9-01: رقعة الشطرنج الكبيرة – الفصل السادس – 2

رقعة الشطرنج الكبيرة  THE GRAND CHESSROARD

الفصل السادس: مرتكز الشرق الأقصى  The Far Eastern Anchor

اليابان ليست إقليمية ولكن دولية Japan: Not Regional but International

 كيفية تطور العلاقة الأمريكية يابانية بعد هام في المستقبل الجيوسياسي للصين. منذ نهاية الحرب المدنية الصينية عام 1949م.، تقوم السياسة الأمريكية في الشرق الأقصى على اليابان. في البداية فقط اليابان كانت موقع القوات الأمريكية المحتلة، ثم منذ ذلك الحين أصبحت اليابان قاعدة الوجود السياسي-عسكري أمريكي في إقليم آسيا-الهادي Asia-Pacific region  والحليف العالمي الهام لأمريكا، وأيضاً محمية أمنية. لكن، بروز الصين، يطرح التساؤل إذا ما كانت العلاقة الأمريكية يابانية يمكن أن تستمر في السياق الإقليمي المتبدل altering regional context ولأي نهاية.  دور اليابان في تحالف مضاد للصين قد يكون واضحاً؛ ولكن ماذا يجب أن يكون دور اليابان لو أن الصين تم التوافق معها بطريقة ما وحتى لو أنها خفضت صدارة أمريكا في الإقليم؟

اليابان مثل الصين، دولة قومية مع شعور عميق مغروس بسمتها الفردية ووضعها الخاص. تاريخها المنعزل في الجزر، وحتى ميثولوجيتها الإمبراطورية، جعلا الشعب الياباني الشديد الكدح المنضبط يرى نفسه موهوباً طريقة حياة متميزة ومتسامية، والتي دافعت عنها اليابان في البداية بانعزال عظيم ثم، عندما فرض العالم نفسه في القرن التاسع عشر، بمحاكاة الإمبراطوريات الأوروبية في السعي لخلق إمبراطورية لنفسها على البر الرئيسي الأسيوي. كارثة الحرب العالمية الثانية جعلت الشعب الياباني يركز على الهدف الأحادي البعد “الانتعاش الاقتصادي”، ولكنه تركه متشككاً فيما يتعلق بالمهمة الأوسع لبلدهم.

المخاوف الأمريكية الحالية من صين مهيمنة تذكر بالبارانويا الأمريكية الحديثة نسبياً المتعلقة باليابان. الفوبيا الصينية حلت الآن محل الفوبيا اليابانية . فقط منذ عقد سابق، التنبؤات بالظهور الياباني المحتوم والوشيك كدولة فائقة superstate في العالم – “لا تستعد فقط لخلع أمريكا من العرش وحتى الاستيلاء عليه فقط ولكن لفرض نوع من السلام الياباني  Pax Nipponica “- كانت صناعة منزلية بين المعلقين والسياسيين الأمريكيين. ولكن ليس فقط بين الأمريكيين. اليابانيون أنفسهم أصبحوا عاجلاً مقلدين متحمسين، مع مجموعات من الأعمال الأفضل مبيعاً في اليابان تعرض موضوع أن اليابان مقدر لها أن تسود في تنافسها التكنولوجي العالي مع الولايات المتحدة وأن اليابان ستصبح عاجلاً مركز إمبراطورية معلومات عالمية، بينما تزعم أن أمريكا تنزلق إلى انحدار بسبب تعب تاريخي وانغماس ذاتي اجتماعي في الملذات.

هذه التحليلات السطحية تحجب الدرجة التي كانت عليها اليابان، وتبقى بلداً معرضاً للخطر. فهي معرضة لأدنى الاختلالات في التدفق المنتظم العالمي للموارد والتجارة، وغني عن الذكر الاستقرار العالمي بشكل أكثر عمومية، وتنزعج بظهور عوامل الضعف الداخلية على السطح – الديمغرافية والاجتماعية والسياسية. اليابان في نفس الوقت غنية وديناميكية وقوية اقتصادياً، ولكنها أيضاً منعزلة إقليمياً ومقيدة سياسياً باعتمادها الأمني على حليف قوي هو الحارس الرئيسي للاستقرار العالمي (الذي تعتمد عليه اليابان) وهو أيضاً المنافس الاقتصادي الرئيسي لليابان.

