9-01: رقعة الشطرنج الكبيرة – الفصل الثاني – 2

رقعة الشطرنج الكبيرة  THE GRAND CHESSROARD

الفصل الثاني : رقعة الشطرنج الأوراسية The Eurasian Chessboard

اللاعبون الجيوستراتيجيون والمفاصل الجيوسياسيةGEOSTRATEGIC PLAYERS AND GEOPOLITICAL PIVOTS

 اللاعبون الجيوستراتيجيون النشطون هم الدول التي لديها القدرة والارادة الوطنية لممارسة السلطة أو التأثير خارج حدودها من أجل تبديل – بدرجة تؤثر على مصالح أمريكا- الوضع الجيوسياسي القائم. لديهم الإمكانية و/أو الإستعداد لأن يكونوا متقلبين جيوسياسياً  geopolitically volatile. لأي سبب كان-  السعي إلى تحقيق العظمة الوطنية national grandeur، الإنجاز الإيديولوجي ideological fulfillment، تحقيق الخلاص الديني religious messianism، التعظيم الإقتصادي economic aggrandizement-  بعض الدول تسعى إلى تحقيق هيمنة إقليمية أو مكانة عالمية. مدفوعة بدوافع مركبة عميقة الجذور، تفسرها جيداً جملة روبرت براونينج[1] Robert Browning:

“… ما تصل إليه يد الإنسان يجب ان يتجاوز قبضته، أو ما فائدة السماء؟”

“… a man’s reach should exceed his grasp, or what’s a heaven for?”

وهكذا يأخذون رصيداً حذراً من القوة الأمريكية، يحددون مدى تراكب مصالحهم أو تصادمها مع أمريكا، ويشكلون أهدافهم الأوراسية الأكثر محدودية، أحياناً بالتواطؤ ولكن أحياناً في صراع مع سياسات أمريكا. الولايات المتحدة يجب أن تولي إهتماماً خاصاً بالدول الأوراسية المدفوعة بهذه الطريقة.

المفاصل الجيوسياسية Geopolitical pivots  هي الدول التي لا تُستمد أهميتها من قوتها ودوافعها ولكن من مواقعها الحساسة ومن عواقب ظروفها المعرضة للطعن المحتمل potentially vulnerable condition  أمام سلوك اللاعبين الجيوستراتيجيين. غالباً، تُحدد المفاصل الجيوسياسية بجغرافيتها التي تعطيها في بعض الحالات دوراً خاصاً سواء في تحديد طرق وصول لمناطق مهمة defining access to important areas  أو في منع موارد للاعب مهم denying resources to a significant player. في بعض الحالات قد يعمل المفصل الجيوسياسي كدرع دفاعي لدولة حيوية أو حتى لإقليم. أحياناً يمكن القول ان وجود المفصل السياسي له عواقب سياسية وثقافية شديدة الأهمية للاعب جيوستراتيجي مجاور نشط. ولذلك من الجوانب الهامة للجيوستراتيجية الامريكية العالمية America’s global geostrategy تحديد المفاصل الجيوسياسية الأوراسية الرئيسية في عالم ما بعد الحرب الباردة.

يجب أيضاً الملاحظة في البداية أنه بالرغم من أن كل اللاعبين الجيوستراتيجيين يميلون إلى أن يكونوا بلداناً قوية ومهمة، إلا أنه ليس كل البلدان المهمة والقوية لاعبين جيوستراتيجيين أوتوماتيكياً. وهكذا بينما يكون تعريف اللاعبين الجيوستراتيجيين سهل نسبياً، الحذف من القائمة التي تتبع ذلك لبعض الدول الواضحة الأهمية قد يتطلب بعض التبرير.

في الظروف العالمية الحالية، على الأقل خمسة لاعبين جيوستراتيجيين رئيسيين وخمسة مفاصل جيوسياسية (مع إتنين من المفاصل ربما يكونون أيضاً مؤهلين جزئياً أن يكونوا لاعبين) يمكن تبينهم على الخريطة السياسية الجديدة لأوراسيا. فرنسا، ألمانيا، روسيا، الصين والهند هم اللاعبين الكبار الناشطين، بينما بريطانيا واليابان وأندونيسيا بالرغم من كونها بلاد شديدة الأهمية ولكنها غير مصنفة بهذا التأهيل. أوكرانيا وأذربيجان وكوريا الجنوبية وتركيا وإيران يلعبون دور مفاصل سياسية مهمة، بالرغم أن كل من تركيا وإيران بقدر ما  – داخل قدراتهم المحصورة – ناشطين جيوستراتيجياً. سنذكر المزيد عن كل منهما في الفصول التالية.

