9-01: رقعة الشطرنج الكبيرة- الفصل الاول-2

رقعة الشطرنج الكبيرة THE GRAND CHESSROARD

الفصل الأول : هيمنة من نوع جديد  Hegemony of a New Type

القوة العالمية الشاملة الأولى  The First Global Power

القوة العالمية الشاملة الأولى 

إنهيار منافسها ترك الولايات المتحدة في موقف فريد. فقد أصبحت في وقت واحد القوة الأولى والوحيدة العالمية بحق. ولكن صدارة أمريكا العالمية الشاملة تذكر بطرق ما بالامبراطوريات القديمة، بالرغم من مجالات تلك الإمبراطوريات الإقليمي الأكثر حصراً. هذه الامبراطوريات أسست سلطتها على هيكلية من الدويلات التابعة vassals، والخاضعة tributaries، والمحميات protectorates  والمستعمرات colonies، مع إعتبار الخارجين عن فلكها برابرة[1] barbarians. هذه المصطلحات التي عفا عليها الزمن لا يمكن إعتبارها غير مناسبة تماماً لبعض الدول التي تدور الآن في الفلك الأمريكي. كما في الماضي، ممارسة السلطة الإمبريالية الأمريكية يُستمد بدرجة كبيرة من:

  • تنظيم متفوق superior organization،
  • ومن القدرة على تعبئة وتحريك موارد إقتصادية وتكنولوجية هائلة بحزم وسرعة من أجل غايات عسكرية

the ability  to mobilize vast economic and technological resources promptly for military purposes .

  • ومن الجاذبية الثقافية لطريقة الحياة الأمريكية المبهمة ولكن مهمة

the vague but significant cultural appeal of the American way of life .

  • ومن الديناميكية البحتة والقدرة التنافسية المتأصلة للنخب السياسية والإجتماعية الأمريكية

the sheer dynamism and inherent competitiveness of the American social and political elites.

الإمبراطوريات القديمة تقاسمت أيضاً تلك السمات. إمبراطورية روما قامت خلال قرنين ونصف من خلال الحفاظ على توسع أرضي جهة الشمال ثم الغرب والجنوب ومن خلال التأكيد على التحكم البحري الفعال على سواحل البحر المتوسط بالكامل. وبلغت روما أعلى نقطة في مجالها الجغرافي حوالي عام 211 م. روما كانت كياناً سياسياً مركزياً وإقتصاد واحد مكتفي ذاتياً. سلطتها الإمبريالية كانت تُمارس بإحكام وقصد من خلال منظومة مركبة من التنظيمات السياسية والاقتصادية. ومنظومة مصممة إستراتيجياً من الطرق البحرية والبرية تنطلق  من العاصمة، أتاحت إعادة النشر rapid redeployment  والتركيز[2] concentration – في حالة التهديدات الأمنية الكبرى – للفيالق الرومانية المتمركزة في الدويلات التابعة المختلفة[3].

الامبراطورية الرومانية في ذروتها، كانت الفيالق الرومانية المنشورة في الخارج عددها لا يقل عن ثلثمائة ألف جندي – قوة بارزة، جُعلت أكثر فتكاً بالتفوق الروماني في التكتيكات والتسليح وأيضاً بقدرة المركز على توجيه إعادة الإنتشار السريع نسبياً. (من اللافت للنظر أن في عام 1996، أمريكا القوة العظمى الأكثر سكاناً بدرجة كبيرة، تحمي المراكز الخارجية لهيمنتها بتمركز 296000 جندي محترف وراء البحار.)

the roman empire

Figure 2: الإمبراطورية الرومانية في ذروتها

القوة الامبريالية الرومانية كانت تُستمد أيضاً من واقع سيكولوجي مهم. “أنا مواطن روماني” “Civis Romanus sum” كان ذلك هو أعلى وصف ذاتي ممكن، ومصدر للفخر، ومطمح للكثيرين. ومُنح في النهاية حتى للذين لم يولدوا رومانيين، الوضع الممجد للمواطن الروماني كان تعبيراً عن العلو الثقافي الذي كان يبرر حس السلطة الإمبريالية بالمهمة أو بالرسالة. لم يشرعن ذلك الحكم الروماني فقط ولكن جذب الخاضعين لها إلى الرغبة في الإندماج في البنية الإمبريالية. وهكذا التفوق الثقافي المفروغ منه من قبل الحكام والمعترف به من قبل المُخضعين، قوى وعزز القوة الإمبراطورية.

