9-01: رقعة الشطرنج الكبيرة – الفصل السابع – 3

رقعة الشطرنج الكبيرة  THE GRAND CHESSROARD

الفصل السابع: الخاتمة  Conclusion

ما وراء آخر قوة فائقة عالمية Beyond the Last Global Superpower

على المدى الطويل، السياسات العالمية محكوم عليها بأن تصبح غير متوافقة بشكل متزايد مع تركيز سلطة الهيمنة في أيدي دولة وحيدة. ومن هنا أمريكا ليست فقط القوة العظمى العالمية الاولى والوحيدة ولكن من المحتمل أيضاً أن تكون الأخيرة.

هذا ليس فقط لأن الدول القومية nation-states  تصبح بالتدريج قابلة للاختراق بتزايد ولكن أيضاً لأن المعرفة والسلطة تصبح أكثر انتشاراً ، أكثر مشاركة وأقل تقيداً بالحدود القومية national boundaries. القوة الاقتصادية من المحتمل أيضاً أن تصبح أكثر تناثراً more dispersed. في السنوات القادمة، ولا قوة واحدة من المحتمل أن تبلغ مستوى الثلاثون في المائة من الناتج القومي الإجمالي للعالم الذي تمكنت أمريكا من الإبقاء عليها خلال الكثير من هذا القرن، غني عن الكلام الخمسون في المائة التي بلغتها عام 1945م.  بعض التقديرات تقترح أن في نهاية هذا العقد، أمريكا ستظل محتفظة بعشرين في المائة من الناتج القومي الإجمالي العالمي، وربما تنزل الى 10 – 15% عام 2020م. مع تصاعد نسب قوى أخرى مثل أوروبا والصين واليابان لأكثر أقل من المستوى الأمريكي. ولكن الاحتفاظ بالتفوق الاقتصادي العالمي من كيان واحد، على النحو الذي حققته أمريكا خلال هذا القرن، ليس محتملاً، وذلك من الواضح أنه له تداعيات عسكرية وسياسية بعيدة المدى.

كما أن الصفة الاستثنائية المتعددة القوميات للمجتمع الأمريكي جعلت من الاسهل على أمريكا أن تجعل هيمنتها عالمية بدون أن تتركها تظهر انها قومية متشددة. على سبيل المثال، مسعى من الصين وراء الصدارة العالمية سيُرى في نهاية المطاف من الآخرين كمحاولة لفرض هيمنة قومية. لتوضيح الامر ببساطة، أي أحد يمكن أن يصبح أمريكياً ولكن الصيني فقط يصبح صينياً – وهذا يضع حاجز إضافياً كبيراً في طريق أي هيمنة عالمية قومية الأساس  essentially national global hegemony.

وبالتالي أول ما تبتدئ الزعامة الأمريكية في الخفوت، ليس من المحتمل أن تتكرر الصدارة الأمريكية العالمية الحالية من أي دولة وحيدة. وهكذا، السؤال الرئيسي للمستقبل هو “ما الذي ستورثه أمريكا للعالم كميراث مستمر لتفوقها  enduring legacy of its primacy ؟”

الإجابة تعتمد جزئياً على طول مدة استمرار هذا التفوق وكيف تشكل أمريكا بفاعلية إطار لشراكات بين القوى الرئيسية يمكن على مر الزمان أن تزداد مأسسة بطريقة رسمية  formally institutionalized. في الحقيقة نافذة الفرصة التاريخية للاستغلال البناء الأمريكي America’s constructive exploitation لقوتها العالمية global power  يمكن أن يثبت قصرها النسبي، لأسباب محلية وخارجية. لم تبلغ ديمقراطية شعبية populist democracy حقيقية أبداً من قبل تفوق دولي international supremacy. السعي وراء السلطة وخاصة التكاليف الاقتصادية والتضحية البشرية التي تطلبها عادة ممارسة هذه السلطة ليست متوافقة عامة مع الفطرة الديمقراطية democratic instincts. التحول الديمقراطي معادي للتعبئة الإمبريالية Democratization is inimical to imperial mobilization.

فعليا، حالة عدم اليقين المهمة المتعلقة بالمستقبل قد تكون إذا ما كانت أمريكا قد تصبح أول قوة عظمى غير قادرة أو غير راغبة في السيطرة على قوتها. هل ستصبح قوة عالمية عاجزة؟ استطلاعات الرأي الشعبية تبين أن فقط أقلية صغيرة (13%) من الأمريكيين يفضلون الاقتراح القائل بأن الولايات المتحدة “بصفتها القوة العظمى الوحيدة الباقية، يجب أن تستمر في أن تكون زعيمة العالم المتفوقة في حل المشاكل الدولية”. الغالبية المكتسحة (74%) يفضلون أن أمريكا “تقوم بنصيبها العادل في الجهود الرامية لحل المشاكل الدولية مع دول أخرى[1]