في هذه المرحلة يكفي القول أن في الطرف الغربي western extremity  لأوراسيا اللاعبون الجيوستراتيجيون الديناميكيون هم فرنسا وألمانيا. كلاً منهما مدفوع ومحفز برؤية أوروبا موحدة، بالرغم أنهما يختلفان حول مقدار وكيفية بقاء أوروبا هذه (الموحدة) مرتبطة بأمريكا. ولكن كلا منهما تريد بطموح تشكيل شيء جديد في أوروبا، وهكذا تغيير الوضع القائم. فرنسا تحديداً لديها مفهومها الجيوستراتيجي الذاتي لأوروبا، وهو مفهوم يختلف من بعض الجوانب الهامة عن مفهوم الولايات المتحدة، ويميل إلى إستخدام مناورات تكتيكية مصممة للتلاعب بروسيا ضد أمريكا وبريطانيا العضمى ضد ألمانيا، حتى مع الإعتماد على التحالف الفرنسي-ألماني Franco-German alliance  لموازنة ضعفها النسبي.

كما أن كلا من فرنسا وألمانيا قويتين بما يكفي وواثقتين بما يكفي لممارسة نفوذاً في دائرة إقليمية أوسع. فرنسا لا تسعى فقط إلى دور سياسي مركزي في توحيد أوروبا ولكن ترى نفسها أيضاً كنواة لتكتل من الدول الأوسطية-شمال أفريقية Mediterranean-North African cluster  التي تتقاسم إهتمامات مشتركة. ألمانيا مدركة بتزايد لوضعها الخاص كأهم دولة في أوروبا – لأنها عربة الجر الإقتصادية للمنطقة والقائد البارز للإتحاد الأوروبي. ألمانيا تشعر أن عليها مسؤولية خاصة تجاه أوروبا الوسطى المعتقة حديثاً  emancipated Central Europe ، بطريقة تذكر بشكل مبهم بالمفاهيم القديمة لميتلاوروبا[2] Mitteleuropa تقودها ألمانيا. كما أن كلاً من فرنسا وألمانيا تعتبران نفسيهما مخولتين لتمثيل مصالح أوروبا في التعامل مع روسيا، وحتى أن ألمانيا تحتفظ  بإختيار كبير بالتكييف الثنائي الخاص مع روسيا بسبب موقعها الجغرافي على الأقل نظرياً.

على العكس من ذلك، بريطانيا العظمى ليست لاعباً جيوستراتيجياً. لديها خيارات كبرى أقل، لا تحمل رؤى طموحة لمستقبل أوروبا، وإنحدارها النسبي خفض أيضاً من قدرتها على لعب الدور التقليدي للموازن الأوروبي . تناقضها فيما يتعلق بتوحيد أوروبا وإرتباطها بعلاقة خاصة متضائلة مع أمريكا جعلت بريطانيا العظمى غير ذات صلة فيما يخص الإختيارات الكبرى المواجهة لمستقبل أوروبا. لندن أبعدت نفسها بدرجة كبيرة من اللعبة الأوروبية.

السير روي دينمان Roy Denman، المسؤول البريطاني الكبير السابق في المفوضية الأوروبية، يتذكر في مذكراته أن في مؤتمر ميسينا Messina عام 1955م.، الذي إستعرض مسبقاً تشكيل الإتحاد الأوروبي، أكد المتحدث البريطاني الرسمي للمجتمعين:

“المعاهدة المستقبلية التي تناقشونها ليس لديها فرصة للقبول؛ لو أنها قُبلت، فلن يكون لديها فرصة للتطبيق، ستكون مرفوضة بالكامل من بريطانيا… إلى اللقاء وحظ طيب[3]. “

