9-01: رقعة الشطرنج الكبيرة – الفصل السابع – 1

رقعة الشطرنج الكبيرة  THE GRAND CHESSROARD

الفصل السابع: الخاتمة  Conclusion

جيوستراتيجية لاوراسيا A Geostrategy for Eurasia

حان الوقت لتقوم الولايات المتحدة بصياغة ومتابعة جيوستراتيجية متكاملة وشاملة وطويلة الأجل لكل أوراسيا. هذه الضرورة تنشأ من تفاعل بين حقيقتين أساسيتين: أمريكا الآن هي القوة العظمى الوحيدة في العالم، واوراسيا هي الحلبة المركزية في العالم. من هنا، ما يحدث من توزيع القوة على القارة الاوراسية سيكون له أهمية حاسمة لصدارة أمريكا العالمية وميراث أمريكا التاريخي.

صدارة أمريكا العالمية فريدة في مجالها وسمتها. فهي هيمنة من نوع جديد يعكس كثير من خصائص النظام الديمقراطي الأمريكي: فهو تعددي pluralistic، منفذ permeable ومرن flexible. هذه الهيمنة تحققت خلال أقل من قرن، تجليها الجيوسياسي الأساسي هو دور أمريكا الغير مسبوق على الكتلة الأرضية الأوراسية، التي ظلت حتى اليوم نقطة المنشأ لكل المتنافسين السابقين على القوة العالمية. أمريكا الآن هي الحكم في أوراسيا، فلا توجد مشكلة أوراسية يمكن حلها بدون مشاركة أمريكا أو ضد مصالح أمريكا.

كيف تتلاعب الولايات المتحدة بـ وترضي في نفس الوقت اللاعبين الاستراتيجيين الأساسيين على رقعة الشطرنج الاوراسية وكيف تدير المفاصل الجيوسياسية الرئيسية في اوراسيا هذا سيكون مهماً لطول عمر واستقرار صدارة أمريكا العالمية. في أوروبا اللاعبون الاساسيون سيستمرون في ان يكونوا فرنسا والمانيا وهدف امريكا المحوري يجب ان يكون تعزيز وتوسيع رأس الجسر الديمقراطي في التخوم الغربية لاوراسيا. في الشرق الاقصى لاوراسيا من المحتمل ان تكون الصين متزايدة المحورية، وأمريكا لن يكون لها موطئ قدم على البر الرئيسي الأسيوي الا بإجماع جيوستراتيجي أمريكي- صيني يتم تغذيته بنجاح. في مركز أوراسيا، الحيز بين اوروبا متوسعة وصين صاعدة إقليمياً سيبقى ثقب أسود جيوسياسي على الاقل حتى تحل روسيا صراعها الداخلي حول تعريفها الذاتي لما بعد الإمبريالية، بينما الإقليم جنوب روسيا – دول البلقان الأوراسية – مهدد بأن يصبح مرجل لصراع اثني وموضع تنافس للقوى العظمى.

في هذا السياق، لبعض الوقت القادم – لأكثر من جيل – من غير المحتمل أن يُنافس وضع أمريكا كقوة أولى في العالم من أي متحد منفرد challenger. ولا دولة قومية من المحتمل أن تضاهي أمريكا في أبعاد القوة الأربعة الرئيسية (العسكرية، الاقتصادية، التكنولوجية والثقافية) والتي تنتج تراكمياً النفوذ السياسي العالمي الحاسم. في حالة تخلي أمريكا عمداً أو عن غير عمد عن الزعامة العالمية فإن البديل الوحيد في المستقبل المنظور هو الفوضى الدولية. الرئيس كلينتون وضح ذلك بقوله: “الدولة التي لا غنى عنها في العالم indispensable nation”

من المهم التشديد هنا على كل من حقيقة واقع عدم الاستغناء هذا وواقع أمر احتمال الفوضى العالمية. العواقب التخريبية للانفجار السكاني، الهجرة بسبب الفقر، التحضر المتطرف، العداوات الأثنية والدينية، وانتشار أسلحة الدمار الشامل ستصبح خارج السيطرة لو أن إطار حتى الاستقرار الجيوسياسي البدائي للدولة القومية nation-state القائمة والكامنة هو نفسه تفكك. بدون تدخل أمريكي مباشر ومساند، يمكن أن تهيمن على الساحة العالمية  في وقت قصير  قوى الفوضى العالمية. وإمكانية هذا التفكك كامنة في التوترات الجيوسياسية ليس فقط في اوراسيا اليوم ولكن في العالم بشكل عام.

من المحتمل أن تزداد المخاطر الناتجة على الاستقرار العالمي باحتمال التدهور الاكثر عمومية لحالة الانسان. خاصة في الدول الأكثر فقراً في العالم، الانفجار الديمغرافي والتحضر المتزامن لهؤلاء السكان ينشئ بسرعة احتقان ليس فقط عند المحرومين ولكن بشكل خاص عند مئات الملايين من الشباب العاطلين والمتزايدين في القلق والاضطراب، الذين يزداد مستوى إحباطهم بمعدل أسي.  الاتصالات الحديثة تزيد من حدة انفصالهم عن السلطة التقليدية، بينما تجعلهم مدركين بتزايد – وساخطين – من عدم المساواة العالمية وبالتالي أكثر عرضة للتعبئة من المتطرفين. من جانب، الظاهرة المتصاعدة للهجرات العالمية، البالغة الآن عشرات الملايين، قد تعمل كصمام أمان مؤقت، ولكن من جانب آخر من المحتمل أيضاً كعربة للنقل العابر للقارات للصراعات الأثنية والاجتماعية.