هذه القوة الامبريالية التي لا منازع لها استمرت ثلاثمائة سنة. بإستثناء التحدي المفروض في مرحلة ما من قرطاج المجاورة وعلى الحدود الشرقية من الامبراطورية البارثية، العالم الخارجي كان بدرجة كبيرة بربرياً، وأدنى ثقافياً، غير منظم جيداً، كل ما كان يقدر عليه  في غالبية الوقت هو شن هجمات مشتتة. وطالما كانت الامبراطورية قادرة على الحفاظ على حيويتها ووحدتها الداخلية كان العالم الخارحي غير قادر على منافستها.

ثلاث أسباب كبرى أدت إلى الانهيار النهائي للامبراطورية الرومانية. الاول: الامبراطورية اصبحت شديدة الاتساع بحيث تعسر حكمها من مركز واحد . ولكن تفكيكها الى نصفين غربي وشرقي دمر السمة الاحتكارية لسلطتها. السبب الثاني: الفترة الممتدة للكبرياء الامبريالي ولدت ثقافة حب المتعة اسنزفت تدريجياً رغبة النخبة السياسية في العظمة. السبب الثالث: التضخم المستمر قوض قدرة النظام على الحفاظ على نفسه بدون تضحية إجتماعية، لم يعد المواطنون مستعدين لتقديمها. التحلل الثقافي، الانقسام السياسي، والتضخم المالي تآمروا لجعل روما معرضة للطعن حتى من البرابرة[4] على حدودها القريبة.

بالمعايير المعاصرة، روما لم تكن قوة عالمية حقيقية ولكن قوة إقليمية. ولكن نظراً للشعور بالعزلة السائد في ذلك العصر بين قارات العالم المختلفة، فإن قوتها الإقليمية كانت مكتفية ذاتياً ومعزولة، مع عدم وجود منافس مباشر أو حتى بعيد. الإمبراطورية الرومانية كانت هكذا عالم قائم بذاته مع تنظيمها السياسي المتفوق وتفوقها الثقافي الذين يجعلانها رائدة للأنظمة الإمبراطورية اللاحقة و حتى  للإمبراطوريات ذات المجال أو المدى الجغرافي الأوسع منها.

وحتى مع ذلك، الإمبراطورية الرومانية لم تكن فريدة. الامبراطوريتان الرومانية والصينية ظهرنا تقريباً في وقت واحد، بالرغم أن كل منهما لم تكن على دراية بالأخرى. في عام 221 ق.م. (في زمن الحروب البونيقية Punic Wars  بين روما وقرطاج)، حث توحيد تشين  Chin للدول السبعة القائمة في أول إمبراطورية صينية على إنشاء السور العظيم في شمال الصين، لحماية المملكة الداخلية من العالم البربري وراء السور. إمبراطورية هان Han  التالية، التي بدأت في الظهور عام 140 ق.م. كانت أكثر إثارة للإعجاب في مدى إتساعها وتنظيمها. في مطلع الحقبة المسيحية ما لا يقل عن 57 مليون نسمة كانوا خاضعين لسلطان الامبراطورية الصينية في عهد أسرة هان. هذا العدد الهائل، الغير مسبوق في حد ذاته، يشهد على سيطرة مركزية فعالة بشكل مدهش، كانت تُمارس من خلال بيروقراطية عقابية  punitive bureaucracy. النفوذ الامبراطوري إمتد الى كوريا اليوم، وأجزاء من منغوليا وغالبية الصين الساحلية اليوم. ولكن مثل روما إمبراطورية هان أُصيبت بأمراض داخلية، وإنهيارها النهائي عُجل بإنقسامها عام 220 م. إلى ثلاثة ممالك مستقلة.