 بعد ذلك بأكثر من 40 سنة، بقيت المقولة السابقة هي تعريف الموقف البريطاني الأساسي تجاه إنشاء أوروبا حقيقية متحدة. تردد بريطانيا في المشاركة في الإتحاد الإقتصادي والمالي المستهدف في يناير 1999 م.، يعكس عدم رغبة البلد في تحديد المصير البريطاني مع الأوروبي. جوهر هذا الموقف يُلخص جيداً في أوائل التسعينات فيما يلي:

  • بريطانيا ترفض هدف التوحيد السياسي
  • بريطانيا تفضل نموذج التكامل الاقتصادي المبني على التجارة الحرة
  • بريطانيا تفضل التسيق في مجال السياسة الخارجية والأمن والدفاع خارج إطار الإتحاد الأوروبي
  • بريطانيا نادراً ما عظمت نفوذها مع الاتحاد الاوروبي[4]

 بريطانيا العظمى بالتأكيد مازالت مهمة لأمريكا. مازالت تحتفظ بدرجة ما من النفوذ العالمي من خلال الكومونويلث، ولكن لا هي قوة عظمى قلقة من زوال قوتها ولا هي مدفوعة برؤية طموحة. بريطانيا هي المؤيد الرئيسي لأمريكا وحليف شديد الإخلاص، وقاعدة عسكرية حيوية ، وشريك مقرب في الأنشطة الإستخبارية الهامة. صداقتها يجب تُغذى، ولكن سياساتها لا تستدعي إهتمام متواصل. بريطانيا لاعب جيوستراتيجي متقاعد، مستند على أمجاد الماضي، غير مرتبط بالمغامرة الأوروبية الكبرى التي فرنسا وألمانيا هما اللاعبان الأساسيان فيها.

الدول الأوروبية الأخرى المتوسطة الحجم، وأغلبها أعضاء في الناتو والإتحاد الأوروبي، فإما أنها تتبع القيادة الأمريكية أو تصطف وراء ألمانيا وفرنسا، سياساتها ليس لها تأثير إقليمي متسع، وليست في موقف لتبديل تحالفاتها الأساسية. في هذه المرحلة، لا هم لاعبين جيوستراتيجي ولا هم مفاصل جيوسياسية. نفس الأمر حقيقي لغالبية أعضاء الناتو والإتحاد الأوروبي الأكثر أهمية في وسط أوروبا، وخاصة بولندا. بولندا شديدة الضعف على أن تكون لاعب جيوستراتيجي، وأمامها خيار واحد فقط: أن تندمج مع الغرب. كما أن، إختفاء الامبراطورية الروسية القديمة والروابط البولندية المتعمقة مع كل من التحالف الأطلنطي وأوروبا المنبثقة منحت بولندا بتزايد امناً لا مثيل له تاريخياً، مع حصر إختياراتها الإستراتيجية.

لسنا في حاجة الى قول ان روسيا مازالت لاعب حيوستراتيجي محتمل، بالرغم من دولتها الضعيفة وصعوباتها الممتدة. وجودها يؤثر على نطاق واسع على الدول المستقلة حديثاً في المساحة الأوراسية الشاسعة من الإتحاد السوفيتي السابق. روسيا تحمل أهدافاً جيوسياسية طموحة، تعلنها بتزايد صراحة. أول ما تستعيد روسيا قوتها، فستؤثر أيضاً  بدرجة كبيرة على جيرانها الغربيين والشرقيين. كما أن روسيا عليها ايضاً إختيارها الجيوستراتيجي الأساسي فيما يتعلق بعلاقتها بأمريكا: هل هي صديق أم عدو؟

قد تشعر أيضا أن لديها خيارات رئيسية في القارة الأوراسية في هذا الصدد. الكثير يعتمد على كيفية تطور سياساتها الداخلية وخاصة هل ستصبح روسيا ديمقراطية أوروبية أو إمبراطورية أوراسية مرة أخرى. على أية حال، من الواضح أنها باقية كلاعب حتى لو أنها فقدت بعض قطعها، وبعض المساحات الأساسية من رقعة الشطرنج الأوراسية.

