19-01-03-التحول الديمقراطي في مصر في سياق إقليمي

ملخص الحلقة

 في هذه الحلقة تتكلم شريفة زهور عن مواضيع:

  • التحول الديمقراطي المصري في سياق إقليمي
  • التطور السياسي في مصر
  • الاتجاهات الديمقراطية في مقابل التوريث في مصر
  • مؤشرات على التحول الديمقراطي
  • الدور الإقليمي في مصر
  • دور مصر في الجهاد العالمي
  • العنف الإسلامي
  • التوريث
  • بدائل الزعامة
  • العوائق الحقيقية امام الديمقراطية
  • هل يوجد دور لأمريكا في التحول الديمقراطي؟

في النقطة الأولى تشير شريفة زهور الى الأنماط السياسية المختلفة في الشرق الأوسط والتي تفرض على صانعي القرار الأمريكيين طرق مختلفة عند تناول موضوع التحول الديمقراطي. من السمات المميزة لنظام الحكم في مصر ان الرئيس لديه سلطة مطلقة والبرلمان صوري يعبر عن إرادة الرئيس والمعارضة غير ناضجة.

النقطة الثانية تفصيل للنقطة الأولى وسرد للعوامل المساعدة والمعيقة للتحول الديمقراطي في مصر. من بين العوامل المساعدة: الاستقلال القضائي – وقد رأينا بعد انقلاب 2013م كيف قضى العسكر على استقلال القضاء تماماً واصبح القضاء ذراعاً قويا لقهر الشعب المصري. عامل آخر هو النشاط المدني، ورأينا كيف استغلته السفيرة الامريكية والعسكر في اسقاط الرئيس مرسي ثم بعد الانقلاب مات تماماً ولم يعد له أي قيمة ونفس الكلام ينطبق على الخطاب الشعبوي، فاحد نقاط ضعف الشعب المصري هو تأثره بالخطاب الشعبوي وهذا واضح على مدار التاريخ الحديث، هذه السمة استغلتها السفيرة الامريكية والعسكر الى حد ما في اسقاط الرئيس مرسي والآن يستخدمه العسكر مع العمليات الإرهابية التي يقومون بها ويلصقونها بالإسلام للتأثير على الرأي العام. من بين العوامل المحسنة أو بمعنى اصح الشروط الامريكية لمنح الديمقراطية: التسويات او المراجعات مع الجماعات الإسلامية الراديكالية الكبرى لتصبح على نموذج السلفيين عملاء الامن، الراديكالية في التعريف الأمريكي هنا هو مقاومة هيمنة الغرب، الغرب لا يريد القضاء على الجماعات الإسلامية ولكن يريد منها ان تتخلى عن الراديكالية وتقبل العمالة للغرب، فالسلفيين كما رأينا كان لهم دور في السيطرة على جزء مهم من الشعب بخطابهم الإسلامي الشعبوي مع ملاحظة محبة الشعب للخطابات الشعبوية هذا الدور تم استعماله من قبل السفيرة الامريكية والعسكر في دعم الانقلاب العسكري عام 2013م، المؤلفة هنا تفترض ان الاخوان تخلوا عن راديكاليتهم بعد سجنهم وتعذيبهم في عهد جمال عبد الناصر. في النهاية هناك شرطان آخران لكي تقبل أمريكا منح الديمقراطية للشعب المصري: الحركة النسائية النشطة وتحرير المرأة ولكي نفهم هذا الشرط فلننظر الى الإجراءات التونسية الحديثة في مساواة المرأة في الميراث وزواجها من غير المسلم، الشرط الآخر وهو شرط مهم وأساسي هو موالاة إسرائيل، فلا ديمقراطية ولا تنمية ولا اقتصاد ولا حرية للشعب المصري واي شعب عربي بدون التخلي الكامل عن محاربة إسرائيل والقبول بأن تكون قائدة للشرق الأوسط الجديد. هذا الشرط ينطبق ايضاً على أنظمة الحكم وليس الشعوب فقط. بقاء نظام حكم أي بلد عربي مرتبط بتبعية وولاء النظام لإسرائيل وهذا ظاهر جداً في مصر وفي السعودية حديثاً، والديمقراطية لأي شعب ترتبط بقبول الشعب كله للسلام الدافيء مع إسرائيل وهيمنتها على حياته.

في النقطة الثالثة تتكلم شريفة زهور عن توريث الحكم في مصر وهو الاتجاه الذي كان يريده حسني مبارك ولكن ترفضه أمريكا.

في النقطة الرابعة، تتحدث شريفة زهور عن مؤشرات على التحول الديمقراطي الذي تريده أمريكا وتحذر من تحول ديمقراطي يمكن الإسلاميين ولا يحقق شروط أمريكا.

ثم تنتقل المؤلفة الى الدور الإقليمي لمصر. وتتحدث عن السلام البارد، الحقيقة انا لم افهم مدلول السلام الدافئ في كلمات السيسي زعيم الانقلاب الا عندما قرأت شكوى شريفة زهور من السلام البارد، من اهم سمات السلام البارد ان الاخوان المسلمين ربطوا قبول المعاهدة بحقوق الفلسطينيين وان حسني مبارك نفسه عندما أعاد العلاقات مع الدول العربية بطأ من برامج التعاون مع إسرائيل وان النقابات عندما سيطر عليها الاخوان المسلمون لم تشجع على التعاون مع إسرائيل. هذا كله يفسر لنا توجهات السيسي الى السلام الدافئ ويبين لنا من يضع سياسة هذا التوجه الى السلام الدافئ وان الفكرة في الحقيقة ناشئة من شريفة زهور وامثالها وان العسكر مجرد منفذين.

