9-01: رقعة الشطرنج الكبيرة – الفصل الرابع – 2

رقعة الشطرنج الكبيرة  THE GRAND CHESSROARD

الفصل الرابع : الثقب الأسود  The Black Hole

الأوهام الجيوستراتيجية  GEOSTRATEGIC PHANTASMAGORIA

ولهذا لا يمكن تجنب فترة من الارتباك الاستراتيجي والتاريخي في روسيا ما بعد الإمبريالية postimperial Russia. الانهيار الصادم للاتحاد السوفيتي وخاصة التفكك المذهل والغير متوقع عامة للإمبراطورية الروسية العظمى أدى في روسيا إلى بحث هائل عن الذات، ولجدل واسع النطاق حول ما يجب أن يكون التعريف الذاتي التاريخي historical self-definition الحالي لروسيا، وجدل شديد عام وخاص حول مسائل لا تُثار في غالبية الكبرى: ما هي روسيا؟ أين روسيا؟ ماذا يعني أن تكون روسياً؟

هذه التساؤلات ليست فقط نظرية: أي جواب يحتوي على محتوى جيوسياسي مهم. هل روسيا دولة قومية، قائمة على عرق روسي نقي، أو هل روسيا بالتعريف هي شيء أكثر (كما أن بريطانيا أكثر من إنجلترا) وبالتالي مُقدر لها أن تكون دولة إمبراطورية؟ ما هي – تاريخياً واستراتيجياً واثنياً – الحدود المناسبة لروسيا؟ هل يجب أن تُرى أوكرانيا المستقلة كانحراف مؤقت عندما تُقيَّم على ضوء هذه الشروط التاريخية والاستراتيجية والأثنية؟ (الكثير من الروس يميلون إلى الشعور بذلك). لكي يكون الفرد روسياً، هل يجب أن يكون الفرد روسياً اثنيا (روسكي Russkyi)، أو هل يمكن أن يكون روسياً سياسياً ولكن ليس اثنيا (يعني أن يكون روسيانين Rossyanin – المكافيء لبريطاني ولكن ليس لإنجليزي) ؟ على سبيل المثال يلتسن وبعض الروس جادلوا (مع عواقب مأساوية) بأن الشيشانيون يمكنهم –فعلياً يجب أن – يُعتبروا روس.

قبل نهاية الاتحاد السوفيتي بعام، واحد من القوميين الروس، من القلائل الذين شاهدوا النهاية تقترب، صرخ في إقرار يائس:

لو أن الكارثة الرهيبة، التي لا يمكن أن تكون قابلة للتفكير من الشعب الروسي، وقعت وتمزقت الدولة، وسُرق وخُدع الشعب بانتهاء تاريخه ذي الالف سنة، فجأة وحده، وإخوانهم الحديثون أخذوا ممتلكاتهم واختفوا في قوارب نجاتهم القومية وأبحروا بعيداً عن السفينة المائلة –  فليس لدينا مكان نذهب إليه…

الدولة الروسية التي تجسد الفكرة الروسية سياسياً واقتصادياً وروحياً ستُبنى من جديد. ستجمع أفضل ما لديها من مملكتها الممتدة عبر 1000 سنة ومن التاريخ السوفيتي الممتد 70 سنة والذي طار في لحظة[1].

 ولكن كيف؟ صعوبة تحديد جواب لهذا السؤال يكون مقبولاً من الشعب الروسي وواقعي، تفاقم بالأزمة التاريخية للدولة الروسية نفسها. خلال كل تاريخها تقريباً، هذه الدولة كانت أداة في وقت واحد للتوسع الأرضي والتطور الاقتصادي. كانت أيضاً دولة لم تتصور نفسها عن قصد كأداة قومية نقية، حسب التقليد الأوروبي الغربي ولكنها عرفت نفسها على انها المُنفِّذ لرسالة خاصة فائقة للطبيعة، مع تعريف الفكرة الروسية بتنوع بتعبيرات دينية جيوسياسية أو إيديولوجية. الآن فجأة هذه الرسالة جُحد بها مع انكماش الدولة أرضياً وتحولها إلى بعد اثنى كبير.

كما أن، الأزمة ما بعد السوفيتية post-Soviet crisis للدولة الروسية (لجوهرها إذا جاز التعبير) تفاقمت بواقع أن روسيا لم تواجه فقط تحدي حرمانها المفاجئ من ندائها المتعلق بأداء الرسالة الامبراطورية imperial missionary vocation  ولكن من أجل إغلاق الفجوة المنفرجة بين التخلف الاجتماعي الروسي والأجزاء الأكثر تقدماً في أوراسيا، فهي واقعة الآن تحت ضغط المجددين المحليين (ومستشاريهم الغربيين) من أجل الانسحاب من دورها الاقتصادي التقليدي كمرشد ومالك ومتصرف في الثروة الاجتماعية. هذا لا يدعو إلا إلى تقييد ثوري سياسي للدور الدولي والمحلي للدولة الروسية. هذا الأمر كان مُمزِقاً بعمق لأنماط الحياة الروسية المحلية الراسخة وساهم في إيجاد شعور مثير للخلاف بالارتباك الجيوسياسي داخل النخبة السياسية الروسية.

في هذا الوضع المحير، كما نتوقع، السؤال: “أين روسيا وما هي روسيا؟” دفع إلى أجوبة متنوعة. موقع روسيا الأوراسي الواسع جعل هذه النخبة تفكر لفترة طويلة بمفردات جيوسياسية. أول وزير خارجية في روسيا ما بعد الإمبريالية والشيوعية، أندريه كوزيريف Andrei Kozyrev أعاد التأكيد على طريقة التفكير هذه في واحدة من محاولاته الأولى لتعريف الكيفية التي يجب ان تتصرف بها روسيا على الساحة الدولية. بعد شهر بالكاد من حل الاتحاد السوفيتي قال: “في تخلينا عن المشيحانية messianism  فإننا نضع الأساس للبراغماتية… نحن ندرك سريعاً أن المسائل الجيوسياسية … تحل محل الإيديولوجيا[2]

بشكل عام، هناك ثلاث اختيارات جيوستراتيجية واسعة ومتراكبة جزئياً ، كل منهت ذات صلة في نهاية المطاف بانشغال روسيا بوضعها في مواجهة أمريكا وكل منها أيضاً تحتوي على بعض التنوعات الداخلية، ويمكن القول بأنها برزت كرد فعل على انهيار الاتحاد السوفيتي. هذه المدارس الفكرية المتنوعة يمكن تصنيفها كالتالي:

  1. الاولوية للشراكة الاستراتيجية الناضجة mature strategic partnership مع أمريكا، وهي بالنسبة لبعض أنصارها واقعياً مصطلح رمزي لسيادة مشتركة عالمية global condominium.
  2. التأكيد على “الخارج القريب[3] near abroad ” كاهتمام روسيا المحوري مع تأييد البعض لشكل تكامل اقتصادي تحت هيمنة موسكو ومع توقع البعض أيضاً لاستعادة نهائية لمقدار من السيطرة الإمبريالية، وبالتالي خلق قوة أكثر قدرة على موازنة أمريكا وأوروبا،
  3. تحالف مضاد يتضمن نوع من تحالف أوراسي مضاد للولايات المتحدة مُصمم من أجل تخفيض الصدارة الأمريكية في أوراسيا.

الاختيار الاول كان سائداً بين الفريق الحاكم الجديد للرئيس يلتسن، والاختيار الثاني ظهر على السطح بعد ذلك بقليل، جزئياً كنقد لأولويات يلتسين الجيوسياسية؛ الثالث جعل نفسه مسموعاً نوعاً ما بعد ذلك، في منتصف التسعينات كرد فعل على الشعور المنتشر بأن جيوستراتيجية روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي كانت غير واضحة وفاشلة. والثلاثة أثبتوا أنهم تاريخياً خرقاء historically maladroit  وأنهم مستمدين من أراء وهمية phantasmagoric views  حول القوة الحالية والإمكانية الدولية والمصالح الخارجية لروسيا.