تاريخ الصين تضمن دورات من إعادة التوحيد والتوسع متبوعة بتحلل وتفكك. أكثر من مرة تنجح الصين في إقامة أنظمة إمبريالية مكتفية ذاتياً ومعزولة، و دون منازع خارجي من أي منافس منظم. التقسيم إلى ثلاثة أجزاء لمملكة هان إنعكس عام 589م.،  مع عودة ظهور شيء أقرب من نظام إمبريالي. ولكن فترة أكبر توكيد ذاتي إمبريالي للصين جاءت في عهد المانشو Manchus، خاصة خلال الحكم المبكر لاسرة تشينج  Ching. في القرن الثامن عشر، كانت الصين مرة أخرى إمبراطورية كاملة والمركز الامبراطوري محاط بدول تابعة، منها ما هو معروف اليوم في كوريا  والهند الصينية وتايلاند وبورما ونيبال. وهكذا امتد حكم الصين من الشرق الاقصى الروسي عبر جنوب سيبيريا الى بحيرة بايكال Baikal  وقازاخستان Kazakstan المعاصرة، ثم جنوباً تجاه المحيط الهندي ثم عودة الى الشرق عبر لاوس Laos  وفيتنام الشمالية.

the manchu empire

Figure 3: إمبراطورية مانشو في ذروتها

 مثل حالة الإمبراطورية الرومانية، الامبراطورية الصينية كانت تركيبة من منظومات  مالية وإقتصادية وتعليمية وأمنية. التحكم في الاراضي الواسعة والسكان الذين يزيد عددهم عن 300 مليون كان يُمارس بكل تلك الوسائل، مع تأكيد مشدد على السلطة السياسية المركزية، المدعمة بجهاز مراسلات فعال. الامبراطورية كانت مقسمة إلى أربعة مناطق تنطلق من بكين. البيروقراطية المركزية المدربة بإحتراف والمختارة جيداً أوجدت عصب الوحدة  sinews of unity.

هذه الوحدة دُعمت reinforced وشُرعنت legitimated وحوفظ عليها sustained – مثل حالة روما – بإحساس قوي وعميق بالتفوق الثقافي زادت الكونفوشية Confucianism منه وهي فلسفة إمبريالية مناسبة بتشديدها على التناسق harmony والمراتبية الهيكلية  hierarchy والسلوك  discipline. الصين – الإمبراطورية السماوية – كانت تُرى على أنها مركز الكون، البرابرة فقط على حدودها ووراء حدودها. أن تكون صينياً فهذا يعني أن تكون مثقفاً ولهذا السبب، يدين باقي العالم للصين بالإذعان الواجب. هذا الشعور الخاص بالتفوق تخلل رد الامبراطور الصيني – حتى في مرحلة الانحدار المتزايد للصين في أواخر القرن الثامن عشر- للملك جورج الثالث، الذي حاول مبعوثوه إغراء الصين في علاقة تجارية بعرض بعض المنتجات البريطانية كهدايا تعبر عن حسن النية:

“نحن الامبراطور بنعمة السماء، نأمر ملك إنجلترا بالإحاطة علماً بتكليفنا:

الإمبراطورية السماوية، الحاكمة لكل شيء داخل البحار الأربعة… لا قيمة عندنا للأشياء النادرة والثمينة… ولا لنا أدنى حاجة لصناعات بلادك…

ولهذا… أمرنا مبعوثينك بالتحية بالعودة الى الوطن بأمان. أنت أيها الملك يجب  أن تتصرف طبقاً لإرادتنا بتقوية ولاءك و القسم بالطاعة الدائمة. “

إنحدار وسقوط عدد من الإمبراطوريات الصينية كانت ناتجاً أيضاً في الأساس بسبب عوامل داخلية. المغول والبرابرة الغربيين اللاحقين تغلبوا لأن الإجهاد الداخلي والتحلل واتباع المتع الشخصية، وفقدان الابداع العسكري والإقتصادي إستنزف ثم عجل بإنهيار الإرادة الصينية. القوى الخارجية إستغلت التوعك الصيني الداخلي – بريطانيا في حرب الأفيون  1839-1842م.، اليابان بعد ذلك بقرن – وهو ما ولد شعور عميق بالإذلال الثقافي حفز الصينيون خلال القرن العشرين، إذلال زاد من حدته الصدام بين شعور متأصل بالتفوق الثقافي و  الوقائع السياسية المهينة في الصين الما بعد إمبريالية  postimperial.