بعد ذلك تنتقل الكاتبة الى دور مصر في الجهاد العالمي، الجهاد العالمي معناه الحقيقي عند الغرب وامريكا هو توحد كلمة المسلمين وتوحد تحركهم السياسي والاقتصادي ورفض الهيمنة للغرب وموالاته. وبلا شك مصر لها دور وأثر كبير في توحيد كلمة المسلمين وهو ما يعطي مصر أهمية خاصة عند الغرب واليهود. فنجاح الحركة الإسلامية في مصر يعني نجاحها في البلاد الإسلامية ويعني توجه تلك الدول الى كيان موحد وسياسة واحدة واقتصاد واحد وهو ما يعني انتهاء إسرائيل وانتهاء الهيمنة الغربية على العالم. اهتمام المؤلفة بهذه النقطة يعكس لنا سبب محاربة العسكر في مصر للإخوان المسلمين وخاصة شبابهم بعد انقلاب 2013م. المؤلفة كانت تعتقد ان الاخوان المسلمين تم ترويضهم او يمكن ترويضهم، ولكن موقف الاخوان بعد ثورة 2011م اقلق الغرب بانهم غير مستجيبين للترويض وبالتالي كان هناك تسارعاً لضربهم بسرعة بانقلاب عسكري، وبعد الانقلاب يتعرض الاخوان المسلمون وخاصة شبابهم لبرامج تعذيب على امل ان تؤدي تلك البرامج الى تراجعهم عن التمسك بالإسلام وهو ما يُعرف بالمراجعات ويتعرض الشباب منهم بالذات للتصفية والتعذيب لان الامل في تراجع الشباب اكبر. ومرة أخرى تلك السياسات تبين لنا ان من يضعها هم الغرب وإسرائيل والعسكر مجرد منفذين فقط.

النقطة التالية ، العنف الإسلامي تول شريفة زهور عنه: ” تحول مصر الى الديمقراطية تعثر اليوم بسبب تلك القضية (قضية العنف الاسلامي)، وبشكل اقل وضوحاً على تحولها المستمر من نظام جماهيري قائم بثقل على القطاع العام يحاول تحويل نفسه الى اقتصاد عقلاني بدون حل أياً من مشاكله التنموية العميقة.”

” مع تصاعد البطالة والتضخم وأنواع مختلفة من الضغوط الإسلامية على المجتمع فإن البقاء في سكون أو السياسة المعتادة ليست أيضاً استراتيجية مقبولة. “

“لاحظ النقاد وجود حدود لنفوذ حركة كفاية. فهي لا يمكنها الحشد للدرجة المطلوبة لهز الدولة بقوة (مثل الإخوان المسلمين وغيرها من جماعات إسلامية) ومن المحتمل انها لا تستطيع تشجيع أعداداً كبيرة من الطبقة العاملة على تحمل مخاطر سياسية أكبر. ومن هنا فقد عملت على الأكثر كمحفز للتظاهر أكثر من كونها بديل سياسي political alternative”

سنلاحظ هنا أن السياسة الامريكية تجد نفسها في مواجهة مجموعة من التناقضات: النظام الحالي في حاجة الى العنف لتبرير وجوده ولتبرير منع التحول الديمقراطي، في نفس الوقت النظام يتحول من نظام جماهيري (اشتراكي بدون جدية) يعتمد على القطاع العام الى اقتصاد عقلاني (رأسمالي مستغل مشوه) بدون تقديم حلول لمشاكله التنموية العميقة، وبالتالي فهو نظام غير مستقر معرض للثورة في أي لحظة ولكنه يعتمد على العنف الإسلامي في استمراره فهو يفرض نفسه على الغرب رغم فشله وتهديده لمصالح الغرب، في نفس الوقت الحركات العلمانية مثل كفاية التي كانت اقوى هذه الحركات في ذلك الوقت غير قادرة على الحشد وهي لا تستطيع القيام بأكثر من التحفيز على التظاهر ويبقى الاخوان المسلمون القوة القادرة على الحشد والقادرة على ان تكون بديل سياسي في التحول الديمقراطي الذي يحاول الغرب عمله لإنقاذ مصالحه من الانهيار مع انهيار الأنظمة المستبدة الحاكمة التي أصبحت غير قادرة على اصلاح نفسها وتهدد الغرب بالعنف الإسلامي لمنعه من المضي في التحول الديمقراطي الذي سيؤدي الى التخلص منها.

تتحدث المؤلفة بعد ذلك عن مشكلة توريث حسني مبارك الحكم لابنه جمال، وعن وجود بدائل زعامة لهذا التوريث. وتقول المؤلفة:

” صانعو السياسة الامريكيون قد يصدقون ايضاً تنبؤات الحكومة المصرية أنه في حالة إضعاف الحزب الوطني الديمقراطي، فإن الاخوان المسلمين سيكتسحون، وأن هذا البديل يجب استبعاده بأي تكلفة. هذا الافتراض تم إدراجه في تقارير معاهد أبحاث أمريكية متعددة، بينت أن البدائل العلمانية للإخوان شديدة الضعف، ولكن ألمحت إلى أن العلمانيين هم البديل الوحيد المناسب في مستقبل ديمقراطي.”

تتحدث شريفة زهور بعد ذلك عن العوائق الحقيقية امام الديمقراطية فتتنول نظريات عدة من بينها نمو طبقات استفادت من انقلاب 52 مثل القوات المسلحة التي تحولت الى طبقة مستفيدة معيقة وكذلك فان انقلاب 52 عطل المجتمع وعطل قدراته على التغيير والتنمية.

تحت عنوان هل يوجد دور لامريكا في التحول الديمقراطي؟ تذكر شريفة زهور عدد من الآراء من بينها:

” التحولات التي تؤدي الى تآكل السلطة التنفيذية مثلما في باكستان أو مصر قد تضعف القدرة القمعية suppressive capacity  للدولة. بالرغم من كل الحديث الأمريكي حول التحول الديمقراطي، الا ان البلد ترغب بعمق أكبر في الاستقرار والتعامل بمقادير محددة.”