ومن هنا فإن الإشراف على العالم الذي ورثته أمريكا من المحتمل أن يُصفع بالاضطراب والتوتر وعلى الأقل بعنف متقطع.  النظام الجديد المعقد الجديد، المشكل بالهيمنة الامريكية والتي فيها التهديد بالحرب خارج الجدول، من المحتمل ان ينحصر في تلك الاجزاء من العالم التي تُدعم فيها السلطة الامريكية بالأنظمة الاجتماعية السياسية الديمقراطية وبإطارات خارجية محكمة متعددة الجوانب – ولكن ايضا تحت الهيمنة الامريكية.

جيوستراتيجية امريكية لاوراسيا ستتنافس مع قوى الاضطراب. في اوروبا، هناك إشارات ان الزخم من اجل التكامل والتوسع يضعف وان القوميات الاوروبية التقليدية قد تستيقظ من جديد قبل مرور وقت طويل. نسب البطالة العالية تستمر حتى في أكثر الدول الاوروبية نجاحاً، و تربي ردود فعل معادية للأجانب يمكن ان يسبب فجأة في ميل في السياسات الفرنسية والالمانية تجاه تطرف سياسي كبير وشوفينية موجهة الى الداخل.  فعلياً، فإن وضع قبل-ثوري prerevolutionary  حقيقي يمكن ان يكون في الطريق. الجدول الزمني التاريخي لأوروبا، المحدد في الفصل الثالث، سيتم الوفاء به فقط لو تم تشجيع الطموحات الأوروبية للوحدة او حتى حثها من قبل الولايات المتحدة.

الشكوك حول مستقبل روسيا أكبر وآفاق التطور الايجابي أكثر ضعفاً بكثير وبالتالي واجب على امريكا ان تشكل سياق جيوسياسي متجانس مع اندماج روسيا في إطار أوسع لتعاون أوروبي متنام ويعزز أيضاً الاستقلال المعتمد على الذات لجيرانها ذوي السيادة الجدد. إلا أن قابلية أوكرانيا وأوزبكستان (ولن نتكلم عن كازاخستان المتشعبة اثنيا) ستبقى محل شك، خاصة لو انصرف اهتمام أمريكا الى أزمات داخلية جديدة في أوروبا، وبفجوة متزايدة بين تركيا وأوروبا، وبعداوة تزداد حدة في العلاقات الأمريكية – إيرانية.

إمكانية اتفاق نهائي كبير مع الصين يمكن أيضاً أن يُجهض بأزمة مستقبلية حول تايوان؛ أو لأن الديناميكيات السياسية الصينية الداخلية تحث على بروز حكومة معادية هجومية؛ أو ببساطة لأن العلاقات الامريكية – الصينية تتحول الى علاقات لاذعة. الصين ستصبح في هذه الحالة قوة مسببة لزعزعة الاستقرار بشكل كبير في العالم، وستفرض توترات عالية على العلاقة اليابانية – أمريكية وربما أيضاً تولد ارتباك جيوسياسي تخريبي في اليابان نفسها. في هذا الوضع، فإن استقرار جنوب شرق آسيا يصبح بالتأكيد في خطر، ويمكن فقط ان نخمن كيف  أن تجمع هذه الأحداث يمكن أن يؤثر على موقف وتماسك الهند، البلد المهمة في استقرار جنوب آسيا.

هذه الملاحظات تعمل كتذكرة بأنه ليس من المحتمل حل المشاكل العالمية الجديدة التي تذهب إلى ما وراء مجال الدولة القومية ولا من المحتمل حل مزيد من المخاوف الجيوسياسية التقليدية، أو حتى احتوائها، لو أن البنية الجيوسياسية التحتية للقوة العالمية بدأت في التفتت. مع علامات تحذير في الأفق عبر أوروبا وآسيا، أي سياسة أمريكية ناجحة يجب أن تركز على أوراسيا ككل وتكون موجهة بتخطيط جيوستراتيجي.

جيوستراتيجية لاوراسيا A GEOSTRATEGY FOR EURASIA

نقطة الانطلاق للسياسة المطلوبة هي الاعتراف الواقعي بالظروف الثلاثة الغير مسبوقة التي تحدد حالياً الوضع الجيوسياسي لشؤون العالم: لأول مرة في التاريخ

1- دولة واحدة هي حقيقة القوة العظمى

2- دولة غير أوراسية هي الدولة المتصدرة عالمياً

3- الحلبة المركزية العالمية اوراسيا، تهيمن عليها قوة غير أوروبية.

لكن، جيوستراتيجية شاملة ومتكاملة لاوراسيا يجب ايضاً ان تقوم على اعتراف بحدود فاعلية قوة امريكا والاستنزاف الحتمي على مر الزمن لنطاقها. كما أُشير إليه من قبل، حجم وتنوع اوراسيا إضافة إلى القوة الكامنة لبعض دولها، تحدد عمق التأثير الأمريكي ودرجة التحكم على مر الأحداث. هذا الشرط يعلق أهمية قصوى على بعد النظر الجيوستراتيجي وعلى الاستخدام الانتقائي المدروس لموارد أمريكا على رقعة الشطرنج الاوراسية الهائلة. وبما أن قوة أمريكا الغير مسبوقة لا بد أن تقل مع مرور الزمن، الاولوية يجب ان تكون لإدارة صعود القوى الاقليمية الاخرى بطرق لا تهدد صدارة امريكا العالمية.

