9-01: رقعة الشطرنج الكبيرة – الفصل الخامس – 1

رقعة الشطرنج الكبيرة  THE GRAND CHESSROARD

الفصل الخامس: دول البلقان الاوراسية The Eurasian Balkans

المرجل العرقي The Ethnic Cauldron

في أوروبا، الكلمة “بلقان” تستحضر صوراً للصراعات الأثنية والتنافسات الإقليمية بين القوى العظمى. أوراسيا أيضاً بها دول بلقان خاصة بها، ولكن دول البلقان الأوراسية أكبر، وأكثر سكاناً، وعدم تجانسها الديني العرقي أكبر. وتقع في هذا المستطيل الجغرافي الكبير الذي يحدد المنطقة المركزية لعدم الاستقرار العالمي central zone of global instability  المحددة في الفصل الثاني وهذا يشمل أجزاء من جنوب شرق أوروبا، وآسيا الوسطى وأجزاء من جنوب آسيا ومنطقة الخليج العربي والشرق الاوسط

the eurasian balkan

Figure 21: البلقان الاوراسي

1-التوجه الجيوسياسي

2-دول البلقان الاوراسية

3-منطقة عدم الاستقرار

4-نقاط الاشتعال

  دول البلقان الأوراسية تشكل النواة الداخلية inner core  لهذا المستطيل الكبير، وتختلف عن منطقتها الخارجية outer zone  بطريقة واحدة بشكل خاص: فهي فراغ في السلطة. بالرغم أن غالبية الدول الواقعة في الخليج الفارسي والشرق الاوسط غير مستقرة أيضاً، إلا أن السلطة الأمريكية هي الحكم النهائي أو المطلق ultimate arbiter للمنطقة. وهكذا فإن الإقليم الغير مستقر في المنطقة الخارجية منطقة خاضعة لهيمنة سلطة واحدة وهذه الهيمنة تهدئها. على العكس من ذلك، دول البلقان الاوراسية تذكر بالفعل بدول البلقان القديمة الاكثر اعتياداً في جنوب شرق أوروبا: ليس فقط لكونها كيانات سياسية غير مستقرة ولكن لأنها تغري الجيران الأكثر قوة وتدعوهم الى التدخل فيها، وكل واحد من هؤلاء الجيران مصمم على مواجهة هيمنة الآخر على الإقليم. هذا الجمع المألوف لفراغ السلطة power vacuum  وشفط السلطة power suction  هو الذي يبرر التسمية “دول البلقان الأوراسية  Eurasian Balkans”

دول البلقان التقليدية كانت تمثل جائزة جيوسياسية محتملة في الصراع على الصدارة الاوروبية. دول البلقان الأوراسية، المشتملة على شبكة النقل الناشئة المقصود بها ربط ثروات أوراسيا مع الغرب الصناعي والأطراف الشرقية بطريقة أكثر مباشرة تُعتبر أيضاً مهمة جيوسياسياً. كما أنها من الأهمية من حيث الطموحات الأمنية والتاريخية لثلاثة على الأقل من جيرانها المباشرين والأكثر قوة، خاصة روسيا وتركيا وإيران، مع الصين أيضاً مظهرة مصالح سياسية متزايدة في الإقليم. ولكن دول البلقان الأوراسية أكثر أهمية بلا حدود كجائزة اقتصادية محتملة: فهناك تركيز هائل من الغاز الطبيعي واحتياطات البترول في الإقليم، علاوة على المعادن المهمة بما فيها الذهب.

استهلاك الطاقة العالمي متوقع أن يزيد بدرجة كبيرة خلال العقدين أو الثلاثة القادمين. التقديرات من وزارة الطاقة الأمريكية تتوقع زيادة الطلب العالمي بأكثر من 50% ما بين عامي 1993 و2015م.، مع حدوث غالبية الزيادة في الاستهلاك في الشرق الأقصى. زخم التطور الاقتصادي في آسيا يولد بالفعل ضغوطاً كبيرة من أجل استكشاف واستغلال مصادر جديدة للطاقة، ومن المعروف أن إقليم وسط آسيا وحوض بحر قزوين يحتويان على احتياطات من الغاز الطبيعي والبترول تتضاءل بجانبها احتياطات كل من الكويت وخليج المكسيك أو بحر الشمال.

