9-01: رقعة الشطرنج الكبيرة – الفصل الثالت -2

رقعة الشطرنج الكبيرة  THE GRAND CHESSROARD

الفصل الثالث : رأس الجسر الديمقراطية The Democratic Bridgehead

هدف أمريكا المحوري  AMERICA’S CENTRAL OBJECTIVE

القضية المحورية لأمريكا هي كيفية بناء أوروبا قائمة على العلاقة فرنسية-ألمانية، أوروبا قابلة للتطبيق والنمو وتبقى مرتبطة بالولايات المتحدة، وذلك يوسع مجال النظام الدولي الديمقراطي التعاوني cooperative democratic international system  الذي تعتمد عليه كثيراً الصدارة العالمية الأمريكية. من هنا، ليس الامر هو الاختيار بين فرنسا وألمانيا. بدون أي من فرنسا وألمانيا لن يكون هناك أوروبا.

من المناقشة السابقة تخرج ثلاثة استنتاجات عريضة:

1- التدخل الامريكي في قضية التوحيد الاوروبي مطلوب لتعويض أزمة المعنويات والنية الداخلية التي كانت تستنفذ الحيوية الاوروبية، وللتغلب على الشك الاوروبي الواسع الانتشار بأن أمريكا لا تفضل وحدة أوروبية حقيقية، ولبث جرعة الحماس الديمقراطي المطلوبة في التعهد الاوروبي. ذلك يتطلب تعهد أمريكي واضح بالقبول النهائي لأوروبا كشريك عالمي لأمريكا.

2- على المدى القصير، المعارضة التكتيكية لسياسة فرنسا والدعم لقيادة ألمانيا مبرر؛ وعلى المدى البعيد، الوحدة الاوروبية عليها ان تتضمن هوية أوروبية سياسية وعسكرية أكثر تمييزاً لو كان على أوروبا أصلية genuine Europe  أن تصبح واقعاً حقيقياً. ذلك يتطلب بعض التكيف التقدمي progressive accommodation  مع الرؤية الفرنسية المتعلقة بتوزيع القوة داخل المؤسسات المتجاوزة للأطلسي transatlantic institutions.

 3-لا ألمانيا ولا فرنسا قويتان بما يكفي لبناء أوروبا وحدهما (كل واحدة على حدى) أو لحل الغموض الكامن في تعريف النطاق الجغرافي لأوروبا Europe’s geographic scope مع روسيا. ذلك يتطلب تدخل أمريكي حيوي ومُركَّز وعازم، خاصة مع الالمان، في تعريف نطاق أوروبا وبالتالي أيضاً معالجة تلك المواضيع الحساسة (خاصة مع روسيا) مثل الوضع النهائي لجمهوريات البلطيق وأوكرانيا داخل النظام الاوروبي.

 نظرة واحدة على خريطة أوراسيا الواسعة تؤكد على الأهمية الجيوسياسية لرأس الجسر الأوروبي لأمريكا – وأيضاً تواضعه الجغرافي. الإبقاء على رأس الجسر هذا وامتداده كمنصة انطلاق للديمقراطية يرتبط مباشرة بأمن أمريكا. الثغرة القائمة بين الاهتمام العالمي الأمريكي بالاستقرار وبنشر الديمقراطية المتعلق به ولامبالاة أوروبا بهذه القضايا (بالرغم من وضع فرنسا المعلن عن نفسه كقوة عالمية) في حاجة إلى سدها، ويمكن فقط تضييقها لو أن أوروبا اتخذت بتزايد طابعاً كونفدرالياً. أوروبا لا يمكن أن تصبح دولة-قومية single nation-state واحدة، بسبب عناد وصلابة تقاليدها القومية المتنوعة، ولكن يمكنها أن تصبح كيان يعكس تراكمياً من خلال مؤسساته السياسية المشتركة قيم ديمقراطية مشتركة، ويحدد مصالحه مع عالميتها، ويمارس جذباً مغناطيسياً على سكانه المشتركين في الحيز الأوراسي.