كما في لعبة الشطرنج، المخططون العالميون الامريكيون يجب ان يفكروا في عدة حركات مسبقاً، متوقعين تحركات مضادة ممكنة. الجيوستراتيجية الباقية يجب بالتالي ان تميز بين منظور المدى القصير (الخمسة سنوات التالية)، والمدى المتوسط (حتى عشرين سنة) والمدى الطويل (بعد عشرين سنة). كما أن، هذه المراحل يجب أن ترى ليس كمقصورات منفصلة محكمة الغلق watertight compartments ولكن كأجزاء من كيان متصل continuum. المرحلة الاولى يجب أن تؤدي بالتدريج وبتواصل إلى الثانية – وفعلياً تشير إليها بطريقة مدروسة – والثانية يجب بالتالي ان تؤدي الى الثالثة.

في المدى القصير، من مصلحة أمريكا أن تعزز وتديم التعددية الجيوسياسية السائدة على خريطة أوراسيا. هذا يضع أهمية قصوى على المناورة والتلاعب من أجل تجنب ظهور تحالف معاد يمكن أن يسعى في نهاية المطاف إلى تحدي صدارة أمريكا، غني عن الذكر الإمكانية البعيدة لأي دولة خاصة تسعى إلى أن تقوم بذلك.

على المدى المتوسط، ما سبق يجب أن يسفر بالتدريج إلى تأكيد أكبر على خروج شركاء متزايدين في الأهمية ومتوافقين استراتيجياً والذين بتحفيز من القيادة الأمريكية قد يساعدون على تشكيل نظام أمني عبر أوراسيا trans-Eurasian security system يكون أكثر تعاوناً. في نهاية المطاف، على المدى الأكثر طولاً، السابق يمكن أن يفضي إلى لب عالمي global core  لمسؤولية سياسية مشتركة حقيقية.

المهمة الأكثر إلحاحاً هي التأكد من ألا تتواجد دولة ولا مجموعة من الدول يمكنها اكتساب القدرة لطرد الولايات المتحدة أو حتى تقليل دورها التحكيمي الحاسم بقدر كبير. لكن، تعزيز التعددية الجيوسياسية العابرة للقارة لا يجب اعتباره كنهاية في حد ذاتها ولكن فقط كوسيلة لتحقيق هدف على المدى المتوسط لتشكيل شركاء استراتيجيين حقيقيين في الاقاليم الرئيسية في أوراسيا. ليس من المحتمل أن أمريكا الديمقراطية سترغب في أن تكون متورطة دائماً في المهمة الصعبة المكلفة والمستحوذة التي تتمثل في إدارة أوراسيا بتلاعب ومناورة مستمرين، بمساندة الموارد العسكرية، من أجل منع الهيمنة الإقليمية من أي قوة. وبالتالي المرحلة الأولى يجب أن تؤدي منطقياً وبطريقة محكمة مدروسة إلى الثانية، مرحلة الهيمنة الأمريكية الحميدة فيها ماتزال تثني الآخرين عن تشكيل تحدياً ليس فقط بجعل تكاليف التحدي باهظة ولكن أيضاً بعدم تهديد المصالح الحيوية للطامحين الإقليميين المحتملين في أوراسيا.

ما يتطلبه ذلك بشكل خاص كهدف متوسط المدى، هو تعزيز شراكات حقيقية، الغالب فيما بينها تلك التي مع أوروبا الأكثر وحدة وتعريفاً سياسياً ومع الصين البارزة إقليمياً، وأيضاً مع (ما نتمناه) روسيا البعد إمبراطورية postimperial والمتوجهة ناحية أوروبا Europe-oriented وعلى التخوم الجنوبية لاوراسيا مع الهند الديمقراطية والمسببة في الاستقرار إقليمياً . ولكن سيكون نجاح أو فشل الجهود الرامية إلى تشكيل علاقات استراتيجية أوسع مع أوروبا والصين، على التوالي هي التي ستشكل سياق تعريفي لدور روسيا سواء إيجابي أو سلبي.

يترتب على ذلك أن أوروبا أوسع وناتو موسع سيخدمان كل من الأهداف القصيرة المدى والأطول مدى للسياسة الامريكية. أوروبا أوسع ستوسع مدى النفوذ الأمريكي – ومن خلال قبول أعضاء جدد من وسط أوروبا، ايضاً تزيد من عدد الدول التي لها ميول أمريكية في المجالس الاوروبية – في نفس الوقت بدون تكوين أوروبا متكاملة سياسياً بدرجة تمكنها من تحدي الولايات المتحدة في الامور الجيوسياسية العالية الأهمية لأمريكا في أماكن أخرى خاصة في الشرق الاوسط. أوروبا مُعرفة سياسياً politically defined  ضرورية أيضاً من أجل الإدماج التصاعدي لروسيا في نظام التعاون العالمي.

من المسلم به، أمريكا لا يمكن من تلقاء نفسها أن تنشئ أوروبا أكثر وحدة – فهذا من شأن الأوروبيين خاصة الفرنسيون والألمان – ولكن أمريكا يمكنها أن تعترض بروز أوروبا أكثر وحدة. وهذا قد يكون كارثياً على الاستقرار في أوراسيا وبالتالي أيضاً لمصالح أمريكا. فعلياً، إن لم تصبح أوروبا أكثر وحدة، فمن المحتمل أن تصبح أكثر تفككاً مرة أخرى. وبالتالي، كما ذُكر من قبل، من المهم أن تعمل أمريكا عن قرب مع كل من فرنسا وألمانيا من أجل الوصول إلى أوروبا قابلة للنمو سياسياً، أوروبا تبقى مرتبطة بالولايات المتحدة أوروبا توسع نطاق النظام الدولي الديمقراطي المتعاون. الاختيار بين فرنسا وألمانيا ليس هو الموضوع. بدون أيا من فرنسا أو ألمانيا، لن يكون هناك أوروبا، وبدون أوروبا لن يكون هناك نظام عابر لاوراسيا trans-Eurasian system.