الوصول إلى هذه الموارد وتقاسم ثروتها الكامنة يمثل أهداف تثير الطموحات العالمية، وتحفز مصالح الشركات، وتعيد إشعال المطالب التاريخية، وتعيد إحياء الطموحات الإمبريالية، وتشعل التنافس الدولي. الوضع يزداد تقلباً بواقع أن الإقليم ليس فقط فراغ سلطة ولكنه أيضاً غير مستقر سياسياً. كل بلد من بلدانه تعاني من صعوبات داخلية خطيرة، كلها لها حدود إما أنها موضع مطالب من الجيران أو مناطق سخط عرقي، القليل منها متجانس قومياً، وبعضها بالفعل متورط في عنف عرقي أو أرضي أو ديني.

 المرجل العرقي THE ETHNIC CAULDRON

دول البلقان الاوراسية تتشمل 9 دول بطريقة أو بأخرى ينطبق عليهم الوصف السابق، مع وجود دولتين أخرتين محتملتين. التسعة هم كازاخستان، قيرغيزستان، طاجيكستان، أوزبكستان، تركمنستان، أذربيجان، أرمينيا وجورجيا – كل تلك الدول كانت جزء من الاتحاد السوفيتي البائد – بالإضافة إلى أفغانستان. البلدان المحتملتان هما تركيا وإيران، كل منهما أكثر قابلية للنمو سياسياً واقتصاديا، وكلاهما منافستان نشيطتان على النفوذ الاقليمي في دول البلقان الاوراسية، وهكذا كلاهما لاعبان جيوستراتيجيان مهمان في الاقليم. في نفس الوقت، كلاهما غير محصنتين داخلياً ضد الصراعات العرقية الداخلية. لو أن كليهما أو أيا منهما كان لا بد من جره إلى عدم الاستقرار، فإن المشاكل الداخلية في الإقليم ستصبح خارج السيطرة، في الوقت الذي قد تصبح فيه الجهود لكبح الهيمنة الإقليمية لروسيا فاشلة.

دول القوقاز الثلاثة – أرمينيا وجورجيا وأذربيجان يمكن القول انها تقوم بالفعل على دول تاريخية حقيقية. نتيجة لذلك فإن قوميتها تميل الى ان تكون قابلة للانتشار وقوية، والصراعات الخارجية هي التحدي الكبير لوجودها. الدول الخمسة الجديدة في وسط آسيا على العكس من ذلك يمكن القول بأنها ليست أكثر من أنها في مرحلة بناء الدولة، مع بقاء الهويات القبلية العرقية في قوتها، مما يجعل الانشقاق الداخلي الصعوبة الكبرى. في أي نوع من أنواع الدولة، فإن هذه القابلية للتعرض للخطر vulnerabilities  أغرت جيرانها ذوي العقلية الإمبريالية والأكثر قوة منها على استغلال نقاط الضعف هذه عندها.

دول البلقان الأوراسية عبارة عن فسيفساء عرقية، حدود دولها تم رسمها عشوائياً من رسامين الخرائط السوفييت في عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، عندما تم تأسيس الجمهوريات السوفيتية رسمياً. (باستثناء أفغانستان التي لم تكن أبداً جزء من الاتحاد السوفيتي) حدودها نُحتت بدرجة كبيرة بناء على المبدأ العرقي، ولكنها أيضاً تعكس مصالح الكرملين في الإبقاء على الإقليم الجنوبي للإمبراطورية الروسية مقسم داخلياً وبالتالي أكثر تبعية.

casia_ethnic_93

Figure 22 : المجموعات العرقية الكبرى في وسط آسيا

  • الاوزبك ، 2-الكازاخ، 3-الطاجيك، 4- الروس والاوكرانيون، 4- التركمان، 5- القيرغيز

