9-01: رقعة الشطرنج الكبيرة – الفصل الخامس – 2

رقعة الشطرنج الكبيرة  THE GRAND CHESSROARD

الفصل الخامس: دول البلقان الاوراسية The Eurasian Balkans

المسابقة المتعددة THE MULTIPLE CONTEST

البلقان الأوروبي التقليدي كان مشتملاً على تنافس وجهاً لوجه بين ثلاثة متنافسين إمبرياليين: الإمبراطورية العثمانية، الإمبراطورية النمساوية-مجرية والإمبراطورية الروسية. كان هناك أيضاً ثلاثة مشاركين غير مباشرين كانوا قلقين على تأثر مصالحهم الأوروبية عكسياً بانتصار بطل معين: ألمانيا كانت تخشى من القوة الروسية، فرنسا كانت تقاوم الامبراطورية النمساوية-مجرية، وبريطانيا العظمى كانت تفضل رؤية إمبراطورية عثمانية واهنة تسيطر على الدردنيل فضلاً عن بروز أي أحد من المتنازعين الكبيرين الآخرين يسيطر على البلقان. في خلال القرن التاسع عشر، دبرت هذه القوى لاحتواء صراعات البلقان بدون التحامل على المصالح الحيوية لأي منها، ولكنهم فشلوا في عمل ذلك عام 1914م.، مع نتائج كارثية للجميع.

اليوم التنافس داخل دول البلقان الاوراسية يضم ايضاً مباشرة ثلاثة قوى مجاورة: روسيا، وتركيا وايران، ومن المحتمل ان تصبح الصين في نهاية المطاف بطل اول major protagonist  أيضاً. يدخل أيضاً في هذا التنافس ولكن بشكل أبعد، أوكرانيا وباكستان والهند وأمريكا البعيدة. كل من المتنافسين الثلاثة الرئيسيين وغالبية المتنافسين المباشرين ليسوا مدفوعين فقط بمنظور المكاسب الاقتصادية والجيوسياسية المستقبلية ولكن أيضاً بدوافع تاريخية قوية. كل منهم كان في وقت من الاوقات القوة المهيمنة السياسية أو التاريخية في الإقليم. كل منهم ينظر إلى الآخرين بارتياب. وبالرغم أن الحرب وجهاً لوجه بينهم غير محتملة، إلا أن التأثير المتراكم لتنافسهم الخارجي يمكن أن يساهم في فوضى إقليمية.

في حالة الروس، موقف العداء للأتراك أوشك على الاستحواذ. الاعلام الروسي يصف الترك بأنهم عازمين على السيطرة على الإقليم، كمحرضين للمقاومة المحلية للروس (مع بعض التبرير في حالة الشيشان)، وتهديد أمن روسيا الشامل إلى درجة خارج حدود قدرات تركيا الفعلية. الأتراك ردوا بالمثل ورأوا أن دورهم هو دور محررين لإخوانهم من القمع الروسي الممتد. الأتراك والإيرانيون (الفرس) كانوا أيضاً متنافسين تاريخياً في الإقليم، وهذا التنافس تجدد في السنوات الأخيرة، مع استعراض الأتراك لصورة البديل العلماني المعاصر لفكرة المجتمع الإسلامي الإيراني.

بالرغم أن كل من الثلاثة يمكن أن يُقال إنه يسعى على الأقل إلى مجال نفوذ sphere of influence، إلا أنه في حالة روسيا، فإن طموح موسكو لديه اكتساح أكثر اتساعا بسبب الذكريات الحديثة نسبياً للسيطرة الإمبريالية، ووجود عدة ملايين من الروس في المنطقة، ورغبة الكرملين في إعادة روسيا كقوة كبرى عالمية. تصريحات السياسة الخارجية لموسكو وضحت أنها ترى الحيز الكامل للاتحاد السوفيتي السابق كمنطقة مصالح جيوستراتيجية خاصة للكرملين، يجب استبعاد النفوذ السياسي وحتى الاقتصادي الخارجي منها.

