9-01: رقعة الشطرنج الكبيرة – الفصل الرابع – 1

رقعة الشطرنج الكبيرة  THE GRAND CHESSROARD

الفصل الرابع : الثقب الأسود  The Black Hole

الإعداد الجيوسياسي الروسي الجديد  RUSSIA’S NEW GEOPOLITICAL SETTING

تفكك أكبر مساحة أرضية في العالم في أواخر عام 1991م. خلق ثقباً أسوداً في مركز أوراسيا. يبدو كأن قلب الارض[1] heartland” عند الحيوسياسيين تم انتزاعه فجأة من الخريطة العالمية.

بالنسبة لأمريكا، هذا الوضع الجيوسياسي المربك الجديد فرض تحدياً مهماً. المهمة المباشرة بوضوح كانت تقليل احتمالية الفوضى السياسية أو الانتكاس إلى ديكتاتورية معادية في دولة متفتتة crumbling state  مازالت تمتلك ترسانة نووية قوية. ولكن المهمة الطويلة المدى تبقى: كيفية تشجيع التحول الديمقراطي والإصلاح الاقتصادي في روسيا مع تجنب عودة ظهور إمبراطورية أوراسية يمكنها إعاقة الهدف الجيوستراتيجي الأمريكي المتمثل في تشكيل نظام أوروبي-أطلسي  أكبر shaping a larger Euro-Atlantic system يمكن أن ترتبط به روسيا بأمان واستقرار.

 

الإعداد الجيوسياسي الروسي الجديد

انهيار الاتحاد السوفيتي كان المرحلة النهائية في التفتت المتزايد تدريجياً progressive fragmentation  للكتلة الشيوعية الصينية- سوفيتية Sino-Soviet Communist bloc  الشاسعة التي ضارعت في وقت من الأوقات وحتى فاقت في بعض المناطق نطاق مُلك جنكيز خان. ولكن الكتلة  الأوراسية الممتدة عبر القارات والأكثر حداثة من عصر جنكيز خان، بقيت لوقت شديد القصر، ولكن مع تخل تيتو زعيم يوغوسلافيا عن تلك الكتلة الشيوعية وتمرد ماو زعيم الصين ظهرت علامات مبكرة لضعف حصانة المعسكر الشيوعي أمام الطموحات الوطنية nationalist aspirations التي أثبتت أنها أقوى من الروابط الإيديولوجية ideological bonds. الكتلة الصينية-سوفيتية بقيت تقريباً عشرة سنوات؛ والاتحاد السوفيتي حوالي 70 سنة.

لكن، الأكثر أهمية جيوسياسية كان تفكيك الامبراطورية الروسية الكبرى القديمة منذ قرون والمحكومة من موسكو. تفكيك هذه الامبراطورية عجل به الفشل السياسي الاقتصادي العام للنظام السوفيتي – بالرغم أن الكثير من المصاعب التي واجهتها ظلت خفية تقريباً حتى النهاية بسبب سريتها المنهجية وعزلتها الذاتية. من هنا، تفاجأ العالم بما بدا من سرعة وانهيار ذاتي للاتحاد السوفيتي. في خلال أسبوعين في ديسمبر 1991م.أُعلن في البداية عن حل الاتحاد السوفيتي بتحد من زعماء جمهورياته أوكرانيا وروسيا البيضاء، ثم تم استبداله رسمياً بكيان مبهم – يُسمى كومونويلث الدول المستقلة (CIS) – يشمل كل الجمهوريات السوفيتية ما عدا جمهوريات البلطيق؛ ثم استقال الرئيس السوفيتي بتردد ونُكس العلم السوفيتي لآخر مرة من برج الكرملين؛ وأخيراً ظهر الاتحاد الروسي – الدولة الروسية التي تتكون من 150 مليون نسمة – كخليفة فعلي للاتحاد السوفيتي السابق، بينما الجمهوريات الأخرى التي تصل إلى 150 مليون فرد آخرين – أكدت بدرجات مختلفة سيادتها المستقلة.

