9-01: رقعة الشطرنج الكبيرة – الفصل السادس – 3

رقعة الشطرنج الكبيرة  THE GRAND CHESSROARD

الفصل السادس: مرتكز الشرق الأقصى  The Far Eastern Anchor

التعديل الجيوستراتيجي الأمريكي America’s Geostrategic Adjustment

 يجب أن تكون مهمة السياسة الأمريكية هي التأكد من أن اليابان تسلك هذا الاختيار وأن صعود الصين إلى الصدارة الإقليمية لا يعوق توازن ثلاثي مستقر للقوة في شرق آسيا. الجهود لإدارة كل من اليابان والصين والحفاظ على تفاعل ثلاثي مستقر يشمل أيضاً أمريكا سيرهق بشدة المهارات الدبلوماسية والتصور السياسي لأمريكا.  تسليط التركيز السابق على التهديد المزعوم من صعود الاقتصاد الياباني وتجنب المخاوف من العضلات السياسية الصينية يمكن أن يساعد على بث واقعية باردة في سياسة يجب أن تكون قائمة على الحسابات الاستراتيجية الحذرة: كيفية توجيه الطاقة اليابانية في الاتجاه الدولي وكيفية توجيه القوة الصينية إلى توافق إقليمي.

فقط بهذه الطريقة ستكون أمريكا قادرة على أن تصنع في البر الرئيسي الشرقي في أوراسيا مكافئ متجانس جيوسياسياً لدور أوروبا في التخوم الغربية لأوراسيا، بنية من القوة الإقليمية قائمة على مصالح مشتركة. لكن بخلاف الحالة الأوروبية، لن يبرز قريباً رأس جسر ديمقراطي على البر الرئيسي الشرقي. بدلاً من ذلك، في الشرق الأقصى التحالف مع اليابان المعاد توجيهه سيعمل أيضاً كقاعدة لتوافق أمريكي مع الصين المتصدرة إقليمياً.

بالنسبة لأمريكا، تنساب عدة نتائج جيوستراتيجية هامة من التحليل الموجود في القسمين السابقين في هذا الفصل:

الحكمة السائدة بأن الصين هي القوة العالمية الثانية تولد جنون ارتياب حول الصين وتعزز جنون عظمة داخل الصين. المخاوف من صين هجومية ومعادية مقدر لها منذ وقت طويل أن تكون قوة عالمية هي في أفضل أحوالها سابقة لأوانها؛ وعلى أسوأها يمكن أن تصبح نبؤه ذاتية التحقيق. ويترتب على ذلك أن ترتيب تحالف مصمم لاحتواء صعود الصين لتكون قوة عالمية سيكون له نتائج عكسية. هذا سيضمن فقط أن الصين المؤثرة إقليمياً ستكون معادية. في نفس الوقت، أي جهود مماثلة ستوتر العلاقة اليابانية أمريكية، لأن من المحتمل أن معظم اليابانيين سيعارضون هذا التحالف. وبالتالي، الولايات المتحدة يجب أن تكف عن الضغط على اليابان للقيام بمسؤوليات دفاعية أكبر في إقليم آسيا-الهادي. مساعي في هذا الطريق ستعوق فقط بروز علاقة مستقرة بين اليابان والصين، مع عزل اليابان في الإقليم.

ولكن تحديداً لأن الصين   في الواقع ليس من المحتمل أن تبرز عاجلاً كقوة عالمية – ولأن لهذا السبب لن يكون من الحكمة اتخاذ سياسة لاحتواء الصين إقليمياً – من المرغوب فيه معاملة الصين كلاعب عالمي مهم. جر الصين إلى تعاون دولي أوسع ومنحها الوضع التي تنحته يمكن أن يكون له تأثير تبليد الحواف الحادة لطموحات الصين الوطنية. خطوة هامة في هذا الاتجاه قد تكون ضم الصين في القمة السنوية للدول القيادية للعالم، المسماة مجموعة السبعة، خاصة بما أن روسيا دُعيت أيضاً إليها.