من الناحية العملية، ما ذُكر سابقاً سيتطلب توافق تدريجي على قيادة مشتركة للناتو، وقبول أكبر لاهتمامات فرنسا بدور اوروبي ليس فقط في افريقيا ولكن ايضاً في الشرق الاوسط، ودعم مستمر لتوسع الاتحاد الاوروبي جهة الشرق، حتى يصبح الاتحاد الاوروبي لاعب عالمي[1] أكثر جزماً سياسياً واقتصاديا. اتفاقية تجارة حرة عابرة للأطلسي Transatlantic Free Trade Agreement والمؤيدة بالفعل من عدد من قادة الاطلسي البارزين يمكن أيضاً أن تخفف من مخاطر التنافس الاقتصادي المتنامي بين اتحاد أوروبي أكثر وحدة والولايات المتحدة. على أية حال، النجاح النهائي في دفن العداوات القومية الاوروبية القديمة منذ قرون، مع آثارها التخريبية عالمياً، سيستحق بعض التخفيض التدريجي لدور أمريكا الحاسم كمحكم حالي لأوراسيا.

توسيع الناتو والاتحاد الاوروبي سيعمل على إنعاش شعور أوروبا بالانحسار بنداء باطني أكبر للعمل، مع تعزيز المكاسب الديمقراطية المكتسبة من خلال النجاح في إنهاء الحرب الباردة لمصلحة كل من أمريكا وأوروبا. ما هو على المحك في هذا الجهد ليس أقل من علاقة أمريكا مع أوروبا على المدى الطويل. أوروبا جديدة مازالت تتشكل، ولو أن اوروبا الجديدة هذه عليها أن تبقى جيوسياسياً كجزء من الحيز الأورو-أطلسي Euro-Atlantic، فإن توسيع الناتو يصبح ضرورياً. على نفس المنوال، الفشل في توسيع الناتو، بعد الالتزام بالتعهد، سوف يحطم مفهوم اوروبا موسعة ويضعف من معنويات دول أوروبا الوسطى. يمكن حتى أن يعيد إشعال الطموحات الجيوسياسية الروسية النائمة حالياً أو الميتة في أوروبا الوسطى.

فعلياً الفشل في السعي لتوسيع الناتو بقيادة أمريكا يمكن أن يوقظ من جديد حتى الرغبات الروسية الأكثر طموحاً. ليس من الواضح – والسجل التاريخي على العكس بقوة – أن النخبة السياسية الروسية تشارك في الرغبة الأوروبية من أجل الوجود العسكري والسياسي الامريكي القوي الدائم. لذلك، بينما تعزيز علاقات متزايدة التعاون مع روسيا مرغوبة بوضوح، فمن المهم لأمريكا أن ترسل رسالة واضحة حول أولوياتها العالمية. لو كان هناك ضرورة للاختيار بين نظام أورو-أطلسي أكبر وعلاقة أفضل مع روسيا، فإن الاختيار الاول سوف ينال مرتبة أعلى بدون مقارنة بالنسبة لأمريكا.

من أجل ذلك السبب، أي توافق مع روسيا على موضوع توسيع الناتو لا يجب أن يستوجب نتيجة يكون تأثيرها جعل روسيا عضو صانع للقرار بحكم الواقع في التحالف، وبذلك تمييع السمة الخاصة الأورو-أطلسية للناتو مع تخفيض درجة أعضائه المقبولين حديثاً الى الدرجة الثانية في نفس الوقت. هذا قد ينشئ فرصاً لروسيا لمواصلة ليس فقط الجهد لإعادة اكتساب مجال نفوذ في وسط أوروبا ولكن أيضاً لاستخدام وجودها داخل الناتو للعب على أي خلافات امريكية – أوروبية لتخفيض الدور الأمريكي في الشؤون الأوروبية.

من المهم أيضاً أنه مع دخول وسط أوروبا الناتو، أن تكون أي تأكيدات أمنية جديدة لروسيا فيما يتعلق بالإقليم متبادلة وبالتالي مطمئنة تبادلياً. القيود المفروضة على نشر قوات الناتو والأسلحة النووية على أراضي الأعضاء الجدد يمكن أن تكون عاملاً مهماً في تهدئة المخاوف الروسية المشروعة، ولكن ذلك يجب أن يقابله تأكيدات روسية مماثلة فيما يتعلق بنزع سلاح نتوء كالينينغراد salient of Kaliningrad  ذات التهديد الاستراتيجي المحتمل وبوضع حدود على نشر القوات الكبير بالقرب من حدود الأعضاء الجدد المتوقعين في الناتو والاتحاد الاوروبي. بينما كل الجيران الغربيين المستقلين حديثاً عن روسيا حريصين على أن يكون لهم علاقات مستقرة ومتعاونة مع روسيا، الحقيقة هي أنهم مستمرين في خوفهم منها لأسباب تاريخية مفهومة.  من هنا، فإن خروج اتفاقية منصفة بين الناتو/الاتحاد الاوروبي وروسيا سيكون مرحباً به من كل الاوروبيين كإشارة على أن روسيا تختار أخيراً الخيار البعد إمبراطوري postimperial الأكثر مرغوبيه لصالح أوروبا.