1

أوزبكستان تركمنستان طاجيكستان قيرغيزستان كازاخستان جورجيا أذربيجان أرمينيا أفغانستان  
23.1 4.1 6.2 4.8 17.4 5.7 7.8 3.6 21.3 عدد السكان بالمليون (95)
68.8 65.4 69 68.1 68.3 73.1 71.1 72.4 45.4 متوسط العمر
أوزبك 71.4%، روس 8.3%، طاجيك 4.7%، كازاخ 4.1%، تتار 2.4ِ%، كاراكالباك[1] 2.1%، آخرون 7% تركمان[2] 73.3%، روس 9.8%، أوزبك 9%، كازاخ 2%، آخرون 5.9% طاجيك 64.9%، أوزبك 25%، روس 3.5%، آخرون 6.6% كيرغيز[3] 52.4%، روس 21.5%، أوزبك 12.9%، أوكرانيون 2.5%، ألمان 2.4%، آخرون 8.3% كازاخ[4] 41.9%، روس 37%، أوكرانيون 5.2%، ألمان 4.7%، أوزبك 2.1%، تتار[5] 2%، آخرون 7% جورجيون[6] 70.1%، أرمن 8.1%، روس 6.3%، أذريون 5.7%، أوسيتيون[7] 3%، أبخازيون[8] 1.8%، آخرون 5% أذريون 90%، داغستانيون[9] 3.2%، روس 2.5%، أرمن 2.3%، آخرون 2% أرمن[10] 93%، أذريون[11] 3%، روس[12] 2%، آخرون 2% باشتون[13] 38%، طاجيك[14] 25%، هزارة[15] 19%، أوزبك[16] 6% التقسيمات العرقية (تقديرات 95)
54.5 13.1 8.5 8.4 55.2 6 13.8 8.1   الناتج القومي الإجمالي بالمليار دولار
قطن، ذهب، غاز طبيعي، مخصبات معدنية، معادن حديدية، منسوجات، منتجات غذائية غاز طبيعي، قطن، منتجات بترولية، كهرباء، منسوجات، سجاجيد قطن، ألومنيوم، فواكه، زيت نباتي، منسوجات صوف، كيماويات، معادن حديدية وغير حديدية، أحذية، ماكينات، تبغ. بترول، معادن غير حديدية، كيماويات، حبوب، صوف، لحم، فحم فواكه حمضية، شاي، نبيذ، ماكينات، معادن حديدية وغير حديدية بترول، غاز، كيماويات، معدات لحقول البترول، منسوجات، قطن الذهب، الألومنيوم، معدات نقل، معدات كهربائية قمح، ماشية، فواكه، سجاجيد، صوف، مجوهرات الصادرات الرئيسية
تعادل القوة الشرائية للناتج القومي الإجمالي: 94 كما هو مستنتج من تقدير البنك الدولي لعام 1992م. تركمنستان هي عاشر أكبر مصدر للقطن بالعالم ولديها خامس احتياطي للغاز الطبيعي في العالم واحتياطي كبير من البترول.

   الشكل 23: البيانات الديموغرافية لدول البلقان الاوراسية

بالتالي رفضت موسكو اقتراحات من القوميين في وسط آسيا لدمج meld شعوب وسط آسيا المختلفة (غالبية تلك الشعوب لم تكن في ذلك الوقت محفزة وطنياً nationalistically motivated) في وحدة سياسية واحدة – تُسمى تركستان – وفضلوا بدلاً من ذلك إنشاء خمسة جمهوريات منفصلة، كل منها تحمل اسم متميز وحدود منشورة بمشار. ومن المفترض بسبب نفس الحسابات، استبعد الكرملين خطط لعمل اتحاد فيدرالي قوقازي واحد. وبالتالي فليس من المفاجأة أنه عند انهيار الاتحاد السوفيتي، ولا واحدة لا من الدول القوقازية الثلاثة ولا الدول الخمسة في وسط آسيا كانت مستعدة تماماً لوضعها المستقل الحديث ولا للتعاون الإقليمي المطلوب.

في القوقاز، تورطت أرمينا الأقل من 4 مليون نسمة وأذربيجان الأكثر من 8 مليون على الفور في حرب مفتوحة حول وضع ناغورنو كاراباخ[17]، الجيب الذي تسكنه أغلبية أرمينية داخل أذربيجان. تسبب الصراع في تطهير عرقي على نطاق واسع، مع مئات الآلاف من اللاجئين والمطرودين الفارين على كلا الجانبين. نظراً لحقيقة أن أرمينيا مسيحية وأذربيجان مسلمة، اكتسبت الحرب بعض إيحاءات الصراع الديني. الحرب المدمرة للاقتصاد صعبت على كلا البلدين ترسيخ نفسها كدولة مستقلة باستقرار. دُفعت أرمينيا إلى الاعتماد أكثر على روسيا، والتي قدمت لها مساعدة عسكرية كبيرة، بينما تعرض استقلال أذربيجان واستقرارها الداخلي الجديد للخطر بفقدان ناغورنو-كاراباخ.