ليس من المحتمل أن وضع اليابان الحالي – من جانب كقوة اقتصادية ذات مكانة عالمية ومن جانب آخر، كامتداد جيوسياسي للقوة الأمريكية – سيبقى مقبولاً للأجيال الجديدة من اليابانيين، ولن تعد تصيبه تجربة الحرب العالمية الثانية بالجروح والعار. لأسباب تاريخية واحترام الذات، اليابان بلد ليست راضية تماماً بالوضع القائم، ولكنها تعبر عن عدم رضاها بطريقة خافتة أكثر من الصين. فهي تشعر ببعض التبرير أنها تستحق اعتراف رسمي كقوة عالمية ولكنها مدركة أيضاً أن الإعتماد الأمني على أمريكا المفيد إقليمياً والمطمئن لجيرانها يمنع هذا الاعتراف.

كما أن، تنامي قوة الصين على البر الرئيسي لآسيا، مع احتمال إشعاع نفوذها قريباً إلى الأقاليم البحرية ذات الأهمية الاقتصادية لليابان، يزيد من حدة الشعور الياباني بالغموض فيما يتعلق بالمستقبل الجيوسياسي للبلاد. من جانب، هناك في اليابان تماهي ثقافي وعاطفي قوي مع الصين وشعور كامن بهوية آسيوية مشتركة. بعض اليابانببن قد يشعرون أيضاً بأن بروز صين قوية له تأثير مناسب لتحسين أهمية اليابان للولايات المتحدة مع انخفاض التغلب الأمريكي على الإقليم. من جانب آخر، بالنسبة للكثير من اليابانيين، الصين هي المنافس التقليدي، عدو سابق وتهديد كامن لاستقرار الإقليم. هذا يجعل الرابطة الأمنية مع أمريكا اكثر أهمية من ذي قبل، حتى لو أنها تزيد من استياء بعض اليابانيين الأكثر قومية فيما يتعلق بالقيود المزعجة على الاستقلال العسكري والسياسي الياباني.

هناك تماثل سطحي بين وضع اليابان في أقصى شرق أوراسيا وألمانيا في أقصى غرب أوراسيا. كلاهما الحلفاء الرئيسيين الإقليميين للولايات المتحدة. فعلياً القوة الأمريكية في أوروبا وآسيا مستمدة مباشرة من التحالفات الوثيقة مع هذين البلدين. كلاهما لديهما مؤسسات عسكرية محترمة، ولكنها ليست مستقلة: ألمانيا مقيدة بتكاملها العسكري في الناتو، بينما اليابان مقيدة بقيودها الدستورية الذاتية (المصممة أمريكياً) والمعاهدة الأمنية الأمريكية يابانية. كلاهما قوة مالية وتجارية، مهيمنة إقليمياً وبارزة ومتفوقة أيضاً على المقياس العالمي. كلاهما يمكن أن تُصنف كقوة شبه عالمية وكلاهما تغتاظ من الإنكار المستمر للاعتراف الرسمي من خلال مقاعد دائمة في مجلس أمن الأمم المتحدة.

ولكن الاختلافات في أحوالهما الجيوسياسية حبلى بعواقب من المحتمل أن تكون كبيرة. علاقة ألمانيا الفعلية مع الناتو تضع البلد على قدم مساواة مع حلفائها الأوروبيين الأساسيين، وتحت معاهدة شمال الأطلسي، ألمانيا عليها التزامات دفاعية تبادلية مع الولايات المتحدة. المعاهدة الأمنية الأمريكية يابانية تشترط التزامات أمريكية بالدفاع عن اليابان، ولكنها لا تنص على استخدام القوات المسلحة اليابانية في الدفاع عن أمريكا ولو حتى شكلياً. المعاهدة تقنن فعلياً علاقة حماية.

كما أن، ألمانيا، بعضويتها الاستباقية proactive membership  في الاتحاد الأوروبي والناتو، لم تعد يُنظر إليها كتهديد من هؤلاء الجيران الذين كانوا في الماضي ضحايا لاعتدائها ولكن أصبح يُنظر إليها كشريك سياسي واقتصادي مرغوب فيه. البعض حتى رحبوا بظهور محتمل لميتلاوروبا Mitteleuropa بقيادة ألمانيا، مع رؤية ألمانيا كقوة إقليمية حميدة. ولكن ذلك بعيد عن حالة اليابان مع جيرانها الآسيويين، الذين يكنون عداءاً كامناً تجاه اليابان بسبب الحرب العالمية الثانية. عامل مساهم لاستيائهم هو ارتفاع ثمن الين، وهو ما لم يتسبب فقط في شكاوى مرة ولكن أعاق أيضاً الترضية مع ماليزيا وإندونيسيا والفلبين وحتى مع الصين، 30% من ديونهم الطويلة المدى مع اليابان بالين.