كما في حالة روما، الصين الإمبريالية تُصنف اليوم بأنها قوة إقليمية. ولكن في ذروتها، لم يكن للصين ند عالمي، بمعنى أنه لم تكن هناك قوة أخرى قادرة على تحدي وضعها الامبراطوري أو حتى مقاومة توسعها لو كان هذا هو الرغبة الصينية. النظام الصيني كان مكتفياً ذاتياً ومستمر ذاتياً، قائم أساساً على هوية إثنية مشتركة، مع فرض محدود نسبياً للسلطة المركزية على الأغراب إثنياً والأتباع على التخوم الجغرافية.

النواة الإثنية core  المهيمنة الكبيرة جعل من الممكن للصين تحقيق إستعادة إمبريالية دورية. في هذا الصدد، الصين لم تكن مثل الإمبراطوريات الأخرى، والتي كان فيها مجموعة أو نواة من عدد صغير نسبياً من الناس المحفزين بالهيمنة hegemonically motivated  قادرة لبعض الوقت على فرض والمحافظة على الهيمنة على سكان أغراب إثنياً  وأكثر عدداً. لكن عندما يتم تقويض هيمنة هذه النواة الصغيرة، فإن الإستعادة الإمبراطورية  تكون غير واردة.

للعثور على تشابه قريب نوعاً ما لتعريف اليوم الخاص بالقوة العالمية الشاملة global power، يجب ان نعود الى ظاهرة الامبراطورية المغولية اللافتة للنظر. بروزها تحقق من خلال كفاح شديد مع خصوم كبار جيدي التنظيم. من بين هؤلاء المهزومين ممالك بولندا والمجر، وقوات الامبراطورية الرومانية المقدسة، وعدد من الامارات الروسية، خلافة بغداد وأسرة سونغ Sung  في الصين.

 Genghis Khan and his successors, by defeating their regional rivals, established over the territory that latter-day scholars of geopolitics have identified as the, or the for world power. Their empire ranged from  the shores of the China Sea to Anatolia in Asia Minor and to Central Europe (see map). It was not until the heyday of the that the Mongol Empire on the Eurasian continent was finally matched, insofar as the scope of is concerned.

جنكيز خان وخلفاؤه، بهزيمتهم لمنافسيهم الإقليميين، أقاموا سيطرة مركزية centralized control على الارض التي عرفها العلماء الجيوسياسيين في الايام المؤخرة بانها قلب ارض العالم global heartland، أو مفصل pivot  القوة العالمية. إمبراطوريتهم القارية الاوراسية Eurasian continental  إمتدت من سواحل بحر الصين إلى الأناضول في آسيا الصغرى وإلى وسط أوروبا. عندما يتعلق الأمر بنطاق السيطرة المركزية على اراضي متجاورة centralized control over contiguous territory فلم يتم مضاهاة ما بلغته الامبراطورية المغولية على القارة الاوراسية إلا في ذروة الكتلة الستالينية الصينية سوفيتيىة Stalinist Sino-Soviet bloc.

mongol empire

Figure 4: مدى الإتساع التقريبي لسيطرة الإمبراطورية المغولية عام 1280م.

الامبراطوريات الرومانية والصينية والمغولية هي نماذج طليعيةprecursors  إقليمية لطامحين لاحقين إلى السلطة العالمية. في حالة روما والصين، فإن بنيتهم الامبراطورية كانت عالية التطور، سياسياً وإقتصاديا، بينما لعب القبول الواسع للتفوق الثقافي للمركز دور لاحم cementing role هام. على العكس، حافظت الامبراطورية المغولية على التحكم السياسي بالاعتماد بشكل أكثر مباشرة على الغزو العسكري المتبوع بالتكييف adaptation أو حتى الإندماج assimilation مع الظروف المحلية[5].

