9-01: رقعة الشطرنج الكبيرة – الفصل الرابع – 3

رقعة الشطرنج الكبيرة  THE GRAND CHESSROARD

الفصل الرابع: الثقب الأسود The Black Hole

معضلة البديل الواحد   THE DILEMMA OF THE ONE ALTERNATIVE

 

الاختيار الجيوستراتيجي الوحيد لروسيا – الاختيار الذي يمكن أن يعطي روسيا دور دولي حقيقي ويعظم أيضاً فرصة تحويل وتحديث نفسها اجتماعيا – هو أوروبا. وليس فقط أي أوروبا، ولكن أوروبا المتجاوزة للأطلسي الناشئة من توسيع الاتحاد الأوروبي والناتو. أوروبا هذه في حالة تشكُّل، كما رأينا في الفصل الثالث، ومن المحتمل أيضاً أن تبقى مرتبطة بأمريكا ارتباطا وثيقاً. هذه هي أوروبا التي على روسيا الارتباط بها، لو كانت تريد تجنب عزلاً جيوسياسياً خطيراً.

بالنسبة لأمريكا، روسيا شديدة الضعف على أن تكون شريكاً ولكنها مازالت شديدة القوة على أن تكون فقط مجرد حالتها المريضة. من الأرجح أن تصبح مشكلة، إلا إذا قامت أمريكا برعاية وضع يساعد على إقناع الروس بأن الاختيار الأفضل لبلدهم هو علاقة عضوية متزايدة مع أوروبا العابرة للأطلسي. بالرغم أن تحالف روسي صيني أو روسي إيراني طويل الأمد ليس محتملاً، إلا أنه من الواضح، أنه من المهم لأمريكا تجنب سياسات يمكن أن تصرف روسيا عن القيام بالاختيار الجيوسياسي المطلوب. وإلى الحد الممكن، فإن علاقات أمريكا مع الصين وإيران يجب أن تُصاغ مع وضع تأثيرها على الحسابات الجيوسياسية الروسية في الحسبان أيضاً. المداومة على أوهام تتعلق باختيارات جيوستراتيجية كبرى يمكن فقط أن تؤخر الاختيار التاريخي الذي يجب أن تتخذه روسيا من أجل إنهاء مصاعبها العميقة.

فقط روسيا الراغبة في قبول الحقائق الاوروبية الجديدة، سواء الاقتصادية أو الجيوسياسية، ستكون قادرة على الاستفادة داخلياً من توسيع مجال التعاون الاوروبي العابر للقارات في التجارة، الاتصالات، الاستثمار والتعليم. مشاركة روسيا في مجلس أوروبا Council of Europe هو بالتالي خطوة في الاتجاه الصحيح جداً. فهي مؤشر على مزيد من الروابط المؤسسية بين روسيا الجديدة وأوروبا المتنامية. وتتضمن أيضاً فكرة أنه لو واصلت روسيا السير على هذا الطريق، فلن يكون أمامها خيار في النهاية إلا أن تقتدي بالمسار الذي اختارته تركيا بعد الحقبة العثمانية، عندما قررت التخلص من طموحاتها الإمبريالية وشرعت بعناية بالسير على طريق التحديث والتشبع بالقيم والثقافة الأوروبية والاندماج مع أوروبا و التحول الديمقراطي

لا خيار آخر يمكن أن يمنح روسيا الفوائد التي يمكن أن تمنحها لها أوروبا المرتبطة بأمريكا. أوروبا وأمريكا ليستا تهديداً لروسيا التي هي دولة قومية وديمقراطية غير توسعية. ليس لديهما أطماع أرضية في روسيا، مثل التي كانت لدى الصين يوماً ما، ولا هما يتقاسمان حدود غير آمنة ومحتملة العنف، مثل بالتأكيد حالة حدود روسيا الغير واضحة أرضياً واثنياً مع الدول المسلمة في الجنوب. على العكس، بالنسبة لأوروبا وأمريكا روسيا القومية الديمقراطية كيان مرغوب فيه جيوسياسياً، مصدر للاستقرار في المُركب الأوراسي المتقلب volatile Eurasian complex.

لذلك، تواجه روسيا معضلة تتمثل في أنه لكي يثمر خيارها في صالح أوروبا وأمريكا فوائد ملموسة، فإن ذلك يتطلب قبل كل شيء، تبرؤ واضح من الماضي الإمبريالي، وثانياً، ألا يكون لديها مراوغة وتردد فيما يتعلق بتوسيع الروابط السياسية والأمنية بين أوروبا وأمريكا. المطلب الأول يعني التوافق مع التعددية الجيوسياسية التي تمكنت من الهيمنة على حيز الاتحاد السوفيتي السابق. هذا التوافق لا يستبعد التعاون الاقتصادي، ولكنه على نموذج منطقة التجارة الحرة الأوروبية القديمة، ولكن لا يمكنه تضمن قيود على السيادة السياسية للدول الجديدة – لسبب بسيط هو أنها لا ترغب في ذلك. الأكثر أهمية في هذا الخصوص هو الحاجة إلى موافقة واضحة غير ملتبسة من روسيا بوجود أوكرانيا المنفصل، بحدودها، وبهويتها القومية المميزة.