يعني ان التحولات الديمقراطية يجب ان تكون بمقادير محددة ومحسوبة حتى لا تضعف القدرة القمعية للدولة والدولة هنا هي النظام الحاكم العميل للغرب الصهيوني المتكون من المخابرات الحربية وامن الدولة وقضاء امن الدولة والاعلام والنخبة السياسية الاقتصادية المرتبطة بهم، هذا الجهاز الذي يمثل الدولة عند الغرب الصهيوني يجب ان يظل مستقراً وقادراً على قمع الشعب.

الجزء الأول: دولة فاشلة أو في طريقها الى الفشل

الجزء الثاني: أهمية مصر في المنطقة

الجزء الثالث: التحول الديمقراطي في مصر

الجزء الرابع: الإسلام السياسي والأصولية في مصر

الجزء الخامس: أصوليون ومعتدلون

الجزء السادس: عودة بروز الجهاد في مصر

الجزء السابع: الاحتواء الأيديولوجي للتهديدات

الجزء الثامن: الاستنتاجات والتوصيات

 

موضوع الحلقة

مصر: تحديات الامن والسياسة والإسلاميين

التحول الديمقراطي المصري في سياق إقليمي

  EGYPT’S DEMOCRATIZATION IN THE REGIONAL CONTEXT

طرق التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط يجب أن تختلف بسبب الاختلافات الديمغرافية والبنيوية والتاريخية بين الدول الوطنية المختلفة كما هو مبين في الجدول رقم 2. المغرب والأردن ملكيات برلمانية، ولكن السعودية ملكية مطلقة، ولكن استشارية. برلمان الكويت كان عائقاً في بعض الأوقات لغايات الأمير المختلفة، والاعتراضات البرلمانية تم التغلب عليها في النهاية في أمر اقتراع النساء. كل من مصر والسلطة الفلسطينية بهما رؤساء منتخبين للدولة وأعضاء منتخبين للبرلمان. ولكن الرئيس التنفيذي للسلطة الباكستانية ليس متملكاً لسيادة كاملة، والرئيس التنفيذي لمصر أقوى بكثير من أي عنصر آخر في الحكومة. مصر تنتخب برلماناً، ولكن تحوله من كيان تشريعي لحزب كتلة واحدة يسن القوانين التي تعبر عن إرادة الجهاز التنفيذي الى كيان تشريعي مستقل مازال في الطريق.

table 2

ليس هناك معارضة ناضجة أو مخلصة لأن أحزاب المعارضة غير مسموح لها بانفتاح كامل في تحديد المنصات أو في منافذها الإعلامية، ولا تتصرف كمعارضة ناضجة. وبينما تقدم مرشحون رئاسيون للترشح ضد مبارك في انتخابات 2005م، الا انهم قاموا بذلك لوضع سابقة ولكن بدون أي أمل في تحقيق نصر.

من الجدير بالملاحظة أن السلطة الفلسطينية هي شبه دولة ولكن بدون حقوق سيادية مادية على مواطنيها أو على جيش؛ وهي خاضعة لسلطة إسرائيل الأعلى وللجيش الإسرائيلي. بدون التعليق على كل دول الشرق الأوسط الأخرى، فمن الواجب ملاحظة أنه نتيجة الاختلاف الكبير في الأنماط  السياسية، ليس هناك طريق واحد الى التحول الديمقراطي. وعندما يعترض شعب دولة ما على بعض التعبير عن الاستبداد، فمن الممكن دائماً الإشارة الى نموذج أكثر استبداداً في بلد مجاور.

التطور السياسي في مصر  EGYPT’S POLITICAL DEVELOPMENT

أنتجت مصر حواراً معادي للإمبريالية مبكراً في القرن العشرين قبل أي لاعب آخر في الإقليم، مما تسبب في رؤية الشعوب العربية الأخرى للسياسيين المصريين أمثال سعد زغلول كقادة مهمين وأعداء بطوليين للاستعمار. وصف بريطانيا العظمى (شخصية جون بول) لمصر (فتاة شابة ترغب في الحرية ودستور وحق تشكيل مستقبلها) تم التعبير عنه في رسومات الكارتون السياسي وتصدر المذكرات والدراسات السياسية في أوائل القرن.[1]   هذه الدعوة الى الحرية استمرت بعد الاستقلال الجزئي الممنوح عام 1922م وتم تضخيمها في صرخة للتحرر الاجتماعي والسياسي والتي سيكتسب من خلالها المصري العادي المساواة مع الباشوات، والنخب.

تحقيق هذه الحريات يبقى عملاً جارياً. لكن لأن كثير من خيوط الثقافة التقليدية والنزعات السياسية المعاصرة المصرية شعبوية وناقدة للسلطة الجائرة والفساد، فهناك نقد سياسي كبير للسلطة المهيمنة للمؤسسة التنفيذية والكيان التشريعي. الجمعية الوطنية تعمل من بعض الجوانب مثلما كان المقصود منها خلال العصر الليبرالي في مصر ما بين 1922 الى 1952م. لكن  السلطة التشريعية لازالت  ليست بالقدر الكافي من الإستقلال بسبب الوجود البريطاني والنفوذ البريطاني على الملك ووزارته. في عهد ناصر، الكيان التشريعي فقد استقلاله تماماً. عند موته عام 1970م، بقي هذا الوضع، ومازال قائماً حتى اليوم، لأن الجهاز التشريعي يتم ملؤه بشكل أساسي بأعضاء حزب الرئيس، الحزب الوطني الديمقراطي. الآن يمكن المجادلة بأن هذا النقد ينشأ من المعارضة، وأن المصريين العاديين لا يهتمون حقيقة ولا يرغبون في مواجهة فساد الحكومة أو المساهمات السياسية المستقطعة من مرتبات موظفي القطاع العام.[2] طالما تمكنت شخصيات الحزب الوطني الديمقراطي السياسية الوفاء بتوقعات الجمهور. لكن، هذه الحجة، تتكلم أكثر الى الافتقار الى النضج السياسي في مصر عن مقاومة حقيقية للإصلاح.

