبات القروض أو منح مساعدات غذائية، وليس في المبيعات التجارية. ستحسن من احتمالات الحفاظ على مخزونات طعام عالمية كافية ضد الطوارئ الناتجة من الطقس السيء. ستقلل من احتمال وقوع مجاعات دورية في إقليم بعد إقليم، مصحوبة بأعمال شغب وزعزعة سياسية واجتماعية مزمنة بسبب الطعام. ستحسن من إمكانيات تنمية طويلة المدى والاندماج في نظام عالمي مسالم.

حتى بأخذ أكثر الآراء تفاؤلاً بالإمكانات النظرية بإنتاج غذاء كاف في البلاد المتقدمة لسد احتياجات الدول النامية، مشكلة التكاليف المتزايدة للدول الأقل نماء هي بالفعل شديدة الخطورة ومستقبلها قد يكون غير ممكن التغلب عليها. بالأسعار الحالية احتياجات الواردات المتوقعة ب102-122 مليون طن في عام 2000م قد ترفع تكلفة واردات الدول النامية من الحبوب الى 16-20.1 مليار دولار في ذلك العام[1] مقارنة ب2.5 مليار دولار عام 1970م. هذه التقديرات التي قد تبدو كبيرة لاحتياجات الواردات يمكن ان تكون على الجانب المنخفض لو عجزت الدول النامية عن تحقيق الزيادة المفترضة في معدل زيادة الانتاج من وزارة الزراعة.

الفاو في تقييمه المبدئي الحديث لوضع الغذاء العالمي الحاضر والمستقبلي توصل الى نتيجة مماثلة:

“ما هو مؤكد هو ضخامة فاتورة واردات الغذاء التي قد تواجهها الدول النامية… بالإضافة الى الحبوب الدول النامية… ستستورد كميات كبيرة من مواد غذائية أخرى، بوضوح تمويل تجارة الغذاء العالمي على هذا المقياس ستصعد مشاكل شديدة الخطورة.”

على الأقل ثلاثة أرباع من الزيادة المتوقعة في واردات الحبوب للدول النامية ستكون في الدول الأكثر فقراً في جنوب آسيا وشمال ووسط أفريقيا. الوضع في أمريكا اللاتينية والمتوقع ان تتحول من منطقة فائض متواضع الى منطقة عجز متواضع مختلف تماماً. غالبية هذا العجز ستكون في المكسيك وأمريكا الوسطى، مع دخل مرتفع نسبياً وروابط نقل الى الولايات المتحدة سهلة الاستغلال.

المشكلة في أمريكا اللاتينية، تبدو نسبياً أكثر سهولة.

لكن يبدو من المستبعد بدرجة كبيرة أن الدول الأكثر فقراً في آسيا وأفريقيا ستكون قادرة على تمويل تقريباً مستوى مثل مستوى متطلبات الواردات المتوقعة من وزارة الزراعة الامريكية  USDA. القليل منهم لديه قطاعات صناعية ديناميكية موجهة للتصدير مثل تايوان أو كوريا الجنوبية أو موارد غنية بالمواد الخام ستولد مكاسب تصدير سريعة بما يكفي لمواكبة احتياحات واردات الغذاء.

بالتالي هذه الدول التي بها جوع وسوء تغذية على نطاق واسع تواجه الاحتمال القاتم بالتحسين الضئيل إن وجد في مقادير الغذاء في السنوات القادمة قبل منع التمويل الاجنبي الكبير من برنامج مساعدات الغذاء الاجنبي، والتوسع السريع للإنتاج الغذائي المحلي، وزيادة سكانية مخفضة او أي دمج للعناصر الثلاثة. لكن الأسوأ، هو سلسلة من كوارث المحاصيل التي يمكن ان تحول بعضها الى حالات مالتوسية كلاسيكية[2] مع مجاعات تشمل ملايين الناس.