بالرغم من المظاهر، الصين في الواقع ليس لديها خيارات استراتيجية كبرى. النجاح الاقتصادي المتواصل للصين يبقى معتمداً بدرجة كبيرة على تدفق رأس المال  والتكنولوجيا الغربية ولفتح الأسواق الأجنبية أمامها، وهذا يقيد بشدة خيارات الصين. تحالف مع روسيا الغير مستقرة الفقيرة لن يحسن التطلعات الجيوسياسية أو الاقتصادية الصينية (وبالنسبة لروسيا سيعني الخضوع للصين). وهكذا فليس خياراً جيوستراتيجياً مقبولاً، حتى لو كان اللعب بالفكرة مغرياً تكتيكياً لكل من الصين وروسيا. المساعدة الصينية لإيران وباكستان له أهمية جيوسياسية وإقليمية مباشرة للصين، ولكن هذا أيضاً لن يقدم نقطة انطلاق لمسعى جاد لتحقيق وضع القوة العالمية. تحالف مضاد للهيمنة قد يكون خيار الملاذ الأخير لو شعرت الصين أن الولايات المتحدة سدت الطريق أمام طموحاتها الإقليمية أو الوطنية (بدعم من اليابان). ولكن سيكون تحالف فقراء، والذين من المحتمل في تلك الحالة أن يظلوا فقراء جماعياً لبعض الوقت.

صين كبرى تبرز على هيئة القوة الإقليمية المهيمنة. بهذه الهيئة قد تحاول أن تفرض نفسها على جيرانها بطريقة مزعزعة للاستقرار إقليمياً؛ أو قد ترضى بممارسة نفوذها بطريقة غير مباشرة أكثر، تماشياً مع التاريخ الإمبريالي الصيني السابق. بروز سواء مجال نفوذ مهيمن أو مجال احترام أكثر غموضاً فإن ذلك سيعتمد جزئياً على مدى وحشية وسلطوية بقاء نظام الحكم الصيني وجزئياً أيضاً على طريقة رد فعل اللاعبين الخارجيين الرئيسيين خاصة أمريكا واليابان على بروز صين كبرى.  سياسة التسكين والتهدئة البسيطة قد تشجع موقف صيني أكثر جزماً؛ ولكن سياسة مجرد إعاقة بروز صين مثل هذه من المحتمل أيضاً أن تنتج نتيجة مماثلة. التوافق الحذر على بعض القضايا والرسم الدقيق للخط في البعض الآخر قد تجنب كلا النتيجتين المتطرفتين.

على أية حال، في بعض مناطق أوراسيا، صين أكبر قد تمارس نفوذاً حيوسياسياً متوافق مع مصالح الجيوستراتيجية الكبرى لأمريكا في أوراسيا مستقرة ولكن متعددة سياسياً. على سبيل المثال، مصلحة الصين المتنامية في آسيا الوسطى ستقيد حتماً حرية تصرف روسيا في مسعاها لتحقيق أي شكل لإعادة الإدماج السياسي للإقليم تحت سيطرة موسكو. في هذه الصلة وفيما يتعلق بالخليج الفارسي، فإن حاجة الصين المتزايدة للطاقة تملي مصلحة مشتركة مع أمريكا في الحفاظ على حرية الوصول والاستقرار السياسي في الأقاليم المنتجة للبترول. بالمثل، دعم الصين لباكستان يكبح طموحات الهند في إخضاع هذا البلد ويعوض نزوع الهند للتعاون مع روسيا فيما يتعلق بأفغانستان وآسيا الوسطى. في النهاية، التدخل الصيني والياباني في تطوير سيبيريا الشرقية يمكن بالمثل أن يساعد على تحسين الاستقرار الإقليمي. هذه المصالح المشتركة يجب أن تُستكشف من خلال حوار إستراتيجي مستدام[1].

 هناك أيضاً مناطق يمكن أن تصطدم فيها الطموحات الصينية مع المصالح الأمريكية (وأيضاً اليابانية)، خاصة لو أن هذه الطموحات سيتم متابعتها من خلال تكتيكات الذراع القوية المألوفة أكثر تاريخياً. هذا ينطبق بشكل خاص على جنوب شرق آسيا وتايوان وكوريا.