بالإضافة الى القيود على السلطة التشريعية المذكورة سابقاً، المؤسسة القضائية تكافح من أجل استقلال أكبر. أهمية القانون كوسيلة للتحكم في المؤسسة التنفيذية والأجهزة الأمنية شوهد في أعداد متزايدة من القضايا القانونية المرفوعة ضد الحكومة من متهمين إسلاميين في محكمة النقض والمحكمة الدستورية. إصرار المؤسسة القضائية على محاكمة تلك القضايا بدون ضغط من المؤسسة التنفيذية يعني أن نظام القضاء المصري أكثر استقلالاً من نظام القضاء السوري، حيث نجد المحكمة الدستورية مكاناً شديد الهدوء. لكن هناك ما هو أكثر لتحقيق التحرر للنظام القضائي عن استخدام مختلف مستويات التقاضي. الصراع الأكثر أهمية للقضاة كان توليهم او محاولة تولي، والاشراف على العملية الانتخابية. وبالتالي فإن مشهد محاكمة قضاة مصريين لطعنهم في إجراء انتخابات 2005م دل على أن استقلالهم ما زال في طفولته.

نظرة إلى العوامل المختلفة التي قد تحسن أو تعوق التحول الديمقراطي في مصر نجدها في الجدول رقم 3.

table 3

بالرغم من العوامل المثبطة الكثيرة في المسار تجاه التحول الديمقراطي وتوازن ظاهر أكثر بين السلطات الحكومية، سيكون من المثير للدهشة الآن لو تحولت مصر الى التوارث في القرن الحادي والعشرين. ولكن سنوات من المعارضة السياسية المقهورة والشديدة الضعف، وحركة العمال المشلولة وعوامل أخرى ثبطت القادة الفعالين المحتملين عن تحد الوضع القائم، وبالتالي فإن ذلك يبقى محتملاً.

الاتجاهات الديمقراطية في مقابل التوريث الأسري

 Democratic Trends versus Dynastic Succession

بخلاف سابقه، الرئيس مبارك لم يعين نائب رئيس، بالرغم أنه هو نفسه عمل نائباً للرئيس السادات منذ 1975 حتى 1981م. هناك دعوات له ان يفعل ذلك، خاصة بعد محاولة الاغتيال عام 1995م. فشله في إقامة خط واضح للخلافة أشعل التوقعات حول احتمال توريث عائلي. التوقعات ازدادت اشتعالاً بخلافة بشار الأسد في سوريا والتي نتج عنها نقداً شديداً من المعارضة المصرية، ولكن نقد أقل من الحكومة.

المصادر – علاوة على تعيين جمال مبارك (واحد من أبناء الرئيس ورجل الأعمال سابقاً) في منصب السكرتير العام للحزب الوطني الديمقراطي؛ الحادثتان وقعتا في عام 2000م، وحسنتا بدرجة كبيرة التوقعات حول مستقبل مصر. حتى تولي جمال مبارك دوراً قيادياً في الحزب الوطني الديمقراطي، معظم المراقبين كانوا يفترضون أن خليفة مبارك سيأتي من صفوف القوات المسلحة مثل الرؤساء نجيب وناصر والسادات ومبارك نفسه الذي كان طياراً وقائداً للقوات الجوية. في الأساس كانت هناك أفكاراً بأن وزير الدفاع السابق محمد عبد الحليم أبو غزالة المولود عام 1930م، قد يكون خليفة مبارك. ولكن تلك الأفكار تغيرت عندما تم عزله بشكل غير متوقع وأصبح مستشاراً للرئيس عام 1989م، ومنذ عام 1993م، اختفى من المشهد السياسي.  وزير الدفاع الحالي المشير محمد حسين طنطاوي المولود عام 1935م، دائماً إلى جانب مبارك، وكان من المرجح أن يخلفه لو كانت محاولة الاغتيال عام 1995م نجحت. ولكن كانت هناك اشاعات ان صحته عليلة عام 2000م، وبالتالي كان هناك توقعات تدور ايضاً حول عمر سليمان، مدير جهاز الاستخبارات العامة، وكان في الستينات من عمره. وهو ليس رجلاً ظاهراً كنائب رئيس ولكنه بالتأكيد شخصية قوية في الحكومة. هناك احتمال آخر كان يدور حول مجدي حتاتة المولود عام 1941م، والذي كان رئيساً للأركان للقوات المسلحة. كل هذه الاحتمالات قد تكون مقترحة من قبل هؤلاء في الدراسات الأمنية. ولكن في فترة الغضب التي أعقبت مد قانون الطوارئ عام 2006م، قدم المصريون مقترحات أخرى كثيرة للزعامة لأنهم كانوا مشوشين من توقع التوريث، أو أرادوا تغييراً في هيمنة الحزب الوطني الديمقراطي.