اليابان أيضاً ليس لها مكافئ لفرنسا بالنسبة لألمانيا: شريك حقيقي ومتساوي. باعتراف الجميع هناك جاذبية ثقافية قوية للصين، مختلطة ربما بشعور بالذنب، ولكن هذه الجاذبية غامضة سياسياً فكلا الطرفين لا يثقان في بعضهما ولا أي طرف منهما مستعد لقبول زعامة الآخر الإقليمية. اليابان أيضاً ليس لها مكافئ لبولندا بالنسبة لألمانيا: جار أكثر ضعفاً ولكن مهم جيوسياسياً ترضيته والتعاون معه أصبح حقيقة. ربما كوريا، خاصة بعد إعادة التوحيد في نهاية المطاف، يمكن أن تكون ذلك المكافئ، ولكن العلاقات اليابانية الكورية جيدة شكلياً فقط، مع الذكريات الكورية للهيمنة الماضية والشعور الياباني بالتفوق الثقافي تعيق أي ترضية اجتماعية حقيقية[1]. في النهاية، العلاقات اليابانية مع روسيا أبرد من العلاقات الروسية الألمانية. روسيا مازالت تحتفظ بجزر كوريل الجنوبية بالقوة، والتي استولت عليها قبل نهاية الحرب العالمية الثانية مباشرة، وبذلك تجمدت العلاقات الروسية يابانية. باختصار، اليابان معزولة سياسياً في إقليمها، بينما ألمانيا ليست كذلك.

علاوة على أن، ألمانيا تتقاسم مع جيرانها كلا من المبادئ الديمقراطية المشتركة والميراث المسيحي الأوروبي الواسع. وهي تسعى أيضاً إلى تعريف وحتى السمو بنفسها داخل كيان وقضية أكبر من نفسها، هي قضية أوروبا. على العكس، ليس هناك آسيا مثيلة، الماضي الياباني المنعزل في الجزر وحتى نظامها الديمقراطي يميل إلى عزلها عن باقي الإقليم، بالرغم من ظهور الديمقراطية في السنوات المؤخرة في عدد من البلدان الأسيوية. الكثير من الأسيويين يرون اليابان ليس فقط محبة لذاتها من حيث القومية ولكن أيضاً مقلدة للغرب بشكل صريح ومترددة في الانضمام لهم في التساؤل حول آراء الغرب في حقوق الإنسان وأهمية الفردية. وهكذا، تُرى اليابان على أنها ليست أسيوية بحق من كثير من الأسيويين، حتى بالرغم أن الغرب يتساءل أحياناً عن الدرجة التي أصبحت عليها اليابان غربية بحق.

فعلياً، بالرغم أنها واقعة في آسيا الا ان اليابان ليست أسيوية بشكل مريح. هذه الحالة تحدد بدرجة كبيرة اختياراتها الجيوستراتيجية. خيار إقليمي حقيقي، بوجود يابان متفوقة إقليمياً تغطي على الصين – حتى لو لم يكن مبنياً على هيمنة يابانية ولكن على تعاون إقليمي بقيادة يابانية حميدة- لا يبدو قابلاً للوجود لأسباب تاريخية وسياسية وثقافية صلبة. كما أن، اليابان تبقى معتمدة على الحماية العسكرية والرعاية الدولية الأمريكية. إلغاء أو حتى إضعاف معاهدة الأمن الأمريكية يابانية سيجعل اليابان معرضة على الفور للاضطرابات التي يمكن أن يحدثها أي مظهر لاضطراب إقليمي أو عالمي. البدائل الوحيدة ستكون إما قبول صدارة الصين الإقليمية أو مباشرة برنامج كبير لإعادة التسليح العسكري الذي لن يكون فقط مكلفاً ولكن في منتهى الخطورة.