ضعف حصانة أذربيجان السياسية كان له أثار إقليمية واسعة لأن موقع البلد يجعلها مفصل جيوسياسي. يمكن وصفها بأنها السدادة المهمة حيوياً المتحكمة في الوصول إلى الزجاجة التي تحتوي على ثروات حوض بحر قازوين ووسط آسيا.  أذربيجان المستقلة المتحدثة بالتركية مع خطوط أنابيب تنطلق منها إلى تركيا المرتبطة بها عرقياً والداعمة لها سياسياً، قد تمنع روسيا من ممارسة احتكار الوصول إلى الإقليم وبذلك أيضاً تحرم روسيا من قوة سياسية حاسمة فوق سياسات دول آسيا الوسطى الجديدة. لكن أذربيجان ضعيفة التحصين تماماً أمام الضغوط من روسيا القوية في الشمال ومن إيران في الجنوب. هناك أكثر من ضعف عدد الأذريين في إيران عن الموجودين داخل أذربيجان نفسها – البعض يقدر عدد  الأذريين في شمال غرب إيران ب20 مليون نسمة. هذه الحقيقة تجعل إيران متخوفة من نزعة انفصالية محتملة بين الأذريين وهذا سبب موقفها المتناقض فيما يتعلق بالوضع السيادي الأذربيجاني، بالرغم من تقاسم الدولتين لنفس العقيدة الإسلامية. نتيجة لذلك أصبحت أذربيجان موضوع ضغط مشترك من روسيا وإيران لتقييد تعاملاتها مع الغرب.

على عكس كل من أرمينيا وأذربيجان، وكل منهما متجانسة عرقياً، 30% من سكان جورجيا الستة ملايين أقليات. كما أن، هذه الجماعات الصغيرة القبلية في تنظيمها وهويتها، استاءت بشدة من الهيمنة الجورجية. عند تفكك الاتحاد السوفيتي، استفاد الاوسيتيون والأبخازيون من النزاع السياسي الجورجي وحاولوا الانشقاق، وهو ما ساندته روسيا من أجل إجبار جورجيا على قبول الضغوط الروسية من أجل البقاء في كومونويلث الدول المستقلة (والذي أرادت جورجيا أن تنسحب منه تماماً) وعلى قبول القواعد العسكرية الروسية على الاراضي الجورجية لإغلاق المنطقة تماماً أمام تركيا.

في وسط آسيا، العوامل الداخلية كانت أكثر أهمية في تقوية عدم الاستقرار. ثقافياً ولغوياً فإن أربعة من خمسة من دول آسيا الوسطى المستقلة جزء من العالم التركي. طاجيكستان فارسية لغوياً وثقافياً، بينما أفغانستان (خارج الاتحاد السوفيتي السابق) عبارة عن فسيفساء من أعراق، الطاجيك، الباشتون والفرس. كل الدول الستة مسلمة. كانت غالبيتها على مر سنوات تحت التأثير العابر للإمبراطوريات الفارسية والتركية والروسية، ولكن هذه التجربة لم تعمل على رعاية روح للمصلحة الإقليمية المشتركة بينهم. على العكس، تكوينهم العرقي المشكل جعلهم عرضة للصراعات الداخلية والخارجية، والتي أغرت تراكمياً الجيران الأقوى على التدخل.

من بين دول وسط آسيا الخمسة المستقلين، كازاخستان وأوزبكستان هما الأكثر أهمية. إقليمياً، كازاخستان هي الدرع وأوزبكستان هي روح اليقظة الوطنية المتنوعة للاقليم. الحجم الجغرافي لكازاخستان وموقعها يحمي الآخرين من الضغط المادي الروسي المباشر، لأن كازاخستان وحدها لها حدود مع روسيا. لكن من بين سكانها الثمانية عشرة مليون هناك 35% تقريباً روس (عدد السكان الروس في كل الاقليم يتراجع بثبات)، مع 20% أخرين أيضاً من أعراق أخرى غير كازاخية، الحقيقة التي تزيد من صعوبة اقتفاء الحكام الكازاخ الجدد لهدف بناء الدولة على أساس العرق واللغة – بالرغم أن الحكام الكازاخ الجدد توجههم قومي متزايد ولكنهم يمثلون فقط حوالي 50% من العدد الكلي للسكان.