مؤشرات على التحول الديمقراطي  INDICATORS FOR DEMOCRATIZATION

الضغوط الاقتصادية الشديدة قد تعرض استقرار مصر للخطر. مصر بها عدد هائل من السكان. نسبتها المطلقة من الفقر انخفضت نوعاً ما خلال حكم مبارك. لكن البطالة unemployment والبطالة المُقنعة underemployment  اوجدت مجموعة من الضغوطات الاجتماعية؛ الكثير من الإفراد لا يمكنهم الوفاء بالمتطلبات المادية للزواج، على سبيل المثال. وهكذا فإن التحول الديمقراطي الذي قد يجلب أي عنصر من المخاطر المالية سيتم مواجهته بمصالح الأعمال ومن المحتمل من المحرومين الذين يعتمدون على المواد المدعومة من الدولة. تسييس المهنيين والمفكرين من خلال النظام النقابي (الاتحادات العمالية غير قانونية، وبالتالي النقابات المهنية تعمل محلها، وتسمح للحكومة بمراقبة المهن المختلفة) يمكن ان يقود الى بروز معارضة سياسية جديدة. من جانب آخر، النقابات التي تمثل المحامين، والأطباء والمهندسين كانت متأثرة بشدة بالتوجه الإسلامي حتى تدخلت الحكومة مباشرة في العمليات الانتخابية لتلك المنظمات. ليس من الواضح تماماً كيف تؤثر النقابات في التحول الديمقراطي في البلد بالرغم من انها قد تفعل ذلك.

تحولاً ديمقراطياً يمكن أن يمكن الإسلاميين ولكن يعكس التقدم الذي تم للنساء من خلال الإصلاح القضائي، أو يفشل في إصلاح العوائق الباقية أمام المساواة سيكون شديد الإحباط لحركة النساء المصرية. الناشطون يعملون بكد لتحقيق إصلاحات اقتصادية تخاطب الأوجه التمييزية في القانون الجنائي وقانون الأسرة يعني تمكنوا في النهاية من إبعاد القانون الذي يشجع النساء على الزواج من خاطفيهم ومغتصبيهم، ورتبوا بدعم من الرئيس تمرير قانون الخلع عام 2000م الذي زود النساء بطريقة أسهل للطلاق.[3]  الرئيس المصري دعم ومكن من إدخال الكثير من تلك التغييرات في القانون، بينما عارضها الوفد وبعض الإسلاميين والمحافظين وانذروا بتصعيد تحديات قانونية ضدها.

الدور الإقليمي لمصر  EGYPT’S REGIONAL ROLE

بالرغم من توقيع مصر على اتفاقية كامب ديفيد للسلام، الا أن سلامها مع إسرائيل بارد (نلاحظ السلام الدافئ السيساوي الآن). مصر تكبدت خسائر ثقيلة في كل حرب مع إسرائيل، وبالرغم من وجود مرارة بسبب معاملة الأسرى المصريين، إلا أنه لا يوجد الآن دعم كبير للحرب. بعض الاعتراضات على السلام إجرائية؛ وبالتالي في غياب الديمقراطية في مصر ليس من المفاجئ ان يعمل الرئيس السادات بشكل منفرد وبدون استشارة او استفتاء على الموضوع. هذا يعني أن الاعتراض على معاهدة السلام كان ايضاً وسيلة للشكوى من الطبيعة الاستبدادية لنظام الحكم المصري. كما أن الكثير من المصريين اعترضوا على الاتفاقية بسبب فشلها في مخاطبة احتياجات وحقوق الشعب الفلسطيني، هذا كان رأي الإخوان المسلمين من البداية، وكذلك كثير من العلمانيين المصريين. في الواقع، السادات نفسه كان شديد الإحباط وغاضب بسبب رفض الإسرائيليين التفاوض على وضع الفلسطينيين. بعد فترة قصيرة من الاتفاقية، نخب وقطاعات عديدة من المواطنين خاصة المفكرين بدأوا في انتقادها. النقابات المهنية اتفقت على أنها لن تخضع للضغوط للاتصال بالإسرائيليين وستستمر في مقاطعتها، بالرغم من وجود عدم اتفاق من بعض الأفراد داخل النقابات حول هذا الموضوع. بعض المفكرين، والكتاب والشخصيات السياسية ارادت الاتصال بالإسرائيليين ولكنهم لم يتخلوا عن أملهم في حل عادل للفلسطينيين. بينما بعض السياحة في الأساس سياح إسرائيليين لمصر وليس العكس كثيراً، بدأت مبكراً وتم ترتيب بعض التبادل الثقافي حتى عام 1982م، والتي أصبحت موضوع نقد صحفي وبيروقراطي، والجمهور المصري استاء من الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982م، وتحول بإصرار أكثر ضد طبيعة المساومة في معاهدة السلام.

الرئيس مبارك في النهاية أصلح العلاقات مع العالم العربي بطريقة رسمية في القمة العربية في نوفمبر 1987م التي سمحت للدول العربية باستئناف علاقاتها بمصر، واستعادت مصر مقعدها في المؤتمر الإسلامي السنوي.[4]  وصاحب ذلك تباطؤ لخطط التعاون السياسي والاقتصادي مع إسرائيل. بشكل متناقض، مصر تمكنت من خلال تحقيق اتفاقية كامب ديفيد وعلاقتها المحسنة مع الولايات المتحدة وضعف نفس المعاهدة الذي سمح للبلد بإعادة نفوذها مع الدول العربية، من لعب دور مهم في جهود تقليل الصراع مع لاعبين عرب آخرين، ومن بينهم الفلسطينيين.

دور مصر في الجهاد العالمي  EGYPT’S ROLE IN GLOBAL JIHAD

مصر ومستقبلها يجب ان يهم الولايات المتحدة ايضاً بسبب بروز الجهاد العالمي. ايمن الظواهري القيادي بالقاعدة هو في الأساس من ضمن الخارجين عن العدالة المصرية الذين تحولت غاياتهم من منظمة الجهاد الإسلامي في مصر الى أهداف جماعة القاعدة الدولية، فهو يمثل توجه بين الأصوليين الإسلاميين الذين كانوا من قبل يعملون في مصر وفروا تحديداً بسبب نجاح الدولة في قمعهم. بعض الباحثين الذين درسوا بروز الجهاد العالمي، او ركزوا على النزعة الجهادية في مصر، لاحظوا أن مكافحة الإرهاب المحلية الناجحة هي التي ساهمت في صناعة الجهاد العالمي، سواء في معنى الحركة والمجاهدين المتحدين للعدو البعيد، الولايات المتحدة. محمد عطا قائد مجموعة الإرهابيين في 11/9، كان مصرياً.