القوة الامبرايلية المغولية كانت تقوم بدرجة كبيرة على الهيمنة العسكرية. المتحققة من خلال التطبيق الوحشي البراق لتكتيكات عسكرية متفوقة تدمج بين القدرة البارزة على التحريك السريع للقوات مع تركيزها في الوقت المناسب، الحكم المغولي لم يكن يستوجب نظاماً إقتصادياً أو مالياً منظماً، ولم تكن السلطة المغولية تُستمد من أي حس جازم بالتفوق الثقافي. الحكام المغول كان عددهم شديد الضآلة ليقدموا طبقة حاكمة ذاتية التوليد، وعلى أية حال فإن غياب إحساس ذاتي الوعي self-conscious sense  ومحدد بالتفوق الثقافي أو الإثني حرم النخبة الامبراطورية من الثقة الذاتية subjective confidence المطلوبة.

في الواقع، الحكام المغول أثبتوا أنهم سريعي التأثر للإندماج التدريجي من الشعوب التي تغلبوا عليها والأكثر تقدماً ثقافياً منهم عادة . وهكذا، واحد من أحفاد جنكيز خان الذي أصبح إمبراطوراً للجزء الصيني من مملكة الخان العظيم، أصبح مروج متحمس للكونفوشية؛ وآخر أصبح مسلماً ورعاً بصفته سلطان فارس؛ وثالث أصبح الحاكم الفارسي ثقافياً لوسط آسيا.

كان هذا العامل السابق – إدماج الحكام من المحكومين بسبب غياب الثقافة السياسية المهيمنة – بالإضافة إلى  المشاكل الغير محلولة لخلافة الخان الكبير الذي أسس الامبرطورية، هي التي تسببت في زوال الامبراطورية في نهاية المطاف. المملكة المغولية أصبحت شديدة الإتساع على أن تُحكم من مركز واحد، ولكن الحل الذي تم محاولة الوصول إليه – تقسيم الإمبراطورية إلى عدة أجزاء مكتفية ذاتياً – حث على إندماج محلي أكثر سرعة وعجل بالتفكك الإمبراطوري. وهطذا بعد أن استمرت لقرنين من 1206 إلى 1405م.، إختفت أكبر إمبراطورية أرضية في العالم بدون ان تترك أي أثر.

بعد ذلك أصبحت أوروبا موضع القوة العالمية ومركز الصراعات الكبرى على السلطة العالمية global power في وقت واحد. في خلال ما يقرب من ثلاثة قرون، التخوم periphery  الشمالية الغربية الصغيرة للقارة الاوراسية حققت – من خلال القوة البحرية ولأول مرة في التاريخ – هيمنة حقيقية عالمية مع بلوغ القوة الأوروبية كل قارة في العالم وتأكيد تفسها بها. من الجدير بالذكر أن المهيمنون الامبرياليون الاوروبيون كان عددهم ليس بكبير خاصة عند مقارنتهم بالاعداد الخاضعة لهم فعلياً . ولكن مع بداية القرن العشرين كانت الصين وروسيا والامبراطورية العثمانية وإثيوبيا فقط بعيدين عن الهيمنة الاوروبية الغربية، بالرغم أنهما كانا منذ قرنين قبل ذلك خاضعين أيضاً للسيطرة الأوروبية الغربية وكانوا تحت سيطرة المهاجرين الأوروبيين وسلالاتهم .

european global supremacy

Figure 5: الصدارة الأوروبية العالمية عام 1900م.

  • تفوق بحري بريطاني
  • سيطرة سياسية أوروبية
  • نفوذ ثقافي أوروبي

ولكن الهيمنة الاوروبية الغربية لم تكن متساوية tantamount  مع الحد الذي بلغته القوة الغربية عالمياً. الواقع شهد تفوقاً حضارياً أوروبياً عالمياً و تجزؤ القوة القارية الاوروبية. على عكس غزو أرض القلب الاوراسي Eurasian heartland  من المغول أو الامبراطورية الروسية اللاحقة، الامبريالية الأوروبية العابرة للبحار تحققت من خلال إكتشافات لانهاية لها وتوسيع التجارة البحرية. لكن هذه العملية تضمنت صراعاً مستمراً بين الدول الأوروبية القيادية ليس فقط على الهيمنة وراء البحار ولكن على الهيمنة داخل أوروبا نفسها.  الواقع الجيوسياسي المترتب على ذلك هو أن الهيمنة العالمية الاوروبية لم تُستمد من هيمنة أي قوة أوروبية منفردة على أوروبا.