مباشرة في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، مثل موقف يلتسن المبدئي ذروة المفهوم التغريبي westernizer القديم والذي لم يكن أبداً ناجحاً بالكامل في الفكر السياسي الروسي: وهو أن روسيا تنتمي للغرب، ويجب أن تكون جزء من الغرب، ويجب على قدر المستطاع أن تقلد الغرب في تطورها المحلي. هذا الرأي كان يعتنقه يلتسن نفسه ووزير خارجيته، يلتسن كان صريح تماماً في شجب الإرث الإمبراطوري الروسي. أعلن يلتسن في كلمة ألقاها في كييف في 19 نوفمبر 1990 م. قد تجعل الأوكرانيين والشيشانيين يتحولون لاحقاً ضده :

 “روسيا لا تطمح في أن تصبح مركز لنوع ما من إمبراطورية جديدة. …روسيا تتفهم أفضل من غيرها ضرر هذا الدور بقدر ما كانت روسيا هي التي تؤدي هذا الدور لوقت طويل. ماذا كسبت من ذلك؟ هل الروس أصبحوا أكثر حرية نتيجة لذلك؟ هل أصبحوا أكثر ثراءاً؟ أكثر سعادة؟ … . التاريخ علمنا أن الشعب الذي يحكم شعوباً أخرى لا يمكن أن يكون محظوظاً.”

الموقف الصديق المُتخذ بتأنٍ من الغرب، خاصة من الولايات المتحدة، تجاه القيادة الروسية الجديدة كان مصدراً للتشجيع لدعاة التغريب westenizers في مؤسسة السياسة الخارجية في روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي post-soviet. فقد دعم نزعاتها الموالية للأمريكان كما أنه أغوى أعضاءها شخصياً. القادة الجدد جوملوا وتمُلقوا بأن يكونوا مع الاسماء الاولى مع أعلى مستوى من صانعي سياسة القوة العظمى الوحيدة في العالم، ووجدوا من السهل خداع أنفسهم بأنهم هم أيضاً زعماء قوة عظمى. عندما أطلق الأمريكيون شعار “الشراكة الاستراتيجية الناضجة” بين واشنطن وموسكو، بدا الأمر للروس وكأنه قد تم إقرار سيادة مشتركة روسية-أمريكية ديمقراطية جديدة new democratic American-Russian condominium – تحل محل النزاع السابق- وبالتالي تصبح مبررة ومقبولة.

[توهمت روسيا] أن هذه السيادة المشتركة condominium  ستكون عالمية في نطاقها. وهكذا روسيا لن تكون فقط الخليفة الشرعي للاتحاد السوفيتي السابق ولكن الشريك الفعلي في تسوية عالمية، قائمة على مساواة حقيقية. كما لم يمل القادة الروس الجدد أبداً من التأكيد، أن ذلك يعني ليس فقط أن باقي العالم يجب أن يعترف بمساواة روسيا لأمريكا ولكن أيضاً أنه ليس هناك مشكلة عالمية يمكن تناولها وحلها بدون مشاركة روسيا و/أو إذنها. وبالرغم من عدم التصريح علانية، في هذا الوهم أيضاً كان هناك مفهوم ضمني بأن أوروبا الوسطى ستبقى نوعاً ما، أو قد تختار أن تبقى إقليم قريب سياسياً بشكل خاص من روسيا. وأن حل حلف وارسو ومجلس التعاون الاقتصادي كوميكون[4] Comecon  لن يكون متبوعاً بجذب أعضائه السابقين سواء إلى الناتو أو حتى الاتحاد الأوروبي.

في نفس الوقت المساعدات الغربية، ستمكن الحكومة الروسية من القيام بإصلاحات محلية، وسحب الدولة من الحياة الاقتصادية والسماح بتعزيز المؤسسات الديمقراطية. الانتعاش الاقتصادي الروسي، ووضعها الخاص كشريك أمريكا المساوي لها، وجاذبيتها الشديدة ستشجع بالتالي الدول المستقلة حديثاً في كومونولث الدول المستقلة – المستحبين لأن تكون روسيا غير مهددة لهم والمدركين بتزايد لمكاسب شكل ما من الاتحاد مع روسيا – للارتباط بتكامل اقتصادي وثيق ثم سياسي مع روسيا، وبالتالي تحسين مجال وقوة روسيا.

المشكلة مع هذا الطريق أنه خال من كل من الواقعية الدولية والمحلية. بينما أن مفهوم “الشراكة الاستراتيجية الناضجة” مثير للإعجاب بالنفس، إلا أنه أيضاً مخادع. أمريكا لا هي ميالة إلى تقاسم القوة والسلطة العالمية مع روسيا ولا يمكنها حتى إن أرادت ذلك أن تقوم به. روسيا الجديدة ببساطة شديدة الضعف، مدمرة بدرجة كبيرة بعد ثلاثة أرباع قرن من الحكم الشيوعي، وشديدة التخلف الاجتماعي socially backward على أن تكون شريك عالمي حقيقي. من وجهة نظر واشنطن، ألمانيا واليابان والصين هم على الأقل بنفس الأهمية والتأثير.  كما أن، في بعض المواضيع الجيوستراتيجية المحورية ذات الاهتمام الوطني لأمريكا – في أوروبا، الشرق الأوسط، والشرق الأقصى – فمن المستبعد واقعياً أن تكون الطموحات الأمريكية والروسية متماثلة. عندما تبدأ الاختلافات تظهر حتماً على السطح، فإن عدم التناسب في القوة السياسية، والنفوذ المالي، والابتكار التكنولوجي، والجاذبية الثقافية تجعل “الشراكة الاستراتيجية الناضجة” تبدو فارغة – وستصدم عدد متزايد من الروس بأنها صُممت عمداً لخداع روسيا.

ربما كان من الممكن تجنب خيبة الأمل هذه مبكراً – خلال شهر العسل الأمريكي الروسي – لو أن أمريكا احتضنت فكرة توسيع الناتو وفي نفس الوقت عرضت على روسيا “صفقة لا يمكنها رفضها”، وتحديداً علاقة تعاون خاصة بين روسيا والناتو. في حالة احتضان أمريكا بوضوح وحزم لفكرة توسيع التحالف مع الاشتراط بوجوب إدخال روسيا نوعاً ما في العملية، ربما كان من الممكن تجنب شعور موسكو اللاحق بخيبة الأمل من الشركة الناضجة وكذلك الإضعاف المتزايد للوضع السياسي لدعاة التغريب في الكرملين.

لحظة القيام بذلك كانت خلال النصف الثاني من عام 1993م. ، مباشرة بعد الإقرار العلني من يلتسن في أغسطس على مصلحة بولندا في الانضمام إلى التحالف العابر للأطلسي (الناتو) لكونه منسجماً مع مصالح روسيا. ولكن بدلاً من ذلك، إدارة كلينتون التي كانت ما تزال تواصل سياستها “روسيا أولاً Russia first”، تعذبت لمدة عامين آخرين، بينما الكرملين غير نبرته وأصبح متزايد العداء للإشارات الناشئة ولكن غير حاسمة عن نية أمريكا توسيع الناتو. في الوقت الذي قررت فيه واشنطن عام 1996م. جعل توسيع الناتو هدف محوري في سياسة أمريكا لتشكيل مجتمع أورو-أطلسي أكبر وأكثر أمناً، كان الروس قد حبسوا أنفسهم في معارضة صارمة، ومن هنا فإن عام 1993م. قد يُنظر إليه على أنه عام الفرصة التاريخية الضائعة.

باعتراف الجميع، لا تفتقر كل المخاوف الروسية المتعلقة بتوسع الناتو إلى المشروعية أو مدفوعة بدوافع حاقدة. بعض الخصوم، بالتأكيد، خاصة بين العسكرية الروسية، المتقاسمين لعقلية الحرب الباردة، التي ترى توسع الناتو ليس كجزء مكمل لنمو اوروبا ولكن كتقدم تحالف مازال معادياً بقيادة أمريكا تجاه روسيا. البعض من نخبة السياسة الخارجية الروسية – غالبيتهم فعلياً مسؤولين سوفييت سابقين – مستمرين على الرأي الجيوستراتيجي منذ فترة طويلة والذي يرى أن أمريكا ليس لها مكان في أوراسيا وأن توسع الناتو مدفوع بدرجة كبيرة برغبة أمريكا في زيادة نطاق نفوذها. بعض معارضتهم أيضاً ناشئة من الامل في أن وسط أوروبا الغير متعلق بأحد قد يعود في يوم ما إلى منطقة نفوذ موسكو الجيوسياسي، عندما تستعيد روسيا عافيتها.