كما أن، مع تزايد تحول المجتمع الأمريكي الى مجتمع متعدد الثقافات، قد يجد تشكيل إجماع حول قضايا السياسة الخارجية صعوبة أكثر، باستثناء حالات وجود تهديد خارجي مباشر هائل بشكل حقيقي ومنظور على نطاق واسع. مثل هذا الإجماع تواجد عامة في الحرب العالمية الثانية وحتى خلال الحرب الباردة. لكنه لم يتجذر فقط في القيم الديمقراطية المشتركة بعمق التي شعر الجمهور أنها مهددة، ولكن أيضاً في التقارب الثقافي والاثني مع الضحايا الأوروبيين في الغالب للأنظمة الشمولية المعادية hostile totalitarianisms.

في حالة غياب تحدي خارجي مشابه، المجتمع الأمريكي قد يجد صعوبة اكثر في الوصول لاتفاق متعلق بسياسات أجنبية لا يمكن ربطها مباشرة بالاعتقادات المحورية والمشاركات الوجدانية الثقافية الأثنية الواسعة والتي مازالت في حاجة إلى تدخلات إمبريالية مستمرة وأحياناً مكلفة.  لو كان هناك وجهتا نظر مختلفتين بشدة وتقفان على طرفي نقيض حول آثار النصر التاريخي الأمريكي في الحرب الباردة والتي من المحتمل ان تكونا أكثر جاذبية سياسية: فمن جانب، هناك وجهة النظر بأن نهاية الحرب الباردة تبرر إجراء تخفيض كبير في تدخلات أمريكا العالمية، بصرف النظر عن عواقب الموقف العالمي الأمريكي؛ ومن جانب آخر، الادراك بان الوقت قد حان لتعددية دولية حقيقية، والتي جب على أمريكا ان تتخلى لها عن بعض من سيادتها.  كلا النقيضين يدين لهما بالولاء جمهور ملتزم  committed constituencies.

بشكل أكثر عمومية، التغير الثقافي في أمريكا قد يكون غير متوافق مع الممارسة المستمرة في الخارج لسلطة إمبريالية حقيقية. هذه الممارسة تتطلب درجة عالية من الدوافع العقائدية، والالتزام الفكري، والإشباع الوطني. لكن الثقافة المهيمنة على البلد اصبحت مركزة بشكل متزايد على الرفاهية الجماهيريةmass entertainment ، التي يهيمن عليها بدرجة كبيرة مواضيع المتعة الشخصية والهروب الاجتماعي  personally hedonistic and socially escapist themes. التأثير التراكمي جعل من الصعوبة المتزايدة حشد وتعبئة الإجماع السياسي المطلوب لصالح الزعامة الامريكية في الخارج المستمرة والمكلفة أحياناً. وسائل الاتصال الجماهيري تلعب دور مهم بشكل خاص في هذا الشأن بتوليد اشمئزاز قوي ضد أي استخدام انتقائي للقوة يستوجب حتى ولو مستويات دنيا من الضحايا.

كما أن، كلاً من أمريكا وأوروبا الغربية يجدون من الصعوبة التعامل مع العواقب الثقافية لمذهب المتعة الاجتماعية social hedonism  والانحدار الدراماتيكي لمحورية القيم القائمة على الدين decline in the centrality of religious-based values  في المجتمع. (المتوازيات للانحدار في الأنظمة الإمبريالية التي تم إجمالها في الفصل الأول لافتة في هذا الصدد.) الأزمة الثقافية الناتجة يُضاف إليها انتشار المخدرات وارتباطها خاصة في أمريكا بالقضية العنصرية. أخيراً، معدل النمو الاقتصادي لم يعد قادراً على الحفاظ على التوقعات المادية المتنامية، والمحفزة بثقافة تضع أهمية قصوى على الاستهلاك. ليس من المبالغة التصريح بأن الشعور بالقلق التاريخي أو ربما حتى بالتشاؤم قد أصبح ملموساً في أكثر القطاعات وضوحاً في المجتمع الغربي.