بشكل عام حتى منتصف القرن السابع عشر، أسبانيا كانت القوة الاوروبية العليا. في اواخر القرن الخامس عشر، برزت ايضاً كقوة امبريالية كبرى وراء البحار تحمل طموحاً عالمياً. الدين عمل كعقيدة موحدة وكمصدر للحماس التبشيري الامبريالي. فعلياً إستغرق الامر تحكيم باباوي بين أسبانيا ومنافسها البحري، البرتغال لتقنين تقسيم رسمي للعالم الى مجالين إستعماريين أسباني وبرتغالي في معاهدات توردسيلا Tordesilla  (1494م.) وساراغوسا Saragossa  (1529م.). مع ذلك، أسبانيا المواجهة بتحديات من الإنجليز والفرنسيين والهولنديين لم تتمكن أبداً من   تأكيد صدارة حقيقية سواء في أوروبا الغربية نفسها أو عبر المحيطات.

الصدارة الأسبانية أخلت الطريق بالتدريج لصدارة فرنسا. حتى عام 1815م.، كانت فرنسا القوة الاوروبية المهيمنة، بالرغم أنها كانت دائماً تُضبط من قبل منافسيها الاوروبيين، سواء في القارة أو عبر البحار. في عهد نابوليون، إقتربت فرنسا من إقامة هيمنة حقيقية على أوروبا. في حال نجاحها، كانت ستكتسب أيضاً وضع القوة العالمية المهيمنة. لكن هزيمتها من تحالف أوروبي أعاد تحقيق توازن القوى القاري.

british paramountcy

Figure 6: الصدارة البريطانية 1860 – 1914م.

  • بريطانية تسيطر على نقاط التحكم بالمحيطات
  • الصدارة البريطانية البحرية
  • الأراضي التي تسيطر عليها بريطانيا

 في القرن التالي، حتى الحرب العالمية الأولى، مارست بريطانيا العظمى هيمنة بحرية عالمية مع تحول بريطاتيا الى مركز التجارة والتمويل الرئيسي في العالم والبحرية البريطانية حكمت الأمواج. بريطانيا العظمى كانت هي العليا على البحار، ولكن مثل الطامحين الاوروبيين الاوائل في الهيمنة العالمية، الامبراطورية البريطانية لم تتمكن من الهيمنة وحدها على أوروبا. ولكن إعتمدت على دبلوماسية توازن قوى معقد وفي النهاية على توافق إنجليزي فرنسي لمنع روسيا أو ألمانيا من الهيمنة على القارة.

الامبراطورية البريطانية عبر البحار تحققت في البداية من خلال الجمع بين الاسكتشاف exploration والتجارة trade والغزو  conquest. ولكنها مثل سابقيها من الرومان والصينيين أو منافسيها من الفرنسيين والأسبان إستمدت أيضاً قدراً كبيراً من قوتها من الإدراك بالتفوق الثقافي البريطاني. هذا التفوق لم يكن فقط خيلاء ذاتي من جانب الطبقة الحاكمة الإمبريالية ولكنه كان منظوراً متقاسماً بين كثير من العناصر الغير بريطانية. التفوق الثقافي الذي تم تأكيده بنجاح والخضوع له تماماً كان له تأثير في تخفيض الحاجة إلى الإعتماد على عدد كبير من القوات العسكرية للحفاظ على سلطة المركز الامبريالي. في عام 1914 م. سيطر عدة آلاف من أفراد القوات العسكرية البريطانية والعاملون المدنيون على حوالي 11 مليون ميل مربع وشعوب غير بريطانية يُقدر عددها بحوالي 400 مليون فرد.