أكثر التهديدات خطراً للاستقرار السياسي داخل مصر يأتي من الجماعات الأصولية النامية داخل الوطن في السبعينات ثم الجهاد الإسلامي المصري فيما بعد والجماعة الإسلامية. هذه الجماعات هدفت الى زعزعة الحكومة المصرية وإقامة نظام حكم إسلامي قائم على الشريعة الإسلامية محلها. بينما حزب من الجهاد الإسلامي قام باغتيال الرئيس أنور السادات ونفذت أعمال عدائية أخرى لما يقرب من شهر، إلا انها بالغت بشدة في تقدير قدرتها على إسقاط نظام الحكم المصري. كان هناك حوار في ذلك الوقت حول العدد التقديري للإسلاميين الأصوليين الذين قد يكونون مثل من اغتالوا السادات داخل القوات المسلحة المصرية. في مقابل تلك الجماعات التي كان هدفها الكبير هو اسقاط نظام الحكم المصري واستبداله بنظام حكم إسلامي، أعضاء القاعدة كانوا يشددون على أهمية ما يسميه أوليفر روي[5] Olivier Roy “الامة العالمية  globalized ummah ” (المجتمع الاسلامي) ويقللون من أهمية الهوية الوطنية للأصوليين أو خصومهم؛ ولكن عندهم العالم ينقسم الى صالحين “جهاديين” وأشرار من المسلمين وغير المسلمين.[6]

العنف الإسلامي ISLAMIST VIOLENCE

العنف الإسلامي أزعج الدولة في أواخر السبعينات، وفي الثمانينات والتسعينات. الهدنة التي عقدتها الدولة مع الأصوليين الإسلاميين عام 1999م. سيتم مناقشتها فيما بعد.  هناك اختلاف في الأفكار فيما يتعلق بظهور ذلك العنف، الذي يعتقد الكثير من الخبراء أنه تفاقم بسبب تكتيكات أجهزة الأمن المصرية. على أية حال، الهدنة لا تنبئ عن نهاية كاملة للعنف الإسلامي كما كان معتقداً في ذلك الوقت. المصريون الذين يعتبرون أنفسهم محصنين من التهديد الأصولي لأي جهادي مثل هؤلاء الذين كانوا متورطين في هجمات 11/9 ، أصابتهم عودة ظهور العنف بداية من 2004م بهزة. هذه الاحداث الأكثر حداثة صعدت تساؤلات حول إمكانية الانتصار على العنف الإسلامي، وتساؤلات أخرى حول درجة توليد القمع للعنف في دورة ليس لها نهاية ظاهرة.

في خلال 30 سنة من المواجهات بين الأصوليين والدولة المصرية، الجماعات الأصولية الصغيرة والمزعجة في البداية هددت وهاجمت سلطة الدولة. ولكنهم بقيامهم بذلك، عززوا فعلياً الدولة[7]، وقدموا مبررات للعمل تحت قوانين الطوارئ، ومنعوا التغيرات الديمقراطية. تحول مصر الى الديمقراطية تعثر اليوم بسبب تلك القضية، وبشكل اقل وضوحاً على تحولها المستمر من نظام جماهيري قائم بثقل على القطاع العام يحاول تحويل نفسه الى اقتصاد عقلاني بدون حل أياً من مشاكله التنموية العميقة.  مصر لا تتحرك في “مسار عازم  unwavering path” تجاه الديمقراطية مثلما زعم سفير مصر في الولايات المتحدة نبيل فهمي.[8] ولكنها تبدو محاصرة ومجمدة بين الحاجة الى الاستقرار والتحكم المشدد ورغبة المصريين الديمقراطية في الحرية والمسؤولية المدنية المتزايدة والشفافية التي دعمتها حكومة بوش حرفياً بدرجة ما حتى خريف 2006م. مع تصاعد البطالة والتضخم وأنواع مختلفة من الضغوط الإسلامية على المجتمع فإن البقاء في سكون أو السياسة المعتادة ليست أيضاً استراتيجية مقبولة.

المراقبون الذين يخشون من إعداد جمال مبارك للاستيلاء على البلد كان لديهم صعوبة في نقل مخاوفهم للعالم الغير عربي بسبب السلطات الاستبدادية الممنوحة لنظام الحكم الحالي. لهذه الأسباب، الحركة الصغيرة “كفاية” حققت إنجازاً كبيراً بعمل مظاهرات شعبية صغيرة ومتوسطة الحجم. في سبتمبر 2005م، نظمت كفاية مظاهرة من 5000 فرد ومظاهرة أخرى بها 10000 فرد. هذه التعبيرات عن الرفض الجماهيري شكلت تبايناً مع جهود الاعتراض المبكرة التي منذ احتواء الحركة العمالية والجماعات السياسية المعارضة الأخرى في عهد ناصر، أصبحت غير قانونية ومعرضة للعقوبة من قوات أمن الدولة.