الاوروبيون لو تُركوا لأنفسهم فسيكونون عرضة لخطر الانشغال باهتماماتهم الاجتماعية الداخلية. الانتعاش الاقتصادي الأوروبي غطى على التكاليف الطويلة المدى لنجاحه الظاهري. هذه التكاليف تدمر اقتصادياً وسياسياً. أزمات الشرعية السياسية والحيوية الاقتصادية التي تواجهها أوروبا الغربية بتزايد – ولكنها عاجزة عن التغلب عليها – متجذرة بعمق في التمدد المنتشر للبنية الاجتماعية التي ترعاها الدولة التي تفضل الأبوية paternalism والحمائية protectionism وضيق الأفق parochialism. النتيجة هي حالة ثقافية تجمع بين المتعة الانهزامية hedonism escapist و الفراغ الروحي spiritual emptiness – حالة يمكن استغلالها من قبل المتطرفين القوميين nationalist extremists  أو المُنظِّرِين الدوغماتيين dogmatic ideologues.

هذه الحالة الثقافية لو أنها أصبحت حادة يمكن أن تثبت أنها مهلكة للديمقراطية وفكرة أوروبا. الاثنان في الحقيقة مرتبطين، لأن المشاكل الجديدة في أوروبا- (الهجرة والقدرة التنافسية التكنولوجية-الاقتصادية مع أمريكا وآسيا، ناهيك عن الحاجة إلى إصلاح سياسي مستقر للبنى الاجتماعية-إقتصادية القائمة ) – يمكن فقط التعامل معها بفاعلية في سياق متزايد القارية increasingly continental context. أوروبا أكبر من مجموع أجزائها – يعني أوروبا التي ترى دوراً عالمياً لنفسها في تحسين الديمقراطية وفي الهداية إلى قيم إنسانية أساسية – أكثر ترجيحاً لأن تكون اوروبا غير مناسبة بشدة للتطرف السياسي political extremism والقومية الضيقة narrow nationalism أو المتعة الاجتماعية social hedonism.

ليس هناك حاجة لاستدعاء المخاوف القديمة سواء تسوية خلافات منفصلة بين الالمان والروس أو المبالغة في عواقب الغزل التكتيكي الفرنسي لموسكو، للقلق على الاستقرار الجيوسياسي لأوروبا – (ومكان أمريكا فيها) – الناتج من فشل الجهود الأوروبية التي مازالت جارية من أجل التوحد. أي فشل مثل هذا من المحتمل أن يستوجب بعض المناورات الأوروبية المجددة وبالأحرى التقليدية. سيولد فرص لتوكيد الذات الجيوسياسي الروسي أو الالماني، بالرغم أنه لو كان تاريخ اوروبا الحديث يحتوي على أي دروس فليس من المرجح يحقق أي منها نجاحاً مستمراً في هذا الصدد. لكن أقل ما يمكن، ربما تصبح ألمانيا أكثر جزماً ووضوحاً في تعريف مصالحها الوطنية.

حالياً، مصالح ألمانيا منسجمة مع أو حتى متسامية داخل مصالح الاتحاد الاوروبي والناتو. حتى المتحدثون باسم حزب الخضر اليساري الالماني أيدوا توسيع كل من الناتو والاتحاد الاوروبي. ولكن لو أن توحيد وتوسيع أوروبا توقفا، هناك بعض الاسباب لافتراض أن تعريفاً أكثر قومية لمفهوم ألمانيا للنظام الاوروبي سيطفو على السطح، وسيسبب ضرراً محتملاً لاستقرار أوروبا. فولفغانغ شويبله[1] Wolfgang Schauble، زعيم الديمقراطيين المسيحيين في البوندستاغ والخليفة المحتمل للمستشار كول، عبر عن هذه العقلية عندما صرح أن ألمانيا لم تعد “الحصن الغربي ضد الشرق؛ نحن أصبحنا مركز أوروبا”، وأضاف بوضوح أن “في الفترات الطويلة خلال القرون الوسطى…. كانت ألمانيا مشغولة بخلق النظام في أوروبا” في هذه الرؤية، ميتولوروبا Mitteleuropa- بدلاً من أن تصبح إقليماً أوروبياً تهيمن عليه ألمانيا اقتصادياW- ستصبح منطقة للصدارة السياسية الالمانية العلنية علاوة على قاعدة لسياسة ألمانية أحادية الجانب متزايدة تجاه الشرق والغرب.