ولكن الكثير من الديمقراطيين الروس يخافون أيضاً من أن يكون معنى توسع الناتو بقاء روسيا خارج اوروبا، منبوذة سياسياً، وغير جديرة بعضوية الإطار المؤسسي للحضارة الأوروبية. حالة انعدام الأمن المتفاقمة بمخاوف سياسية، جعلت توسع الناتو يبدو مثل تتويج لسياسة غربية طويلة المدى مصممة لعزل روسيا، وتركها بمفردها في العالم ومعرضة للخطر من أعدائها المختلفين. كما أن، الديمقراطيون الروس ببساطة لم يستطيعوا فهم عمق سواء استياء مواطني وسط أوروبا لأكثر من نصف قرن من هيمنة موسكو أو رغبتهم في أن يكونوا جزء من نظام أوروبي-أطلسي أكبر.

بأخذ كل الاعتبارات، من المحتمل أنه لم يكن من الممكن تجنب لا خيبة الأمل ولا إضعاف دعاة التغريب westernizers  الروس. واحد من الأسباب، أن النخبة الروسية الجديدة المنقسمة داخل نفسها ومع عدم قدرة رئيسها ووزير خارجيتها على توفير قيادة جيوستراتيجية متماسكة، كانت غير قادرة على تحديد ما تريده روسيا الجديدة في أوروبا بوضوح، ولا كان بإمكانها ان تقيم assess بشكل واقعي المحدودية limitations  الفعلية لحالة روسيا الضعيفة. الديمقراطيون في موسكو المحاصرون سياسياً لم يستطيعوا التصريح بجرأة أن روسيا الديمقراطية لا تعارض توسيع المجتمع الديمقراطي العابر للأطلسي وأنها ترغب في الارتباط به. وهم وضع عالمي متقاسم مع أمريكا جعل من الصعب على النخبة السياسية في موسكو التخلي عن فكرة وضع جيوسياسي مميز لروسيا، ليس فقط في منطقة الاتحاد السوفيتي السابق ولكن حتى فيما يتعلق بالدول التابعة لها سابقاً في وسط أوروبا.

هذه التطورات دعمت القوميين (على حساب دعاة التغريب) الذين بدأوا في عام 1994م. في استعادة أصواتهم، والعسكريين الذين أصبحوا منذ ذلك الوقت داعمين محليين مهمين ليلتسن. حدتهم المتزايدة وردود أفعالهم التهديدية أحياناً لطموحات دول وسط أوروبا دفعت فقط إلى تقوية عزم الدول التابعة السابقة – مدركين لتحريرهم المتحقق حديثاً من الحكم الروسي – للفوز بملاذ الناتو الآمن.

الثغرة بين واشنطن وموسكو ازدادت اتساعا بعدم رغبة الكرملين التخلي عن كل الاراضي التي استولى عليها ستالين. الرأي العام الغربي، خاصة في سكاندينافيا وأيضاً في الولايات المتحدة، كان منزعجاً بشكل خاص من غموض الموقف الروسي تجاه جمهوريات البلطيق. بينما أقر الزعماء الروس الديمقراطيون باستقلالها ولم يضغطوا من أجل عضويتها في كومونويلث الدول المستقلة CIS ، إلا أنهم حتى هم كانوا يلجؤون بشكل دوري الى التهديدات من أجل الحصول على معاملة تفضيلية للجماعات الكبيرة من المستعمرين الروس التي استوطنت عن عمد في تلك البلاد خلال العهد الستاليني. الجو ازداد غيماً بعدم رغبة الكرملين الحادة التنديد بالاتفاقية السوفيتية النازية[5] عام 1939م. التي مهدت الطريق للإدماج القسري لهذه الجمهوريات في الاتحاد السوفيتي. حتى بعد خمسة سنوات من انهيار الاتحاد السوفيتي، أصر المتحدثون الرسميون (في التصريح الرسمي في 10 سبتمبر 1996م.) على أن دول البلطيق انضمت إلى الاتحاد السوفيتي طوعاً عام 1940م.

 النخبة الروسية فيما بعد الاتحاد السوفيتي post-Soviet Russian elite فيما يبدو توقعت أيضاً أن الغرب سيساعد في أو على الأقل لن يعوق استعادة الدور الروسي المحوري في الحيز الما بعد سوفيتي post-Soviet space. وهكذا فقد استاءوا من رغبة الغرب في مساعدة الدول المستقلة الجديدة بعد الاتحاد السوفيتي على تعزيز وجودها السياسي المنفصل. حتى مع التحذير بأن “المواجهة مع الولايات المتحدة … خيار يجب تجنبه”، جادل كبار المحللين الروس للسياسة الخارجية الأمريكية  أن الولايات المتحدة تسعى إلى “إعادة تنظيم العلاقة بين الدول في أوراسيا كلها… والذي بموجبه لم يعد هناك قوة قيادية وحيدة في القارة ولكن أوساط كثيرة، مستقرة نسبياً، وقوية باعتدال … ولكن بالضرورة أدنى من الولايات المتحدة في قدراتها الفردية أو حتى الجمعية[6]” (وهو أمر ليس خاطئاً تماماً).

في هذا الخصوص، أوكرانيا مهمة. النزعة الأمريكية المتزايدة خاصة منذ عام 1994م. لتخصيص أولوية عليا للعلاقات الأمريكية الأوكرانية ومساعدة أوكرانيا على المحافظة على حريتها القومية الجديدة كانت تُرى من البعض في موسكو – حتى من دعاتها إلى التغريب – الكثير من أعضاء النخبة السياسية الروسية يرون كمادة للإيمان بأن في نهاية المطاف يجب أن يتم إعادة دمج أوكرانيا بطريقة ما وإعادتها إلى القطيع المشترك كسياسة موجهة لمصلحة روسيا الحيوية [7]. كنتيجة لذلك، التساؤل الجيوسياسي والتاريخي الروسي حول وضع أوكرانيا المنفصل اصطدم وجهاً لوجه مع وجهة نظر أمريكا بأن روسيا إمبريالية لا يمكن أن تكون روسيا ديمقراطية.

 كان هناك أيضاً أسباب محلية محضة لإثبات أن “شراكة استراتيجية ناضجة” بين كيانين ديمقراطيين وهم. روسيا كانت شديدة التخلف وخُربت بشدة بالحكم الشيوعي بحيث يتعذر أن تصلح كشريك ديمقراطي للولايات المتحدة. هذه الحقيقة المحورية لا يمكن تعتيمها بخطاب رنان حول الشراكة. كما أن، روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتي لم تنقطع إلا جزئياً عن الماضي. تقريباً كل زعمائها الديمقراطيين – حتى لو كانوا قد خاب ظنهم حقيقة بالماضي السوفيتي – إلا أنهم لم يكونوا فقط نتاج النظام السوفيتي بل كانوا أعضاء كبار سابقين من نخبته الحاكمة. لم يكونوا منشقين سابقين، كما هو الحال في بولندا أو الجمهورية التشيكية. المؤسسات الرئيسية للسلطة السوفيتية – بالرغم من إصابتها بالوهن وضعف المعنويات والفساد – كانت ماتزال موجودة. ما كان رمزياً لتلك الحقيقة والقبضة الباقية للماضي الشيوعي كان القلب التاريخي لموسكو: الوجود المستمر لضريح لينين. الأمر يبدو كما لو كانت ألمانيا البعد نازية post-Nazi Germany  محكومة بنازي سابق متوسط المستوى “Gauleiters” ويطلق شعارات ديمقراطية، مع وجود ضريح لهتلر مازال قائماً في قلب برلين في نفس الوقت.

الضعف السياسي للنخبة الديمقراطية الجديدة تفاقم بحجم الأزمة الاقتصادية الروسية. الحاجة إلى إصلاحات هائلة – لسحب الدولة الروسية من [التدخل في] الاقتصاد – ولدت توقعات مفرطة للمساعدات الغربية وخاصة الأمريكية. بالرغم أن هذه المساعدات، وخاصة من ألمانيا وأمريكا قدمت بالتدريج حصص كبيرة، لكن حتى تحت أفضل الظروف لم تزل غير قادرة على إحداث انتعاش اقتصادي سريع.  الاستياء الاجتماعي الناجم قدم دعامة إضافية لجوقة متزايدة من المنتقدين الخائب أملهم والذين زعموا أن الشراكة مع الولايات المتحدة خدعة، تعود بالنفع على أمريكا ولكن مضرة لروسيا.