على مر السنوات، حاول طلبة ومواطنون عمل مظاهرات ولو كانت الغاية هي الاعتراض على أفعال إسرائيل، أو حرب الخليج الأولى (1991م)، او قصف الولايات المتحدة للعراق في عهد كلينتون، تسمح الحكومة أحياناً بتجمع المظاهرات ان لم تكن فعلياً في مكان جماهيري لا يمكن احتوائه. على سبيل المثال، المظاهرات في حرم الجامعة قد يُسمح بها أو يتم قمعها. وبالتالي عندما بدأت كفاية مظاهراتها وقادت جماعات مثل الإخوان المسلمين مظاهرات، قوات أمن الدولة اعتقلت وعاقبت متظاهرين، أو فيما بعد سمحت بدرجة من التعبير الجماهيري. ولكن لاحظ النقاد وجود حدود لنفوذ كفاية. فهي لا يمكنها الحشد للدرجة المطلوبة لهز الدولة بقوة (مثل الإخوان المسلمين وغيرها من جماعات إسلامية) ومن المحتمل انها لا تستطيع تشجيع أعداداً كبيرة من الطبقة العاملة على تحمل مخاطر سياسية أكبر.[9] ومن هنا فقد عملت على الأكثر كمحفز للتظاهر أكثر من كونها بديل سياسي political alternative. حاولت كفاية أن تجذب الانتباه الى القيود على الانتخابات الرئاسية والتشريعية ولأفعال الحكومة الأخرى.

التوريث HEREDITARY SUCCESSION?

اليوم الكثيرون قلقون من الدفع بجمال مبارك للأمام كزعيم للإصلاح في الحزب الوطني الديمقراطي ليصبح أكثر شهرة ومقبولاً من المصريين، وفي نفس الوقت يساعد هذا الحزب على الاحتفاظ بقبضته القوية على الحياة السياسية. في مصر حيث تم الأخذ بمبادئ الجمهورية عام 1952م، فإن هناك اعتراض على فكرة الملكية، التوارث الأسري، والتميز النخبوي. الكثير من المصريين أصبح لديهم مبرر في القلق من أسرة مبارك عقب توريث بشار الأسد للحكم في سوريا.  عندما بدأ عالم الاجتماع سعد الدين إبراهيم انتقاد الرئيس مبارك والتوريث المحتمل لابنه، وقمع نظام الحكم لجهود المجتمع المدني لتحقيق التحول الديمقراطي، وكتب عن العنف ضد اقباط مصر المسيحيين، واقترح مراجعة قضائية آمنة للانتخابات لجعلها أكثر عدلاً، استخدم تعبيراً تهكمياً “جملوخية”[10] لوصف مساهمة مصر في التطور السياسي. هذا التلاعب بالكلمات – نظام سياسي يتكون من اسم جمال واكلة الملوخية المصرية وكلمة تشير الي الملكية- تسببت في سخط نظام الحكم. توريث الحكومة الحالية تحتفظ فيه بقبضتها على النظام البرلماني، وتستمر في قمع الوظائف التشريعية والقضائية للحكومة على حساب الفرع التنفيذي، وبالتأكيد لن تجلب أي زيادة في حرية المصريين. هيئات استشارية دولية مشهورة مثل مجموعة الأزمات الدولية تستمر في التوصية بالتحول الديمقراطي من داخل نظام الحكم[11]، فيما يبدو لا تدرك افتقار الحكومة والحزب الوطني الديمقراطي لإرادة الإصلاح الحقيقي.

بدائل الزعامة LEADERSHIP ALTERNATIVES?

عندما كان المصريون يُسألون في الانتخابات السابقة لانتخابات عام 2005م اذا ما كانوا لا يعجبهم اختيار المرشحين الرئاسيين، الكثيرون كانوا يجيبون بأنهم منذ ان اصبحوا بالغين فإنهم لم يعرفوا زعيم آخر. الشباب الذين لم يعيشوا في عهد رئاسة السادات وحكومة الحزب الوطني المهيمنة، ليس هناك سياسيين آخرين في مكانة حسني مبارك.[12] بدون ألفة مع شخصيات بارزة حقيقة خدموا او يمكنهم خدمة هذا البلد، فمن الصعب لهم تخيل أن كمية مجهولة يمكن ان تصنع رئيس أفضل.

تحت القانون الانتخابي الجديد، المرشحون للرئاسة يجب أن يأتوا من أحزاب شرعية تسيطر بالفعل على نسبة 5% من الهيئة التشريعية وتلقى معايير أخرى. لو كانت هذه القوانين سيُعاد كتابتها لتقنين مرشحين أكثر لا يحتاجون الى تمثيل قيادة أحزاب مؤهلة، أو إذا تم تقنين الإخوان المسلمين وتم إجراء الانتخابات بطريقة عادلة، يمكن توقع مرشحين آخرين. بالإضافة إلى هؤلاء الذين يجرون بالفعل كمرشحين للرئاسة في عام 2005م مثل أيمن نور (من حزب الغد)، ونعمان جمعة (حزب الوفد)، أو طلعت السادات (ابن أخ أنور السادات من حزب الأحرار)، الذي تم محاكمته فعلياً بعد الانتخابات وصدر عليه حكم بسنة سجن لإهانة الجيش، من المثير ان نسمع المصريين يناقشون احتمالات غير خلافة عسكرية، او ابن الرئيس. نماذج من تلك الاحتمالات تتضمن قيادي من الإخوان المسلمين ومن بين ذلك أعضاء مجلس الإرشاد، أو الدكتور عصام العريان، الطبيب البشري والقيادي بالإخوان لفترة طويلة. عدد من الأفراد أرادوا الترشح للرئاسة ولكن لم يُسمح لهم وفقاً للقواعد التي تقيد الترشيح في الأحزاب المُعترف بها. من بين هؤلاء الكاتبة النسائية والطبيبة السابقة نوال السعداوي، وعالم الاجتماع سعد الدين إبراهيم الذين عارضا السياسات الانتخابية للحكومة وموقفها من البقاء صامتة أمام الهجمات على المسيحيين الأقباط وقمع المجتمع المدني. الناس ذكرت ايضاً أسماء طارق البشري (قاضي وعالم تاريخي اجتماعي واسلامي) أو جمال أمين (إقتصادي). نتيجة نزاعات مع وزير الثقافة حول الحجاب، شخصيات مثل عبد الوهاب المسيري أصبحت مشهورة، وهو نوع آخر من المفكرين الإسلاميين. كذلك هشام البسطاويسي (قاضي من محكمة النقض تم محاكمته لانتقاد الانتخابات)، أو زكريا عبد العزيز (رئيس نادي القضاة)، على سبيل المثال لا الحصر. الحجة المسموعة دائماً بأن المصريون لا يعرفون زعيماً آخر غير مبارك اليوم تجد اعتراضاً، بالرغم من صحة انه بدون الوصول إلى الإعلام، سيكون من الصعوبة الشديدة لأي مرشح بخلاف مرشحي الاخوان المسلمين اكتساب اعتراف شعبي كافي لخوض منافسة انتخابية هجومية.