من الممكن تفهم أن الكثير من اليابانيين يجدون وضع بلدهم الحاضر شاذاً – قوة شبه عالمية وفي نفس الوقت محمية أمنية. ولكن البدائل الدراماتيكية القابلة للوجود للترتيبات القائمة ليست واضحة. لو قيل إن الأهداف القومية للصين بالرغم من الآراء المتنوعة التي لا مفر منها بين الإستراتيجيين الصينيين حول جوانب محددة، واضحة بدرجة معقولة وأن الضغط الإقليمي للطموحات الجيوسياسية الصينية يمكن التنبؤ بها نسبياً، إلا أن الرؤية الجيوستراتيجية اليابانية تميل إلى أن تكون ضبابية نسبياً والمزاج الياباني العام أكثر غموضاً.

غالبية اليابانيين يدركون أن تغييراً استراتيجياً كبيراً ومفاجئاً بالطبع يمكن أن يكون خطيراً. هل يمكن أن تصبح اليابان قوة إقليمية في إقليم مازالت هي فيه موضع استياء والصين تبرز فيه كقوة متصدرة إقليمياً؟ هل اليابان يجب أن تذعن لهذا الدور الصيني ببساطة؟ هل يمكن لليابان أن تصبح قوة عالمية حقيقة شاملة بكل أبعادها بدون تعريض الدعم الأمريكي للخطر و إثارة العداوة الإقليمية أكثر؟ وهل أمريكا ستبقى على أية حال في آسيا، ولو أنها فعلت، ماذا سيكون رد فعلها على اصطدام النفوذ الصيني المتزايد مع الأولوية الممنوحة حتى الآن للعلاقة اليابانية الأمريكية؟ في غالبية الحرب الباردة، لم تتصاعد أي من هذه الأسئلة. اليوم، أصبحت بارزة إستراتيجياً وتدفع إلى نقاش متزايد بحيوية في اليابان.

منذ خمسينات القرن العشرين، السياسة اليابانية الخارجية موجهة بأربعة مبادئ أساسية أعلنها رئيس الوزراء شيغورو يوشيدا Shigeru Yoshida بعد الحرب. عقيدة يوشيدا تنص على:

1-الهدف الرئيسي لليابان يجب أن يكون تطوير الاقتصاد

2-اليابان يجب أن تكون مسلحة تسليحاً خفيفاً ويجب أن تتجنب الدخول في صراعات دولية

3-اليابان يجب أن تتبع الزعامة السياسية للولايات المتحدة وتقبل حمايتها العسكرية

4-الدبلوماسية اليابانية يجب أن تكون غير إيديولوجية ويجب أن تركز على التعاون الدولي.

لكن بما أن الكثير من اليابانيين يشعرون بالضيق من درجة تدخل اليابان في الحرب الباردة، فقد تم تشجيع فكرة شبه الحياد الخيالية في نفس الوقت. فعلياً، في عام 1981م. أُجبر وزير الخارجية ماسايوشي Masayoshi على الاستقالة لسماحه باستخدام التعبير “حلف” في وصف العلاقات الأمريكية يابانية.

كل هذا أصبح ماضياً، اليابان كانت تستعيد نفسها والصين كان تعزل نفسها وأوراسيا كانت مستقطبة. على العكس، النخبة اليابانية الآن تشعر بأن يابان غنية متدخلة اقتصادياً في العالم لم تعد تحدد الإثراء الذاتي كغاية محورية لها بدون إثارة الاستياء الدولي. كما أن، يابان قوية اقتصادياً وتنافس أمريكا بشكل خاص، لا يمكن ببساطة أن تكون امتداداً لسياسة أمريكا الخارجية بينما هي في نفس الوقت تتجنب أي مسؤوليات سياسية دولية. يابان أكثر تأثيراً سياسياً، وتسعى بشكل خاص إلى الاعتراف الدولي (على سبيل المثال مقعد في مجلس أمن الأمم المتحدة)، لا يمكن أن تتجنب اتخاذ مواقف في القضايا الجيوسياسية الأمنية الأكثر أهمية التي تؤثر في السلام العالمي.

 كنتيجة لذلك، شهدت السنوات المؤخرة دراسات وتقارير خاصة من هيئات يابانية متنوعة عامة وخاصة، ومن عدد كبير من الكتب المثيرة للجدل غالباً من أساتذة وسياسيين معروفين، تحدد مهام جديدة لليابان في حقبة ما بعد الحرب الباردة[2].