بالمثل، لسنا في حاجة إلى برهنة أن الصين لاعب كبير. الصين هي بالفعل قوة إقليمية هامة ومن المحتمل أنها تحمل طموحات واسعة، نظراً لتاريخها كقوة كبرى ونظرتها للدولة الصينية على أنها مركز عالمي. الإختيارات التي إختارتها الصين بدأت بالفعل في التأثير على التوزيع الجيوسياسي للقوة في آسيا، بينما زخمها الاقتصادي مرتبط بمنحها قوة مادية متنامية وطموحات أكبر. صعود “الصين الكبرى” لن يترك موضوع تايوان نائماً، وهذا سيؤثر حتماً على وضع أمريكا في الشرق الأقصى. تفكيك الإتحاد السوفيتي خلق أيضاً في الحافة الغربية للصين مجموعة من الدول، والتي لا يمكن أن يكون القادة الصينيين غير مبالين بها. وهكذا، روسيا ستتأثر أيضاً كثيراً بالبروز الصيني الاكثر نشاطاً على الساحة العالمية.

التخوم الشرقية eastern periphery  لأوراسيا تشكل معضلة. من الواضح أن اليابان قوة كبرى في شؤون العالم، والتحالف الأمريكي-ياباني يُعرف عادة وبشكل صحيح على أنه أهم علاقة أمريكية ثنائية. اليابان بصفتها واحدة من أكبر القوى الإقتصادية في العالم، تمتلك بوضوح إمكانية ممارسة قوة سياسية من المرتبة الأولى. ولكنها لا تعمل على ذلك، وتتجنب أي طموحات للهيمنة الإقليمية وتفضل بدلاً من ذلك العمل تحت الحماية الأمريكية. مثل بريطانيا العظمى في حالة أوروبا، اليابان لا تفضل الدخول في سياسات البر الأسيوي الرئيسي، بالرغم أن سبب جزئي لذلك هو العداء المستمر من الكثير من الأسيويين لأي مسعى ياباني لأي دور سياسي إقليمي بارز.

الموقف السياسي الياباني النائي بالنفس بدوره يسمح للولايات المتحدة أن تلعب دور أمني مركزي في الشرق الاقصى. وهكذا فإن اليابان ليست لاعباً جيوستراتيجياً، بالرغم من إمكانياتها الواضحة في أن تصبح كذلك سريعاً – خاصة لو أن الصين أو أمريكا بدلتا فجأة سياساتهما الحالية – يفرض على الولايات المتحدة تعهداً خاصاً بتغذية العلاقة اليابانية الامريكية بعناية. ليست السياسة الخارجية اليابانية هي ما يجب أن تراقبة أمريكا، ولكن أمريكا يجب أن تستثمر بمهارة النأي بالتفس الياباني. أي تخفيض كبير في الروابط السياسية اليابانية-أمريكية سيؤثر مباشرة على إستقرار المنطقة.

سبب عدم إدراج إندونيسيا كلاعب جيوستراتيجي ديناميكي أسهل في شرحه. في جنوب شرق آسيا، إندونيسيا هي أهم بلد، ولكن حتى في الإقليم نفسه، قدرتها على إستهداف تأثيراً مهماً محدودة بحالة الإقتصاد الإندونيسي المتخلف نسبياً، والشكوك المستمرة المحيطة بسياستها الداخلية، ومجموعة جزرها المتناثرة، وقابليتها للصراعات الإثنية المتفاقمة بالدور المركزي الذي تمارسه الأقلية الصينية في شؤونها المالية الداخلية. في نقطة ما، قد تصبح إندونيسيا عائقاً مهماً للطموحات الصينية الجنوبية.  هذا الإحتمال إعترفت به بالفعل أستراليا ، التي كانت تخشى السياسة التوسعية الإندونيسية ولكن بدأت مؤخراً في تفضيل تعاون أمني أسترالي-إندونيسي أكثر قرباً. ولكن ستكون هناك حاجة إلى فترة من التعزيز السياسي والنجاح الاقتصادي المستمر قبل إمكان إعتبار إندونيسيا كلاعب إقليمي مهيمن.