باختصار، لا الشروط الموضوعية ولا الذاتية لشراكة عالمية فعالة كانت متواجدة في السنوات المباشرة التالية لانهيار الاتحاد السوفيتي. دعاة التغريب الديمقراطيون أرادوا ببساطة الكثير ولم يكن بإمكانهم إلا إعطاء القليل جداً. رغبوا في شراكة متكافئة – أو بالأحرى، سيادة مشتركة condominium – مع أمريكا، يد حرة نسبيا داخل كومونويلث الدول المستقلة CIS، ومنطقة جيوسياسية غير تابعة لأحد geopolitical no-man’s-land في وسط أوروبا. ولكن ازدواجيتهم وترددهم وتناقضهم حول التاريخ السوفيتي، وافتقارهم للواقعية فيما يتعلق بالسلطة العالمية، وعمق الأزمة الاقتصادية، وغياب الدعم الاجتماعي الواسع الانتشار كان يعني أنهم لا يستطيعون تقديم روسيا المستقرة والديمقراطية بحق التي يفترضها مفهوم الشراكة المتكافئة. على روسيا أولاً أن تسير في عملية طويلة من الإصلاح السياسي، وعملية طويلة بالمثل للاستقرار الديمقراطي democratic stabilization، وعملية طويلة أيضاً للتحديث الاقتصادي الاجتماعي socioeconomic modernization  ثم عليها أن تدير عملية تحول أعمق من عقلية إمبريالية إلى عقلية قومية فيما يتعلق بالحقائق الجيوسياسية الجديدة ليس فقط في وسط أوروبا ولكن خاصة في الإمبراطورية الروسية السابقة قبل أن يكون من الممكن أن تصبح الشراكة الحقيقية مع أمريكا خيار جيوسياسي قابل للتطبيق.

تحت هذه الظروف، ليس مفاجئاً أن تصبح أولوية “الخارج القريب[8] near abroad” في وقت واحد كلاً من، النقد الكبير للخيار الموالي للغرب وأيضاً بديل مبكر في السياسة الخارجية. مفهوم الخارج القريب كان قائماً على جدلية مفادها أن مفهوم “الشراكة” تجاهل ما يجب أن يكون أهم لروسيا: تحديداً، علاقاتها مع الجمهوريات السوفيتية السابقة. “الخارج القريب “سيصبح صيغة مختزلة لمناصرة سياسة ستضع تشديداً أولياً على الحاجة لبناء نوع من الإطار القابل للتطبيق مع موسكو كمركز لصناعة القرار في الحيز الجيوسياسي الذي كان من قبل محتلاً من الاتحاد السوفيتي. في هذه الفرضية، كان هناك اتفاق على نطاق واسع أن سياسة التركيز على الغرب، خاصة على أمريكا، حصيلتها قليلة وكثيرة التكاليف. ببساطة تجعل من الأسهل للغرب أن يستغل الفرص الناشئة من انهيار الاتحاد السوفيتي.

لكن المدرسة الفكرية “للخارج القريب” كانت مظلة واسعة يمكن أن تتجمع تحتها عدة مفاهيم جيوسياسية متنوعة. لا تحتضن فقط النفعيين functionalists  والحتميين[9]  determinists  الاقتصاديين (بما في ذلك بعض دعاة التغريب westernizers) الذين كانوا يعتقدون أن كومونويلث الدول المستقلة يمكن أن يتطور إلى نسخة من الاتحاد الأوروبي بقيادة موسكو ولكن احتضن أيضاً آخرين رأوا في التكامل الاقتصادي مجرد واحد من عدة أدوات لاستعادة الإمبريالية يمكن أن تعمل إما تحت مظلة كومونويلث الدول المستقلة أو من خلال ترتيبات خاصة (تم صياغتها عام 1996م.) بين روسيا وروسيا البيضاء أو بين روسيا وروسيا البيضاء وكازاخستان وقيرغيزستان؛ كما ضمت أيضاً الرومانسيين المحبين للسلافية Slavophile romantics  الذين كانوا يؤيدون إتحاداً سلافياً من روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء، وفي النهاية أنصار للمفهوم الباطني mystical notion  نوعاً ما للأوراسيانية Eurasianism  على أنها تعريف موضوعي substantive definition ل لرسالة التاريخية المستمرة enduring historical mission  لروسيا.

تضمن مفهوم أولوية “الخارج القريب” في أضيق أشكاله، الفرضية المعقولة تماماً بأن روسيا يجب أن تركز أولاً على العلاقات مع الدول المستقلة حديثاً، خاصة وأن كلها بقيت مرتبطة بروسيا بواقع السياسة السوفيتية المعززة عمداً بتحسين الترابط الاقتصادي فيما بينها. هذا يصنع المعنى الاقتصادي والجيوسياسي. الحيز الاقتصادي المشترك، الذي يتحدث عنه عادة الزعماء الروس الجدد، كان حقيقة لا يمكن تجاهلها من زعماء الدول المستقلة حديثاً. التعاون، وحتى بعض التكامل، كان ضرورة اقتصادية. وهكذا لم يكن فقط من الطبيعي ولكن أيضاً من المرغوب فيه تحسين مؤسسات مشتركة لكومونويلث الدول المستقلة من أجل عكس الاضطرابات reverse the economic disruptions  والتفكك الاقتصادي الناجم عن التفكك السياسي للاتحاد السوفيتي.

بالنسبة لبعض الروس، تحسين التكامل الاقتصادي كان بذلك رد فعل فعال وظيفياً ومسؤول سياسياً لما حدث. التشابه مع الاتحاد الأوروبي يُستشهد به عادة على أنه وثيق الصلة بالوضع الما بعد سوفيتي. استعادة الإمبراطورية رُفض صراحة من الأنصار الأكثر اعتدالا للتكامل الاقتصادي. على سبيل المثال، تقرير مؤثر بعنوان “استراتيجية لروسيا”، الذي صدر مبكراً في أغسطس 1992م. من مجلس سياسة الدفاع والخارجية  Council for Foreign and Defense Policy، وهي مجموعة من الشخصيات البارزة ومسؤولي الحكومة، أيد بوضوح “تكامل مستنير فيما بعد الإمبريالية” كبرنامج مناسب “للحيز الاقتصادي المشترك” فيما بعد المرحلة السوفيتية.

لكن، التأكيد على “الخارج القريب near abroad” لم يكن مجرد عقيدة حميدة سياسياً للتعاون الاقتصادي الإقليمي. محتواها الجيوسياسي له معاني إضافية إمبريالية. حتى تقرير 1992 المعتدل نسبياً يتكلم عن روسيا المتعافية التي ستقيم في نهاية المطاف شراكة استراتيجية مع الغرب، سيكون لروسيا فيه دور تنظيم الوضع في وسط أوروبا، ووسط آسيا والشرق الأقصى. مناصرون آخرون لهذه الأولوية أقل حياءاً، يتكلمون صراحة عن الدور الحصري لروسيا في الحيز الما بعد سوفيتي ويتهمون الغرب بالتورط في سياسة معادية لروسيا بتوفير مساعدة لأوكرانيا والدول الأخرى المستقلة حديثاً.

نموذج آخر مماثل ولكن متطرف بأي حال من الأحوال كان الحجة المقدمة من ي. آمبارتسوموف (Y. Ambartsumov)، رئيس لجنة الشؤون الخارجية البرلمانية عام 1993م. ونصير سابق لأولوية “الشراكة”، والذي زعم علانية أن الحيز السوفيتي السابق كان نطاقاً روسياً حصرياً للنفوذ الجيوسياسي. في يناير 1994م.، نقل عنه النصير النشيط للأولوية الموالية للغرب وزير الخارجية أندريه كوزيريف Andrei Kozyrev، القول: أن “روسيا يجب أن تبقي على وجودها العسكري في الأقاليم التي كانت داخل نطاق مصالحها لقرون”. في الواقع نشرت صحيفة إيزفيستيا Izvestiia  في 8 أبريل 1994 م.، أن روسيا نجحت في الاحتفاظ بما لا يقل عن 28 قاعدة على أراضي الدول المستقلة حديثاً – خط مرسوم على خريطة يربط بين الجنود الروس المنشورين في كالينينغراد Kaliningrad، مولودوفا Moldova، القرم Crimea، أرمينيا Armenia، طاجيكستان  Tajikistan، وجزر كوريل Kuril Islands  يقترب تقريباً من الحدود الخارجية للاتحاد السوفيتي السابق، كما في الخريطة في الأسفل.