الروس المقيمون في الدولة الجديدة مستائين طبيعياً من القيادة الكازاخية الجديدة، وبما أنهم يشكلون الطبقة الاستعمارية الحاكمة سابقاً وبالتالي الأفضل تعليماً ومكانة، فهم يخافون من فقدان التميز. كما أنهم يميلون إلى النظر الى الوطنية الكازاخية الجديدة بازدراء ثقافي خفي بالكاد. مع هيمنة المستعمرين الروس على الاقاليم الشمالية غربية والشمالية شرقية في كازاخستان، قد تواجه كازاخستان خطر الانفصال الإقليمي لو تدهورت بشدة العلاقات الكازاخية-روسية. في نفس الوقت، هناك عدة مئات من الآلاف من الكازاخ يقيمون في الجانب الروسي من الحدود وفي شمال شرق أوزبكستان، الدولة التي يراها الكازاخ منافسهم الرئيسي على زعامة أسيا الوسطى.

أوزبكستان في الحقيقة هي المرشح الأساسي للزعامة الإقليمية في وسط آسيا. بالرغم من حجمها الأصغر وقلة مواردها من الموارد الطبيعية إلا أنها لديها عدد سكان أكبر حوالي 25 مليون والأكثر أهمية سكانها أكثر تجانساً من كازاخستان. ونظراً لمعدلات مواليدها الأهلية الأعلى والخروج التدريجي للروس المهيمنين عليها سابقاً، فإن عاجلاً حوالي 75% من سكانها سيكونون أوزبك مع فقط أقلية صغيرة روسية لا قيمة لها باقية بدرجة كبيرة في العاصمة طشقند.

كما أن النخبة السياسية في البلد عَرَّفَت عن عمد الدولة الجديدة على أنها السلالة المباشرة لإمبراطورية تيمور لانك القر وسطية الشاسعة (1336 – 1404م.) والتي أصبحت عاصمتها سمرقند المركز المشهور للإقليم لدراسة الدين، والفلك والفنون. هذه السلالة صبغت أوزبكستان الحديثة بشعور أعمق للاستمرارية التاريخية والتكليف بالرسالة الإقليمية أكثر من جيرانها. بالفعل، بعض الزعماء الأوزبك يرون أوزبكستان على أنها هي لب وصميم لكيان وسط آسيوي واحد، من المفترض أن تمثل طشقند عاصمته. أكثر من أي دولة في دول وسط آسيا الأخرى، تتقاسم النخبة السياسية في أوزبكستان وشعبها أيضاً بشكل متزايد، العمل الذاتي لدولة قومية وهم عازمون – بالرغم من الصعوبات المحلية – على ألا يعودوا أبداً إلى الوضع الاستعماري.

هذه الحالة جعلت أوزبكستان الزعيمة في تشجيع شعور قومي حديث بعد-عرقي  post-ethnic modern nationalism  وهدف لبعض الانزعاج بين جيرانها. حتى مع ضبط الزعماء الأوزبك لسرعة بناء الدولة وتشجيع اكتفاء ذاتي إقليمي، فإن التجانس القومي الأكبر نسبياً والوعي القومي الأكثر حدة للبلد أثار المخاوف بين حكام تركمنستان، قيرغيزستان، وطاجيكستان وحتى كازاخستان من أن الزعامة الإقليمية الأوزبكية يمكن أن تتطور إلى هيمنة إقليمية أوزبكية. هذا القلق ثبط التعاون الإقليمي بين الدول الحديثة ذات السيادة – الذي لم يلق تشجيع من الروس على أية حال –   وأدام حالة عدم الحصانة السياسية في الإقليم regional vulnerability.

لكن، مثل الآخرين، أوزبكستان ليست خالية تماماً من التوترات العرقية. فأجزاء من جنوب أوزبكستان، خاصة حول المراكز المهمة ثقافياً وتاريخياً في سمرقند وبخارى، بها أعداد كبيرة من السكان الطاجيك، والذين مازالوا مستائين من الحدود المرسومة من موسكو. ما زاد الأمور تعقيداً هو وجود الأوزبك في طاجيكستان الغربية ووجود كل من الأوزبك والطاجيك في وادي فرغانة المهم اقتصاديا في قيرغيزستان (حيث اندلع في السنوات الحديثة عنف عرقي دموي)، وغني عن الذكر وجود الأوزبك في شمال أفغانستان.