هذا الخيار يمكن أن يمهد الطريق لجهود أوسع من أجل تحسين وضع روسيا وقيمتها. العضوية الرسمية في مجموعة السبعة، علاوة على ترقية آلية صناعة القرار في منظمة الامن والتعاون في أوروبا (والتي يمكن تكوين لجنة امنية خاصة فيها من امريكا وروسيا وعدة دول اساسية في اوروبا) يمكن ان تنشئ فرص لمشاركة روسية بناءة في تشكيل كل من البعدين الامني والسياسي لأوروبا. مقترنة مع المساعدات الغربية المالية المستمرة لروسيا، مع تطوير الخطط الأكثر طموحاً لربط روسيا أكثر بأوروبا من خلال شبكات طرق سريعة وخطوط حديدية جديدة، عملية إعطاء مضمون لخيار روسي لصالح اوروبا يمكن أن يتحرك للأمام بشكل كبير.

الدور الروسي الطويل المدى في أوراسيا سيعتمد بدرجة كبيرة على الخيار التاريخي الذي على روسيا ان تختاره، ربما مازال خلال هذا العقد، فيما يتعلق بتحديد مصيرها الذاتي. حتى مع زيادة أوروبا والصين لقطر نفوذهما الاقليمي، ستظل روسيا مسؤولة عن أكبر قطعة أرض في العالم. فهي تمتد على عشرة مناطق زمنية وهي أكبر من حيث المساحة مرتين من كل من الولايات المتحدة والصين، وتجعل حتى اوروبا الموسعة قزمة بجانبها. من هنا، الحرمان من الارض ليس هو مشكلة روسيا المحورية. كما أن، روسيا الضخمة عليها أن تواجه بصراحة وتستمد المضامين الصحيحة من حقيقة أن كل من أوروبا والصين أقوى منها اقتصاديا بالفعل وأن الصين تهدد أيضاً بأن تتخطى روسيا على طريق التحديث الاجتماعي.

في هذه الظروف، يجب أن يصبح أكثر وضوحاً لدى النخبة السياسية الروسية أن الأولوية الأولى لروسيا هي تحديث نفسها بدلاً من التورط في جهود لا طائل منها لاستعادة وضعها السابق كقوة عالمية. نظراً للحجم والتنوع الهائل للبلد، نظام سياسي لامركزي، قائم على السوق الحرة سيكون من المرجح بدرجة أكبر أن يطلق الطاقة الإبداعية لكل من الشعب الروسي وموارد البلد الطبيعية الهائلة. في المقابل روسيا هذه الأكثر لامركزية ستكون أقل عرضة للتعبئة الإمبريالية.  روسيا الكونفدرالية بطريقة فضفاضة- المكونة من روسيا الأوروبية European Russia، وجمهورية سيبيريه Siberian Republic، وجمهورية في الشرق الأقصى  Far Eastern Republic – ستجد من الاسهل ان تستثمر علاقات اقتصادية أوثق  مع أوروبا  ومع الدول الجديدة في وسط آسيا، ومع الشرق وهو ما سيعجل بتطوير روسيا. كل من الكيانات الكونفدرالية الثلاثة ستكون أكثر قدرة على الاستفادة من الإمكانات الإبداعية المحلية، المخنوقة منذ قرون باليد البيروقراطية الثقيلة لموسكو.

الاختيار الواضح لروسيا في صالح الخيار الاوروبي على الخيار الإمبريالي سيكون أكثر ترجيحاً لو أن أمريكا واصلت بنجاح الخط الملح الثاني لاستراتيجيتها تجاه روسيا: تحديداً، دعم التعددية الجيوسياسية السائدة في الحيز الما بعد سوفيتي post-Soviet space. مثل هذا الدعم سيعمل على تثبيط أي إغراءات إمبراطورية. روسيا ما بعد الإمبراطورية والمتوجهة ناحية أوروبا يجب أن ترى فعلياً جهود أمريكا لهذه الغاية معاونة على تعزيز الاستقرار الاقليمي وفي خفض إمكانية الصراعات على طول حدودها الجنوبية الجديدة المحتمل أن تكون غير مستقرة. ولكن سياسة تعزيز التعددية الجيوسياسية لا يجب أن تكون مشروطة على وجود علاقة جيدة مع روسيا. ولكنها ايضاً تأكيد هام في حالة فشل تطوير هذه العلاقة الجيدة، لأنها تنشئ عوائق تحول دون عودة ظهور أي سياسة إمبريالية روسية تشكل تهديداً حقيقياً.

يترتب على ذلك أن الدعم الاقتصادي والسياسي للدول الرئيسية المستقلة حديثاً جزء لا يتجزأ من استراتيجية أوسع لأوراسيا. تعزيز أوكرانيا ذات سيادة، والتي في نفس الوقت تعيد تعريف نفسها كدولة في وسط أوروبا وتنخرط في تكامل أوثق مع وسط أوروبا هو مكون شديد الأهمية لهذه السياسة، مثل تعزيز علاقة أوثق مع دول مفصلية إستراتيجياً strategically pivotal states  مثل أذربيجان وأوزبكستان، علاوة على المجهود الأكثر عمومية لفتح وسط آسيا أمام الاقتصاد العالمي بالرغم من العوائق الروسية.