في سبتمبر 1995م.، الرئيس يلتسن أصدر وثيقة رسمية عن السياسة الروسية تجاه كومونويلث الدول المستقلة جمعت الأهداف الروسية كالتالي:

الهدف الرئيسي للسياسة الروسية تجاه كومونويلث الدول المستقلة هو إنشاء منظمة متكاملة اقتصادياً وسياسياً للدول القادرة على المطالبة بمكانها المناسب في المجتمع العالمي … لتعزيز روسيا كقوة قيادية في تشكيل نظام جديد للعلاقات الاقتصادية والسياسية البينية بين الدول interstate political and economic relations  على أراضي الحيز الما بعد الوحدة post-Union space.

Figure 20: القواعد العسكرية الروسية في الحيز السوفيتي السابق

يجب أن نلحظ التأكيد الموضوع على البعد السياسي للمساعي، وللإشارة إلى كيان واحد يطالب بمكانه في النظام العالمي، وعلى الدور المهيمن لروسيا داخل الكيان الجديد. تمشياً مع هذا التأكيد، أصرت موسكو على تقوية الروابط السياسية والعسكرية بين روسيا وكومنويلث الدول المستقلة المنشأ حديثاً أيضاً: على إنشاء قيادة عسكرية مشتركة؛ وربط القوات المسلحة للكومونويلث بمعاهدة رسمية؛ وأن تخضع الحدود الخارجية للكومونويلث لسيطرة مركزية (يعني سيطرة موسكو)؛ وأن تلعب القوات الروسية الدور الحازم في أي أعمال حفظ سلام داخل الكومونويلث؛ وتشكيل سياسة خارجية مشتركة داخل الكومونويلث، تكون مؤسساتها الرئيسية في موسكو (وليس في مينسك Minsk كما كان متفقاً عليه في الأصل عام 1991م.)، وأن يرأس الرئيس الروسي اجتماعات القمة للكومونويلث CIS.

ولم يكن هذا كل شيء. وضحت وثيقة سبتمبر 1995م. أيضاً أن:

إذاعة التليفزيون والإذاعة الروسية في الخارج القريبnear abroad  يجب أن يكون مضموناً، توزيع الصحافة الروسية  في الإقليم يجب أن يكون مدعوماً، وعلى روسيا تدريب الكوادر القومية في دول الكومونويلث.

يجب منح اهتمام خاص لاستعادة الوضع الروسي كمركز تعليمي رئيسي على أراضي الحيز الما يعد سوفيتي، مع وضع الحاجة إلى تعليم الجيل الصغير في الكومونويلث بروح من العلاقات الودية مع روسيا في الاعتبار.

ويعكس هذا المزاج، ذهاب الدوما الروسية في أوائل عام 1996م. بعيداً إلى حد إعلان فك الاتحاد السوفيتي لكونه أصبح غير صالح. كما أن، خلال ربيع نفس العام، وقعت روسيا على اتفاقيتين تشترطان تكاملاً اقتصاديا وسياسياً أوثق بين روسيا والدول الأعضاء في الكومونويلث الأكثر توافقاً. واحدة من الاتفاقيات التي وُقعت بحفاوة كبيرة فعلياً تشترط وحدة بين روسيا وروسيا البيضاء داخل “منظومة جديدة للجمهوريات السيادية” (الاختصار الروسي SSR يذكر بوضوح بالاتحاد السوفيتي SSSR) والاتفاقية الأخرى – الموقعة من روسيا وكازاخستان وروسيا البيضاء وقيرغستان – تشترط إنشاء “منظومة للدول المتكاملة” طويلة المدى. كلا المبادرتين تدلان على عدم الصبر على التقدم البطيء في التكامل داخل الكومونويلث وعزم روسيا على مواصلة تحسينه.

تأكيد “الخارج القريب near abroad” على تحسين الآليات المركزية لكومونويلث الدول المستقلة جمع بين بعض عناصر الاعتماد على الحتمية الاقتصادية الموضوعيةobjective economic determinism  مع جرعة قوية من العزيمة الإمبريالية الذاتية subjective imperial determination. ولكن ولا واحد منها قدم إجابة فلسفية وجيوسياسية للسؤال المزعج المستمر “ما هي روسيا، ما هي مهمتها الحقيقية ونطاقها المشروع؟”

هذا هو الفراغ الذي تحاول سده عقيدة الأوراسية Eurasianism المتزايدة الجاذبية – مع تركيزها أيضاً على “الخارج القريب  near abroad “. نقطة الانطلاق لهذا التوجه – والتي تم تعريفها في صيغة ثقافية وحتى صوفية – كانت الأطروحة بأن روسيا لا هي أوروبية ولا هي أسيوية جيوسياسياً وثقافيا، وبالتالي فإن لها هوية أوراسية مميزة في حد ذاتها. تلك الهوية هي ميراث السيطرة المكانية الفريدة لروسيا على الكتلة الأرضية الهائلة بين وسط أوروبا وسواحل المحيط الهادي، ميراث الحالة الإمبريالية التي صنعتها موسكو خلال أربعة قرون من التوسع جهة الشرق. هذا التوسع دمج في روسيا عدد كبير من السكان الغير روس والغير أوروبيين، وأوجد شخصية أوراسية سياسية وثقافية فريدة.

الأوراسية كعقيدة ليست انبثاقاً emanation ما بعد سوفيتي post-Soviet. فقد ظهرت أولاً في القرن التاسع عشر ولكن أصبحت أكثر انتشاراً في القرن العشرين، كبديل للشيوعية السوفيتية وكرد فعل لتفسخ الغرب المزعوم. المهاجرون الروس أصبحوا ناشطين بشكل خاص في ترويج العقيدة كبديل للسوفيتية، مدركين أن الصحوة القومية لغير الروس داخل الاتحاد السوفيتي تتطلب عقيدة فوق وطنية شاملة overarching supranational doctrine، خشية أن يؤدي السقوط النهائي للشيوعية أيضاً إلى تفكك الإمبراطورية الروسية العظيمة القديمة.

في وقت مبكر في منتصف عشرينات القرن العشرين، وضح الأمير تروبتزكوف (N. S. Trubetzkoy) النصير القيادي للأوراسية هذه الحالة بطريقة مقنعة فكتب يقول:

 الشيوعية communism  في الحقيقة هي نسخة متنكرة للأوروبية Europeanism  من حيث تدميرها للأسس الروحية والتفرد القومي للحياة الروسية، وفي نشر الإطار المادي للمرجع الذي يحكم بالفعل كلاً من أوروبا وأمريكا …

مهمتنا هي خلق ثقافة جديدة تماماً، ثقافتنا الذاتية التي لن تشبه الحضارة الأوروبية. ..عندما تتوقف روسيا عن أن تكون انعكاسا منحرفاً للحضارة الأوروبية … عندما تصبح مرة أخرى نفسها: روسيا-أوراسيا، الوريث الواعي والحامل لميراث جنكيز خان الكبير[10].

 هذا الرأي وجد مستمعين متحمسين في الوضع الما بعد سوفيتي المرتبك. من جانب، الشيوعية كانت مُدانة على أنها خيانة للأرثوذكسية الروسية والفكرة الروسية الصوفية الخاصة ومن جانب آخر، التغريب كان مرفوضاً لأن الغرب، خاصة أمريكا كان يُنظر إليه على أنه فاسد، معاد لروسيا ثقافياً، ويميل إلى إنكار مطلب روسيا تاريخياً وجغرافياً في سيطرة حصرية على الكتلة الأرضية الأوراسية Eurasian landmass.