   جنوب شرق آسيا من المحتمل أن يكون شديد الثراء، وشديد الاتساع جغرافياً، وكبير جداً ببساطة على أن يكون خاضعاً لصين قوية – ولكنه أيضاً شديد الضعف ومفكك سياسياً على ألا يكون على الأقل منطقة احترام للصين. نفوذ الصين الإقليمي الذي يغري به الوجود الاقتصادي والمالي للصين في كل بلاد المنطقة، زيادته مرتبطة بزيادة قوة الصين. الكثير يعتمد على كيفية تطبيق الصين لهذه القوة، ولكن ليس هناك ما يبين ضمنياً أن أمريكا لديها أي مصلحة خاصة في مقاومة ذلك مباشرة أو أن تصبح متورطة في قضايا مثل النزاع حول بحر الصين الجنوبي. الصينيون لديهم خبرة تاريخية كبيرة في إدارة علاقات غير متكافئة (أو خاضعة) بمهارة، وسيكون بالتأكيد من مصلحة الصين ممارسة ضبط النفس من أجل تجنب المخاوف الإقليمية من الإمبريالية الصينية. هذه المخاوف يمكن أن تولد تحالف مضاد للصين (بعض الإيحاءات على ذلك موجودة بالفعل في التعاون العسكري الأسترالي-إندونيسي الوليد)، والذي من المرجح أن يطلب الدعم في تلك الحالة من الولايات المتحدة واليابان وأستراليا.

  صين أكبر خاصة بعد هضم هونغ كونغ، من المؤكد غالباً أنها ستسعى بنشاط أكبر لتحقيق إعادة توحيد تايوان مع البر الرئيسي. من المهم أن نقدر واقع أن الصين لم تذعن أبداً للفصل الغير محدد لتايوان. بالتالي في وقت ما هذه القضية يمكن أن تولد صدام أمريكي صيني وجهاً لوجه. عواقبه لكل من يهمه الأمر قد تكون شديدة الضرر: تطلعات الصين الاقتصادية قد تتراجع؛ علاقات أمريكا مع اليابان قد تصبح شديدة التوتر؛ والجهود الأمريكية لخلق توازن مستقر في أوراسيا الشرقية قد تُعرقل.

بالتالي من الضروري تحقيق وصيانة أقصى وضوح في هذه القضية تبادلياً. حتى لو أن في المستقبل المنظور من المحتمل أن تفتقر الصين إلى وسائل لإجبار تايوان بفاعلية، فيجب أن تفهم بكين – وتكون مقتنعة بمصداقية – أن الإذعان الأمريكي لمحاولة دمج تايوان بالقوة، باستخدام القوة العسكرية سيكون مدمراً بشدة للموقف الأمريكي في الشرق الأقصى وهو ما لن تستطيع أمريكا أن تبقى أمامه مستسلمة عسكرياً؛ لو عجزت تايوان عن حماية نفسها.

بمعنى آخر، سيكون على أمريكا  التدخل، ليس من أجل تايوان منفصلة ولكن من أجل المصالح الجيوسياسية الأمريكية في منطقة آسيا – الهادي Asia-Pacific. هذا فرق مهم.  الولايات المتحدة ليس لها في حد ذاتها أي مصلحة خاصة في تايوان منفصلة. في الواقع، موقفها الرسمي كان وسيظل، أن هناك فقط صين واحدة. ولكن كيفية سعي الصين لإعادة التوحيد يمكن أن يصطدم بمصالح أمريكا الحيوية، وعلى الصينيين أن يكونوا مدركين بوضوح لذلك.

 قضية تايوان أيضاً تعطي أمريكا سبباً مشروعاً لرفع مسألة حقوق الإنسان في تعاملاتها مع الصين بدون تبرير الاتهام بالتدخل في الشؤون المحلية للصين. من المناسب تماماً التكرار لبكين بأن إعادة التوحيد ستتم فقط عندما تصبح الصين أكثر    ازدهاراً وديمقراطية. فقط هذه الصين ستكون قادرة على جذب تايوان ودمجها في صين أكبر تكون مستعدة أيضاً لأن تكون اتحاداً كونفدرالياً قائم على مبدأ “بلد واحد، عدة أنظمة”. على أية حال، بسبب تايوان، من مصلحة الصين تحسين احترام حقوق الإنسان، ومن المناسب أن تتناول أمريكا الموضوع في هذا السياق.