الكثير من هذه الأعمال تضمنت تخمينات تتعلق ببقاء ومرغوبية الحلف الأمني الأمريكي ياباني ودعت إلى دبلوماسية يابانية أكثر نشاطاً، خاصة تجاه الصين، أو دور عسكري ياباني أكثر فعالية في الإقليم. بالحكم على حالة العلاقة الأمريكية يابانية على أساس الحوار العام، يمكن تبرير استنتاج أنه بمنتصف تسعينات القرن العشرين العلاقات بين البلدين دخلت مرحلة الأزمة.

لكن، على مستوى السياسة الشعبية، التوصيات التي نوقشت باهتمام كانت متعقلة وموزونة ومعتدلة. الخيارات المتطرفة – التي تتسم بمسالمة تامة (مصبوغة بنكهة معادية للولايات المتحدة) أو إعادة تسليح كبيرة أحادية الجانب (في حاجة إلى مراجعة الدستور وتحد لرد فعل عكسي أمريكي وإقليمي) – اكتسبت عدد قليل من المؤيدين. الجاذبية الشعبية للسلمية تلاشت في السنوات الحديثة كما أن الأحادية والعسكرية فشلت أيضاً في اكتساب الكثير من التأييد الشعبي، بالرغم من تأييد بعض المتحدثين اللامعين. الجمهور على نطاق واسع وخاصة نخبة الأعمال المؤثرة يشعرون غريزياً أن كلا الخيارين لا يوفر خيار سياسي حقيقي وفي الواقع يمكن فقط أن يعرض الرفاهية اليابانية للخطر.

الحوارات الشعبية المهيمنة سياسياً تضمنت في الأساس اختلافات في التأكيد المتعلق بوضع اليابان الأساسي دولياً، مع بعض التنوعات الثانوية تتعلق بالأولويات الجيوسياسية. بعبارات عامة، يمكن التعرف على ثلاثة توجهات كبرى وربما توجه رابع صغير، وهي كالتالي:

أمريكا أولاً الجريئون unabashed “America Firsters

الميركانتيليون العالميون global mercantilists

الواقعيون الإستباقيون proactive realists

وأصحاب الرؤى الدوليون international visionaries

لكن، في التحليل النهائي، الأربعة يتقاسمون نفس الهدف العام ويشتركون في نفس المخاوف المحورية: استغلال العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة من أجل اكتساب اعتراف عالمي باليابان، مع تجنب العداء الأسيوي وبدون تعريض مظلة الأمن الأمريكية للخطر قبل الأوان.

التوجه الاول يعتبر نقطة انطلاقه الافتراض بأن رعاية العلاقة الامريكية يابانية (والمسلم انها غير متماثلة) يجب أن تبقى القلب المركزي للجيوستراتيجية اليابانية. المتمسكون بهذا التوجه يرغبون مثل كل اليابانيين، في اعتراف دولي أكبر باليابان وبمساوة أكبر في التحالف، ولكن موضوع ايمانهم الرئيسي كما وضحه رئيس الوزراء كيشي ميازاوا[3] Kiichi Miyazawa  في يناير 1993م. هو أن مستقبل العالم في القرن الحادي والعشرين سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة اليابان والولايات المتحدة على توفير قيادة تعاونية تحت رؤية مشتركة”. هذه الرؤية كانت سائدة داخل النخبة السياسية الدولية ومؤسسة السياسة الخارجية التي أمسكت بالسلطة خلال العقدين السابقين. في المواضيع الجيوستراتيجية الرئيسية حول الدور الإقليمي للصين والوجود الأمريكي في كوريا، هذه القيادة كانت مؤيدة للولايات المتحدة، ولكنها ترى دورها أيضاً كمصدر لكبح أي نزعة أمريكية لاتخاذ موقف مواجهة تجاه الصين. في الواقع، حتى هذه المجموعة أصبحت مائلة بتزايد إلى التأكيد على الحاجة إلى علاقات يابانية صينية أوثق، تأتي في المرتبة تحت الروابط مع أمريكا مباشرة.