انهيار الاتحاد السوفيتي أنتج فوضى جيوسياسية هائلة. في خلال أسبوعين فقط، الشعب الروسي – الذين كان أقل إنذاراً مبكراً من العالم الخارجي بتفكك الاتحاد السوفيتي الوشيك – اكتشف فجأة أنه لم يعد سيد الامبراطورية العابرة للقارات وأن حدود روسيا تراجعت إلى حيث كانت في القوقاز في أوائل القرن الثامن عشر، وفي وسط آسيا إلى حيث كانت في منتصف القرن الثامن عشر – والأكثر مأساوية وألم – في الغرب تقريبا الي حيث كانت في القرن السادس عشر، بعد ملك إيفان الرهيب بقليل. خسارة القوقاز أحيت المخاوف الاستراتيجية من النفوذ التركي المستعيد نشاطه؛ خسارة وسط آسيا ولدت شعوراً بالحرمان فيما يتعلق بالموارد الهائلة للطاقة والمعادن في الإقليم وكذلك القلق من التحدي الإسلامي المحتمل؛  واستقلال أوكرانيا تحدى جوهر وأساس الزعم الروسي بأنها هي الموهوبة إلهياً بحمل لواء الهوية السلافية القومية المشتركة.

المساحة المحتلة عبر قرون من الامبراطورية القيصرية ولمدة ثلاثة أرباع قرن من الاتحاد السوفيتي الذي يهيمن علية الروس ستمتلئ الآن بعشرات الدول، مع أغلبها (باستثناء روسيا) مستعد بصعوبة لسيادة حقيقية وتتراوح في الحجم ما بين أوكرانيا الكبيرة نسبياً وبها 52 مليون فرد إلى أرمينيا وعدد سكانها 3.5 مليون فرد. بقاؤها يبدو غير مؤكد، بينما يبدو بالمثل استعداد موسكو للتكيف بشكل دائم مع الواقع الجديد أمر لا يمكن التنبؤ به كذلك. الصدمة التاريخية التي يعاني منها الروس تعاظمت بواقع أن حوالي 20 مليون روسي يعيشون الآن في تلك دول أجنبية خاضعة سياسياً لهيمنة نخب متزايدة الوطنية عازمة على تأكيد هويتها الذاتية بعد عقود من الإدماج الروسي الإجباري.

انهيار الامبراطورية الروسية خلق فراغ للسلطة في قلب أوراسيا. ليس فقط هناك ضعف وفوضى في الدول المستقلة حديثاً، ولكن في روسيا نفسها، أنتج الانقلاب أزمة شاملة واسعة النطاق، خاصة مع مصاحبة الانقلاب السياسي بالمحاولة المتزامنة لفك النموذج الاجتماعي-اقتصادي السوفيتي القديم. الجرح الوطني ازداد سوءاً بالتدخل العسكري الروسي في طاجيكستان، المدفوع بالمخاوف من استيلاء المسلمين على هذه الدولة المستقلة حديثاً، وازداد بشكل خاص. بالتدخل المأساوي والوحشي والشديد الكلفة اقتصاديا وسياسياً في الشيشان. الأكثر ألماً من كل شيء، الوضع الدولي الروسي انحط بشكل كبير، مع النظر الى واحدة من القوتين العظمتين في العالم الآن من الكثيرين على أنها أصبحت أكثر بقليل من قوة إقليمية من العالم الثالث، بالرغم أنها مازالت تمتلك ترسانة نووية مهمة ولكن متزايدة القدم.

الفراغ الجيوسياسي تعاظم بحجم الأزمة الاجتماعية الروسية. ثلاثة أرباع قرن من الحكم الشيوعي ألحق ضرر بيولوجي غير مسبوق بالشعب الروسي. نسبة كبيرة جداً من أفراده الاكثر موهبة وإقداماً قُتلوا أو هلكوا في معسكرات الاعتقال[2] Gulag،  بأعداد تُعد بالملايين. علاوة على أنه خلال هذا القرن عانت البلد أيضاً من خراب الحرب العالمية الأولى، وعمليات القتل في الحرب المدنية، وفظائع الحرب العالمية الثانية. الحكومة الشيوعية الحاكمة فرضت عقيدة مذهبية خانقة، بينما عزلت البلد عن باقي العالم. سياساتها الاقتصادية لم تكن مبالية تماماً بالاهتمامات البيئية، ونتيجة لذلك كانت هناك معاناة في كل من البيئة وصحة الشعب بدرجة كبيرة. حسب الإحصاءات الروسية الرسمية، في منتصف تسعينات القرن العشرين فقط حوالي 40% من المواليد الجدد كانوا أصحاء، بينما خُمس طلاب الصف الأول الروس عانوا من بعض أشكال التخلف العقلي.  عمر الذكور تراجع الى 57.3 عام، وعدد الأموات زاد عن عدد المواليد. الحالة الاجتماعية الروسية حقيقة هي مماثلة للطبقة الوسطى في دول العالم الثالث.