من بين الدول الثلاثة الأخرى في وسط آسيا التي خرجت من الحكم الاستعماري الروسي – قيرغيزستان، طاجيكستان وتركمنستان – فقط الثلث متماسك عرقياً نسبياً. حوالي ما يقرب من 75% من تركمنستان التي تعدادها 4.5 مليون تركمان، الأوزبك والروس كل واحد منهم أقل من 10%. موقع تركمنستان المحمي جغرافياً يجعلها بعيدة نسبياً عن روسيا، أوزبكستان وإيران لهما علاقة جيوسياسية متزايدة الوثاقة بمستقبل البلد. عندما يتم تطوير خطوط الأنابيب في المنطقة، فستنبئ احتياطيات تركمنستان الهائلة بمستقبل مزدهر لشعب تركمنستان.

شعب قيرغيزستان البالغ تعداده 5 مليون أكثر تنوعاً بكثير. القيرغيز يبلغون 55% من إجمالي السكان والأوزبك حوالي 13%، مع هبوط نسبة الروس مؤخراً من 20 إلى ما فوق 15% بقليل. قبل الاستقلال، كان الروس يكونون بدرجة كبيرة قادة الفكر المخططين الفنيين، وخروجهم أضر باقتصاد البلد. بالرغم من غناها بالمعادن والجمال الطبيعي الذي تتمتع به والذي دفع البعض إلى وصفها بسويسرا وسط آسيا (وبالتالي وجهة سياحية جديدة)، إلا أن موقع قيرغيزستان الجيوسياسي المحصور بين الصين وكازاخستان، يجعلها شديدة الاعتماد على الدرجة التي تنجح فيها كازاخستان نفسها في المحافظة على استقلالها.

طاجيكستان نوعاً ما أكثر تجانساً عرقياً. من بين شعبها البالغ 6.5 مليون نسمة، أقل من الثلثين طاجيك وأكثر من 25% أوزبك (الذين يُنظر إليهم بنوع من العداوة من جانب الطاجيك)، بينما الروس الباقين يبلغون فقط 3%. ولكن كما في كل مكان، الجماعة العرقية السائدة منقسمة بحدة – بطريقة عنيفة – بين السلالات القبلية، مع الوطنية الحديثة محصورة فقط بدرجة كبيرة في النخبة السياسية الحضرية. نتيجة لذلك، الاستقلال لم يولد فقط نزاع مدني ولكن أوجد حجة مناسبة لروسيا لمواصلة نشر جيشها في البلد. الوضع العرقي معقد أكثر من ذلك بالتواجد الكبير للطاجيك عبر الحدود، في شمال شرق أفغانستان. في الحقيقة، بسبب كثرة الطاجيك في افغانستان بحيث يقارب عددهم الموجودين منهم في طاجيكستان، فإن ذلك يمثل عاملاً آخر لتقويض الاستقرار الإقليمي.

حالة التشوش الموجودة الآن في أفغانستان هي بالمثل من الإرث السوفيتي، حتى بالرغم أن البلد ليست جمهورية سوفيتية سابقة. البلد المفككة بسبب الاحتلال السوفيتي وحروب العصابات الممتدة ضدها، أفغانستان دولة قومية بالاسم فقط. سكانها ال22 مليون أصبحوا مقسمين بحدة على سلالات عرقية، مع انقسامات متزايدة بين الباشتون والطاجيك والهزارة. في نفس الوقت، الجهاد ضد المحتلين الروس جعل الدين هو البعد السائد للحياة السياسية في البلد، يبث الحماس الدوغماتي في الاختلافات السياسية الحادة بالفعل. وهكذا فإن أفغانستان لا يجب فقط أن تُرى كجزء من اللغز العرقي لوسط آسيا ولكن أيضاً كجزء أساسي من البلقان الأوراسي سياسياً.

بالرغم أن كل دول وسط آسيا السوفيتية سابقاً وكذلك أذربيجان كانت مسكونة سابقاً في الغالب بالمسلمين، إلا أن نخبهن السياسية – مازالت بدرجة كبيرة من منتجات الحقبة السوفيتية – غير متدينين بشكل موحد تقريباً في تطلعاتهم كما أن تلك الدول كانت علمانية رسمياً. لكن، مع تحول سكانها من التقليد العشائري الأساسي أو الهوية القبلية إلى وعي وطني أكثر حداثة، فمن المحتمل أن يتشربوا بوعي إسلامي مكثف. في الحقيقة، الصحوة الإسلامية – يُحرض عليها بالفعل من الخارج ليس فقط من إيران ولكن أيضاً من السعودية – من المحتمل أن تصبح الحافز المحرك للاتجاهات الوطنية الجديدة المتزايدة الانتشار، العازمة على مقاومة أي عودة للتكامل تحت سيطرة الروس – وبالتالي الخضوع لسيطرة الكافرين.