أوروبا ستتوقف في هذه الحالة عن أن تكون رأس جسر أوروبي للسلطة الامريكية ومنصة الإطلاق المحتملة لتوسيع النظام الديمقراطي العالمي في أوراسيا. لهذا السبب يجب أن يستمر الدعم الامريكي الملموس الواضح من أجل توحيد أوروبا. بالرغم أنه خلال التعافي الاقتصادي لأوروبا وداخل التحالف الأمني المتجاوز للأطلسي transatlantic security alliance  أعلنت أمريكا كثيراً دعمها للتوحيد الاوروبي ودعمت التعاون الاوروبي المتجاوز للأوطانtransnational cooperation ، ولكنها تصرفت أيضاً كما لو كانت تفضل التعامل مع مشاكل سياسية واقتصاد مضطرب في دول اوروبية منفردة وليس مع اتحاد اوروبي. الاصرار الامريكي في بعض الأحيان على صوت داخل عملية صناعة القرار الاوروبية يميل الى تعزيز الشكوك الاوروبية بأن أمريكا تفضل التعاون بين الاوروبيين عندما يتبعون القيادة الامريكية ولكن ليس عندما يصيغون سياسات أوروبية. هذه هي الرسالة التي من الخطأ نقلها.

الالتزام الامريكي بوحدة اوروبا – المكرر بقوة في إعلان مدريد الاوروبي-امريكي المشترك في ديسمبر 1995 م. – سيستمر في أن يكون مجرد اقوال جوفاء إلى أن تكون أمريكا مستعدة ليس فقط أن تعلن بوضوح أنها مستعدة بقبول عواقب أن تصبح أوروبا، أوروبا حقيقية بل أن تعمل أيضاً على ذلك. بالنسبة لأوروبا النتيجة النهائية ستستوجب شراكة حقيقية مع أمريكا فضلاً عن وضع الحليف المفضل ولكن صغير. والشراكة الحقيقية تعني تقاسم القرارات والمسؤوليات أيضاً. الدعم الامريكي لهذه القضية سيساعد في تنشيط الحوار المتجاوز للاطلسي transatlantic dialogue وسيثير بين الأوروبيين تركيزاً أكثر أهمية حول الدور الذي يمكن أن تلعبه أوروبا كبيرة حقيقية في العالم.

من المتصور أنه في وقت ما سيصبح اتحاداً أوروبياً متحداً حقيقة وقوي، منافس سياسي عالمي للولايات المتحدة. قد يصبح بالتأكيد منافس اقتصادي-تكنولوجي صعب، بينما مصالحه الجيوسياسية في الشرق الاوسط وأماكن أخرى من الممكن أن تتباعد بدرجة كبيرة عن مصالح أمريكا. ولكن في الواقع، أوروبا القوية هذه وذات العقلية السياسية الواحدة ليس من المحتمل أن تتواجد في المستقبل المنظور. على عكس الظروف السائدة في أمريكا في وقت تشكيل الولايات المتحدة، هناك تضاؤل واضح لجذور تاريخية عميقة  لمرونة الدول القومية الأوروبية European nation-states والعاطفة تجاه اوروبا المتجاوزة للقوميات transnational Europe.

البدائل الحقيقية للعقد أو العقدين القادمين هي إما توسيع وتوحيد اوروبا، ومتابعة هدف توحيد القارة – بالرغم من كونها مترددة ومتقطعة؛ أو أوروبا مشلولة، والطريق امامها مسدود، لا تتحرك كثيراً إلى ما هو أبعد من وضعها الحالي من التكامل والمجال الجغرافي، مع بقاء وسط اوروبا منطقة غير محددة الهوية جيوسياسياً؛ أو كنتيجة لهذا الطريق المسدود والشلل، تصبح اوروبا مستمرة في التفتت، وتواصل تنافساتها القديمة على السلطة. وفي حالة اوروبا المشلولة، فمن المحتم غالباً أن تعريف المانيا لنفسها مع اوروبا سيضعف، مما سيحض على تعريف أكثر قومية لمصلحة الدولة الالمانية. بالنسبة لأمريكا، الخيار الاول هو الافضل بوضوح، ولكنه اختياراً يتطلب تنشيط الدعم الامريكي لإنجاحه.