الاستثمار الدولي الواسع النطاق في إقليم وسط آسيا وبحر قزوين المتزايد إمكان الوصول إليه لن يساعد فقط تعزيز استقلال دوله الجديدة ولكن على المدى الطويل سيفيد روسيا الديمقراطية الما بعد إمبريالية. استغلال موارد الطاقة والمعادن في الإقليم سينشئ الازدهار، وسيؤدي إلى شعور أكبر بالاستقرار والأمن في المنطقة، بينما ربما أيضاً سيقلل من مخاطر الصراعات ذات النمط البلقاني.  فوائد التطوير الإقليمي المتسارع، الممول باستثمارات خارجية، قد تمتد أيضاً إلى المقاطعات الروسية المجاورة، التي تميل إلى أن تكون متخلفة اقتصادياً. كما أنه عندما تدرك النخبة الحاكمة الجديدة في الإقليم أن روسيا ترضخ لدمج الإقليم في الاقتصاد العالمي، فسيكونون أقل خوفاً من العواقب السياسية لعلاقات اقتصادية وثيقة مع روسيا.  في الوقت المناسب، روسيا الغير إمبراطورية يمكنها أن تكتسب قبولاً كشريك اقتصادي متصدر في الاقليم حتى وان لم تعد حاكم امبريالي.

لتطوير قوقاز جنوبي ووسط آسيا مستقل ومستقر، يجب أن تكون أمريكا حريصة على أن لا تبعد تركيا ويجب أن تستكشف إن كان تحسين العلاقات الأمريكية-إيرانية قابل للتطبيق وله جدوى. تركيا التي تشعر أنها منبوذة من أوروبا، التي تسعى للانضمام إليها، ستصبح تركيا الإسلامية أكثر، ومن المرجح بدرجة كبيرة أن تصوت ضد توسيع الناتو بسبب الحقد ومن الأقل احتمالاً أن تتعاون مع الغرب في السعي من أجل تحقيق الاستقرار وإدماج وسط آسيا في المجتمع الدولي.

وبالتالي، يجب على أمريكا أن تستخدم نفوذها في أوروبا لتشجيع القبول النهائي لتركيا في الاتحاد الأوروبي ويجب أن تؤكد على معاملة تركيا كدولة أوروبية – بشرط ألا تأخذ السياسات التركية الداخلية منحى دراماتيكي في الاتجاه الإسلامي. المشاورات المنتظمة مع أنقرة فيما يتعلق بمستقبل بحر قزوين ووسط آسيا يجب أن تعزز في تركيا شعور بالشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. أمريكا يجب أيضاً أن تدعم بقوة الطموحات التركية في أن يكون لها خط أنابيب من باكو في أذربيجان إلى جيحان على ساحل البحر المتوسط في تركيا للعمل كمنفذ رئيسي لموارد الطاقة في حوض بحر قزوين.

كما أنه ليس لصالح أمريكا إدامة العداء الامريكي الايراني. أي مصالحة في نهاية المطاف يجب أن تتأسس على الاعتراف بالمصالح الاستراتيجية المتبادلة في تحقيق الاستقرار للبيئة الإقليمية الشديدة التذبذب الآن لإيران. من المسلم به أن هذا التصالح يجب أن يسعى إليه الطرفان وليس خدمة ممنوحة من طرف للآخر. وجود إيران القوية حتى لو كانت ذات دوافع دينية ولكن ليست متعصبة ضد الغرب هي في مصلحة أمريكا، وفي النهاية حتى النخبة السياسية الايرانية قد تقر بهذه الحقيقة. في نفس الوقت، مصالح أمريكا الطويلة المدى في أوراسيا ستُخدم أكثر بالتخلي عن الاعتراضات الامريكية الحالية على تعاون اقتصادي تركي إيراني أكثر وثاقة، خاصة في بناء خطوط أنابيب جديدة وأيضاً في بناء روابط أخرى بين إيران وأذربيجان وتركمنستان. المساهمة الأمريكية الطويلة المدى في تمويل هذه المشاريع سيكون في الواقع في مصلحة أمريكا[2].

الدور المحتمل للهند يحتاج أيضاً إلى أن يُسلط عليه الضوء، بالرغم أنها الآن لاعب غير فعال نسبياً على الساحة الأوراسية. الهند مُقيدة جيوسياسياً بالتحالف الصيني-باكستاني، بينما روسيا ضعيفة لا يمكنها أن تقدم لها الدعم السياسي الذي كان يُقدم لها من قبل من الاتحاد السوفيتي. لكن، بقاء ديمقراطيتها له أهمية في أنها تدحض أفضل من مجلدات من المناظرات الأكاديمية مفهوم أن حقوق الإنسان والديمقراطية هي مجرد مظهر غربي محدود. الهند تثبت أن القيم الأسيوية المعادية للديمقراطية، المُذاعة والمنشورة من متحدثين من سنغافورة إلى الصين، هي ببساطة معادية للديمقراطية ولكنها ليست بالضرورة سمة من سمات آسيا. وعلى نفس المنوال، فشل الهند، سيكون ضربة للتطلعات إلى الديمقراطية وستزيل من الساحة قوة تساهم في توازن أكبر على الساحة الأسيوية، خاصة نظراً لصعود الصين للصدارة الجيوسياسية. ويترتب على ذلك أن الوقت أصبح مناسباً لدخول الهند بتدريج متزايد في المناقشات المتعلقة باستقرار المنطقة، خاصة فيما يتعلق بمستقبل وسط آسيا، وغني عن الذكر تطوير علاقات ثنائية أكثر مباشرة بين المنظومتين الدفاعيتين الأمريكية والهندية.