المطلب الثاني قد يكون أكثر صعوبة في التحرك. فإن علاقة تعاونية حقيقية مع المجتمع العابر للأطلسي لا يمكن أن تقوم على مفهوم أن تلك الدول الديمقراطية في أوروبا التي ترغب في أن تكون جزءاً منها يمكن أن تُستبعد لأن روسيا تقول ذلك. لا يجب الاستعجال في توسيع هذا المجتمع، وبالتأكيد لا يجب تطويره بناء على موضوع معادي لروسيا. ولكن هذا التوسيع لا هو من الممكن ولا يجب إيقافه بتوجيه سياسي يعكس في حد ذاته مفهوم مهجور عن علاقات الأمن الأوروبية. أوروبا المتوسعة الديمقراطية يجب أن تكون عملية تاريخية مفتوحة النهاية، غير خاضعة لحدود جغرافية عشوائية سياسياً.

بالنسبة لكثير من الروس، معضلة البديل الواحد قد تكون أولاً، ولبعض الوقت الآتي، شديدة الصعوبة على الحل. ستتطلب تصرف هائل للإرادة السياسية وربما أيضاً زعيم بارز، قادر على صنع الاختيار وتوضيح رؤية روسيا أوروبية ديمقراطية وحديثة بالفعل. هذا قد لا يحدث لبعض الوقت. التغلب على الأزمات الما بعد شيوعية post-Communist  وما بعد إمبريالية postimperial لن يتطلب فقط وقت أكثر من حالة تحول أوروبا الوسطي ما بعد الشيوعية ولكن سيتطلب أيضاً بروز  قيادة بعيدة النظر ومستقرة سياسياً. لا يوجد الآن أتاتورك روسي في الأفق. مع ذلك، الروس سيصلوا في النهاية إلى الإقرار بأن إعادة تعريف القومية الروسية ليس عمل من اعمال الاستسلام ولكن من أعمال التحرير. عليهم القبول بما قاله يلتسن في كييف في عام 1990 م. بأن المستقبل اللا-إمبريالي nonimperial future  لروسيا  كان في محله تماماً.  وروسيا اللا-إمبريالية بحق ستظل قوة كبرى، تمتد في أوراسيا، وهي أكبر وحدة أرضية في العالم حتى الآن.

 على أية حال فإن، إعادة تعريف “ما هي روسيا وأين هي روسيا؟” من المحتمل أن تحدث فقط على مراحل، وستتطلب وضع غربي راسخ وحكيم. أمريكا وأوروبا سيكون عليهما المساعدة. يجب أن يعطوا روسيا ليس فقط معاهدة أو ميثاق خاص مع الناتو، ولكن أيضاً يجب أن يبدؤا عملية استكشاف مع روسيا لتشكيل نظام أمن وتعاون عابر للقارة في نهاية المطاف يذهب بقدر كبير إلى ما وراء البنية الرخوة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا. ولو عززت روسيا مؤسساتها الديمقراطية الداخلية وتقدمت تقدماً ملموساً في تطوير اقتصادي قائم على السوق الحر، فلا يجب إلغاء ترابطها الأقرب من أي وقت مضى مع الناتو والاتحاد الأوروبي.

في نفس الوقت، من المهم للغرب أيضاً، خاصة لأمريكا، إتباع سياسات تؤدي إلى استمرار معضلة البديل الواحد لروسيا. التوطيد السياسي والاقتصادي لدول ما بعد الاتحاد السوفيتي الجديدة عامل كبير في استلزام إعادة التعريف الذاتي التاريخي لروسيا. من هنا فإن دعم الدول الما بعد سوفيتية الجديدة – للتعددية الجيوسياسية في حيز الإمبراطورية السوفيتية السابقة – يجب أن يكون جزءاً مكملاً لسياسة مصممة لحث روسيا على ممارسة اختيارها الأوروبي بطريقة غير ملتبسة. من بين هذه الدول، ثلاثة لهم أهمية جيوسياسية بشكل خاص: أذربيجان، وأوزبكستان وأوكرانيا.

أذربيجان مستقلة يمكن أن تعمل كممر لوصول الغرب إلى حوض بحر قزوين ووسط آسيا الغنية بالطاقة. وعلى العكس، أذربيجان الخاضعة ستعني أن وسط آسيا يمكن أن يُغلق على العالم الخارجي وبالتالي يصبح عرضة سياسياً للضغوط الروسية من أجل التكامل. أوزبكستان الأكثر حيوية سياسياً والأكثر سكاناً من بين دول وسط آسيا، تمثل عائقاً كبيراً لأي سيطرة روسية متجددة على الإقليم. استقلالها هام من أجل بقاء دول وسط آسيا الأخرى، وهي الأقل عرضة للضغوط الروسية.