في هذه المرحلة من البناء المتردد لأوروبا، امريكا ليست في حاجة إلى ان تتدخل مباشرة في مناقشات معقدة تتعلق بمواضيع مثل إذا ما كان على الاتحاد الاوروبي ان يصنع قراراته المتعلقة بالسياسة الخارجية بأغلبية الأصوات (الموقف المفضل غالباً من الالمان)؛ وإذا ما كان يجب على البرلمان الاوروبي مباشرة سلطات تشريعية حاسمة وإذا ما كانت المفوضية الاوروبية في بروكسل يجب أن تصبح الآلية التنفيذية الاوروبية فعلياً؛ وإذا ما كان يجب إرخاء الجدول الزمني لتنفيذ اتفاقية الاتحاد الاقتصادي والمالي الاوروبيين؛ وفي النهاية، إذا ما كانت اوروبا يجب أن تكون كونفدرالية عريضة أو كيان متعدد الطبقات multilayered entity، مع قلب داخلي فدرالي federated inner core  وحافة خارجية أكثر تفككاً looser outer rim نوعاً ما.  هذه أمور يتدارسها الاوروبيون فيما بينهم – وأكثر من المحتمل أن التقدم في كل هذه المواضيع لن يكون متساوياً، وسيكون على فترات متقطعة، وسيُدفع به فقط للأمام بمساومات مركبة complex compromises.

لكن مع ذلك من المعقول الافتراض بأن الاتحاد الاقتصادي والمالي سيخرج للوجود عام 2000م.، ربما في البداية ما بين 6 إلى 10 من أعضاء الاتحاد الاوروبي الخمسة عشر الحاليين. ذلك سيسرع من التكامل الاقتصادي لأوروبا إلى ما هو أبعد من البعد المالي، وسيشجع على تكاملها السياسي. وهكذا بنوبات من النشاط مع قلب داخلي أكثر تكاملاً وطبقة خارجية أكثر تفككاً، اوروبا واحدة ستصبح بتزايد لاعب سياسي مهم على رقعة الشطرنج الأوراسية.

على أية حال، لا يجب على أمريكا أن تعطي الانطباع بأنها تفضل منظمة أوروبية أكثر غموضاً حتى لو كانت أوسع، ولكنها يجب أن تكرر بالكلمات والأفعال بأنها راغبة في التعامل في النهاية مع الاتحاد الاوروبي كشريك سياسي وأمني عالمي لأمريكا وليس مجرد سوق مشتركة إقليمية يتكون من دول متحالفة مع الولايات المتحدة من خلال الناتو. لجعل هذا التعهد أكثر مصداقية وبذلك الذهاب الى ما هو أبعد من الكلام عن الشراكة، يمكن اقتراح والبدء في تنفيذ تخطيط مشترك مع الاتحاد الاوروبي فيما يتعلق بآليات جديدة ثنائية لصناعة قرار متجاوزة للاطلسي  bilateral transatlantic decision-making mechanisms.

نفس المبدأ ينطبق على الناتو. الاحتفاظ به حيوي للعلاقة المتجاوزة للأطلسي.  هناك إجماع امريكي-أوروبي مكتسح حول هذا الموضوع. بدون الناتو، ليس فقط ستصبح اوروبا معرضة للخطر ولكنها على الفور ستصبح مفككة سياسياً أيضاً. الناتو يضمن الأمن الاوروبي ويوفر إطار مستقر لمتابعة الوحدة الاوروبية. هذا هو ما يجعل الناتو تاريخياً شديد الحيوية لأوروبا.

لكن، مع توحد اوروبا بتردد، وبالتدريج   يتوجب على البنية الداخلية للناتو وعملياته أن تتعدل. فرنسا لديها ملحوظة حول هذا الموضوع. لا يمكن أن تكون هناك أوروبا موحدة حقيقة مع وجود تحالف يبقى متكاملاً على أساس قوة عظمى زائد 15 قوة تابعة. حينما تبدأ اوروبا في اتخاذ هوية سياسية أصيلة خاصة بها، مع تزايد تولي الاتحاد الاوروبي ببعض وظائف الحكومة الفوق-قومية supranational government، سيكون على الناتو أن يتبدل على أساس معادلة 1+1 (الولايات المتحدة + الاتحاد الاوروبي).