على العكس من ذلك، بالرغم أن الطموحات التركية في النفوذ الإقليمي تبقي على بعض الأثار لماضي إمبريالي وإن يكن أكثر قدماً (الإمبراطورية العثمانية بلغت ذروتها عام 1590م. مع غزو القوقاز وأذربيجان، إلا أنها لم تضم وسط آسيا)، إلا أنها تميل إلى أن تكون أكثر تجذراً في شعور اثني-لغوي بالهوية مع الشعوب التركية في المنطقة (أنظر الخريطة). ونظراً لقوة تركيا العسكرية والسياسية الأكثر محدودية، فلا يمكن ببساطة تحقيق منطقة نفوذ سياسي حصري. ولكن تركيا ترى نفسها قائد كامن لمجتمع رخو يتحدث التركية، وتستغل حداثتها النسبية الجذابة وقرابتها اللغوية، ووسائلها الاقتصادية لتحقيق هذه الغاية، لترسيخ نفسها كأكثر قوة مؤثرة في عمليات بناء الدول الجارية في المنطقة.

the turkoc ethnolinguistic zone

Figure 24 : المنطقة الاثنية-لغوية التركية

طموحات إيران مازالت أكثر غموضاً، ولكن على المدى الطويل ليست أقل تهديداً لطموحات روسيا. ذكريات الإمبراطورية الفارسية أكثر بعداً. في ذروتها، حوالي عام 500 ق.م. ضمت الأراضي الحالية للدول القوقازية الثلاثة – تركمنستان، أوزبكستان وطاجيكستان – وأفغانستان، وأيضاً تركيا والعراق وسوريا ولبنان وإسرائيل (فلسطين). بالرغم أن الطموحات الجيوسياسية الحالية لإيران أضيق من طموحات تركيا، تشير بشكل رئيسي أن أذربيجان وأفغانستان، إلا أن السكان المسلمين بالكامل في المنطقة – حتى داخل روسيا نفسها – هم هدف الاهتمام الديني الإيراني. فعلياً، الصحوة الإسلامية في وسط آسيا أصبحت جزءاً عضوياً من طموحات حكام إيران الحاليين.

المصالح المتنافسة لروسيا وتركيا وإيران ممثلة على الخريطة: في حالة التوجه الجيوسياسي لروسيا فهي ممثلة بسهمين يشيران مباشرة جنوباً إلى أذربيجان وكازاخستان؛ في حالة تركيا، بسهم واحد يشير شرقاً من خلال أذربيجان وبحر قزوين إلى وسط آسيا؛ وفي حالة إيران، بسهمين يتوجه واحد منهما شمالاً إلى أذربيجان والآخر شمال شرق إلى تركمنستان، وأفغانستان وطاجيكستان. هذه الأسهم لا تتقاطع فقط ولكن يمكن أن تتصادم أيضاً

the competitive interests of russiaturkeyand iran

Figure 25: المصالح الروسية والتركية والايرانية المتنافسة

في هذه المرحلة، دور الصين أكثر محدودية وأهدافها أقل وضوحاً. يبدو منطقياً أن الصين تفضل مواجهة دول مستقلة نسبياً في الغرب فضلاً عن إمبراطورية روسية. على الأقل، الدول الجديدة تعمل كمنطقة حاجزة أو فاصلة buffer، ولكن الصين قلقة أيضاً من أن أقليتها التركية في ولاية كسينجيانج Xinjiang  قد ترى في دول وسط آسيا المستقلة حديثاً نموذج جذاب لها، ولهذا السبب، طلبت الصين تأكيدات من كازاخستان بقمع  نشاط الأقلية عبر الحدود. على المدى الطويل، ستشكل موارد الطاقة في الإقليم مصلحة خاصة لبكين، وهدف الصين المحوري سيكون الوصول المباشر direct access  لها، الغير خاضع لسيطرة موسكو. وهكذا، فإن الاهتمام الجيوسياسي الشامل overall geopolitical interest  للصين يميل إلى التصادم مع سعي روسيا إلى دور مهيمن وهو مكمل للطموحات التركية والإيرانية.