لا يمكن المبالغة في الرعب والمحن التي سقطت على الشعب الروسي خلال هذا القرن. بالكاد إن وُجدت أسرة روسية لديها فرصة لعيش وجود حضاري طبيعي. مع الأخذ في الاعتبار الآثار الاجتماعية لتسلسل الأحداث التالي:

  • الحرب اليابانية الروسية[3] عام 1905 م.، المنتهية بهزيمة مخزية لروسيا؛
  • الثورة البروليتارية الاولى[4] عام 1905م.، والتي أشعلت عنف مدني على نطاق واسع؛
  • الحرب العالمية الاولى[5] بين 1914 – 1917م.، مع ملايين الضحايا وتفكك اقتصادي هائل؛
  • الحرب المدنية الروسية[6] ما بين 1918 الى 1921، والتي استهلكت مرة أخرى حياة عدة ملايين وخربت الاراضي؛
  • الحرب الروسية البولندية[7] عام 1919 – 1920م.، والتي انتهت بهزيمة روسيا.
  • إطلاق معسكرات الاعتقال في أواخر العشرينات، بما في ذلك من هلاك النخبة السابقة للثورة prerevolutionary elite ونزوحها على نطاق واسع من روسيا؛
  • حملات التصنيع[8] والمزارع المجمعة[9] في أوائل ومنتصف ثلاثينات القرن العشرين، التي ولدت مجاعات كبرى وملايين الموتى في أوكرانيا وكازاخستان؛
  • حملات التطهير والرعب الكبرى[10] في منتصف وأواخر ثلاثينات القرن العشرين، مع ملايين المحبوسين في معسكرات اعتقال وحوالي مليون أُطلق عليهم النار وموت عدة ملايين من سوء المعاملة؛
  • الحرب العالمية الثانية[11] ما بين 1941 – 1945 م.، مع عدة ملايين من الضحايا العسكريين والمدنيين وخراب اقتصادي هائل؛
  • إعادة فرض الرعب الستاليني في أواخر أربعينات القرن العشرين، ومرة أخرى يتضمن ذلك اعتقالات على نطاق واسع وإعدامات متكررة[12]؛
  • سباق التسلح[13] على مدى 40 سنة مع الولايات المتحدة، والذي استمر من أربعينات حتى ثمانينات القرن العشرين، مع آثار إفقارها الاجتماعي؛
  • الجهود المضنية إقتصادياً لاستعراض القوة السوفيتية في الكاريبي والشرق الاوسط وأفريقيا خلال سبعينات وثمانينات القرن العشرين[14]؛
  • الحرب المنهكة في أفغانستان[15] من 1979 الى 1989م.؛
  • الانهيار المفاجئ للاتحاد السوفيتي[16]، المتبوع بفوضى مدنية، وأزمة اقتصادية موجعة، والحرب الدموية والمخزية ضد الشيشان[17].

الازمة في الاوضاع الداخلية لروسيا وفقدان المكانة الدولية لم تكن فقط مثيرة للاضطراب بشكل مقلق، خاصة للنخبة السياسية الروسية، ولكن الوضع الجيوسياسي لروسيا كان أيضاً متأثراً بشكل سلبي. في جهة الغرب كنتيجة لتفكك الاتحاد السوفيتي، تبدلت الحدود الروسية بشكل أكثر ألماً وانكمش نطاق النفوذ الروسي الجيوسياسي بطريقة مأساوية. دول البلطيق كانت تحت سيطرة الروس منذ بدايات القرن الثامن عشر، وفقدان مواني ريغا Riga  وتالين Tallinn جعل وصول روسيا الى بحر البلطيق أكثر محدودية وعرضة لجليد الشتاء. بالرغم أن موسكو خططت للإبقاء على وضع مهيمن في بيلاروسيا المستقلة حديثاً ولكن المتأثرة بشدة بالثقافة الروسية، إلا أنه ليس من المؤكد أن العدوى الوطنية لن تكتسب في النهاية اليد العليا هناك أيضاً.  وفيما وراء حدود الاتحاد السوفيتي السابق، فإن انهيار حلف وارسو[18] كان معناه أن الدول التابعة السابقة في وسط أوروبا، وخاصة بولندا في المقام الاول، تنجذب بسرعة تجاه الناتو والاتحاد الاوروبي.