مُنحت الأوراسية بريقاً أكاديمياً، في كتابات غوميليف Lev Gumilev، التي يُقتبس منها ويُستشهد بها كثيراً، ذلك المؤرخ وعالم الجغرافيا والإثنوغرافيا ethnographer الذي صنعت كتبه روسيا القروسطية Medieval Russia والسهب الكبير Great Steppe ، وإيقاعات أوراسيا The Rhythms of Eurasia ، والجغرافيا الإثنولوجيا في الزمن التاريخي The Geography of Ethnos in Historical Time ،  حالة قوية للاقتراح بأن أوراسيا هي الوضع الجغرافي الطبيعي للأعراق المميزة للشعب الروسي، نتيجة تكافل تاريخي historic symbiosis  بينهم وبين السكان الغير روس في السهوب المفتوحة، أوجد ثقافة أوراسية فريدة وهوية روحية.  حذر غوميليف من أن التكيف مع الغرب لن يعني للشعب الروسي إلا فقدان أعراقهم ethnos  وروحهم الخاصة.

 هذه الآراء كررتها، ولكن بطريقة أكثر بدائية مجموعة متنوعة من السياسيين القوميين الروس. نائب الرئيس يلتسن، ألكسندر روتسكوي Aleksandr Rutskoi، على سبيل المثال، قال: “من الواضح بالنظر إلى الوضع الجيوسياسي لبلدنا أن روسيا تمثل الجسر الوحيد بين آسيا وأوروبا. أياً من يصبح سيد هذه المنطقة سيصبح سيد العالم”.  غينادي زوغانوف Gennadii Zyuganov المتحدي الشيوعي ليلتسن عام 1996م. بالرغم من توجهه الماركسي-اللينيني، إلا أنه اعتنق التأكيد الباطني الأوراسي على الدور الروحي والتبشيري الخاص للشعب الروسي في مساحات أوراسيا الواسعة، مجادلاً بأن روسيا كانت موهوبة بكل من النداء الثقافي الفريد وبشكل خاص بالقاعدة الجغرافية المميزة لممارسة القيادة العالمية.

نسخة أكثر اتزاناً وبراغماتية من الأوراسية قدمها زعيم كازاخستان، نورسلطان نزارباييف Nursultan Nazarbayev. بعد مواجهة في الوطن مع ما يقترب من انشقاق ديمغرافي بين القازاخ الوطنيين والروس المقيمين والبحث عن صيغة تخفف نوعاً ما ضغوط موسكو من أجل التكامل السياسي، روج نزارباييف مفهوم “الاتحاد الأوراسي Eurasian Union” كبديل لكومونويلث الدول المستقلة مجهول الهوية الغير فعال. بالرغم أن نسخته كانت تفتقر إلى المحتوى الباطني mystical content  للتفكير الأوراسي الأكثر تقليداً وبالطبع لم تكن تضع دور تبشيري خاص للروس كزعماء لأوراسيا، إلا أنها كانت مستمدة من مفهوم أن أوراسيا  – التي يتم تعريفها جغرافياً بمصطلحات مشابهة لمصطلحات الاتحاد السوفيتي – تشكل كلاً عضوياً organic whole، والذي يجب أن يكون له أيضاً بعداً سياسياً.

بدرجة ما، كانت محاولة تخصيص الأولوية العليا في التفكير الروسي الجيوسياسي للخارج القريب near abroad مبررة بأن بعض إجراءات التنظيم والتوفيق بين روسيا الما بعد إمبريالية والدول المستقلة حديثاً ضرورة مطلقة، من حيث الأمن والاقتصاد. لكن، ما أعطى النقاش لمسة سريالية كان المفهوم العالق بطريقة ما بأن التكامل السياسي للإمبراطورية السابقة مرغوباً ومُجدياً، سواء كان ذلك طوعاً (بسبب الاقتصاد) أو كنتيجة للاستعادة النهائية لروسيا لسلطتها المفقودة – ناهيك عن المهمة الروسية الأوراسية أو السلافية الخاصة.

في هذا الخصوص، تتجاهل المقارنة المذكورة كثيراً مع الاتحاد الاوروبي فرق مهم: الاتحاد الاوروبي، حتى بالرغم من سماحه لألمانيا بنفوذ خاص، إلا أنه ليس تحت هيمنة قوة واحدة تغطي وحدها على كل الأعضاء الآخرين مجتمعين، في الناتج القومي النسبي، والسكان أو الأرض. كما أن الاتحاد الأوروبي ليس خليفة لإمبراطورية قومية، مع أعضاء محررين يشكون في أن “التكامل” كلمة مشفرة لتبعية متجددة. حتى مع ذلك، يمكن بسهولة تخيل ما سيكون عليه رد فعل الدول الأوروبية لو أن ألمانيا أعلنت رسمياً أن هدفها كان تعزيز وتوسيع دورها القيادي في الاتحاد الأوروبي على طول خطوط البيان الروسي في سبتمبر 1995م. المذكور سابقاً.

التشبيه بالاتحاد الأوروبي يعاني أيضاً من قصور آخر. الاقتصاديات المفتوحة والمتطورة نسبياً لأوروبا الغربية كانت جاهزة للتكامل الديمقراطي، وغالبية الأوروبيين الغربيين أدركوا الفوائد السياسية والاقتصادية الملموسة في هذا التكامل. البلاد الأوروبية الغربية الأفقر كانت قادرة أيضاً على الانتفاع من إعانات كبيرة. على العكس من ذلك، الدول المستقلة حديثاً كانت ترى روسيا غير مستقرة سياسياً، ومازالت تحتفظ بطموحات استبدادية، ويرونها اقتصادياً كعقبة أمام مشاركتهم في الاقتصاد العالمي ولحصولهم على استثمارات أجنبية هم في أمس الحاجة إليها.

معارضة مفاهيم موسكو للتكامل كانت قوية بشكل خاص في أوكرانيا. زعماؤها أدركوا سريعاً أن هذا التكامل خاصة على ضوء التحفظات الروسية فيما يتعلق بمشروعية الاستقلال الأوكراني، سيؤدي في النهاية إلى فقدان السيادة الوطنية. كما أن، المعالجة الروسية الغليظة للدولة الأوكرانية الجديدة – عدم رغبتها في الاعتراف بالحدود الأوكرانية، تساؤلها حول حقوق أوكرانيا في القرم، إصرارها على سيطرتها الحصرية من الخارج على ميناء سيفاستوبول Sevastopol – أعطى القومية الأوكرانية الناشئة حداً مميزاً معادياً للروس anti-Russian edge. التعريف الذاتي للقومية الأوكرانية، خلال المرحلة  التكوينية formative stage  الحاسمة في تاريخ الدولة الجديدة، تحول بذلك من التوجه التقليدي المعادي لبولندا أو رومانيا وأصبح مركزاً بدلاً من ذلك على معارضة أي مقترحات روسية لتكامل أكبر في كومونويلث الدول المستقلة، ولتشكيل مجتمع سلافي Slavic community  خاص مع روسيا وروسيا البيضاء، أو لاتحاد أوراسي، والتي فسرتها بأنها تكتيكات إمبريالية روسية.

إصرار أوكرانيا على الاحتفاظ باستقلالها لاقى تشجيعاً من دعم خارجي. بالرغم أن الغرب في البداية وخاصة الولايات المتحدة كان متأخراً في إدراك الأهمية الجيوسياسية لدولة أوكرانية منفصلة، إلا أن في منتصف التسعينات أصبحت كل من ألمانيا وأمريكا داعمتين قويتين لهوية منفصلة لكييف. في يوليو 1996م.، أعلن وزير الدفاع الأمريكي، “لا يمكنني المبالغة في تقدير أهمية أوكرانيا كبلد مستقل لأمن واستقرار أوروبا كلها”، بينما في سبتمبر، المستشار الألماني – بالرغم من دعمه القوي للرئيس يلتسن –  مضى الى ما هو أبعد من ذلك بإعلانه أن “مكانة أوكرانيا الراسخة في أوروبا لا يمكن لأحد تحديها … لا أحد سيمكنه بعد الآن منازعة استقلال أوكرانيا وسلامة أراضيها”. صُنَّاع السياسة الأمريكيون أصبحوا يصفون أيضاً العلاقة الأوكرانية-أمريكية بأنها “شراكة استراتيجية”، ذاكرين عمداً نفس الجملة المستخدمة لوصف العلاقة الأمريكية-روسية.