المواضيع المحورية بالنسبة لأوكرانيا، هي السمة المستقبلية لكومونويلث الدول المستقلة والوصول الحر freer access  إلى مصادر الطاقة، وهي ما تجعل من الممكن أن تقلل من اعتماد أوكرانيا على روسيا. في هذا الخصوص، فإن علاقات أوثق مع أذربيجان وتركمنستان وأوزبكستان أصبحت مهمة لكييف، مع كون الدعم الأوكراني للدول التي يتزايد تفكيرها في الاستقلال امتداداً لمساعي أوكرانيا لتحسين استقلالها عن موسكو. بالتالي، أوكرانيا دعمت جهود جورجيا لأن تصبح الطريق المتجه غرباً لصادرات البترول الأذيري  Azeri oil exports. أوكرانيا تعاونت مع تركيا أيضاً من أجل إضعاف النفوذ الروسي في البحر الأسود ودعمت الجهود التركية لتوجيه تدفقات البترول من وسط آسيا إلى محطات طرفية تركية. تدخل باكستان والهند مازال أكثر بعداً، ولكنه ليس مهملاً لما قد يحدث في هذه الدول البلقانية الأوراسية الجديدة. بالنسبة لباكستان، الاهتمام الأساسي هو اكتساب عمق جيوسياسي من خلال النفوذ السياسي في أفغانستان – ومنع إيران ممارسة هذا النفوذ في أفغانستان وطاجيكستان – والاستفادة في نهاية المطاف من أي بناء لخط أنابيب يربط وسط آسيا بالبحر العربي. الهند كرد فعل على باكستان ومن الممكن لقلقها من نفوذ الصين الطويل المدى في الإقليم، تفضل أكثر رؤية النفوذ الإيراني في أفغانستان ووجود روسي أكبر في الحيز السوفيتي السابق.

الولايات المتحدة بالرغم من بعدها، مع رهانها بالحفاظ على التعددية الجيوسياسية geopolitical pluralism  في أوراسيا الما بعد سوفيتية post-Soviet Eurasia، تلوح في الخلفية كلاعب غير مباشر متزايد الأهمية، مهتمة بوضوح ليس فقط بتطوير موارد الإقليم ولكن أيضاً بمنع روسيا من الهيمنة حصرياً على الحيز الجيوسياسي للإقليم. أمريكا بقيامها بذلك، لا تواصل فقط خدمة أهدافها الجيوستراتيجية الأوراسية الأكبر ولكنها أيضاً تمثل مصالح اقتصادها المتنامي، بالإضافة إلى مصالح أوروبا والشرق الأقصى أيضاً، في اكتساب وصول غير محدود unlimited access  لهذه المنطقة المغلقة حتى الآن.

وهكذا فإن القوة الجيوسياسية والوصول إلى ثروة كبيرة كامنة وتحقيق المهام القومية و/أو الدينية والأمن على المحك في هذا اللغز، لكن التركيز الخاص للمباراة هو على الوصول (للثروة الكامنة). حتى انهيار الاتحاد السوفيتي، الوصول إلى الإقليم كان مٌحتكراً من موسكو. كل النقل بالسكك الحديدية وخطوط البترول والغاز، وحتى الرحلات الجوية كانت تمر من خلال المركز. الجيوسياسيون الروس يودون أن تبقى كذلك، لأنهم يعلمون أن من يتحكم أو يهيمن على الوصول إلى الإقليم هو الفائز الأكثر احتمالا بالجائزة الجيوسياسية والاقتصادية.

هذا الاعتبار هو الذي جعل موضوع خط الأنابيب شديد المحورية لمستقبل حوض بحر قزوين. لو استمر خط الأنابيب الرئيسي إلى الإقليم في العبور من خلال الأراضي الروسية إلى المنفذ الروسي على البحر الأسود في نوفوروسيسك  Novorossiysk ، فإن العواقب السياسية لهذه الحالة ستجعل نفسها محسوسة، حتى بدون أي ألعاب قوة روسية علنية  overt Russian power plays. الإقليم سيستمر تبعية سياسية political dependency، مع موسكو في موقف قوي لتحديد كيفية تقاسم ثروة الإقليم الجديدة. وعل العكس من ذلك، لو أن خط أنابيب آخر عبر بحر قزوين إلى أذربيجان ثم من هناك إلى البحر المتوسط عبر تركيا ولو أن خط آخر ذهب إلى البحر العربي عبر أفغانستان، فلن يكون هناك احتكار للوصول monopoly over access من قوة واحدة.

الحقيقة المثيرة للقلق هي أن بعض عناصر النخبة السياسية الروسية يتصرفون كأنهم يفضلون عدم تطوير موارد المنطقة على الإطلاق لو لم تستطع روسيا من أن يكون لها سيطرة كاملة على الوصول إليها. دع الثروة تبقى غير مُستغلة لو أن البديل هو أن الاستثمار الأجنبي سيؤدي إلى وجود أكثر مباشر لاقتصاديات أجنبية، وبالتالي أيضاً مصالح سياسية. هذا الموقف الإستحواذي متجذر في التاريخ، وسيستغرق وقت ويحتاج لضغوط خارجية قبل أن يتغير.