التوجه الثاني لا ينازع التعريف الجيوستراتيجي لسياسة اليابان مع أمريكا، ولكنه يرى التحقيق الأفضل للمصالح اليابانية بالاعتراف الصريح والقبول بأن اليابان هي في الأساس قوة اقتصادية. هذا المشهد يرتبط عادة مع البيروقراطية التقليدية المؤثرة لوزارة التجارة والصناعة الدولية ومع قيادة أعمال التصدير والتجارة في البلاد. وجهة النظر هذه ترى ان نزع السلاح النسبي لليابان من الأصول التي تستحق الاحتفاظ بها. مع ضمان أمريكا لأمن البلاد، اليابان تكون حرة لإتباع سياسة تدخل اقتصادي عالمي، تحسن تماماً من موقفها العالمي.

في عالم مثالي، التوجه الثاني قد يكون مائلاً لتفضيل سياسة حياد واقعي على الأقل، مع تعويض أمريكا لقوة الصين الإقليمية وبذلك تحمي تايوان وكوريا الجنوبية، وهكذا تجعل اليابان حرة لاستثمار علاقة اقتصادية أوثق مع البر الرئيسي ومع جنوب شرق آسيا. لكن، نظراً للحقائق السياسية القائمة، المركانتيليون العالميون يقبلون التحالف الامريكي ياباني كترتيب ضروري، بما في ذلك نفقات الميزانية المتواضعة نسبياً للقوات المسلحة اليابانية (والتي ما زالت لا تتجاوز 1% من الناتج القومي للبلاد)، ولكنهم غير متحمسين بصبغة التحالف بأي فحوى إقليمية هامة.

المجموعة الثالثة، الواقعيون الإستباقيون تميل إلى أن تكون النسل الجديد للسياسيين والمفكرين الجيوسياسيين. فهم يعتقدون أن يابان غنية وناجحة ديمقراطياً لديها كلا من الفرصة والالتزام لعمل تغيير حقيقي في عالم ما بعد الحرب الباردة. بعمل ذلك، يمكن أن تكتسب أيضاً الاعتراف العالمي الذي تستحقه اليابان كقوة اقتصادية تأتي تاريخياً في مصاف الامم العظيمة القليلة في العالم. ظهور هذا الوضع الياباني القوي بشر به في الثمانينات رئيس الوزراء ياسوهيرو ناكاسوني Yasuhiro Nakasone، ولكن ربما يكون أفضل عرض معروف لهذا المنظور كان متواجداً في تقرير لجنة أوزاوا Ozawa، المنشور عام 1994م. بعنوان موح “مخطط اليابان الجديدة: إعادة النظر في أمة  Blueprint for a New Japan: The Rethinking of a Nation “

اللجنة سُميت باسم رئيسها، إيشيرو أوزاوا Ichiro Ozawa، الزعيم السياسي الوسطي الصاعد سريعاً، التقرير يدعو إلى تحول ديمقراطي للثقافة السياسية الهرمية في البلاد وإعادة نظر في وضع اليابان الدولي. يحث اليابان على أن تكون بلداً طبيعياً، التقرير يوصي بالإبقاء على العلاقة الامنية الامريكية يابانية ولكن أيضاَ يوصي بأن تهجر اليابان جمودها الدولي بأن تكون داخلة بنشاط في السياسات العالمية، خاصة بتولي قيادة جهود حفظ السلام الدولية. لهذه الغاية، يوصي التقرير بأن تُرفع القيود الدستورية للبلاد حول ارسال القوات المسلحة للخارج.

ما لم يُقال ولكن يُشار إليه ضمنياً بالتأكيد على “بلد طبيعي normal country” كان أيضاً مفهوم إعتاق جيوسياسي أكثر أهمية من غطاء أمريكا الأمني. مؤيدو وجهة النظر هذه يميلون إلى المجادلة بأنه في الأمور ذات الأهمية العالمية، اليابان لا يجب أن تتردد في الكلام لآسيا، بدلاً من إتباع القيادة الأمريكية أوتوماتيكياً. ولكنهم يبقون بشكل مميز مبهمين في أمور حساسة مثل الدور الاقليمي المتنامي للصين أو مستقبل كوريا، غير مختلفين كثيراً عن زملائهم الاكثر تقليدية. وهكذا فيما يتعلق بالأمن الإقليمي، فهم يتقاسمون الميل الياباني الذي مازال قوياً بجعل بقاء الامرين مسؤولية أمريكا في الأساس، مع ممارسة اليابان فقط دور معتدل في أي حماس أمريكي مفرط.