بدون أوكرانيا، كما أشرنا من قبل، لن تكون الاستعادة الإمبريالية القائمة على كومونويلث الدول المستقلة CIS  أو الأوراسية Eurasianism  اختيارا ممكناً. إمبراطورية بدون أوكرانيا ستعني في النهاية روسيا التي ستصبح أكثر أسيوية وأكثر بعداً عن أوروبا. كما أن، الأوراسية خاصة لم تكن أيضاً جذابة لدول وسط آسيا المستقلة حديثاً، قليل منهم كان متحمساً لاتحاد جديد مع موسكو. أوزبكستان أصبحت جازمة بشكل خاص في دعم اعتراضات أوكرانيا لأي رفع لكومونويلث الدول المستقلة إلى كيان فوق-قومي supranational entity  وفي معارضة المبادرات الروسية المصممة لتحسين كومونويلث الدول المستقلة CIS.

دول اخرى من كومونويلث الدول المستقلة CIS ، حذرة من نوايا موسكو، تميل الى التكتل حول أوكرانيا وأوزبكستان في معارضة أو تجنب ضغوط موسكو من أجل تكامل سياسي وعسكري أوثق. كما أن شعور بالوعي القومي يتعمق في كل الدول الجديدة تقريباً، وعي يتركز بتزايد على رفض الخضوع السابق لموسكو الاستعمارية وعلى استئصال تراث هذا الاستعمار المتنوع. وهكذا، حتى كازاخستان الغير محصنة اثنيا ethnically vulnerable  شاركت دول وسط آسيا الأخرى في التخلي عن الألفبائية الكيريلية Cyrillic alphabet  واستبدلتها باللاتينية التي اتخذتها تركيا مبكراً. فعلياً، في منتصف تسعينات القرن الماضي، ظهرت بشكل غير رسمي كتلة بقيادة أوكرانيا وتتضمن أوزبكستان، وتركمنستان، وأذربيجان وأحياناً كازاخستان وجورجيا ومولدوفا، لاعتراض الجهود الروسية لاستخدام كومونويلث الدول المستقلة CIS  كأداة للتكامل الاقتصادي.

إصرار أوكرانيا على تكامل اقتصادي محدود فقط كان له تأثير إضافي بدرجة كبيرة على تجريد مفهوم “الاتحاد السلافي” من أي معنى عملي. هذه الفكرة التي روج لها بعض دعاة الرابطة السلافية Slavophiles وبرزت بدعم ألكسندر سولزينيتسين[11] Aleksandr Solzhenitsyn ، أصبحت بشكل أوتوماتيكي لا معنى لها جيوسياسياً عندما رفضتها أوكرانيا. تركت روسيا البيضاء وحيدة مع روسيا؛ كما تضمنت قسم ممكن من كازاخستان مع أقاليمه الشمالية المسكون بالروس كجزء محتمل من هذا الاتحاد. هذا الاختيار كان مفهوماً منه أنه غير مطمئن للحكام الجدد في كازاخستان وأنه فقط يشدد من التوجه المعادي للروس في قوميتهم الكازاخية. في روسيا البيضاء، اتحاد سلافي بدون أوكرانيا كان لا يعني إلا اندماج في روسيا، وبالتالي إشعال المزيد من مشاعر الاستياء القومي المتقلبة.

هذه العوائق الخارجية لسياسة الخارج القريب near abroad دُعمت بقوة من قيد داخلي internal restraint هام: مزاج الشعب الروسي. بالرغم من الكلام الخطابي والإثارة السياسية بين النخبة السياسية فيما يتعلق بالمهمة والرسالة الروسية الخاصة special mission  في جيز الإمبراطورية السابقة، إلا أن الشعب الروسي – جزئياً بسبب التعب الكبير وأيضاً بسبب حس سليم نقي – أظهر القليل من الحماس لأي برنامج طموح لاستعادة الإمبريالية. فضَّل الشعب حدود مفتوحة، تجارة مفتوحة، حرية حركة، ووضع خاص للغة الروسية، ولكن التكامل السياسي، خاصة إن كان يتضمن تكاليف اقتصادية أو يتطلب سفك دماء، أثار القليل من الحماس. هناك أسف على تفكك الاتحاد، ورغبة في استعادته؛ ولكن رد الفعل الشعبي على حرب الشيشان دل على أن أي سياسة تذهب إلى ما وراء تطبيق الرفع الاقتصادي economic leverage  و/أو الضغط السياسي ستفتقر إلى الدعم الشعبي.

باختصار، الضعف الجيوسياسي الأساسي لأولوية “الخارج القريب near abroad” كان يتمثل في أن روسيا لم تكن قوية سياسياً بما يكفي لفرض إرادتها ولم تكن جذابة اقتصاديا بما يكفي لتكون قادرة على إغراء الدول الجديدة. الضغط الروسي جعلهم فقط يسعون إلى روابط خارجية أكثر، أولاً وغالباً مع الغرب ولكن في بعض حالات أيضاً مع الصين والدول الإسلامية الرئيسية في الجنوب. عندما هددت روسيا بتشكيل كتلتها العسكرية military bloc  رداً على توسع الناتو، استجدت السؤال “مع من؟” واستجدت الجواب الأكثر ألماً: في الغالب ربما مع روسيا البيضاء وطاجيكستان.

الدول الجديدة، كانت تميل بتزايد إلى الارتياب حتى في الأشكال المشروعة تماماً والتي هناك حاجة إليها من التكامل الاقتصادي مع روسيا، خوفاً من عواقبها السياسية المحتملة. في نفس الوقت، مفاهيم المهمة والرسالة الأوراسية Eurasian mission  الروسية المزعومة واللغز الباطني السلافي Slavic mystique  خدمت فقط في عزل روسيا أكثر عن أوروبا وبشكل أكثر عموماً عن الغرب وبالتالي إدامة الأزمة الما بعد سوفيتية post-Soviet crisis  وتأخير التحديث والتغريب المطلوب للمجتمع الروسي على طول الخطوط التي قام بها كمال أتاتورك في أعقاب انهيار الإمبراطورية العثمانية. اختيار “الخارج القريب” بهذا لم يعط روسيا حل جيوسياسي ولكن وهم جيوسياسي.

إن لم تكن هناك سيادة مشتركة condominium مع أمريكا وإن لم يكن هناك “خارج قريب near abroad”، إذاً ما هي الخيارات الجيوستراتيجية الأخرى التي كانت مفتوحة أمام روسيا؟ فشل التوجه الروسي ناحية الغرب Western orientation  في إنتاج مساواة مشتركة عالمية global co-equality  مع أمريكا لروسيا ديمقراطية democratic  Russia ، والذي كان شعاراً أكثر منه حقيقة، تسبب في خيبة أمل بين الديمقراطيين، بينما الاعتراف المتردد بأن إعادة تكامل الإمبراطورية القديمة كان في أفضل الحالات إمكانية بعيدة أغرت بعض الجيوسياسيين الروس بالعبث مع فكرة نوع من التحالف المضاد counteralliance الموجه ضد وضع أمريكا المهيمن في أوراسيا.

في أوائل عام 1996م.، استبدل الرئيس يلتسن رئيس وزراءه كوزيريف[12] Kozyrev ذو التوجه الغربي، بإيفجيني بريماكوف[13] Evgenniy Primakov الأكثر خبرة والمتخصص الدولي الشيوعي السابق أيضاً، والذي كان  اهتمامه لزمن طويل هو الصين وإيران. بعض المعلقين الروس خمنوا أن توجه بريماكوف قد يعجل بمسعى لعمل تحالف جديد مضاد للهيمنة، يتشكل حول القوى الثلاثة ذات الرهانات الجيوسياسية الأكبر على تخفيض الصدارة الأمريكية في أوراسيا. بعض رحلات وتعليقات بريماكوف الأولى دعمت هذا الانطباع. كما أن، العلاقة الإيرانية الصينية القائمة في تجارة السلاح علاوة على الميل الروسي إلى التعاون في مساعي إيران لزيادة وصولها للطاقة النووية يبدو أنها قدمت فرصة مناسبة لحوار سياسي أوثق وتحالف في نهاية المطاف. النتيجة قد تكون على الأقل نظرياً، هي الجمع بين القوة القيادية السلافية في العالم مع أكبر قوة إسلامية مناضلة، وأكبر دولة من حيث السكان في العالم وأكبر قوة أسيوية، وبالتالي خلق تحالف فعال.