الاكثر إزعاجاً من بين كل ذلك كان فقدان أوكرانيا. ظهور دولة أوكرانية مستقلة ليس فقط يتحدى كل الروس لإعادة التفكير في طبيعة هويتهم السياسية والأثنية، ولكنها كانت تمثل نكسة جيوسياسية حيوية للدولة الروسية. إنكار أكثر من 300 سنة من التاريخ الإمبراطوري الروسي كان يعني فقدان الاقتصاد الصناعي والزراعي الكامن الثراء و52 مليون فرد قريب بما يكفي اثنياً ودينياً من الروس لجعل روسيا دولة إمبراطورية كبيرة وواثقة من نفسها.  استقلال أوكرانيا حرم روسيا أيضاً من وضعها المهيمن على البحر الأسود، حيث كانت أوديسا Odessa  منفذ حيوي لتجارة روسيا مع البحر المتوسط والعالم من وراءه.

فقدان أوكرانيا كان محورياً من الناحية الجيوسياسية، لأنه حدد بشكل جذري خيارات روسيا الجيوستراتيجية. حتى بدون دول البلطيق وبولندا، روسيا التي أبقت السيطرة على أوكرانيا لا يزال بإمكانها السعي إلى أن تكون قائدة لإمبراطورية أوراسية مؤكدة، يمكن لموسكو فيها ان تسيطر على غير السلاف في جنوب وجنوب شرق الاتحاد السوفيتي السابق. ولكن بدون أوكرانيا ورفاقها السلاف ال52 مليون، أي محاولة من موسكو لإعادة بناء الامبراطورية الأوراسية من المحتمل أن تترك روسيا متورطة وحدها في صراعات ممتدة مع غير السلاف المستيقظين وطنياً ودينياً، الحرب مع الشيشان ربما تكون ببساطة أول نموذج. كما أن نظراً لمعدلات المواليد المتراجعة في روسيا ومعدل المواليد المتفجر بين دول وسط آسيا، فإن أي كيان أوراسي جديد قائم فقط على السلطة الروسية بدون أوكرانيا سيصبح حتماً أقل أوروبية وأكثر أسيوية مع كل سنة تمر.

فقدان أوكرانيا لم يكن فقط محورياً جيوسياسياً geopolitically pivotal  ولكن أيضاً تحفيزياً جيوسياسياً  geopolitically catalytic. كانت الأفعال الأوكرانية – الاعلان الاوكراني للاستقلال في ديسمبر 1991 م.، إصرار أوكرانيا في المفاوضات الهامة في بيلافيزا[19] على أن الاتحاد السوفيتي يجب أن يُستبدل بكومونويلث أكثر رخاوة من الدول المستقلة، وخاصة الفرض المفاجئ الشبيه بالانقلاب للقيادة الأوكرانية على وحدات الجيش السوفيتي المتمركزة على الاراضي الأوكرانية – الذي منع كومونويلث الدول المستقلة CIS  من أن يصبح مجرد اسم جديد لاتحاد سوفيتي أكثر كونفدرالية. تحديد المصير الذاتي السياسي لأوكرانيا فاجأ موسكو ووضع نموذجاً اتبعته الجمهوريات السوفيتية الأخرى بالرغم أنها كانت في البداية أكثر تخوفاً، لكن بعد ذلك تبعت أوكرانيا.