 تقريباً منذ نصف قرن، مؤرخ مشهور هو هانز كوهن، بعد أن لاحظ التجربة المأساوية للحربين العالميتين والعواقب المنهكة للتحدي الشمولي totalitarian challenge، قلق من أن الغرب قد يكون قد أصبح “تعب ومستنزف”.  في الواقع خشي من أن:

“إنسان القرن العشرين أصبح أقل ثقة مما كان عليه سابقه في القرن التاسع عشر. شاهد قوى الظلام في تجربته الخاصة. أشياء بدا انها تنتمي إلى الماضي عادت للظهور: الايمان المتعصب fanatical faith ، القادة المعصومين infallible leaders ،  العبودية والمجازر slavery and massacres ، إستئصال شعوب بأكملها، القسوة والهمجية[2]

 انعدام الثقة هذا ازداد حدة بخيبة أمل واسعة مع الآثار الناجمة عن نهاية الحرب الباردة. بدلاً من “نظام عالمي جديد” قائم على الإجماع والتناسق: “أشياء بدا أنها تنتمي للماضي” أصبحت فجأة هي المستقبل. بالرغم أن الصراعات الأثنية القومية قد لا تفرض خطر حرب محورية بعد الآن، إلا أنها تهدد السلام في أجزاء مهمة من العالم. وهكذا، ليس من المتوقع أن تُلغى الحرب لبعض الوقت الآتي. مع الدول الموهوبة أكثر مقيدة بقدراتها التكنولوجية الأعلى على تدمير ذاتها وأيضاً مصالحها الذاتية، قد تصبح الحرب رفاهية يمكن فقط للشعوب الفقيرة تحملها. في المستقبل المنظور، ثلثي البشرية المفقرون impoverished  قد لا يكونوا مُحفزين بضبط المتميز privileged للنفس.

من الجدير بالملاحظة أيضاً أن الصراعات الدولية وأعمال الإرهاب حتى الآن تخلو من أي استخدام لأسلحة الدمار الشامل. الى متى سيظل هذا الضبط للنفس هذا لا يمكن التنبؤ به، ولكن المتاحية  availability المتزايدة ليس فقط للدول ولكن أيضاً للجماعات المنظمة، للوسائل التي يمكن أن توقع خسائر هائلة – من خلال استخدام أسلحة نووية أو جرثومية- تزيد أيضاً حتماً احتمال استخدامها.

باختصار، أمريكا بصفتها القوة الأولى في العالم تواجه نافذة ضيقة للفرصة التاريخية. اللحظة الحاضرة للسلام العالمي النسبي قد تكون قصيرة العمر. هذا الاحتمال يسلط الضوء على الحاجة الملحة لانخراط أمريكي في العالم مركز بتعمد على تحسين الاستقرار الجيوسياسي الدولي والقادر على إحياء الشعور بالتفاؤل التاريخي في الغرب. هذا التفاؤل يتطلب القدرة الواضحة على التعامل في وقت واحد مع التحديات الجيوسياسية الاجتماعية والخارجية.

ولكن، إعادة إشعال التفاؤل الغربي وعالمية القيم الغربية لا تعتمد حصرياً على أمريكا وأوروبا. اليابان والهند يبينان أن مفاهيم حقوق الإنسان ومحورية التجربة الديمقراطية يمكن أن تكون صالحة في الإعدادات الأسيوية أيضاً، في كل من الدول العالية النمو وفي التي مازالت تنمو فقط. النجاح الديمقراطي المتواصل في اليابان والهند بالتالي له أهمية هائلة في إدامة منظور أكثر ثقة فيما يتعلق بالتشكيل السياسي المستقبلي للعالم. فعلياً، تجربتهم، وكذلك تجربة كوريا الجنوبية وتايوان، تبين أن النمو الاقتصادي المتواصل للصين، المقترن بضغوط من الخارج من أجل التغيير المتولد من إدماج دولي أكبر، قد يقود أيضاً إلى تحول ديمقراطي تدريجي للنظام الصيني.

الوفاء بهذه المتطلبات هو حمل أمريكا America’s burden  ومسؤولية فريدة عليها. نظراً لحقيقة ديمقراطية أمريكا، الرد الفعال سيتطلب توليد فهم جماهيري للأهمية المستمرة لقوة أمريكا في تشكيل إطار متوسع للتعاون الجيوسياسي المستقر، قوة قادرة في وقت واحد على أن تحول دون الفوضى العالمية وتؤجل بنجاح بروز تحدي قوة جديدة. هذان الهدفان – تجنب الفوضى العالمية وإعاقة بروز خروج منافس على القوة والسلطة – لا ينفصلان عن التعريف الطويل المدى لغاية الانخراط والتدخل الامريكي في العالم، وتحديداً المتعلق بإنشاء إطار دائم للتعاون الجيوسياسي العالمي.

لسوء الحظ، حتى اليوم، الجهود لتوضيح هدف جديد مركزي وعالمي للولايات المتحدة في أعقاب إنهاء الحرب الباردة، أحادية البعد. فشلوا في الربط بين الحاجة لتحسين حالة الإنسان مع ضرورة الحفاظ على محورية القوة الأمريكية في شؤون العالم. عدد من هذه المجاولات الحديثة يمكن تحديدها. خلال العامين الأولين من حكم كلينتون، الدعوة الى “التعددية المؤكدة لم تأخذ في حسبانها بما يكفي الحقائق الأساسية للسلطة المعاصرة. فيما بعد التأكيد البديل على مفهوم أن أمريكا يجب أن تركز على التوسيع الديمقراطي العالمي لم تأخذ في حسبانها بشكل كافي الأهمية المستمرة لأمريكا في الحفاظ على الاستقرار العالمي أو حتى تطوير بعض علاقات القوة النفعية ولكن للأسف غير ديمقراطية مثل العلاقات مع الصين.