من المرجح أن تكون عملية الأسلمة process of Islamization معدية contagious للمسلمين الذين بقوا داخل روسيا. عددهم حوالي 20 مليون – أكثر من ضعف عدد الروس الساخطين (حوالي 905 مليون نسمة) الذين يستمرون في العيش تحت حكم أجنبي في دول وسط آسيا المستقلة. المسلمون الروس تبلغ نسبتهم حوالي 13% من عدد سكان روسيا، وغالباً لا مفر من أنهم سيصبحون أكثر جزماً في المطالبة بحقوقهم في هوية سياسية ودينية مميزة. حتى لو أن هذا المطلب لا يتخذ شكل السعي لتحقيق استقلال تام، كما في حالة الشيشان، إلا أنه سوف يتداخل مع المعضلات التي ستستمر روسيا في مواجهتها في وسط آسيا، نظراً لتدخلها الإمبريالي الحديث وتواجد الأقليات الروسية في الدول المستقلة الجديدة.

ما يزيد بفداحة من حالة عدم الاستقرار في دول البلقان الأوراسية ويجعل الوضع أكثر تفجراً هو حقيقة أن جارتان كبيرتان من الدول القومية، كل منهما لها مصالح إمبريالية وثقافية ودينية واقتصادية تاريخياً في الإقليم – وتحديداً تركيا وإيران – هما نفسيهما متقلبتين في توجهاتهما الجيوسياسية ومن الممكن أن يكونا غير محصنتين داخليا جيوسياسياً. إذا أصبحت هاتان الدولتان غير مستقرتان، فمن المحتمل أن الإقليم بالكامل سينغمس في فوضى هائلة، مع خروج الصراعات الارضية والعرقية الجارية عن السيطرة وتعطل توازن القوى الحساس بالفعل في الاقليم بشدة. وبالتالي، تركيا وإيران ليستا فقط لاعبان حيوستراتيجيان مهمان ولكن أيضاً مفاصل جيوسياسية، ظروفهما الداخلية لها أهمية كبيرة في تحديد مصير الإقليم. كلا من تركيا وإيران قوة متوسطة، ولديهما طموح قوي إقليمي وشعور بأهميتهما التاريخية. لكن التوجه الجيوسياسي المستقبلي وحتى التماسك الوطني لكلتا الدولتين يبقى محل شك.

    Turkey, a postimperial state still in the process of redefining its identity, is pulled in three directions: the modernists would like to see it become a European state and thus look to the west; the Islamists lean in the direction of the Middle East and a Muslim community and thus look to the south; and the historically minded nationalists see in the Turkic peoples of the Caspian Sea basin and Central Asia a new mission for a regionally dominant Turkey and thus look eastward. Each of these perspectives posits a different strategic axis, and the clash between them introduces for the first time since the Kemalist revolution a measure of uncertainty regarding Turkey’s regional role.

تركيا، دولة ما بعد الامبريالية التي مازالت في مسار اعادة تعريف هويتها، مشدودة في ثلاثة اتجاهات: الحداثيون يريدون ان يروها دولة أوروبية ولذلك يتطلعون إلى الغرب؛ الاسلاميون يميلون الى إتجاه الشرق الاوسط ومجتمع إسلامي ولذلك يتطلعون الى الجنوب؛ والقوميون ذوي العقلية التاريخية يرون في الشعوب التركية في وسط آسيا وحوض بحر قزوين مهمة جديدة لتركيا المهيمنة إقليمياً ولذلك يتطلعون جهة المشرق. كل واحدة من هذه التطلعات تفترض محور إستراتيجي مختلف، والصدام بينهم ينشيء لأول مرة منذ الثورة الكمالية مقدار من عدم اليقين فيما يتعلق بدور تركيا الإقليمي.