فقدان روسيا لوضعها المهيمن على بحر البلطيق تكرر على البحر الاسود ليس فقط بسبب استقلال أوكرانيا ولكن ايضاً لأن دول القوقاز المستقلة حديثاً – جورجيا، أرمينيا وأذربيجان – حسنت الفرص امام تركيا لإعادة ترسيخ نفوذها المفقود في الاقليم. قبل عام 1991م.، كان البحر الاسود هو نقطة الانطلاق لاستعراض القوة البحرية الروسية في البحر المتوسط. في منتصف تسعينات القرن العشرين، تُرك لروسيا شريط ساحلي صغير على البحر الاسود و نزاع لا حل له مع اوكرانيا على حقوق أساسية في القرم لبقايا الاسطول السوفيتي في البحر الاسود، بينما تراقب بانزعاج واضح، المناورات البحرية والساحلية والبرية المشتركة بين الناتو وأوكرانيا ودور تركي متزايد في إقليم البحر الاسود. روسيا ايضاً تشك في ان تركيا قدمت مساعدة فعالة للمقاومة الشيشانية.

أكثر بعداً تجاه جنوب شرق، الانتفاضة الجيوسياسية أنتجت بالمثل تغييراً كبيراً في وضع حوض بحر قزوين وبشكل أعم في وسط آسيا. قبل انهيار الاتحاد السوفيتي، كان بحر قزوين فعلياً بحيرة روسية، مع جزء جنوبي صغير يقع داخل المحيط الإيراني. مع بروز أذربيجان المستقلة والشديدة القومية – المدعمة بتدفق المستثمرين الغربيين المتحمسين في البترول – ودولتا كازاخستان وتركمنستان المستقلتين بالفعل، أصبحت روسيا فقط واحدة من بين خمسة مطالبين بثروات حوض بحر قزوين. لم تعد تستطيع أن تفترض بثقة أن بإمكانها التصرف في تلك الموارد من تلقاء نفسها.

ظهور دول وسط آسيا المستقلة كان يعني أن في بعض الأماكن، الحدود الجنوبية الشرقية لروسيا دُفعت تجاه الشمال أكثر من 1000 ميل. الدول الجديدة تسيطر الآن على مخزونات هائلة من الطاقة والمعادن المرتبطة بجذب مصالح أجنبية. من المحتم تقريبا أن في هذه الدول ليس فقط النخب ولكن قبل مرور وقت طويل أيضاً الشعوب ستصبح أكثر قومية وربما يتزايد أيضاً مظهرهم الإسلامي. في كازاخستان، البلد الواسعة الموهوبة بموارد طبيعية هائلة ولكن عدد سكانها 20 مليون نسمة فقط تقريباً، ينقسم الشعب بين القازاق والسلاف، من المحتمل أن تتفاقم الاحتكاكات اللغوية والقومية.   أوزبكستان – بسكانها الاكثر تناسقاً اثنيا والقريبون من 25 مليون نسمة وزعماؤها الذين يشددون على الأمجاد التاريخية للبلد – اصبحت متزايدة الجزم على تأكيد الوضع الما بعد استعماري الجديد للإقليم. تركمنستان، المحمية جغرافياً بكازاخستان من أي احتكاك مباشر مع روسيا، طورت بنشاط روابط جديدة مع إيران من أجل تقليل اعتمادها السابق على نظام الاتصالات الروسي السابق من أجل الوصول إلى الأسواق العالمية.

Figure 19  : فقدان السيطرة الايديولوجية والخندقة الامبريالية : فقدان الممتلكات الارضية والسيطرة الايديولوجية

 مدعومين من الخارج بتركيا وإيران وباكستان والسعودية، دول وسط آسيا لا تميل إلى المتاجرة بسيادتها السياسية الجديدة حتى ولو من أجل تكامل اقتصادي مفيد مع روسيا، كما يتمنى الكثير من الروس. على الأقل، لا يمكن تجنب بعض التوتر والعداء في علاقتهم بروسيا. بينما السوابق المؤلمة في الشيشان وطاجيكستان توحي بأن شيء ما أسوأ لا يمكن تجنبه تماماً. بالنسبة للروس شبح الصراع المحتمل مع الدول الاسلامية على طول الجناح الجنوبي لروسيا (والذي بإضافة تركيا وباكستان وايران يصل إلى أكثر من 300 مليون فرد) يشكل مصدراً لقلق هام.