باختصار مارست روما سطوتها بدرجة كبيرة من خلال تنظيمها العسكري المتفوق وجاذبيتها الثقافية. الصين اعتمدت بشدة على بيروقراطية عالية الكفاءة لحكم امبراطورية قائمة على هوية إثنية مشتركة، ومدعمة لسيطرتها من حلال إحساس متنامي بقوة بالتفوق الثقافي. الامبراطورية المغولية جمعت بين التكتيكات العسكرية المتطورة للاجتياح مع الميل الى الاندماج كأساس للحكم. البريطانيون (والاسبانيون والهولنديون والفرنسيون) اكتسبوا التفوق مع تتبع راياتهم للتجارة، سيطرتهم أيضاً دُعمت بالتنظيم العسكري المتفوق وبالتأكيد الثقافي. ولكن ولا واحدة من تلك الامبراطوريات كانت عالمية بالفعل. حتى بريطانيا العظمى لم تكن قوة عالمية حقيقية. لم تكن تسيطر على أوروبا ولكن فقط توازنها. أوروبا مستقرة كانت ضرورية للتفوق الدولي البريطاني، والتدمير الذاتي الاوروبي كان في النهاية علامة على نهاية الصدارة البريطانية.

american global supremacy

Figure 7: التفوق الأمريكي العالمي

  • سيطرة الولابات المتحدة على المحيطات
  • النفوذ السياسي الأمريكي
  • الصدارة الجيوسياسية الأمريكية

في تباين مع الإمبراطوريات السابقة، نطاق ومدى إتساع وانتشار السلطة الامريكية اليوم فريد لا مثيل له في التاريخ. الولايات المتحدة لا تسيطر فقط على كل محيطات وبحار العالم، ولكنها طورت قدرات عسكرية للسيطرة البرمائية على السواحل تمكنها من فرض قوتها على البر بطرق مهمة سياسياً. فيالقها العسكرية جاثمة برسوخ علي أطراف أوراسيا الغربية والشرقية، كما تسيطر أيضاً على الخليج الفارسي. اتباعها يتناثرون في القارة الاوراسية بأكملها.

الديناميكية الاقتصادية الامريكية تقدم الشرط المسبق precondition  الضروري لممارسة الصدارة السلطوية العالمية  global primacy. في البداية بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، وقف الاقتصاد الامريكي بعيداً عن إقتصاد الآخرين، مشكلاً وحده أكثر من 50% من الناتج القومي الاجمالي العالمي. التعاف الاقتصادي لاوروبا الغربية واليابان المتبوع بالظاهرة الاوسع للديناميكية الاقتصادية الأسيوية كان يعني أن نصيب أمريكا في الناتج القومي الاجمالي العالمي سينكمش من مستويات عليا غير متناسبة في فترة ما بعد الحرب. ولكن في فترة ما بعد الحرب الباردة نصيب أمريكا من الناتج القومي الاجمالي العالمي وخاصة مخرجات الصناعة إستقر حول 30% ، وهو الرقم الذي ظل معياراً غالبية هذا القرن، بإستثناء تلك السنوات الإستثنائية التي تبعت الحرب العالمية الثانية مباشرة.

الأكثر أهمية هو أن أمريكا إحتفظت ووسعت من قيادتها للتقدم العلمي المستخدم في الأغراض العسكرية، وبذلك أوجدت مؤسسة عسكرية لا نظير لها تكنولوجياً، الوحيدة القادرة على الإمتداد العالمي الفعال  effective global reach. في نفس الوقت حافظت على إمتيازاتها التنافسية القوية في تكنولوجيات المعلومات الحاسمة إقتصادياً. السيادة الامريكية لقطاعات الغد الاقتصادية المتطورة cutting-edge sectors of tomorrow’s economy  ليس من المحتمل التغلب عليها قريباً، خاصة أن الامريكيون يحتفظون بمسافة متسعة لتميزهم في مجالات الحسم الاقتصادي فوق منافسيهم من الاوروبيين الغربيين واليابانيين.