كأولوية أمريكية مركزية، نداءات أضيق تركيزاً كانت أقل ترضية، مثل تلك التي تركز على استبعاد الظلم السائد في التوزيع العالمي للدخل، أو تشكيل شراكة استراتيجية ناضجة mature strategic partnership خاصة مع روسيا، أو احتواء انتشار الأسلحة containing weapons proliferation. بدائل أخرى – أن أمريكا يجب أن تركز على حماية البيئة safeguarding the environment أو بشكل أضيق، مكافحة الحروب المحلية combating local wars – مالت أيضاً إلى تجاهل الحقائق المركزية للقوة العالمية. نتيجة لذلك، ولا واحدة من الصياغات السابقة خاطبت بالكامل الحاجة إلى إنشاء استقرار جيوسياسي عالمي أدنى minimal global geopolitical stability  كأساس ضروري من أجل إطالة أمد الهيمنة الامريكية protraction of American hegemony بالتزامن مع التجنب الفعال للفوضى الدولية effective aversion of international anarchy.

باختصار، هدف السياسة الأمريكية يجب ان يكون ذو شقين بدون تقديم اعتذار:

إدامة الوضع الامريكي المهيمن على الاقل لمدة جيل ويُفضل لفترة أطول من ذلك  to perpetuate America’s own dominant position for at least a generation and preferably longer still ؛

خلق إطار جيوسياسي يمكنه ان يمتص الصدمات والتوترات الحتمية للتغيرات الاجتماعية-سياسية مع التطور الى لب حيوسياسي من المسؤولية المشتركة من أجل إدارة سلمية للعالم  to create a geopolitical framework that can absorb the inevitable shocks and strains of social-political change while evolving into the geopolitical core of shared responsibility for peaceful global management..

مرحلة ممتدة من التعاون المتوسع تدريجياً مع شركاء أوراسيين رئيسيين، مُحفزين ويُحكم بينهم من أمريكا، A prolonged phase of gradually expanding cooperation with key Eurasian partners, both stimulated and arbitrated by America ، يمكن ان تساعد ايضاً في تعزيز الشروط المسبقة لترقية نهائية لهياكل الامم المتحدة المتواجدة والمتزايدة القدم. can also help to foster the preconditions for an eventual upgrading of the existing and increasingly antiquated UN structures.

توزيع جديد للمسؤوليات والامتيازات يمكن ان يأخذ في حسبانه الحقائق المتغيرة للقوة العالمية، والمختلفة جذرياً عما كانت عليه عام 1945م. A new distribution of responsibilities and privileges can then take into account the changed realities of global power, so drastically different from those of 1945

هذه الجهود سيكون لها فائدة تاريخية مضافة تتمثل في الاستفادة من شبكة جديدة من الروابط العالمية تتنامى بطريقة أسية خارج نظام الدولة القومية الأكثر تقليدية outside the more traditional nation-state system. هذه الشبكة – المنسوجة من الشركات المتعددة الجنسيات multinational corporations ، والمنظمات الغير حكومية nongovernmental organizations والكثير منها عابر للقارات والجماعات العلمية scientific communities ومدعمة بالإنترنت – تخلق بالفعل نظام عالمي غير رسمي informal global system متجانس بطبيعته مع تعاون عالمي شامل أكثر مؤسسية institutionalized and inclusive global cooperation.

في خلال العقود العديدة القادمة، يمكن أن تظهر بنية وظيفية للتعاون العالمي، القائم على الحقائق الجيوسياسية وتتولى بالتدريج عباءة الوصي الحالي على العالم، الذي يباشر الآن حمل مسؤولية استقرار وسلام العالم. النجاح الجيوستراتيجي في هذه القضية سيمثل ميراثاً مناسباً لدور أمريكا كأول وآخر قوة عظمى عالمية حقيقية last truly global superpower

[1] 3. “An Emerging Consensus—A Study of American Public Attitudes on America’s Role in the World” (College Park: Center for International and Security Studies at the University of Maryland, July 1996). It is noteworthy, but not inconsistent with the foregoing, that studies by the above center, conducted in early 1997 (under principal investigator Steven Kull), also showed a considerable majority in favor of NATO expansion (62 percent in favor, with 27 percent strongly in favor; and only 29 percent against, with 14 percent strongly against).

[2]. Hans Kohn. The Twcntntirth Century (New York: 1949), p. 53.

الإعلانات

اترك رد