على العكس، الهند في مسارها إلى ترسيخ نفسها كقوة إقليمية وترى نفسها لاعب عالمي كبير محتمل. وترى نفسها منافس للصين. قد يكون هذا مبالغة في تقدير قدراتها الطويلة الأمد، ولكن الهند  بلا جدال هي أقوى دولة في جنوب آسيا، قوة إقليمية مهيمنة من نوع ما. كما أنها قوة نووية نصف سرية، وأصبحت كذلك ليس لترعيب باكستان ولكن لموازنة إمتلاك الصين لترسانة نووية. الهند لديها رؤية جيوستراتيجية لدورها الإقليمي، تجاه جيرانها وفي المحيط الهادي. ولكن طموحاتها في هذه المرحلة تنحصر في التدخل الهامشي في مصالح أمريكا الأوراسية، وهكذا فهي كلاعب جيوستراتيجي ليست   مصدر إهتمام جيوسياسي على الاقل بتفس درجة روسيا والصين.

أوكرانيا، المساحة الجديدة المهمة على رقعة الشطرنج الأوراسية، مفصل جيوسياسي لأن وجودها كبلد مستقل يساعد على تحويل روسيا. بدون أوكرانيا، تتوقف روسيا  عن كونها إمبراطورية أوراسية. روسيا بدون أوكرانيا يمكن أن تستمر في الكفاخ للحصول على وضع إمبريالي، الإحتمال الأكثر هو أنها ستُجر إلى صراعات منهكة مع دول وسط آسيا المستيقظة، الذين سيكونون في تلك الحالة مستائين من خسارة إستقلالهم الحديث وسيكونون مؤيدين من مماثليهم من الدول الإسلامية في الجنوب منهم. من المحتمل أن الصين أيضاً قد تعارض أي إستعادة للهيمنة الروسية على وسط آسيا، نظراً لإهتمامها المتزايد بالدول المستقلة حديثاً هناك. لكن، لو إستعادت موسكو السيطرة على أوكرانيا، بمواطنيها ال52 مليون ومواردها الكبرى ومنافذ وصولها إلى البحر الأسود، ستستعيد روسيا أوتوماتيكياً  الوسائل الكافية لكي تصبح دولة إمبريالية قوية، تمتد على أوروبا وآسيا. فقدان أوكرانيا للإستقلال سيكون له عواقب فورية على أوروبا الوسطى، وسيحول بولندا إلى مفصل جيوسياسي على الحدود الشرقية لأوروبا الموحدة.

بالرغم من حجمها المحدود وعدد سكانها القليل، أذربيجان، مع موارد طاقتها الهائلة مهمة جيوسياسياً. فهي غطاء الزجاجة المحتوية على ثروات حوض بحر قزوين ووسط آسيا. إستقلال دول وسط آسيا يمكن أن يصبح بلا معنى لو أن أذربيجان أصبحت خاضعة بالكامل لسيطرة موسكو. موارد بترول أذربيجان الشديدة الأهمية يمكن أن تقع تحت سيطرة الروس، في حالة  إبطال إستقلالها. أذربيجان المستقلة، المرتبطة بالأسواق الغربية بخطوط الأنابيب التي لا تمر بأراضي تسيطر عليها روسيا، ستصبح ممراً كبيراً من الإقتصاديات المتقدمة والمستهلكة للطاقة إلى جمهوريات وسط آسيا الغنية بالطاقة. تقريباً كما في حالة أوكرانيا بدرجة كبيرة، مستقبل أذربيجان ووسط آسيا مهم أيضاً في تعريف ما ستكون أو لا تكون عليه روسيا.

تركيا وإيران داخلين في تأسيس نفوذاً بدرجة ما في إقليم بحرقزوين-وسط آسيا  Caspian Sea-Central Asia region ، مستغلين إنكماش القوة الروسية. لهذا السبب يمكن إعتبارهم لاعبين جيوستراتيجيين. لكن كلا الدولتين تواجهان مشاكل محلية خطيرة، وقدرتهما على إحداث تحولات إقليمية كبرى في توزيع القوة محدودة. وهما أيضاً متنافستان وبالتالي تحاول كل واحدة إبطال نفوذ الأخرى. على سبيل المثال، في أذربيجان إكتسبت تركيا دوراً مؤثراً،  الموقف الإيراني كان أكثر مساعدة للروس (خوفاً من تحريك الآذيريين المحتمل داخل إيران نفسها)