لكن أوكرانيا هي الأكثر أهمية. فمع توسع الاتحاد الأوروبي والناتو، ستكون أوكرانيا في نهاية المطاف في موقف تختار فيه إذا ما كانت تريد أن تكون جزءاً من أحد المنظمتين.  من المحتمل أن ترغب أوكرانيا في الانضمام إلى كلتيهما من أجل تقوية وضعها المنفصل، بمجرد أن تصبحا على حدودها وبمجرد أن يبدأ تحولها الداخلي يؤهلها للعضوية. بالرغم أن ذلك سيستغرق وقتاً، فليس الوقت مبكراً بشدة بالنسبة للغرب – بينما يحسن روابطه الأمنية والاقتصادية مع كييف – للبدء في تحديد 2005 – 2015 كإطار زمني معقول للبدء في الإدماج المتزايد لأوكرانيا، وبذلك تقليل مخاطر خوف الأوكرانيين من توقف التوسع الأوروبي عند الحدود البولندية-أوكرانية.

روسيا بالرغم من احتجاجاتها، إلا أنها من المحتمل أن تذعن لتوسيع الناتو عام 1999 ليضم عدة بلدان من وسط أوروبا، لأن الفجوة الثقافية والاجتماعية بين روسيا ووسط أوروبا اتسعت كثيراً منذ سقوط الشيوعية. على العكس، من ذلك روسيا ستجد من الأصعب بما لا يُقاس الإذعان لدخول أوكرانيا في الناتو، لأن بقيامها بذلك فإنها تقر بأن مصير أوكرانيا لم يعد مرتبط عضوياً بروسيا. لكن لو أن أوكرانيا بقيت كدولة مستقلة، فعليها أن تصبح جزء من وسط أوروبا فضلاً عن أوراسيا، ولو أنها أصبحت جزء من وسط أوروبا فيجب عليها أن تشترك بالكامل في روابط وسط أوروبا بالناتو والاتحاد الأوروبي. قبول روسيا لهذه الروابط سيحدد قرار روسيا لتكون هي أيضاً جزء من أوروبا حقيقة. رفض روسيا سيكون معادلاً لرفضها لأوروبا من أجل هوية ووجود أوراسي منعزل.

النقطة الرئيسية لوضعها في الحسبان هي أن روسيا لا يمكن أن تكون في أوروبا بدون أوكرانيا أيضاً في أوروبا، بينما أوكرانيا يمكن أن تكون في أوروبا بدون أن تكون روسيا في أوروبا. بافتراض أن روسيا قررت ربط مصيرها بأوروبا، فسيترتب على ذلك في النهاية أن من مصلحة روسيا، ضم أوكرانيا في الهياكل الأوروبية المتوسعة. بالفعل، علاقة أوكرانيا بأوروبا يمكن أن تكون نقطة التحول لروسيا نفسها. ولكن هذا يعني أيضاً أن اللحظة المحددة لعلاقة روسيا بأوروبا مازالت بعيدة بعض الوقت – “محددة” بمعنى أن اختيار أوكرانيا لصالح أوروبا سيجلب قرار روسيا المتعلق بالمرحلة الثانية لتاريخها للمواجهة: إما أن تكون جزءاً من أوروبا هي أيضاً أو تصبح كيان أوراسي، لا هي حقيقة من أوروبا ولا آسيا وغارقة في وحل صراعات “الخارج القريب near abroad” الذي اختارته.

هناك أمل في أن تتمكن علاقة التعاون بين أوروبا الموسعة مع روسيا من التحرك من الروابط الثنائية الرسمية إلى روابط أكثر عضوية وملزمة اقتصاديا وسياسياً وأمنياً. بهذه الطريقة، خلال العقدين الأولين من القرن القادم، يمكن أن تصبح روسيا بتزايد جزء مكمل من أوروبا لا تحتضن فقط أوكرانيا ولكن تصل إلى الأورال وحتى وراء ذلك. ترابط أو حتى شكل من أشكال العضوية لروسيا في الهياكل الأوروبية والعابرة للأطلسي سيفتح بدوره الأبواب أمام إدخال الدول القوقازية الثلاثة – جورجيا وأرمينيا وأذربيجان – التي تطمح بشكل ماس في رابطة أوروبية.

لا يمكن التنبؤ بمدى سرعة تحرك تلك العملية، ولكن هناك شيء مؤكد: ستتحرك أسرع لو أن السياق الجيوسياسي تشكل بطريقة تدفع روسيا في هذا الاتجاه، مع منع الإغراءات الأخرى. وكلما تحركت روسيا أسرع تجاه أوروبا كلما كان سد الثقب الأسود في أوراسيا في وقت أقرب بمجتمع متزايد الحداثة والديمقراطية. فعلياً، بالنسبة لروسيا معضلة البديل الواحد لم تعد مسألة اختيار جيوسياسي ولكن مواجهة  ضرورات البقاء

الإعلانات

اترك رد