هذا لن يحدث في ليلة ومرة واحدة وينتهي الامر. نكرر مرة أخرى، التقدم في هذا الاتجاه، سيكون متردداً. ولكن هذا التقدم سيكون عليه ان ينعكس في ترتيبات التحالف القائم، خشية أن يكون غياب هذا التعديل نفسه يصبح عائقاً لمزيد من التقدم. خطوة هامة في هذا الاتجاه كانت قرار التحالف عام 1996 م. بإفساح مجال لوحدات دفع المهام المشتركة Combined Joint Task Forces، وبالتالي تصور إمكانية بعض المبادرات العسكرية الاوروبية البحتة المبنية على لوجستيات الحلف علاوة على القيادة والسيطرة والاتصالات والاستخبارات. الاستعداد المتزايد من الولايات المتحدة لاستيعاب المطالب الفرنسية الخاصة بدور متزايد للاتحاد الاوروبي الغربي في الناتو، خاصة فيما يتعلق بالقيادة وصناعة القرار وسوف ينال دعماً أصلياً أمريكيا أكبر للوحدة الاوروبية وسيساعد على تضييق الثغرة بين أمريكا وفرنسا نوعاً ما فيما يتعلق بتعريف أوروبا الذاتي النهائي.

على المدى البعيد، من الممكن أن يحتضن اتحاد أوروبا الغربية[2] WEU  بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الاوروبي EU، التي لأسباب جيوسياسية أو تاريخية متنوعة قد لا تسعى إلى عضوية الناتو. قد تدخل في تلك الدول، دول مثل فنلندا أو السويد أو ربما حتى النمسا، والتي حصلت كلها على وضع مراقب في اتحاد أوروبا الغربية[3]. دول أخرى قد تسعى أيضاً الى علاقة باتحاد أوروبا الغربية كبداية لعضوية نهائية في الناتو. قد يختار أيضاً اتحاد اوروبا الغربية في وقت ما منافسة عضوية الناتو لبرنامج السلام فيما يتعلق بالدول المرشحة لعضوية الاتحاد الاوروبي.  كل ذلك سيساعد على غزل شبكة أوسع للتعاون الأمني في أوروبا، تذهب الى ما هو أبعد من المجال الرسمي للتحالف العابر للأطلسي transatlantic alliance.

في نفس الوقت، حتى تخرج للوجود أوروبا أوسع وأكثر وحدة – وذلك حتى تحت أحسن الظروف لن يكون قريباً- سيكون على الولايات المتحدة أن تعمل عن قرب مع كل من فرنسا وألمانيا من أجل مساعدة أوروبا هذه على الخروج. وهكذا، بالنسبة لفرنسا، المعضلة السياسية المركزية لأمريكا ستستمر في أن تكون في كيفية استدراج فرنسا في تكامل عسكري وسياسي أطلسي أوثق بدون تعريض العلاقة الامريكية-ألمانية للخطر، وبالنسبة لألمانيا، ستكون كيفية استغلال اعتماد امريكا على قيادة ألمانيا في أوروبا أطلسية Atlanticist Europe  بدون إحداث قلق في فرنسا وبريطانيا وكذلك في دول أوروبية أخرى.

إظهار المزيد من المرونة الأمريكية في شكل الحلف المستقبلي سيكون مفيداً في حشد دعم فرنسي نهائي أكبر لتوسيع الحلف جهة الشرق. على المدى الطويل، منطقة للناتو من الأمن العسكري المتكامل على كلا جانبي ألمانيا سيثبت ألمانيا بشكل أكثر رسوخاً في إطار متعدد، وذلك سيكون مسألة لها نتائج مهمة بالنسبة لفرنسا. كما أن، توسع الحلف سيزيد من احتمال تحول مثلث ويمار (ألمانيا وفرنسا وبولندا) إلى وسيلة خفية لموازنة القيادة الألمانية في أوروبا نوعاً ما. بالرغم أن بولندا تعتمد على دعم ألمانيا لاكتساب الدخول في الحلف (وتستاء من التردد الفرنسي الحالي قيما يتعلق بهذا التوسع)، إلا أنها أول ما تصبح في داخل الحلف فمن المرجح بروز منظور جيوسياسي فرنسي-بولندي مشترك.

على أية حال، لا يجب أن يغيب عن نظر واشنطن حقيقة أن فرنسا هي مجرد خصم قصير المدي في شؤون تتعلق بهوية أوروبا أو للعمل الداخلي للناتو. ما هو أكثر أهمية هو أنها يجب أن تضع في ذهنها حقيقة أن فرنسا شريك أساسي في المهمة الهامة التي تتعلق بتثبيت ألمانيا ديمقراطية في أوروبا. الدور التاريخي للعلاقة الفرنسية – المانية، وتوسيع كل من الاتحاد الاوروبي والناتو جهة المشرق يجب ان يحسنا من أهمية تلك العلاقة بصفتها القلب الداخلي لأوروبا. في النهاية فرنسا ليست قوية بما يكفي سواء لإعاقة أمريكا في الأساسيات الجيوستراتيجية لسياسة اوروبا الامريكية أو لأن تصبح هي نفسها قائدة لأوروبا.  ومن هنا يمكن تحمل خصوصياتها ونوبات غضبها.