التعددية الجيوسياسية في أوراسيا ككل لن تكون لا متحققة ولا مستقرة بدون تفاهم استراتيجي عميق بين أمريكا والصين. ويترتب على ذلك أن سياسة لإدخال الصين في حوار استراتيجي جاد، ربما في نهاية المطاف في مسعى ثلاثي يتضمن اليابان أيضاً، هو الخطوة الاولى الضرورية لتحسين اهتمام الصين باتفاق مع أمريكا يعكس المصالح الجيوسياسية المتعددة (خاصة في شمال شرق آسيا ووسط آسيا) التي تتقاسمها البلدان فعلياً. يتوجب على أمريكا أيضاً أن تزيل أي لبس يتعلق بتعهد أمريكا بسياسة الصين الواحدة، مخافة أن تزداد قضية تايوان سوءاً، خاصة بعد ابتلاع الصين لهونج كونج. على نفس المنوال، من مصلحة الصين أن تجعل هذا الابتلاع بيان ناجح للمبدأ بأن الصين الأكبر يمكن أن تتسامح وتحمي التنوع المتزايد في ترتيباتها السياسية الداخلية.

بينما – – كما ناقشنا من قبل في الفصلين الرابع والسادس – أي تحالف قد يحدث بين الصين وروسيا وإيران ضد أمريكا ليس من المحتمل ان يصبح هلامياً وراء بعض المواقف التكتيكية العارضة، من المهم للولايات المتحدة أن تتعامل مع الصين بطريقة لا تقود بكين إلى هذا الاتجاه. في أي تحالف مثل هذا مناهض للهيمنة الصين ستكون المحور. ستكون الأقوى، والأكثر ديناميكية، وبالتالي المكون القيادي. مثل هذا التحالف يمكن أن يخرج فقط حول صين ساخطة محبطة ومعادية. لا روسيا ولا إيران لديهما الوسائط ليكونوا الجاذب المركزي لمثل هذا التحالف.

الحوار الاستراتيجي الأمريكي الصيني المتعلق بالمناطق التي ترغب كلتا البلدين في رؤيتها خاليه من الهيمنة من الطموحين الآخرين للهيمنة يصبح بالتالي واجب. ولكن لتحقيق تقدم، يجب أن يكون الحوار مستمر وجاد. في سياق هذا الاتصال، القضايا الأكثر إثارة للجدل المتعلقة بتايوان وحتى حقوق الإنسان يمكن تناولها بطريق أكثر إقناعاً. في الواقع موضوع كون التحرير الداخلي للصين ليس مجرد شأن محلي صيني يمكن أن يُجعل ذو مصداقية، لأن فقط الصين المتحولة ديمقراطياً والمزدهرة هي التي لها تطلع في جذب تايوان بطريقة مسالمة. أي محاولة لإعادة الاتحاد بالقوة ليس فقط ستعرض العلاقات الامريكية الصينية للخطر ولكن ستولد في نهاية المطاف عواقب عكسية على قدرة الصين على جذب رؤوس أموال أجنبية والابقاء على إدامة تطورها. طموحات الصين في الصدارة الإقليمية والمكانة العالمية سيتم التضحية بها بذلك.

بالرغم ان الصين تبرز كقوة إقليمية مهيمنة، إلا أنه ليس من المحتمل أن تصبح قوة عالمية لوقت طويل قادم (لأسباب ذُكرت في الفصل السادس) –  والمخاوف المذعورة من الصين تغذي جنون عظمة في الصين، بينما تصبح ربما مصدر نبؤه متحققة ذاتياً بعداء أمريكي صيني مكثف. وبالتالي الصين لا يجب لا أن تُحتوى ولا أن تُسترضى وتُستعطف. يجب أن تُعامل باحترام على أنها أكبر دولة نامية في العالم وحتى الآن على الاقل دولة نامية ناجحة . دورها الجيوسياسي ليس فقط في الشرق الأقصى ولكن في أوراسيا ككل من المحتمل أن يكبر أيضاً. من هنا، فمن المنطقي ضم الصين إلى الاجتماع السنوي لمجموعة السبعة للدول القيادية في العالم، خاصة بما أن ضم روسيا وسع مركز نشاط القمة من الاقتصاديات للسياسات.

الصين تصبح أكثر اندماجاً في النظام العالمي وبالتالي أقل قدرة وأقل ميلاً إلى استغلال صدارتها الإقليمية بطريقة منفرجة سياسياً، ويترتب على ذلك أيضاً أن ظهور فعلي لمجال احترام الصين في مناطق الاهتمام التاريخي الصيني من المحتمل أن يكون جزءاً من البنية الاوراسية الناشئة للتوافق الجيوسياسي. سواء كانت كوريا موحدة سوف تتأرجح تجاه هذا المجال أم لا فهذا يعتمد أكثر على درجة المصالحة اليابانية الكورية (والتي يجب على امريكا ان تشجعها بنشاط)، ولكن على أية حال، إعادة توحيد كوريا بدون اتفاق مع الصين غير محتمل.

صين أكبر في وقت ما ستضغط حتماً من أجل حل لمشكلة تايوان، ولكن درجة ضم الصين في مجموعة متزايدة الإلزام من الروابط الاقتصادية والسياسية الدولية قد يكون له أيضاً تأثيراً إيجابياً على طبيعة السياسات المحلية الصينية. لو أن ابتلاع الصين لهونج كونج أثبت أنه ليس قمعياً، معادلة دينج Deng  الخاصة بتايوان التي تقول “بلد واحد، ونظامين” يمكن إعادة تعريفها “بلد واحد، عدة أنظمة”. هذا قد يجعل إعادة التوحيد أكثر قبولاً للأطراف المعنية – والذي يعزز مرة أخرى الرأي بأن بدون بعض التطوير السياسي للصين نفسها، إعادة البناء السلمي لصين واحدة لن يكون ممكناً.