كما أن، تركيا نفسها يمكن ان تصبح على الاقل ضحية جزئية للصراعات العرقية في الإقليم. بالرغم أن 80% من سكانها البالغ عددهم حوالي 65 مليون، من أصل تركي (بالرغم من وجود تشكيلة من الشراكسة والالبانيين والبوسنيين والبلغاريين والعرب)، وهناك حوالي 20% أو ربما أكثر من الأكراد. مركزين في الاقاليم الشرقية، الأكراد الأتراك يتزايد جرهم في الصراع من أجل الاستقلال القومي الذي يشنه الأكراد العراقيون والإيرانيون. أي توترات داخلية داخل تركيا فيما يتعلق بالتوجه العام للدولة سيشجع بلا شك الأكراد على الضغط بعنف أكثر من أجل وضع قومي مستقل.

توجه إيران المستقبلي أكثر إشكالية. الثورة الشيعية الأصولية التي انتصرت في أواخر سبعينات القرن العشرين قد تكون داخلة في مرحلتها التيرميدورية[18]، وذلك يرفع من عدم اليقين فما يتعلق بالدور الجيوستراتيجي لإيران. فمن جانب، فتح انهيار الاتحاد السوفيتي الملحد الباب أمام جيران إيران الشماليين المستقلين حديثاً على الاهتداء الديني ولكن من جانب آخر، فإن عداء إيران للولايات المتحدة دفعها إلى اتخاذ توجه في اتجاه موسكو على الاقل تكتيكياً، مدعم بقلق إيران المتعلق بتأثير الاستقلال الجديد لأذربيجان على تماسكها.

هذا القلق مستمد من عدم حصانة إيران ضد التوترات العرقية. فمن بين عدد السكان البالغ 65 مليون (المساوي تقريباً لعدد سكان تركيا)، فقط أكثر من النصف فرس وتقريباً الربع أذيريين، والباقي أكراد، تركمان وعرب وبالوشيين وقبائل أخرى. بخلاف الأكراد والأذيريين، فإن الباقين في الوقت الحالي ليس لديهم القدرة على تهديد الوحدة الوطنية لإيران، خاصة نظراً للدرجة العالية من الشعور القومي والامبراطوري بين الفرس. ولكن ذلك يمكن أن يتغير بسرعة، خاصة في حالة حدوث أزمة سياسية جديدة في السياسات الإيرانية.

كما أن حقيقة تواجد عدة دول مستقلة حديثاً تنتهي بـ “ستان” في المنطقة وأن حتى الشيشان ذات التعداد مليون نسمة تمكنت من تأكيد طموحاتها السياسية، فذلك كله له تأثير معد infectious effect  على الأكراد وعلى كل الأقليات الأخرى في إيران. فلو أن أذربيجان نجحت في تطوير سياسي واقتصادي مستقر، فالأذيريون الإيرانيون قد يتزايد التزامهم بفكرة أذربيجان أكبر. وهكذا، عدم الاستقرار السياسي والانقسامات في طهران قد تتوسع إلى تحد لتماسك الدولة الايرانية، وبذلك توسيع نطاق وزيادة حصص ما هو داخل في دول البلقان الأوراسية.

الملحوظات

[1] https://en.wikipedia.org/wiki/Karakalpaks

[2] https://en.wikipedia.org/wiki/Turkmens

[3] https://en.wikipedia.org/wiki/Kyrgyz_people

[4] https://en.wikipedia.org/wiki/Kazakhs

[5] https://en.wikipedia.org/wiki/Volga_Tatars ; https://en.wikipedia.org/wiki/Tatars

[6] https://en.wikipedia.org/wiki/Georgians

[7] https://en.wikipedia.org/wiki/Ossetians

[8] https://en.wikipedia.org/wiki/Abkhazians

[9] https://en.wikipedia.org/wiki/Dagestan#Religion

[10] https://en.wikipedia.org/wiki/Armenians

[11] https://en.wikipedia.org/wiki/Azerbaijanis

[12] https://en.wikipedia.org/wiki/Russians

[13] https://en.wikipedia.org/wiki/Pashtuns

[14] https://en.wikipedia.org/wiki/Tajiks

[15] https://en.wikipedia.org/wiki/Hazaras

[16] https://en.wikipedia.org/wiki/Uzbeks

[17] https://en.wikipedia.org/wiki/Nagorno-Karabakh

[18] https://en.wikipedia.org/wiki/Thermidorian_Reaction

الإعلانات

اترك رد