من المناسب ايضاً أن ننتبه إلى أن فرنسا تلعب دوراً بناءاً في شمال أفريقيا وفي بلدان أفريقيا الفرانكوفونية. فهي الشريك الاساسي للمغرب وتونس، وتمارس أيضاً دوراً في استقرار الجزائر. هناك سبب محلي جيد لهذا التدخل الفرنسي: هناك 5 مليون مسلم يقيمون الآن في فرنسا. وهكذا فرنسا لها نصيب حيوي في الاستقرار والنمو المنتظم vital stake in the stability and orderly development لشمال أفريقيا. ولكن هذه المصلحة ذات منفعة أوسع في أمن أوروبا. بدون الحس الفرنسي بالمهمة sense of mission، الجناح الجنوبي لأوروبا سيكون أكثر زعزعة ومثير للتهديدات. كل جنوب أوروبا أصبح متزايد القلق من التهديد الاجتماعي-سياسي الناتج من عدم الاستقرار على طول الساحل الجنوبي للبحر المتوسط. قلق فرنسا الشديد مما يحدث عبر البحر المتوسط وثيق الصلة تماماً بالمخاوف الأمنية للناتو، وهذا الاعتبار يجب أن يؤخذ في الحسبان عندما تتعامل أمريكا أحياناً مع مطالب فرنسا المبالغ فيها بوضع قيادي خاص.

ألمانيا موضوع آخر. الدور المهيمن لألمانيا لا يمكن إنكاره، ولكن يجب ممارسة الحذر من أي موافقات عامة على الدور القيادي الالماني في أوروبا. هذه القيادة قد تكون ملائمة لبعض الدول الاوروبية – مثل تلك التي في وسط أوروبا التي تقدر المبادرة الالمانية لصالح التوسع الاوروبي جهة الشرق- ويمكن للدول الاوروبية الغربية تحملها طالما أنها مصنفة تحت الصدارة الامريكية، ولكن على المدى البعيد، لا يمكن أن يقوم عليها بناء أوروبا. مازالت هناك ذكريات كثيرة؛ مازالت هناك مخاوف كثيرة من المحتمل أن تطفو على السطح. اوروبا مبنية بمعرفة برلين وتحت قيادتها ليست قابلة للتطبيق ببساطة. لهذا السبب تحتاج ألمانيا إلى فرنسا، وتحتاج اوروبا الى العلاقة الفرنسية – المانية، وامريكا لا يمكن أن تختار بين ألمانيا وفرنسا.

النقطة الأساسية المتعلقة بتوسيع الناتو هي أنه عملية ترتبط عضوياً بتوسع أوروبا. لو كان الاتحاد الاوروبي سيصبح مجتمع أكبر جغرافياً – مع قلب قيادي فرنسي الماني أكثر تكاملاً more-integrated Franco-German leading core  وطبقات خارجية أقل تكاملاً less-integrated outer layers – ولو كانت أوروبا هذه عليها أن تؤسس أمنها على تحالف مستمر مع أمريكا، فسيستتبع ذلك أن قطاعها الجيوسياسي الأكثر تعرضاً للخطر، وهو وسط أوروبا لا يمكن استثنائه ظاهرياً من مشاركة الاحساس بالأمن الذي تتمتع به بقية أوروبا من خلال الحلف المتجاوز للأطلسي transatlantic alliance. أمريكا وألمانيا تتفقان على ذلك. بالنسبة لهما الدافع على التوسيع الأوروبي سياسي وتاريخي وبناء. ليس مدفوعاً بالعداء ولا الخوف من روسيا، ولا بالرغبة في عزلها.

من هنا، يجب أن تعمل أمريكا عن قرب بشكل خاص مع ألمانيا على تطوير توسيع أوروبا ناحية المشرق. التعاون الأمريكي-ألماني والقيادة المشتركة المتعلقة بهذا الموضوع ضروريتين. التوسيع سيحدث لو أن الولايات المتحدة وألمانيا اشتركتا في تشجيع حلفاء الناتو الآخرين على المصادقة على الخطوة وإما التفاوض بفاعلية على بعض التوافق مع روسيا، لو كانت راغبة في التسوية ، أو العمل بشكل جازم بالقناعة الصحيحة بأن مهمة بناء أوروبا لا يمكن إخضاعها لاحتجاجات روسيا.  الضغط الامريكي-ألماني المشترك سيكون مطلوباً بشكل خاص للحصول على القبول الإجماعي المطلوب required unanimous agreement  من كل أعضاء الناتو، ولكن ولا عضو في الناتو سيستطيع إنكاره لو اشتركت امريكا وألمانيا في الضغط من أجله.