التوسع القيصري في القوقاز ووسط آسيا حدث خلال فترة تمتد حوالي 300 عام، ولكن نهايته الحديثة كانت مفاجئة بشكل صادم. مع تراجع حيوية الإمبراطورية العثمانية، اندفعت الإمبراطورية الروسية جنوباً، على طول سواحل بحر قزوين إلى الفرس. استولت على خانيه أستراخان Astrakhan khanate  عام 1556م. ووصلت فارس عام 1607م. غزت القرم ما بين 1774 – 1784م.، ثم استولت على مملكة جورجيا عام 1801م. وتغلبت على القبائل على جانبي سلسلة جبال القوقاز (مع مقاومة الشيشان بصلابة فريدة) خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأكملت الاستيلاء على أرمينيا عام 1878م.

غزو وسط آسيا كان إخضاعاُ لخانيات وإمارات إقطاعية شبه قبلية منعزلة isolated and quasi-tribal feudal khanates and emirates  ليست قادرة في الأساس إلا على تقديم مقاومة منعزلة متقطعة sporadic and isolated resistance، أكثر منه مسألة تغلب على إمبراطورية منافسة.  تم الاستيلاء على أوزبكستان وكازاخستان أثناء سلسلة من الحملات العسكرية خلال الأعوام 1801 – 1881 م.، مع سحق تركمنستان من خلال إدخالها في حملات استمرت من 1873 إلى 1886م. ولكن في عام 1850م.، اكتمل فتح غالبية وسط آسيا بشكل أساسي، بالرغم من اندلاع ثورات متكررة من المقاومة المحلية حتى خلال الحقبة السوفيتية.

انهيار الاتحاد السوفيتي أوجد انعكاساً تاريخياً historical reversal دراماتيكياً. خلال مجرد أسابيع قليلة في ديسمبر 1991م.، انكمش الحيز الأسيوي الروسي بما يقرب من 20%، والسكان الذين كانت روسيا تسيطر عليهم في آسيا انخفضوا من 75 مليون إلى حوالي 30 مليون. كما أن 18 مليون مقيم آخرون في القوقاز فُصلوا أيضاً عن روسيا. وما جعل هذه الانعكاسات أكثر ألماً للنخبة السياسية الروسية كان الإدراك بأن الاقتصاد الكامن في هذه المناطق مستهدف الآن من المصالح الخارجية بالوسائل التمويلية لاستثمار، وتطوير واستغلال الموارد التي حتى وقت حديث جداً كان الوصول إليها غير مُتاح إلا لروسيا فقط.

ولكن روسيا تواجه معضلة: فهي شديدة الضعف سياسياً لتغلق المنطقة تماماً أمام الخارج وشديدة الفقر مالياً بحيث لا تستطيع تطوير المنطقة حصرياً وحدها. كما أن، الزعماء الروس المتعقلون يدركون أن الانفجار الديمغرافي الجاري في الدول الجديدة يعني أن فشلهم في إدامة نمو اقتصادي سيخلق في نهاية المطاف وضع متفجر على طول الجبهة الجنوبية الروسية بالكامل. تجربة روسيا في أفغانستان والشيشان يمكن أن تتكرر على طول الحدود التي تمتد من البحر الأسود إلى منغوليا، خاصة نظراً للميلاد الجديد القومي والإسلامي الجاري الآن بين الشعوب التي كانت خاضعة للروس سابقاً.

يترتب على ذلك أن روسيا يجب أن تجد نوعاً ما طريق للتوافق مع الواقع الما بعد إمبريالي postimperial، وهي تسعى إلى احتواء الوجود التركي والإيراني، لتجنب انجذاب الدول الجديدة تجاه منافسيها الرئيسيين، ولإحباط تشكيل أي تعاون إقليمي وسط أسيوي مستقل، ولتقييد النفوذ الجيوسياسي الأمريكي في العواصم السيادية الجديدة. الموضوع هكذا لم يعد موضوع استعادة إمبريالية – والتي قد تكون مكلفة جداً وتلقى مقاومة شرسة- ولكن الموضوع أصبح متعلقاً بإنشاء شبكة جديدة من العلاقات قد تقيد constrain  الدول الجديدة وتحفظ الوضع الجيوسياسي والاقتصادي المهيمن لروسيا.