على أية حال، لأسباب تاريخية وجيوسياسية، الصين يجب أن تعتبر أمريكا حليفها الطبيعي. بخلاف اليابان وروسيا، أمريكا لم يكن لها أبداً أي تدابير أرضية إقليمية في الصين؛ وبخلاف بريطانيا العظمى، لم تهين الصين أبداً. كما أن، بدون إجماع استراتيجي قابل للتطبيق مع أمريكا، ليس من المحتمل أن تتمكن الصين من الإبقاء على جذبها للاستثمارات الأجنبية الهائلة الضرورية لنموها الاقتصادي وبالتالي ايضاً بلوغها للصدارة الإقليمية. لنفس السبب، بدون اتفاق استراتيجي أمريكي صيني كوتد شرقي eastern anchor  لتدخل أمريكا في أوراسيا، لن يكون لأمريكا جيوستراتيجية للبر الرئيسي لآسيا ؛ وبدون جيوستراتيجية للبر الرئيسي لآسيا، لن يكون لأمريكا جيوستراتيجية لأوراسيا. وبالتالي بالنسبة لأمريكا، قوة الصين الاقليمية المشركة co-opted  في إطار أوسع من التعاون الدولي، يمكن أن تكون أصل جيوستراتيجي شديد الأهمية –  من هذه الناحية تتساوى في الأهمية مع أوروبا وأكثر ثقلاً من اليابان – لضمان استقرار أوراسيا.

لكن بخلاف الوضع الاوروبي، رأس الجسر الديمقراطي على البر الرئيسي الشرقي eastern mainland  لن تبرز عاجلاً. هذا يجعل من الأهمية المتزايدة جهود أمريكا لتنشئة علاقة استراتيجية متعمقة مع الصين قائمة على اعتراف لا لبس فيه بأن يابان ديمقراطية وناجحة اقتصادياً هي الشريك الاول لأمريكا في المحيط الهادي وشريك عالمي رئيسي.  بالرغم أن اليابان لا يمكنها أن تصبح قوة إقليمية مهيمنة نظراً للبغض الشديد الذي تثيره ذكرياتها لدى جيرانها، إلا أنها يمكن أن تصبح قوة قيادية دولية. طوكيو يمكن أن تصنع دور مؤثر عالمياً بالتعاون الوثيق مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بما يمكن تسميته الأجندة الجديدة للاهتمامات العالمية، مع تجنب أي جهود لا جدوى منها وذات نتائج عكسية لكي تصبح قوة إقليمية. لذلك مهمة الحنكة statesmanship السياسية الامريكية يجب ان تكون دفع اليابان في هذا الاتجاه. اتفاقية تجارة حرة بين أمريكا واليابان، إنشاء حيز اقتصادي مشترك، سيقوي ويحسن الهدف، وبالتالي يجب تدارس فائدته بشكل مشترك.

من خلال علاقة سياسية وثيقة مع اليابان ستكون أمريكا قادرة بطريقة أكثر أماناً على استيعاب الطموحات الإقليمية للصين، مع معارضة مظاهرها الأكثر تعسفاً، فقط على هذا الأساس يمكن تدبير اتفاقية ثلاثية الشعب – واحدة تخص سلطة أمريكا العالمية، وصدارة الصين الإقليمية والقيادة الدولية لليابان. ولكن هذا التوافق الجيوستراتيجي الواسع يمكن أن يُقوض بتوسع غير حكيم للتعاون العسكري الأمريكي-ياباني.  الدور المحوري لليابان لا ينبغي ان يكون حاملة الطائرات الأمريكية التي لا تغرق في الشرق الأقصى ولا الشريك العسكري الأساسي لأمريكا ولا قوة إقليمية أسيوية محتملة. الجهود المضللة لتطوير أي من السياسات السابقة ستعمل على بتر أمريكا من البر الرئيسي الأسيوي، وعلى إفساد التطلعات إلى بلوغ إجماع إستراتيجي مع الصين، وبالتالي إحباط قدرة أمريكا على تعزيز التعددية الجيوسياسية في كل أوراسيا.

[1]. A number of constructive proposals to that end were advanced at the CSIS (Center for International and Strategic Studies) Conference on America and Europe, held in Brussels in February 1997. They ranged from joint efforts at structural reform, designed to reduce government deficits, to the development of an enhanced European defense industrial base, which would enhance transatlantic defense collaboration and a greater European role in NATO. A useful list of similar and other initiatives, meant to generate a greater European role, is contained in David C. Gompert and F. StepluMi Larrabee, eds., America and Europe: A Partnership for a New Era (Santa Monica, Calif.: RAND, 1997).

[2]. It is appropriate to quote here the wise advice offered by my colleague at CSIS, Anthony H. Cordesman (in his paper on “The American Threat to the United States,” February 1997, p. 16, delivered as a speech to the Army War College), who has warned against the American propensity to demonize issues and even nations. As he put it: “Iran, Iraq, and Libya are cases where the U.S. has taken hostile regimes that pose real, but limited threats and ‘de-monized’ them without developing any workable mid- to long-term end game for its strategy. U.S. planners cannot hope to totally isolate these states, and it makes no sense to treat them as if they were identical ‘rogue’ or ‘terrorist’ states. … The U.S. lives in a morally gray world and cannot succeed by trying to make il black and white.”

الإعلانات

اترك رد