في النصف الثاني من تسعينات القرن العشرين، هذا التوجه الواقعي الإستباقي بدأ في الهيمنة على التفكير الشعبي والتأثير في صياغة السياسة الخارجية اليابانية. في النصف الأول من عام 1996م، بدأت الحكومة اليابانية في التحدث عن الدبلوماسية المستقلة اليابانية، حتى ان وزير الخارجية الياباني الحذر دائما اختار ترجمة الجملة اليابانية بالتعبير الغامض (والاقل حدة بالنسبة لامريكا)  “الدبلوماسية الاستباقية”.

التوجه الرابع، أصحاب الرؤى الدوليين، كان مؤثراً أكثر من التوجهات السابقة، ولكنه يعمل أحياناً على صبغة وجهة النظر اليابانية بخطاب مثالي. يميل إلى أن يرتبط شعبوياً بشخصيات بارزة- مثل آكيو موريتا Akio Morita  من سوني – الذي عبر مسرحياً عن أهمية  الالتزام المبين للأهداف العالمية المرغوبة أخلاقياً لليابان. الرؤيويون الذين يذكرون عادة مفهوم “النظام العالمي الجديد” يدعون اليابان – لأنها ليست مُحملة بمسؤوليات جيوسياسية – إلى أن تكون قائدة عالمية في تطوير وتعزيز أجندة إنسانية للمجتمع العالمي.

التوجهات الأربعة كلها تتفق على موضوع إقليمي رئيسي: أن بروز تعاون أسيوي-هادي متعدد الجوانب multilateral Asia-Pacific cooperation  في مصلحة اليابان. هذا التعاون يمكن أن يكون له مع مرور الزمن ثلاثة تأثيرات إيجابية: يمكن أن يساعد في إدخال الصين (وأيضاً بكبحها بطريقة ماكرة)؛ يمكن أن يساعد في إبقاء أمريكا في آسيا، حتى مع تخفيض صدارتها تدريجياً؛ ويمكن أن يساعد في تخفيف الاستياء ضد اليابان وبالتالي زيادة نفوذ اليابان. بالرغم أنه ليس من المحتمل خلق مجال ياباني لنفوذ إقليمي، إلا أنه قد يكسب اليابان درجة ما من الاحترام الإقليمي، خاصة في البلدان البحرية البعيدة عن الساحل التي قد تكون قلقة من تزايد القوة الصينية.

أيضاً تتفق وجهات النظر الأربعة على أن استثمار حذر للصين مفضل كثيراً على أي مسعى بقيادة أمريكا تجاه احتواء مباشر للصين. في الواقع، فكرة استراتيجية لاحتواء الصين بقيادة أمريكية، أو حتى فكرة تحالف موازن غير رسمي محصور في الدول المكونة من جزر في تايوان والفلبين وبروناي وإندونيسيا بدعم من اليابان وأمريكا، ليس له جاذبية كبيرة لمؤسسة السياسة الخارجية اليابانية. في المنظور الياباني، أي مسعى من هذا النوع لن يتطلب فقط وجود كبير عسكري أمريكي غير محدد في كل من اليابان وكوريا ولكن من المحتمل أن يصبح نبؤه ذاتية التحقيق لصدام مع الصين – بخلق تداخل جيوسياسي مثير للفتنة بين المصالح الإقليمية الصينية والأمريكية-يابانية. النتيجة قد تكون منع الإعتاق الياباني الناشئ وتهديد الازدهار الاقتصادي في الشرق الأقصى.

وعلى نفس المنوال، هناك قليلون يفضلون العكس: توافق كبير بين اليابان والصين. العواقب الإقليمية لهذا العكس الكلاسيكي classical reversal للتحالفات قد تكون مثيرة بشدة للاضطرابات: انسحاب أمريكي من الإقليم علاوة على الخضوع السريع لكل من تايوان وكوريا للصين، تاركاً اليابان لرحمة الصين. هذا ليس احتمالاً جذاباً، إلا ربما لقليل من المتطرفين. مع تهميش روسيا جيوسياسياً واحتقارها تاريخياً، ليس هناك بديل للإجماع الأساسي بأن الصلة بأمريكا تبقى خط الحياة المحوري لليابان. بدونها، لا يمكن لليابان أن تضمن لنفسها إمداد ثابت ومستقر للبترول ولا أن تحمي نفسها من قنبلة نووية صينية (وربما أيضاً كورياً عاجلاً). الموضوع السياسي الحقيقي الوحيد هو كيفية التلاعب الأفضل بالعلاقة الأمريكية من أجل تقديم المصالح اليابانية.