نقطة الانطلاق الضرورية لأي اختيار لتحالف مضاد مثل هذا تتضمن تجديد للعلاقة الثنائية الصينية-روسية، المستفيدة من استياء النخب السياسية في كلا البلدين من بروز أمريكا كقوة عظمى عالمية وحيدة. في بداية عام 1996م.، سافر يلتسن إلى بكين ووقع إعلان يشجب التوجهات الى الهيمنة العالمية، وبذلك يلمح إلى أن الدولتان ستصطفان ضد الولايات المتحدة. في ديسمبر، رئيس الوزراء الصيني، لي بينج[14] Li Peng، رد الزيارة، ولم يكتفي الطرفان فقط بتكرار معارضتهما لنظام دولي تحت هيمنة قوة واحدة، ولكن صادقا أيضاً على تعزيز التحالفات القائمة. رحب المعلقون الروس بهذا التطور، واعتبروه تحولاً إيجابياً في العلاقة المشتركة العالمية للقوة وكرد مناسب لرعاية أمريكا لتوسع الناتو. البعض حتى بدوا مبتهجين بأن التحالف الروسي الصيني سيعطي أمريكا القصاص العادل comeuppance الذي تستحقه.

لكن، تحالف يضع روسيا مع كل من الصين وإيران يمكن فقط أن يتطور لو أن الولايات المتحدة كانت قصيرة النظر بشكل يجعلها تعادي الصين وإيران في وقت واحد. بالتأكيد هذا الاحتمال لا يمكن استبعاده، والسلوك الأمريكي في 1995 – 1996 م. بدا متماشياً تقريباً مع مفهوم أن الولايات المتحدة تسعى إلى علاقة معادية مع كل من طهران وبكين. ولكن لا إيران ولا الصين مستعدتان للمخاطرة بمصيرها مع روسيا غير مستقرة وضعيفة. كلتاهما تدركان بأن هذا التحالف، بمجرد أن يتجاوز بعض التوافق التكتيكي العرضي occasional tactical orchestration، سيخاطر بوصولهما إلى العالم الأكثر تقدماً، مع قدراته الاستثمارية الحصرية exclusive capacity for investment وتكنولوجيته المتقدمة cutting-edge technology التي يحتاجان إليها. روسيا لديها القليل جداً لتقديمه لتكون شريكا حقيقياً جديراً truly worthy partner  في تحالف مضاد للهيمنة anti-hegemonic coalition.

في الواقع، مثل هذا التحالف الذي يفتقر إلى أي إيديولوجيا مشتركة  shared ideologyويتوحد فقط بعاطفة مضادة للهيمنة “antihegemonic” emotion سيكون في الأساس تحالف لجزء من العالم الثالث ضد الأجزاء الأكثر تقدماً من العالم الأول. لا أحد من أعضائه سيكسب كثيراً، الصين خاصة ستخاطر بفقدان التدفقات الاستثمارية الهائلة عليها. بالنسبة لروسيا أيضاً “شبح تحالف روسي-صيني … سيزيد بحدة فرص حرمان روسيا مرة أخرى من التكنولوجيا ورؤوس الأموال الغربية “، كما لاحظ جيوسياسي روسي مهم. الاصطفاف سيدين في نهاية المطاف كل المشاركين فيه، سواء كان عددهم إثنين أو ثلاثة، وسيحكم عليهم بعزلة ممتدة وتخلف مشترك.

كما أن الصين ستكون الشريك الأكبر في أي مسعى روسي جاد لبلورة مثل هذا التحالف المعادي للهيمنة. لكونها أكثر سكاناً، أكثر تصنيعاً، أكثر ابتكارا، أكثر ديناميكية، وتتكتم بعض التدابير الأرضية المحتملة عن روسيا، الصين ستحول حتماً روسيا إلى وضع الشريك الأصغر، بينما في نفس الوقت تفتقر إلى الوسائل (وربما أي رغبة حقيقية) لمساعدة روسيا على التغلب على تخلفها. وهكذا ستصبح روسيا منطقة حاجزة بين أوروبا المتوسعة والصين التوسعية.

في النهاية، بعض خبراء الشؤون الخارجية الروس استمروا في الاحتفاظ بالأمل بأن طريق مسدود للتكامل الأوروبي، بما في ذلك ربما اختلافات غربية داخلية حول شكل الناتو في المستقبل، قد تخلق في نهاية المطاف فرص تكتيكية على الأقل لغزل روسي ألماني أو روسي فرنسي Russo-German or a Russo-French flirtation، في كلتا الحالتين للإضرار بعلاقة أوروبا العابرة للأطلسي مع أمريكا. ولكن هذا المنظور ليس بجديد، فخلال الحرب الباردة، حاولت موسكو دورياً اللعب إما بالكارت الألماني أو الفرنسي. مع ذلك، ليس من المعقول عند بعض الجيوسياسيين في موسكو حساب أن طريق مسدود في الشؤون الأوروبية يمكن أن يخلق ثغرات تكتيكية قد تُستخدم ضد مصلحة أمريكا.

ولكن ذلك هو كل ما يمكن بلوغه: اختيارات تكتيكية محضة. ليس من المحتمل أن تتخلى فرنسا أو ألمانيا عن العلاقة الأمريكية. الغزل العرضي خاصة مع فرنسا، الذي يركز على بعض القضايا الضيقة، لا يمكن استبعاده – ولكن انقلاب جيوسياسي للتحالفات سيسبقه ثورة كبرى في الشؤون الأوروبية، تفكك في الوحدة الأوروبية وفي الروابط العابرة للأطلسي. وحتى عند إذِ، ليس من المحتمل أن تكون الدول الأوروبية مائلة إلى مواصلة اصطفاف جيوسياسي شامل حقيقة مع روسيا التائهة.

وهكذا، ولا اختيار من اختيارات التحالف المضاد، في التحليل النهائي، يقدم بديل قابل للتطبيق. الحل للمعضلات الجيوسياسية لروسيا لن يتم العثور عليه في تحالف مضاد، ولا من خلال الوهم بشراكة استراتيجية متساوية مع أمريكا أو في السعي لخلق بعض البنى المتكاملة سياسياً واقتصاديا في حيز الاتحاد السوفيتي الجديد. فكلها تتجنب الاختيار الوحيد المفتوح حقيقة أمام روسيا.

[1]. Aleksaridr Prokhanov. “Tragedy of Centralism,” Literatmnaya Rossiya, January 1990, pp. 4-5.

[2]. Interview in Rossiyskaya Gazela, January 12, 1992.

[3] https://en.wikipedia.org/wiki/Near_abroad

[4] https://en.wikipedia.org/wiki/Comecon

[5] https://en.wikipedia.org/wiki/Molotov%E2%80%93Ribbentrop_Pact

[6]. A. Bogaturov and V. Kremenyuk (both senior scholars in the Institute of the United States and Canada), in “The Americans Themselves Will Never Stop,” Nczdi’iaiiiKiyd Guzi’la, June 28, 1996.

[7]. For example, even Yeltsin’s top adviser, Dmitryi Ryurikov, was quoted by Interfax (November 20, 1996) as considering Ukraine to be “a temporary phenomenon,” while Moscow’s Obshchaya Gazeta (December 10, 1996) reported that “in the foreseeable future events in eastern Ukraine may confront Russia with a very difficult problem. Mass manifestations of discontent… will be accompanied by appeals to Russia, or even demands, to take over the region. Quite a few people in Moscow would be ready to support such plans.” Western concerns regarding Russian intentions were certainly not eased by Russian demands for Crimea and Sevastopol, nor by such provocative acts as the deliberate inclusion in late 199(i of Sevastopol in Russian public television’s nitfhUy wcalhcr ton-casts for Kussi.in rilirs.

[8] https://en.wikipedia.org/wiki/Near_abroad

[9] A person subscribing to the theory that economic occurrences are caused directly by other occurrences, and that economic agency by individuals plays little or no role. For example, determinism holds that a company’s success occurs because social and economic pressures cause its products to be demanded, and not because of any marketing strategy its management devises. Determinism is associated with Karl Marx, who believed in the importance of historical analysis in explaining economic phenomena. However, some Marxist analysts deny that Marx taught economic determinism.

[10]. «N. S. Trubetzkoy. “The Legacy of Genghis Khan,” Cross Currents 9 (1990):68.

[11] https://en.wikipedia.org/wiki/Aleksandr_Solzhenitsyn

[12] https://en.wikipedia.org/wiki/Andrei_Kozyrev

[13] https://en.wikipedia.org/wiki/Yevgeny_Primakov

[14] https://en.wikipedia.org/wiki/Li_Peng

الإعلانات

اترك رد