الأداة المختارة لإنجاز هذه المهمة كانت في الأساس كومونويلث الدول المستقلة، بالرغم أن استخدام العسكرية الروسية والتوظيف الماهر للدبلوماسية الروسية “لفرق تسد” في بعض الأماكن خدم مصالح الكرملين. استخدمت موسكو نفوذها لتحصل من الدول الجديدة على أعلى درجة من الإذعان لرؤيتها لكومونويلث متزايد التكامل وضغطت من أجل الحصول على نظام تحكم مركزي التوجيه على الحدود الخارجية للكومونويلث؛ ومن أجل تكامل عسكري أوثق، داخل إطار سياسة خارجية مشتركة؛ ومن أجل المزيد من التوسيع لشبكة خطوط الأنابيب القائمة (التي كانت سوفيتية في الأصل)، واستبعاد أي شبكات جديدة يمكن أن تتجنب روسيا. التحليل الاستراتيجي الروسي صرح بوضوح أن موسكو ترى المنطقة على أنها حيزها الجيوسياسي الخاص، حتى لو لم تعد جزء مكمل لإمبراطورتيها.

مفتاح لحل لغز النوايا الجيوسياسية الروسية نجده في إصرار سعي الكرملين للإبقاء على وجود عسكري روسي على أراضي الدول الجديدة. موسكو من خلال استغلالها لحركة الانفصال الأبخازية Abkhazian secession movement، حصلت على حقوق في جورجيا، وتشرعن وجودها العسكري على الأراضي الأرمينية من خلال استغلال حاجة أرمينيا للدعم في الحرب ضد أذربيجان، ومارست ضغوط سياسية ومالية للحصول على موافقة كازاخستان على وجود قواعد روسية؛ كما أن الحرب المدنية في طاجيكستان جعلت الوجود المستمر هناك للجيش السوفيتي السابق ممكن.

في تحديد سياساتها، شرعت موسكو في التوقع الواضح بأن شبكة علاقاتها البعد إمبريالية postimperial  مع وسط آسيا ستضعف بالتدريج جوهر سيادة الدول الجديدة الضعيفة فردياً وأنها ستضعهم في علاقة تبعية مع مركز قيادة الكومنويلث المتكامل. ولتحقيق هذا الهدف، أعاقت روسيا الدول الجديدة عن إنشاء جيوشها المنفصلة، وعن رعاية استخدام لغاتها (التي يستبدلون بسببها بالتدريج الألفبائية الكيريلية Cyrillic  باللاتينية)، وعن استثمار روابط وثيقة مع الأجانب، وعن تطوير خطوط أنابيب جديدة مباشرة لمنافذ على البحرين العربي والمتوسط. لو أن السياسة نجحت، يمكن لروسيا عند ذاك الهيمنة على علاقاتها الأجنبية وتحديد حصص تقاسم العوائد.

في مواصلة هذا الهدف، يذكر المتحدث الرسمي الروسي تكراراً، كما رأينا في الفصل الرابع، نموذج الاتحاد الأوروبي. لكن في الواقع سياسة روسيا تجاه دول وسط آسيا والقوقاز تذكر أكثر بمجتمع الفرانكوفون الأفريقي Francophone African community – مع تحديد الوحدات العسكرية الفرنسية French military contingents  والدعم المالي للموازنة budgetary subsidies  سياسات الدول الأفريقية الما بعد استعمارية المتحدثة بالفرنسية.

وبينما تمثل استعادة أقصى درجة ممكنة للنفوذ السياسي والاقتصادي الروسي في الإقليم الهدف الكلي وتقوية كومونويلث الدول المستقلة هي الآلية الأساسية لتحقيق ذلك، فإن الأهداف الجيوسياسية الأولية لموسكو للخضوع السياسي، يبدو أنها أذربيجان وكازاخستان. ولكي يكون الهجوم المضاد السياسي الروسي ناجحاً، لا يجب على موسكو فقط أن تمنع الوصول إلى الإقليم، بل يجب أيضاً أن تخترق درعه الجيوسياسي.

بالنسبة لروسيا، يجب أن تكون أذربيجان هدف له أولوية. فخضوعها سيساعد على إغلاق وسط آسيا أمام الغرب، خاصة أمام تركيا، وبذلك زيادة نفوذ روسيا تجاه أوزبكستان وتركمنستان المتمردتين. ولتحقيق هذه الغاية، فإن التعاون التكتيكي مع إيران فيما يتعلق بهذه القضايا المثيرة للجدل مثل كيفية تقاسم امتيازات التنقيب في قاع بحر قزوين يخدم الهدف الهام الرامي إلى إجبار باكو على توفيق نفسها مع رغبات موسكو.  أذربيجان الخاضعة ستسهل تعزيز موقف روسيا المهيمنة في كل من جورجيا وأرمينيا.