   لذلك، ساير اليابانيون الرغبات الأمريكية لتحسين التعاون العسكري الامريكي ياباني، بما في ذلك المجال المتسع على ما يبدو من شرق أقصى محدد إلى الصيغة الأكثر اتساعاً “آسيا-الهادي”.  تماشياً مع ذلك، الحكومة اليابانية في أوائل عام 1996م. في مراجعتها لما يُسمى الخطوط الدفاعية الموجهة اليابانية أمريكية، وسعت أيضاً إشارتها إلى الاستخدام المحتمل لقوات دفاعية يابانية من “الحالات الطارئة في الشرق الأقصى” إلى “الحالات الطارئة في الأقاليم المجاورة لليابان”. الرغبة اليابانية في الاتفاق مع أمريكا في هذا الأمر كانت مدفوعة أيضاً بشكوك مترشحة تتعلق ببقاء قوة أمريكا الطويلة المدى  في آسيا ومن مخاوف أن صعود الصين – وقلق أمريكا البادي منها-  قد يفرض في وقت ما في المستقبل على اليابان اختياراً غير مقبول: أن تقف مع أمريكا ضد الصين أو بدون أمريكا ومتحالفة مع الصين.

بالنسبة لليابان، هذه المعضلة الأساسية تحتوي أيضاً واجب تاريخي: بما أن التحول إلى قوة إقليمية مهيمنة ليس هدفاً قابلاً للتحقيق وبما أنه بدون قاعدة إقليمية يصبح بلوغ القوة العالمية الشاملة غير واقعي، يترتب على ذلك أن اليابان يمكنها في أفضل الحالات تحقيق وضع قائد عالمي من خلال التدخل الفعال في حفظ السلام والتنمية الاقتصادية على مستوى العالم. بالاستفادة من التحالف العسكري الأمريكي ياباني لضمان استقرار الشرق الأقصى – ولكن بدون تركه يتطور إلى تحالف مضاد للصين – اليابان يمكنها بأمان خلق مهمة عالمية مؤثرة متميزة على أنها القوة التي تطور بروز تعاون مؤسسي دولي أكثر فاعلية حقيقي. اليابان يمكنها بذلك أن تصبح أكثر قوة ومكافئة في النفوذ العالمي لكندا: الدولة التي نالت مكانة بسبب استخدامها البناء لثروتها وقوتها ولكنها لا هي يُخشى منها ولا هناك استياء منها.

Figure 30: تراكب بين صين كبرى وتحالف امريكي-ياباني معادي للصين.

[1]. The Japan Digest, February 25, 1997, reported that, according to a governmental poll, only 36 percent of the Japanese felt friendly toward South Korea.

[2]. For example, the Higuchi Commission, a prime-ministerial advisory board that outlined the “Three Pillars of Japanese Security Policy” in a report issued in the summer of 1994, stressed the primacy of the American-Japanese security ties but also advocated an Asian multilateral security dialogue; the 1994 O/awa Coinmillcr report, “Uliieprinl for a New Japan”; the Yomiuri Shimbun ‘s outline for “A Comprehensive Security Policy” of May 1995, advocating among other items the use abroad of the Japanese military for peacekeeping; the April 1996 report of the Japan Association of Corporate Executives (keizai doyukai), prepared with the assistance of the Fuji Bank think tank, urging greater symmetry in the American-Japanese defense system; the report entitled “Possibility and Role of a Security System in the Asian-Pacific Region,” submitted to the prime minister in June 1996 by the Japan Forum on International Affairs; as well as numerous books and articles published over the last several years, often much more polemical and extreme in their recommendations and more often cited by the Western media than the above-mentioned mostly mainstream reports. For example, in 1996 a book edited by a Japanese general evoked widespread press commentaries when it dared to speculate that under some circumstances the United States might fail to protect Japan and hence Japan should augment its national defense capabilities (see General Yasuhiro Morino, ed., Next deneralion (Imund Self-Defense I’orc.e and the commentary on it in “Myths of the U.S. Coming to Our Aid,” Sunhei Sliimbun, March 4, 1996).

[3] https://en.wikipedia.org/wiki/Kiichi_Miyazawa

الإعلانات

اترك رد