   في نفس الوقت، يجب على الولايات المتحدة – بالحفاظ على وعدها للصين – أن تمتنع عن دعم أي ترقية دولية لوضع تايوان سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. في تسعينات القرن العشرين، بعض الاتصالات الأمريكية التايوانية الرسمية أعطت الانطباع بأن الولايات المتحدة بدأت ضمنياً في معاملة تايوان كدولة منفصلة، والغضب الصيني من هذا الموضوع لم يكن مفهوماً، مثل الاستياء الصيني من الجهد المكثف للمسؤولين التايوانيين لاكتساب اعتراف دولي لوضع تايوان الانفصالي.

 ولذلك، الولايات المتحدة لا يجب أن تخجل، من أن توضيح موقفها تجاه تايوان سيتأثر عكسياً بالجهود التايوانية لتبديل المواقف الغامضة المتعمدة القائمة منذ زمن طويل التي تحكم العلاقة بين الصين وتايوان. كما أن، لو أن الصين ازدهرت وتحولت ديمقراطياً ولو أن استيعابها لهونغ كونغ لم يتضمن انتكاساً فيما يتعلق بالحقوق المدنية، فإن التشجيع الأمريكي لحوار جاد عبر المضيق فيما يتعلق بشروط إعادة توحيد نهائي سيساعد على توليد ضغط لزيادة التحول الديمقراطي داخل الصين، مع تعزيز توافق استراتيجي أوسع بين الولايات المتحدة وصين أكبر.

  كوريا، الدولة المفصلية جيوسياسياً في شمال شرق آسيا، يمكن أن تصبح مرة أخرى مصدراً للنزاع بين أمريكا والصين، ومستقبلها أيضاً سيؤثر مباشرة على العلاقة الامريكية يابانية. طالما بقيت كوريا مقسمة مع كمون قابليتها لأن تكون معرضة لحرب بين الشمال الغير مستقر والجنوب المتزايد الثراء، يجب أن تبقى القوات الأمريكية على شبه الجزيرة. أي انسحاب أحادي الجانب للولايات المتحدة لن يؤدي فقط إلى احتمال التعجيل بحرب جديدة، ولكن سيكون على الأرجح مؤشراً لنهاية الوجود العسكري الأمريكي في اليابان. من الصعب تصور استمرار اعتماد اليابانيين على نشر القوات الأمريكية على الأراضي اليابانية في أعقاب تخل أمريكي عن كوريا الجنوبية. إعادة التسلح السريع لليابان سيكون النتيجة الراجحة، مع عواقب تؤدي إلى عدم استقرار واسع في الإقليم ككل.

  لكن إعادة توحيد كوريا، من المحتمل أيضاً أن يشكل معضلات جيوسياسية خطيرة. لو أن القوات الأمريكية كان عليها أن تبقى في كوريا معاد توحيدها، فسيُنظر إليها حتماً من الصينيين على أنها موجهة ضد الصين. في الواقع، من المشكوك فيه أن الصينيون سيذعنون لإعادة التوحيد تحت هذه الظروف. لو أن إعادة التوحيد هذه تمت على مراحل، الصين ستعيقه سياسياً وستدعم تلك العناصر في كوريا الشمالية التي ستبقى معارضة لإعادة التوحيد. لو ان إعادة التوحيد هذه ستتم بشكل عنيف، من جانب كوريا الشمالية، حتى التدخل الصيني العسكري لا يمكن منعه. من وجهة النظر الصينية كوريا معاد توحيدها قد تكون مقبولة فقط لو لم تكن توسعاً مباشراً للقوة الأمريكية (مع اليابان في الخلفية منصة انطلاق له)