في النهاية، في وقت تفكك إمبراطورتيها، روسيا كانت تواجه أيضاً وضع جيوسياسي جديد مشؤوم في الشرق الأقصى، حتى بالرغم من عدم حدوث تغيرات سياسية أو أرضية. لعدة قرون، الصين كانت أضعف وأكثر تخلفاً من الصين، على الأقل في الميادين العسكرية-سياسية. لا يوجد روسي قلق على مستقبل البلد ومتحير من التغيرات المأساوية في هذا العقد يمكنه تجاهل حقيقة أن الصين في طريقها إلى أن تصبح أكثر تقدماً، وأكثر ديناميكية ودولة أكثر نجاحاً من روسيا. القوة الاقتصادية للصين، والمقترنة بالطاقة الديناميكية لسكانها ال1.2 بليون، تعكس من الأساس المعادلة التاريخية بين البلدين، مع ما يبدو من إيماء من المساحات الفارغة في سيبيريا للاستعمار الصيني.

هذه الحقيقة المذهلة الجديدة ارتبطت بالتأثير في الشعور الروسي بالأمن في إقليمها في الشرق الأقصى وأيضاً في المصالح الروسية في وسط آسيا. قبل مرور فترة طويلة، هذا التطور قد يطغى على الأهمية الجيوسياسية لفقدان روسيا لأوكرانيا. فلاديمير لوكين Vladimir Lukin سفير روسيا في امريكا ثم رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الدوما، عبر عن آثارها الاستراتيجية جيداً  بقوله:

 “في الماضي، روسيا رأت نفسها في مقدمة آسيا، على الرغم من تخلفها وراء أوروبا. ولكن منذ زلك الزمان، تطورت آسيا بسرعة أكبر. … وجدنا أنفسنا لسنا في وضع بين “أوروبا الحديثة” و”آسيا المتخلفة” ولكن نحتل مكاناً متوسطاً غريباً بين “أورباتين[20]

باختصار، روسيا التي كانت حتى وقت قريب صانعة لإمبراطورية أرضية كبيرة وقائدة لكتلة إيديولوجية من الدول التابعة الممتدة من قلب أوروبا وفي وقت من الاوقات الى بحر جنوب الصين، أصبحت دولة قومية مضطربة، بدون وصول جغرافي geographic access  سهل الى العالم الخارجي ومن المحتمل معرضة لصراعات منهكة مع جيرانها على حدودها الغربية والجنوبية والشرقية. فقط المساحات الشمالية الغير مسكونة والصعب الوصول اليها والشبه مجمدة دائماً تبدو آمنة جيوسياسياً.

[1] https://en.wikipedia.org/wiki/The_Geographical_Pivot_of_History

[2] https://en.wikipedia.org/wiki/Gulag

[3] https://en.wikipedia.org/wiki/Russo-Japanese_War

[4] https://en.wikipedia.org/wiki/Revolution_of_1905

[5] https://en.wikipedia.org/wiki/World_War_I

[6] https://en.wikipedia.org/wiki/Russian_Civil_War

[7] https://en.wikipedia.org/wiki/Polish%E2%80%93Soviet_War

[8] https://en.wikipedia.org/wiki/First_five-year_plan_(Soviet_Union)

[9] https://en.wikipedia.org/wiki/Collectivization_in_the_Soviet_Union

[10] https://en.wikipedia.org/wiki/Great_Purge

[11] https://en.wikipedia.org/wiki/World_War_II

[12] https://en.wikipedia.org/wiki/History_of_the_Soviet_Union_(1927%E2%80%9353)

[13] https://en.wikipedia.org/wiki/Nuclear_arms_race

[14] https://en.wikipedia.org/wiki/Cold_War

[15] https://en.wikipedia.org/wiki/Soviet%E2%80%93Afghan_War

[16] https://en.wikipedia.org/wiki/Dissolution_of_the_Soviet_Union

[17] https://en.wikipedia.org/wiki/First_Chechen_War; https://en.wikipedia.org/wiki/Chechen_Republic_of_Ichkeria; https://en.wikipedia.org/wiki/Second_Chechen_War

[18] https://en.wikipedia.org/wiki/Warsaw_Pact

[19] https://en.wikipedia.org/wiki/Belavezha_Accords

[20]. In “Our Security Predicament,” Foreign Policy 88 (Fall 1992):60.

الإعلانات

اترك رد