تقدم كازاخستان هدف أولي مغري بشكل خاص أيضاً، لأن ضعف حصانتها من الجانب الاثني يجعل من المستحيل للحكومة الكازاخية أن تنتصر في مواجهة مفتوحة مع موسكو. موسكو يمكنها أيضاً أن تستغل الخوف الكازاخي من الديناميكية الصينية المتنامية، وأيضاً من احتمال تزايد استياء الكازاخ من قيام الصين بإدماج مقاطعة شينغيانغ Xinjiang  المجاورة في الصين. الخضوع التدريجي لكازاخستان سيكون له أثر جيوسياسي على جر قيرغيزستان وطاجيكستان أوتوماتيكياً تقريباً إلى منطقة سيطرة موسكو، بينما تُعرَّض كل من أوزبكستان وتركمنستان لمزيد من الضغوط الروسية المباشرة.

لكن الاستراتيجية الروسية، تسير تقريباً ضد طموحات كل الدول الواقعة في البلقان الأوراسي. نخبها السياسية الجديدة لن تتخلى طوعاً عن السلطة والامتيازات التي اكتسبتها من خلال الاستقلال. مع تخلي الروس المحليين عن أوضاعهم المميزة السابقة تدريجياً، تطور النخب الجديدة بسرعة اهتماما راسخاً بالسيادة، عملية ديناميكية ومعدية اجتماعيا. كما أن، الشعوب ذات الكثافة السكانية العالية التي كانت من قبل سلبية سياسياً أصبحت أيضاً أكثر وطنية وقومية، وباستثناء جورجيا وأرمينيا، أصبحت أيضاً أكثر إدراكاً لهويتها الإسلامية.

بقدر ما يتعلق الأمر بالشؤون الخارجية، فإن كل من جورجيا وأرمينيا (بالرغم من اعتماد أرمينيا على الدعم الروسي ضد أذربيجان) تتمنيان أن تصبحا بالتدريج أكثر ارتباطا بأوروبا. دول وسط آسيا الغنية بالموارد، مع أذربيجان تتمنى تعظيم الوجود الاقتصادي لرؤوس الأموال الأمريكية والأوروبية واليابانية والكورية مؤخراً على أراضيها، راجين من وراء ذلك التعجيل بقدر كبير بتطوير اقتصادهم وتعزيز استقلالهم. ولهذه الغاية، يرحبون أيضاً بالدور المتزايد لتركيا وإيران، ويرون فيه ثقل موازن للقوة الروسية وجسر إلى العالم الإسلامي الأكبر في الجنوب.

لم ترفض أذربيجان فقط – بتشجيع من كل من تركيا وأرمينيا –المطالب الروسية بقواعد عسكرية ولكن تحدت أيضاً المطالب الروسية بخط أنابيب وحيد إلى ميناء روسي على البحر الأسود، واختارت بدلاً من ذلك حل مزدوج يتضمن خط أنابيب ثاني عبر جورجيا إلى تركيا. (تم التخلي عن خط أنابيب تجاه الجنوب عبر إيران، بتمويل شركة أمريكية بسبب الحظر المالي الأمريكي على الصفقات مع إيران). في عام 1995م.، في وسط الكثير من الجلبة، تم إفتاح خط سكة حديد جديد يربط بين تركمنستان وإيران، جعل التجارة بين أوروبا ووسط آسيا باستخدام السكك الحديدية مع تجنب روسيا تماماً ممكناً. كان هناك لمسة درامية رمزية بإعادة الافتتاح هذه تذكر بطريق الحرير القديم، ولم تعد روسيا قادرة على فصل أوروبا عن آسيا.

أصبحت أوزبكستان أيضاً متزايدة الجزم في معارضتها لجهود روسيا للتكامل. وزير خارجيتها أعلن بشكل قاطع في أغسطس 1996م. أن أوزبكستان تعارض إنشاء مؤسسات كومونويلث الدول المستقلة الفوق قومية supranational والتي من الممكن أن تُستخدم كأدوات للسيطرة المركزية. موقفها الوطني القوي أحدث استنكارات حادة في الصحافة الروسية فيما يتعلق بأوزبكستان.