لكن، كوريا معاد توحيدها بدون جنود أمريكيين على أرضها من المحتمل أن تنجذب أولاً تجاه شكل من الحياد بين الصين واليابان ثم بالتدريج – مدفوعة من جانب ببواقي ولكن مازالت كثيفة من المشاعر المعادية لليابان – تجاه مجال نفوذ صيني لنفوذ سياسي أكثر جزماً أو نوع ما من الاحترام الأكثر نعومة. ثم تتصاعد قضية إذا ما كانت اليابان مازالت راغبة في أن تكون القاعدة الأسيوية الوحيدة للقوة الأمريكية. على الأقل، القضية ستكون أكثر إثارة للخلاف في السياسات اليابانية الداخلية. أي تراجع ناتج في نطاق الامتداد العسكري في الشرق الأقصى سيجعل بدوره الحفاظ على توازن أوراسي مستقر للقوة أكثر صعوبة. وبذلك فإن هذه الاعتبارات ستحسن الحصص الأمريكية واليابانية في الوضع الكوري القائم (بالرغم أنه في كل حالة، لأسباب مختلفة نوعاً ما)، ولو أن هذا الوضع القائم سيتبدل، فيجب أن يحدث ذلك على مراحل شديدة البطء، ومن المفضل في وضع توافق أمريكي صيني إقليمي عميق.

  في نفس الوقت، مصالحة يابانية كورية حقيقية قد تساهم بشكل كبير في وضع إقليمي أكثر استقراراً لأي إعادة توحيد نهائية. التعقيدات الدولية المختلفة التي من الممكن أن تنشأ من إعادة الاندماج الكوري قد تُخفف بمصالحة حقيقية بين اليابان وكوريا، مسببة في تعاون متزايد وعلاقة سياسية ملزمة بين البلدين. الولايات المتحدة يمكنها أن تلعب الدور الهام بتعزيز هذه المصالحة.  كثير من الخطوات المحددة التي تم اتخاذها لتقديم المصالحة الألمانية الفرنسية أولاً ثم فيما بعد الألمانية بولندية (على سبيل المثال، المتراوحة ما بين من برامج جامعية مشتركة إلى تشكيلات عسكرية مشتركة في النهاية) يمكن اتخاذها في هذه الحالة. شراكة يابانية كورية شاملة ومسببة للاستقرار في الإقليم يمكن بدورها أن تسهل الوجود الأمريكي المستمر في الشرق الأقصى حتى ربما بعد التوحيد الكوري.

 من المفهوم أن علاقة سياسية وثيقة مع اليابان هي في مصلحة أمريكا الجيوستراتيجية العالمية. ولكن سواء كان على اليابان أن تصبح تابعة لأمريكا أو منافسة أو شريكة فإن ذلك يعتمد على قدرة الأمريكيين واليابانيين على التحديد الأكثر وضوحاً لأي الأهداف الدولية يجب على الدولتين أن تسعيان إليهما وأن ترسما الخط التقسيمي بمنتهى الدقة بين المهمة الجيوستراتيجية الأمريكية في الشرق الأقصى والطموحات اليابانية في دور عالمي. بالنسبة لليابان، بالرغم من المناقشات المحلية حول سياسة اليابان الخارجية، فإن العلاقة مع أمريكا مازالت المنارة المركزية لشعورها بالتوجه الدولي. اليابان المشوشة، المترنحة تجاه إعادة التسلح أو التوافق المنفصل مع الصين ستؤدي إلى نهاية الدور الأمريكي في إقليم آسيا-الهادي وستعوق بروز ترتيب ثلاثي مستقر إقليمياً يشمل أمريكا واليابان والصين. وذلك بدوره سيحول دون تشكيل توازن سياسي أمريكي الإدارة عبر أوراسيا.

  باختصار، يابان مشوشة ستكون مثل حوت ضل سبيله وذهب إلى الشاطئ: يتقلب ويضرب الماء بلا حول ولا قوة ولكن بطريقة خطيرة. يمكنها أن تجعل آسيا غير مستقرة، ولكن لا يمكنها أن تخلق بديل مقبول للتوازن المطلوب المسبب للاستقرار بين أمريكا واليابان والصين. فقط من خلال تحالف وثيق مع اليابان ستكون أمريكا قادرة على تسكين طموحات الصين الإقليمية وتقييد مظاهرها التعسفية. فقط على هذا الأساس بمكن تدبير توافق ثلاثي معقد – يضم قوة أمريكا العالمية وصدارة الصين الإقليمية وزعامة اليابان الدولية.

