9-01: رقعة الشطرنج الكبيرة – الفصل الخامس -3

رقعة الشطرنج الكبيرة  THE GRAND CHESSROARD

الفصل الخامس: دول البلقان الاوراسية The Eurasian Balkans

لا هيمنة ولا إستبعاد NEITHER DOMINION NOR EXCLUSION

 

لا هيمنة ولا إستبعاد

المضامين الجيوستراتيجية لأمريكا واضحة: أمريكا بعيدة جداً لتكون مهيمنة على هذا الجزء من أوراسيا ولكن قوية جداً على أن تُستبعد من التدخل. كل الدول في المنطقة ترى التدخل الأمريكي ضروري لبقائها. روسيا شديدة الضعف على أن تستعيد الهيمنة الإمبريالية على الإقليم أو تستبعد آخرين منه، وهي شديدة القرب أيضاً وشديدة القوة على أن تُستبعد. تركيا وإيران أقوياء بدرجة كافية ليكونوا مؤثرين، ولكن قابليتهم للتعرض للخطر يمكن أن تجعل المنطقة غير قادرة على التعامل مع كل من التحدي من الشمال والصراعات الداخلية للإقليم. الصين شديدة القوة بقدر يجعل روسيا ودول وسط آسيا لا تستطيع تجنب خشيتها، ولكن وجودها وديناميكيتها الاقتصادية تسهل سعي وسط آسيا وراء امتداد عالمي أوسع.

يترتب على ذلك أن مصلحة امريكا الأساسية هي المساعدة على ضمان ألا تتحكم قوة وحيدة في هذا الحيز الجيوسياسي وأن يكون لدى المجتمع العالمي وصول تمويلي واقتصادي غير معاق إليه. التعددية الجيوسياسية ستصبح حقيقة دائمة فقط عندما تربط شبكة من خطوط الأنابيب والطرق الإقليم مباشرة بالمراكز الرئيسية لنشاط الاقتصاد العالمي عبر البحر المتوسط والبحر العربي، وكذلك برياً. ومن هنا فإن الجهود الروسية لاحتكار الوصول هناك يجب مقاومتها كعمل ضار لاستقرار الإقليم.

لكن، استبعاد روسيا من المنطقة لا هو مرغوب فيه ولا هو ممكن، وكذلك تأجيج العداء بين دول المنطقة الجديدة وروسيا. في الواقع، مشاركة روسيا الاقتصادية النشيطة في تطوير الإقليم ضرورية لاستقرار المنطقة – وبجعل روسيا شريك وليس مهيمن حصري، يمكن جني مكاسب اقتصادية كبيرة أيضاً. استقرار أكبر وثراء متزايد داخل الإقليم قد يساهم مباشرة في رفاهية روسيا ويعطي معنى حقيقي للكومونويلث كما يعد به اسمه “كومونويلث الدول المستقلة”. ولكن هذا الخيار التعاوني سيصبح سياسة روسيا فقط عندما يتم استبعاد التدابير الشديدة الطموح والتي عفا عليها الزمن تاريخياً والتي تذكر بألم بدول البلقان الأصلية.

الدول التي تستحق الدعم الجيوسياسي الأمريكي الأقوى هي أذربيجان، أوزبكستان وأوكرانيا (من خارج هذا الإقليم)، الدول الثلاثة مفصلية جيوسياسياً. فعلياً، دور كييف يدعم الحجة بأن أوكرانيا هي الدولة المهمة، بقدر ما يتعلق الأمر بتطور مستقبل روسيا. في نفس الوقت، كازاخستان – نظراً لحجمها، وإمكانياتها الاقتصادية الكامنة، وموقعها الجغرافي المهم – تستحق أيضاً دعم دولي حكيم وخاصة المساعدة الاقتصادية المستمرة. في الوقت المناسب، النمو الاقتصادي في كازاخستان قد يساعد في تجاوز الانقسام الاثني الذي يجعل هذا الدرع الوسط أسيوي عرضة بشدة للضغوط الروسية.

في هذا الإقليم، تتقاسم أمريكا مصلحة مشتركة ليس فقط مع تركيا مستقرة موالية للغرب ولكن أيضاً مع إيران والصين. تحسن تدريجي في العلاقات الأمريكية إيرانية سيزيد بدرجة كبيرة من الوصول العالمي للإقليم وبشكل أخص، سيقلل التهديد الأكثر مباشرة لبقاء أذربيجان. الوجود الاقتصادي المتنامي للصين في الإقليم وحصته السياسية في استقلال المنطقة ينسجم أيضاً مع مصالح أمريكا. مساندة الصين لجهود باكستان في أفغانستان عامل إيجابي أيضاً، لأن علاقات باكستانية أفغانية أوثق ستجعل الوصول الدولي لتركمنستان أكثر إمكاناً، وبالتالي المساعدة في تقوية كل من تلك الدولة وأوزبكستان (في حالة تداعي كازاخستان)

تطور تركيا وتوجهها من المحتمل أن يكون حاسم بشكل خاص في مستقبل دول القوقاز. لو أن تركيا حافظت على طريقها إلى أوروبا- ولو أن أوروبا لم تغلق أبوابها أمام تركيا – دول القوقاز أيضاً من المحتمل أن تنجذب إلى الفلك الأوروبي، وهو المنظور المرغوب بحماس. ولكن لو توقفت أوربة تركيا، لأسباب داخلية أو خارجية، فلن يكون أمام جورجيا وأرمينيا خيار إلا التكيف مع توجهات روسيا. مستقبلهم سيصبح في هذه الحالة معادلة من علاقة روسيا المتطورة مع أوروبا المتوسعة في الخير والشر.

دور إيران من الممكن أن يكون أكثر إشكالية. عودة إلى الى موقف موال للغرب سيسهل بالتأكيد استقرار وتقوية المنطقة، وبالتالي فتشجيع هذا التحول في توجه إيران مرغوب فيه لدى أمريكا. ولكن حتى يحدث ذلك، من المحتمل أن إيران ستلعب دوراً سلبياً، يؤثر سلباً على تطلعات أذربيجان، حتى بالرغم من اتخاذها لخطوات إيجابية مثل فتح تركمنستان أمام العالم، وبالرغم من أصولية إيران الحالية، التي تقوي الشعور شعوب وسط آسيا بميراثهم الديني.

في نهاية المطاف، مستقبل وسط آسيا من المحتمل أن يتشكل بمجموعة أكثر تعقيداً من الظروف، مع تحديد مصير دولها بالتلاعب المعقد بين المصالح الروسية والتركية والإيرانية والصينية والروسية، وكذلك بالدرجة التي تكيف بها الولايات المتحدة علاقاتها مع روسيا حول احترام روسيا لاستقلال الدول الجديدة. حقيقة هذا التلاعب تعوق الاحتكار والتحول الى إمبراطورية كهدف له معنى من جانب أي من اللاعبين الجيوستراتيجييين الداخلين. ولكن، الاختيار الأساسي هو بين توازن إقليمي ضعيف – والذي قد يسمح بالإدماج التدريجي للمنطقة في الاقتصاد العالمي الناشئ بينما تعزز الدول نفسها ومن المحتمل أيضاً تكتسب هوية إسلامية أكثر وضوحاً – وبين صراع اثني، وتفكك سياسي، ومن المحتمل حتى أعمال عدائية مفتوحة على طوال الحدود الروسية الجنوبية. تحقيق وتعزيز هذا التوازن الإقليمي يجب أن يكون هدف كبير في أي جيوستراتيجية شاملة للولايات المتحدة في أوراسيا.

الإعلانات

اترك رد