التوجه القاطع الموالي للغرب في الاقتصاد، الطعن القاسي لما يتعلق بمعاهدات التكامل داخل كومونويلث الدول المستقلة، الرفض الحاسم للانضمام حتى لاتحاد الجمارك، والسياسة القومية المنهجية المعادية لروسيا (حتى حضانات الأطفال التي تستخدم اللغة الروسية يتم اغلاقها). بالنسبة للولايات المتحدة، التي تتبع سياسة لإضعاف روسيا في إقليم آسيا، فإن هذا الوضع شديد الجاذبية[1].

حتى كازاخستان، في رد فعل للضغوط الروسية، وصلت إلى تفضيل طريق ثانوية غير روسية لتدفقاتها. كما قال أوميرسريك كاسينوف Umirserik Kasenov، مستشار الرئيسي الكازاخي:

حقيقي أن بجث كازاخستان عن خطوط انابيب بديلة كان مرعياً بالأفعال الروسية، مثل تحديد شحنات البترول الكازاخي الى نوفوروسييسك Novorossiysk وبترول تيومن Tyumen  الى مصفاة بافلودار Pavlodar. مساعي تركمنستان لتطوير انشاء خط غاز الى ايران هي جزئياً نتيجة حقيقة أن دول كومونويلث الدول المستقلة تدفع فقط 60% من السعر العالمي أو لا تدفع على الاطلاق[2].

لنفس السبب على الاغلب، تركمنستان، ناشطة في استكشاف إنشاء خط أنابيب جديد عبر أفغانستان وباكستان إلى البحر العربي، علاوة على الإنشاء النشيط لوصلات من السكك الحديدية مع كازاخستان وأوزبكستان في الشمال ومع إيران وأفغانستان في الجنوب. عُقدت أيضاً محادثات مبدئية واستكشافية بين الكازاخ والصينيين واليابانيين تتعلق بمشروع خطوط أنابيب طموح تمتد من وسط آسيا إلى بحر الصين. ومع تعهدات باستثمارات في البترول والغاز طويلة المدى في أذربيجان تصل إلى 13 مليار دولار وفي كازاخستان تتجاوز 20 مليار دولار (بأسعار عام 1996م.)، فإن العزل السياسي والاقتصادي لهذه المنطقة يتفكك في مواجهة الضغوط الاقتصادية العالمية والخيارات المالية الروسية المحدودة.

caspian-mediterranean oil export pipelines

Figure 26: خطوط انابيب تصدير البترول بين بحر قزوين والبحر المتوسط

الخطوط المتقطعة : طرق تحت الدراسة أو الإنشاء

الخوف من روسيا كان له أيضاً التأثير على دفع دول وسط آسيا إلى تعاون إقليمي أكبر. الاتحاد الاقتصادي لوسط آسيا Central Asian Economic Union النائم في البداية، والمتشكل في يناير 1993م. تم تنشيطه بالتدريج. حتى الرئيس نورسلطان نزارباييف Nursultan Nazarbayev  رئيس كازاخستان الذي كان في البداية نصير واضح لاتحاد أوراسي جديد، أصبح بالتدريج متحولاً إلى أفكار: تعاون وسط أسيوي أوثق، وتعاون عسكري متزايد بين دول الإقليم، ودعم لجهود أذربيجان لنقل بترول بحر قزوين وكازاخستان عبر تركيا، ومعارضة مشتركة للجهود الروسية والإيرانية لمنع تقسيم الجرف القاري في بحر قزوين إلى قطاعات وتقسيم الموارد المعدنية  ببحر قزوين بين الدول الساحلية.

نظراً لحقيقة أن الحكومات في المنطقة تميل إلى أن تكون متسلطة بدرجة عالية، ربما كانت المصالحة الشخصية بين القادة الرئيسيين أكثر أهمية. من المعروف أن رؤساء كازاخستان وأوزبكستان وتركمنستان لا يحبون بعضهم بشكل خاص (وهو ما أظهروه بشكل بارز للزوار الأجانب)، وهذا العداء الشخصي جعل من السهل منذ البداية على الكرملين التلاعب بهم ضد بعض. في منتصف تسعينات القرن العشرين أدرك الثلاثة أن تعاون أوثق بينهم ضروري للحفاظ على سيادتهم الجديدة، وبدأوا في القيام باستعراضات شعبية عالية لعلاقتهم الوثيقة المزعومة، مشددين على التنسيق بين سياساتهم الخارجية منذ تلك اللحظة فصاعداً.