بالتأكيد روسيا والصين قوتين مستائتين من هذه الهيمنة الأمريكية. في أوائل عام 1996م.، إشتركا في التصريح بالكثير خلال زيارة للرئيس بوريس يلتسن لبكين. كما أنهما يمتلكان ترسانات نووية يمكن أن تهدد مصالح أمريكا الحيوية. ولكن الحقيقة القاسية هي أنهما في الوقت الحاضر ولبعض الوقت في المستقبل، أنه بالرغم من أن بإمكانهما بدء حرب نووية إنتحارية، إلا أن ولا واحدة منهما يمكنها أن تفوز بها. الصين وروسيا يفتقران إلى القدرة على فرض قواتهم على مسافات طويلة من أجل فرض إرادتهم السياسية كما أنهم أقل بكثير تكنولوجياً من أمريكا. وليس لديهما الوسائل للمارسة نفوذاً سياسياً مستمراً على العالم ولن يستطيعوا بلوغ ذلك عاجلاً.

باختصار، أمريكا متصدرة في أربعة ميادين حاسمة للقوة العالمية:

  • في الميدان العسكري، لديها إمتداد عالمية global reach لا نظير لها،
  • في الميدان الاقتصادي مازالت عربة الجر للتنمية العالمية locomotive of global growth، حتى وإن كانت ألمانيا واليابان يتحدونها من بعض الجوانب، إلا أن ولا واحدة منهما تتمتع بالسمات الأخرى اللازمة لإكتساب القوة العالمية الشاملة global might
  • في الميدان التكنولوجي تحتفظ بالقيادة الكلية في المجالات المتطورة للابتكار cutting-edge areas of innovation ،
  • وثقافياً بالرغم من بعض الفظاظة إلا انها تتمتع بجاذبية لا منافس لها، خاصة بين شباب العالم

كل هذه الميادين أعطت الولايات المتحدة نفوذاً سياسياً لم تقترب من مماثلته أي دولة أخرى. الجمع بين الاربعة ميادين هو الذي يجعل أمريكا القوة الفائقة العالمية الشاملة الوحيدة.

الملحوظات

[1]  كل الإمبراطوريات السابقة كانت تصف أعدائها بأنهم برابرة أعداء للإنسانية ولا يستحقون الحياة لتبرر لنفسها إستباحة دمائهم وثرواتهم وأعراضهم، بالرغم أن المؤلف يحاول نفي قيام أمريكا بذلك، إلا أن هذا السلوك متأصل في الغرب وفي أمريكا كجزء منه خاصة مع المسلمين. فجزء كبير مما يُسمى بالحرب على الإرهاب والحرب على الإسلام تعتمد على أن الإسلام دين بربري وأتباعه برابرة لا يستحقون الحياة . الأمثلة كثيرة مثل سوريا والعراق حيث إعتمد الغرب في إجتياحها وقتل وتشريد ملايين من أهلها على وصمهم بالإرهاب الذي هو في الحقيقة من صناعة أجهزة الاستخبارات الغربية من أجل تحويل المسلمين إلى برابرة لا يوجد لهم أي حقوق إنسانية وإبادته مطلوبة من أجل إنقاذ البشرية من بربريتهم.

[2]  إعادة النشر redeployment هو قدرة الإمبراطورية على تحريك قواتها المسلحة وإعدادها للمعركة ودعمها اللوجيستي حول العالم وكلما كان هذا التحريك والإعداد سريع كان ذلك مصدر قوة للدولة. وتركيز القوات Force concentration  هو تركيز القوات المسلحة لتكون متميزة بقوة كاسحة ضد قوات العدو بحيث يعمل التميز بين القوتين وحده كمضاعف للقوة في صالح القوات المركزة.

[3]  نفس هذه الإستراتيجية العسكرية التي تخدم الفكر الإستعماري الإمبريالي تتبعه أمريكا اليوم من خلال نشر قواتها على مستوى العالم :

https://en.wikipedia.org/wiki/Unified_Combatant_Command

[4]  من بين البرابرة هؤلاء كثير من القبائل الجرمانية الآريوسية القريبة من الإسلام والرافضة والمعادية للتثليث وتأليه المسيح عليه السلام. ولكن التاريخ يحرفه المنتصرون.

[5]  الغزاة المغول هم الذين كانوا يحاولون التكيف والإندماج مع الظروف المحلية للشعوب الذين يقومون بغزوها.

الإعلانات

اترك رد