في نهاية المطاف دور أمريكا على المدى الطويل في أوروبا على المحك في هذا المسعى. أوروبا جديدة مازالت تتشكل، ولو أن أوروبا الجديدة هذه عليها أن تبقى جيوسياسياً جزءاً من الحيز الاوروبي-أطلسي “Euro-Atlantic” space، فإن توسيع الناتو ضروري. فعلياً سياسة أمريكية شاملة لأوراسيا كلها لن تكون ممكنة لو أن المسعى لتوسيع الناتو الذي تطلقه الولايات المتحدة توقف وتداعى. الفشل سوف يضر بالقيادة الامريكية؛ سوف يكسر مفهوم اوروبا متوسعة؛ وسوف يضعف معنويات دول وسط اوروبا؛ ومن الممكن ان يعيد إشعال الطموحات الجيوسياسية الروسية النائمة أو الميتة الآن في وسط اوروبا. بالنسبة للغرب، سيكون جرحاً ذاتياً سيدمر بشكل مميت التوقعات بدعامة اوروبية حقيقية في أي بناء أمني أوراسي نهائي؛ وبالنسبة لأمريكا فلن يكون فقط هزيمة محلية ولكن هزيمة عالمية أيضاً.

الخط الأدنى bottom line  الموجه للتوسع التدريجي لأوروبا يجب أن يكون الافتراض  بأن لا قوة خارج النظام القائم المتجاوز للأطلسي لها الحق بأن تصوت ضد مشاركة أي دولة أوروبية مؤهلة في النظام الأوروبي – وبالتالي أيضاً في نظامها الامني المتجاوز للأطلسي- ولا يجب استثناء أي دولة اوروبية مؤهلة بداهة من العضوية النهائية في الاتحاد الاوروبي او الناتو . خاصة دول البلطيق المتزايدة التأهل والمعرضة بشدة للخطر يجب أن تعلم أنها هي أيضاً في النهاية يمكن أن تصبح عضو كامل العضوية في كلتا المنظمتين – وأن سيادتها في نفس الوقت، لا يمكن أن تُهدد بدون الاشتراك في مصالح أوروبا موسعة وشريكتها الولايات المتحدة.

في الأساس، الغرب – خاصة أمريكا وحلفائها الاوروبيين الغربيين – يجب أن يقدموا إجابة للسؤال الموضوع ببلاغة من فاكلاف هافل[4] Vaclav Havel في آخن في 15 مايو 1996م.:

“أعلم أن لا الاتحاد الاوروبي ولا حلف شمال الأطلسي يمكنهم أن يفتحا أبوابهما بين عشية وضحاها لكل الذين يطمحون في الانضمام إليهما. ما يجب عليهما بكل تأكيد عمله – وما يجب أن يقوما به قبل فوات الأوان – هو منح أوروبا كلها، المُعتبرة دائرة من القيم المشتركة، التأكيد الواضح بأنهما ليسا نوادي مغلقة. يجب أن يصوغا سياسة واضحة ومفصلة للتوسيع التدريجي لا تحتوي فقط جدول زمني ولكن تفسر أيضاً المنطق وراء هذا الجدول الزمني.”

[1] https://en.wikipedia.org/wiki/Wolfgang_Sch%C3%A4uble

[2] https://en.wikipedia.org/wiki/Western_European_Union

[3]. It is noteworthy that influential voices both in Finland and in Sweden have began to discuss the possibility of association with NATO. In May 1996, the commander of the Finnish Defense Forces was reported by the Swedish media to have raised the possibility of some NATO deployments on Nordic soil, and in August 1996, the Swedish Parliament’s Defense Committee, in an action symptomatic of a gradual drift toward closer security cooperation with NATO, recommended that Sweden join the Western European Armaments Group (WEAG) to which only NATO members belong.

[4] https://en.wikipedia.org/wiki/V%C3%A1clav_Havel

الإعلانات

اترك رد