ولكن الأكثر أهمية مازال ظهور تحالف غير رسمي داخل كومونويلث الدول المستقلة، بقيادة أوكرانيا وأوزبكستان، مكرس لفكرة كومونويلث متعاون وليس متكامل. وفي اتجاه هذه الغاية، وقعت أوكرانيا اتفاقيات للتعاون العسكري مع أوزبكستان وتركمنستان وجورجيا؛ وفي سبتمبر 1996م.، دخل وزيرا خارجية أوكرانيا وأوزبكستان في عمل شديد الرمزية بإصدار إعلان، يطالب من تلك اللحظة فصاعداً ألا يترأس رئيس روسيا قمم كومونويلث الدول المستقلة وأن تكون رئاسة القمة دوارة.

النموذج المقدم من أوكرانيا وأوزبكستان كان له تأثير حتى على القادة الذين كانوا أكثر مراعاة لمخاوف موسكو المحورية. الكرملين لا بد أنه كان أكثر انزعاجا من سماع إعلان رئيس كازاخستان نورسلطان نزارباييف Nursultan Nazarbayev  ورئيس جورجيا إدوارد شيفارنادزيه Eduard Shevardnadze  في سبتمبر 1996م. بأنهما سيتركان كومونويلث الدول المستقلة لو تم تهديد استقلالهما. بشكل أكثر عموماً، بتصرف مضاد لكومونويلث الدول المستقلة، رفعت دول وسط آسيا وأذربيجان مستوى نشاطهم في منظمة التعاون الاقتصادي Organization of Economic Cooperation، التي كانت ماتزال منظمة رخوة نسبياً للدول الإسلامية في الإقليم – تضم تركيا وإيران وباكستان – مخصصة لتحسين الروابط الاقتصادية والتمويلية والنقل بين أعضائها. أعلنت موسكو انتقادها صراحة لتلك المبادرات، التي رأتها وهي محقة في ذلك، مضعفة لعضوية الدول المعنية في كومونويلث الدول المستقلة.

في نفس هذا التوجه، كان هناك تحسين مستمر للروابط مع تركيا وبدرجة أقل مع إيران. الدول المتحدثة بالتركية قبلت بحماس العروض التركية بالتدريب العسكري لفيلق الضباط الوطني الجديد والترحيب التركي بعشرة آلاف دارس. لقاء القمة الرابع للدول المتحدثة بالتركية، الذي عُقد في طشقند في أكتوبر 1996م. والمعد بمساندة تركية، ركز بشدة على تحسين روابط النقل، والتجارة المتزايدة، وأيضاً على معايير تعليمية مشتركة وتعاون ثقافي أوثق مع تركيا. كل من تركيا وإيران كانتا ناشطتين بشكل خاص في مساعدة الدول الجديدة في برامجهم التليفزيونية، وبالتالي التأثير في عدد كبير من المشاهدين مباشرة.

احتفال في ألما-أتا Alma-Ata عاصمة كازاخستان في ديسمبر 1991م كان رمزياً لدمج تركيا مع استقلال دول الإقليم. في مناسبة الذكرى الخامسة عشرة لاستقلال كازاخستان، وقف الرئيس التركي سليمان دميريل الى جانب الرئيس نزارباييف عند العامود المذهب البالغ طولة 28 متر والمتوج بشخصية محارب اسطوري كازاخي/تركي أعلى مخلوق يشبه الغرفين  griffinlike. في هذه المناسبة حيت كازاخستان تركيا على وقوفها الى جانب كازاخستان في كل خطوة من تطورها كدولة مستقلة، وردت تركيا على ذلك بمنح كازاخستان خط ائتمان مقداره 300 مليون دولار، بخلاف استثمار تركي قائم للقطاع الخاص قيمته 1.2 مليار دولار.

بينما لا يمكن لتركيا ولا إيران إبعاد روسيا عن النفوذ في الإقليم، إلا أن تركيا وإيران (بشكل أضيق) دعمتا إرادة وقدرة الدول الجديدة لمقاومة إعادة التكامل مع جارتها الشمالية وسيدتها السابقة. وساعد ذلك بالتأكيد على الحفاظ على المستقبل الجيوسياسي للإقليم مفتوحاً.

الملحوظات

[1]. Zavtru 28 (June 1996).

[2]. What Russia Wants in the Transcaucasus and Central Asia,” Nezavisimaya Gazeta, January 24, 1995.

الإعلانات

اترك رد