بينما من المحتمل أن تستمر المساعدات الخارجية في أن تسد الأوضاع الطارئة المتوسطة الأجل مثل خطر مجاعة ضخمة، الا أنه من المشكوك فيه بدرجة كبيرة إن كانت الدول المانحة ستكون مستعدة لتقديم نوع من المساعدات الغذائية الضخمة الناتجة من توقعات الواردات على أساس مستمر طويل المدى.

معدلات زيادة سكانية مخفضة يمكن بوضوح أن تجلب ارتياح كبير على المدى الطويل. بعض المحللين يقولون أن في الفترة بعد عام 1985م سيكون الانخفاض السريع في الخصوبة ضروري لتوفير وجبات كافية على مستوى العالم. لو أنه كما لوحظ من قبل، الخصوبة في الدول النامية أمكن تخفيضها الى مستوى الإحلال replacement level  في عام 2000م، فإن سكان العالم في ذلك العام سيكون عددهم 5.9 مليار أو 500 مليون أدنى المستوى الذي كان من الممكن بلوغه اذا تم اتباع التوقع المتوسط للأمم المتحدة. تقريباً كل الانخفاض سيكون في الدول الأقل نماء.

مع هذا الانخفاض فجوة الواردات المتوقعة ل102 – 122 مليون طن في العام يمكن استبعادها بينما سيكون هناك سماح لتحسين متواضع للاستهلاك الفردي. بينما هذا التخفيض السريع في معدلات الخصوبة في الثلاثين عام التالية هو هدف متفائل، يُعتقد من بعض الخبراء انه يمكن تحقيقه بجهود مكثفة لو فُهمت ضرورته من العالم والزعماء الوطنيين. حتى التخفيضات الأكثر تواضعاً يمكن أن يكون لها آثار كبيرة بحلول عام 2000م وآثار أكبر حتى مع مرور الزمن.

 البرامج المكثفة لزيادة الإنتاج الغذائي في الدول النامية أكثر من المستويات المفترضة في توقعات وزارة الزراعة الأمريكية ربما تقدم أفضل أمل في غوث مبكر معقول، بالرغم أن ذلك يشكل صعوبات تقنية وتنظيمية كبرى وسيتضمن تكاليف كبيرة. لكن يجب إدراك أن ذلك سيكون صعباً في كل البلاد وربما مستحيل في بعض أو كثير من البلاد. حتى مع إدخال مدخلات وتقنيات جديدة ليس من الممكن زيادة المخرجات الزراعية بأكثر من 3% في السنة في كثير من الدول النامية الأكثر فقراً. الزيادة السكانية في عدد من هذه الدول تتجاوز هذا المعدل.

برنامج زيادة الإنتاج الغذائي هذا سيتطلب الاستخدام الواسع لمجموعة من البذور المحسنة، والتطبيق المتزايد للمخصبات الكيماوية والمبيدات الحشرية على مناطق واسعة وإدارة مزارع أفضل على التوازي مع زراعة أراضي جديدة. على سبيل المثال هناك تقدير أنه مع تنوعات أفضل، وتحكم في الحشرات وتطبيق مخصبات على المقياس الياباني، محاصيل الأرز الهندي يمكن نظرياً على الأقل، أن ترتفع 2.5 مرة المستويات الحالية. هنا مرة أخرى مساعدات أجنبية كبيرة للمواد المستوردة قد تكون مطلوبة على الأقل في السنوات الأولى قبل أن يبدأ البرنامج في الرسوخ.

المشكلة واضحة. الحلول أو على الأقل التوجهات التي يجب أن نسير عليها للوصول إليها مُنفق عليها عامة. ما سيكون مطلوباً هو التزام حقيقي بمجموعة من السياسات التي ستقود المجتمع الدولي، سواء البلاد المتقدمة أو النامية، إلى تحقيق الأهداف المعروضة سابقاً.

الملحوظات

[1] At $160.00 per ton.

[2] https://en.wikipedia.org/wiki/Malthusian_catastrophe

الإعلانات

اترك رد