يترتب على ذلك أنه في المستقبل المنظور، تخفيض للمستويات الحالية للقوات الأمريكية في اليابان (وباستطراد في كوريا) ليس مرغوباً فيه. لكن، على نفس المنوال، أي زيادة كبيرة في المجال الجيوسياسي والمقدار الحقيقي للمجهود الياباني العسكري غير مرغوب فيه أيضاً. انسحاب أمريكي كبير من المرجح أن يحث على برنامج تسليح ياباني كبير في سياق ارتباك استراتيجي مقلق، بينما الضغط الأمريكي على اليابان للقيام بدور عسكري أكبر يمكن فقط أن يضر تطلعات الاستقرار الإقليمي، ويعوق توافق إقليمي أوسع مع صين أكبر، وصرف اليابان عن مباشرة مهمة دولية بناءة أكثر، وبالتالي تعقيد الجهود لرعاية تعددية جيوسياسية مستقرة عبر أوراسيا.

  يترتب على ذلك أن اليابان – لو كان عليها أن تدير وجهها للعالم وبعيداً عن آسيا – يجب أن تُعطى حافز له معنى ووضع خاص، بحيث تُخدم مصلحتها الوطنية جيداً. على عكس الصين، التي يمكن أن تسعى إلى تحقيق قوة عالمية بأن تصبح أولاً قوة إقليمية، اليابان يمكنها أن تكتسب نفوذاً عالمياً بتجنب السعي وراء القوة الإقليمية. ولكن هذا يجعل من المهم أكثر لليابان أن تشعر أنها شريكة أمريكا الخاصة في نداء عالمي مرض سياسياً مثلما هو مفيد اقتصادياً. لهذه الغاية، الولايات المتحدة تفعل خيراً بالتفكير في عمل اتفاقية تجارة حرة بين اليابان وأمريكا، وبذلك خلق مساحة اقتصادية أمريكية – يابانية مشتركة. هذه الخطوة، التي ترسم الرابطة المتنامية بين اقتصاد البلدين، قد تقدم الدعامة الجيوسياسية لكل من الوجود الأمريكي المستمر في الشرق الأقصى ولليابان تدخل عالمي بناء[2].

   في الختام: بالنسبة لأمريكا، اليابان يجب أن تكون هي شريكتها الأولى والحيوية في بناء نظام للتعاون العالمي متزايد التعاون وواسع الانتشار ولكن ليست في المقام الأول حليفتها العسكرية في أي ترتيب إقليمي مصمم لمنافسة صدارة الصين الإقليمية. في الواقع، اليابان يجب أن تكون شريك أمريكا العالمي في معالجة الأجندة الجديدة لشؤون العالم. صين متصدرة إقليمياً يجب أن تصبح مرساة أمريكا في الشرق الاقصى في المجال الأكثر تقليدية لسياسات السلطة، وبذلك تساعد في تعزيز توازن أوراسي للقوة، مع تماثل الصين الأكبر في شرق أوراسيا في هذا الخصوص للدور الذي تلعبه أوروبا موسعة في غرب أوراسيا.

[1]. In a meeting in 1996 with China’s top national security and defense officials, I identified (using occasionally deliberately vague formulations) the following areas of common strategic interest as the basis for such a dialogue: (1) a peaceful Southeast Asia; (2) nonuse of force in the resolution of offshore issues; (3) peaceful reunification of China; (4) stability in Korea; (5) independence of Central Asia; (6) balance between India and Pakistan; (7) an economically dynamic and internationally benign Japan; (8) a stable but not too strong Russia.

[2] A strong case for this initiative, pointing out the mutual economic benefits thereof, is made by Kurt Tong, “Revolutionizing America’s Japan Policy,” Foreign Policy (Winter 1996-1997).

 

الإعلانات

اترك رد