ولكن كل من تركيا وإيران، هما مفاصل جيوسياسية مهمة في المقام الأول. تركيا تحفظ توازن إقليم البحر الأسود، وتتحكم في منافذ الوصول منه إلى البحر المتوسط، وتوازن روسيا في القوقاز، ومازالت تقدم ترياقاً للأصولية الإسلامية antidote to Muslim fundamentalism، وتعمل كمرتكز جنوبي للناتو. من المحتمل أن تطلق تركيا غير مستقرة عنف أكثر في جنوب دول البلقان، وتسهل إعادة فرض السيطرة الروسية على دول القوقاز المستقلة حديثاً. إيران، بالرغم من غموض موقفها تجاه أذربيجان، توفر بالمثل دعماً إستقرارياً للتنوع السياسي الجديد في وسط آسيا. وهي تهيمن على الساحل الشرقي للخليج الفارسي، بينما إستقلالها بغض النظر عن عدائها (الظاهري) تجاه الولايات المتحدة يعمل كحاجز لأي تهديد روسي طويل المدى للمصالح الأمريكية في إقليم الخليج الفارسي.

في النهاية، كوريا الجنوبية مفصل جيوسياسي في الشرق الأقصى. روابطها الوثيقة بالولايات المتحدة تمكن أمريكا من تغطية shield  اليابان وبالتالي حفظ اليابان من أن تصبح قوة عسكرية كبرى مستقلة، بدون وجود أمريكي متغطرس داخل اليابان نفسها. أي تغيير مهم في وضع كوريا الجنوبية، سواء من خلال التوحيد و/أو من خلال تحول في توسيع نظاق النفوذ الصيني، سيبدل بالضرورة بشكل كبير دور أمريكا في الشرق الأقصى، وبذلك يبدل وضع اليابان نفسها. كما أن، القوة الإقتصادية المتنامية لكوريا الجنوبية تجعلها مساحة أكثر أهمية في حد ذاتها،  وتسيطر على ما يصبح متزايد القيمة.

القائمة السابقة للاعبين الجيوستراتيجيين والمفاصل الجيوسياسية لا هي دائمة ولا ثابتة. في وقت ما، قد تضاف او تُطرح بعض الدول. بالتأكيد من بعض الجوانب، يمكن أن تُثار قضية حول وجوب إضافة تايوان أو تايلاند أو باكستان أو ربما قازاخستان أو أوزبكستان في التصنيف الأخير. لكن، في هذه المرحلة عدم إدراجهم يبدو قهرياً. التغيير في وضع أياً منهم سيمثل أحداثاً كبرى ويتضمن تحولات في توزيع القوى ولكن من المشكوك فيه أن العواقب المحفزة ستكون بعيدة المنال. الاستثناء الوحيد قد يتضمن موضوع تايوان، لو تم إختيار روئيتها بعيداً عن الصين. حتى في تلك الحالة، هذا الموضوع سيتصاعد فقط لو أن الصين استخدمت قوة كبرى لاجتياح الجزيرة، في تحد ناجح للولايات المتحدة، وبذلك تهدد بشكل أعم المصداقية السياسية الأمريكية في الشرق الأدنى. إحتمالات هذا المجرى للأحداث تبدو منخفضة، ولكن هذا الاحتمال مازال يجب وضعه في الإعتبار عند صياغة السياسة الامريكية تجاه الصين.

الملحوظات

[1] https://en.wikipedia.org/wiki/Robert_Browning

[2] ميتلاوروبا يمكن أن تشير إلى رؤية أوروبا على أنها “مثالية فكرية وثقافية لكيان عالمي واحد متعدد الاوطان cosmopolitan multi-national cultural and intellectual ideal أو على أنها إمبراطورية موالية لألمانيا كدولة مركزية pan-Germanist state-centric imperium

 https://en.wikipedia.org/wiki/Mitteleuropa

[3] 2. Roy Denman, Missed Chances (London: Cassell, 1996).

[4] 3. In Robert Skidelsky’s contribution on “Great Britain and the New Europe,” in From the Atlantic to the Urals, ed. David P. Calleo and Philip H. Gordon (Arlington, Va.: 1992), p. 145.

 

الإعلانات

اترك رد