صانعو السياسة الامريكيون قد يصدقون ايضاً تنبؤات الحكومة المصرية أنه في حالة إضعاف الحزب الوطني الديمقراطي، فإن الاخوان المسلمين سيكتسحون، وأن هذا البديل يجب استبعاده بأي تكلفة. هذا الافتراض تم إدراجه في تقارير معاهد أبحاث أمريكية متعددة، بينت أن البدائل العلمانية للإخوان شديدة الضعف، ولكن ألمحت إلى أن العلمانيين هم البديل الوحيد المناسب في مستقبل ديمقراطي. هذا الامر صعب فهمه، لأن أحزاب دينية مثل الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق اكتسبا موافقة أمريكية كلاعبين شرعيين.  السلوك والخبرة الطويلة للإخوان المسلمين يظهران ان الإخوان لم يشتركوا في عمل عنيف ضد الحكومة منذ أربعينات القرن العشرين (مؤامرة 1954م المزعومة كانت ملفقة) والاخوان يسعون الى لعب دور مشروع في الحكومة المصرية الحالية بدلاً من الانتقال إلى طريق خارجي الى السلطة.

عبد المنعم أبو الفتوح القيادي في الاخوان رداً على تساؤل هل على الاخوان الاحتجاج على موقفها الغير قانوني والتخلي عن المشاركة السياسية، صرح وقال: “مؤسسات الدولة مملوكة للشعب، ولو إنسحبنا من تلك المؤسسات، لن نحقق شيء لأن الإسلاميون سيأتون للسلطة عندما يدعم النظام الديمقراطية والحرية”[13] المراقبون الامريكيون الأقل ألفة مع السياسات المصرية يخافون جماعات مثل الاخوان المسلمين جزئياً بسبب تخوفهم من موقفها المعادي للصهيونية والمناصر للفلسطينيين. سنفكر في الموضوع أكثر ولكن يجب التأكيد على أكبر العوائق العنيدة امام الإصلاح السياسي المصري أكثر من الاخوان المسلمين هي القوانين والتنظيمات القائمة في البلد.[14]

العوائق الحقيقية أمام الديمقراطية True Obstacles to Democracy

مواد كثيرة موجودة حول عوائق الديمقراطية في مصر. الكثير منها يركز على النتائج الغير مرضية للثورة المصرية عام 1952م، والتي توصف عادة بأنها غير منتهية unfinished أو غير مؤكدة uncertain. [15] العالم الاجتماعي حامد انصاري Hamied Ansari كتب عن مجتمع معطل عاجز عن تنفيذ وعود الاشتراكية العربية؛ وحدد ليونارد بايندر[16] نمو طبقة ثانية توسعت وتغذت على تلك السياسات مثل تلك التي تعمل في  لحظة الحماس (عند ماركس)، مما ساعد على تفسير دور القوات المسلحة كواحد من المستفيدين من ثورة 1952م ثم الانفتاح التالي. في عهد ناصر، القيم الرسمية كانت شعبوية، وحاول رايموند هينبوش[17] Raymond Hinnebusch شرح حالة عدم الرضا البعد-شعبوية  post-populism، بينما كتب علي هلال دسوقي عن دولة في أزمة. استخدم روبرت سبرينغبورد[18]  Robert Springborg التعبيرات “موروث ومجزأ patrimonial and fragmented” لوصف النظام المصري. كما تشير أطر هؤلاء الخبراء البارزين عن مصر، السمات المعيارية للنظم السياسية الشرق أوسطية تغييرها شديد الصعوبة. نوع آخر من التحليل يركز على ما هو مُسلم به من وجود تحول بطيء الى الديمقراطية فضلاً عن غيابها.[19] كل هذه العوائق لا يجب نسبتها بالكامل الى شخصيات استبدادية فردية. الزعماء لهم دورهم في هذه العملية – ناصر الذي أنشأ الاتحاد الاشتراكي العربي (ASU) وإطاره الحزبي الجماهيري؛ السادات الذي حول الاتحاد الاشتراكي العربي الى الحزب الوطني الديمقراطي ثم أنشأ منصات معارضة شديدة الصغر بينما في الحقيقة لا تشكل أي منها حزب سياسي مستقل حقيقي؛ أو مبارك الذي ناور بالإصلاحات للنظام الانتخابي بحيث يمكن حدوث أقل قدر ممكن من التغيير.  وراء هؤلاء الزعماء، نظام سياسات المحسوبية، وأنماط الاستقلال سادت المجتمع من الحقبة الليبرالية ولكن غير ديمقراطية قبل الثورة الى الزمن الحاضر. هناك المزيد من السمات الجديدة لنظام المحسوبية patronage system اليوم – شكل جديد يمكن مقارنته بدرجة كبيرة من النظام الاقطاعي القديم- ولكن في وقت قليل تمكن من تغيير المؤسسات والقوانين بشكل كاف بحيث يمكن للتشريع والقضاء العمل بقدر كاف من الاستقلال. مصر ليست فريدة في هذا الخصوص في الإقليم.

هل يوجد دور لأمريكا في التحول الديمقراطي؟

طورت الولايات المتحدة التحول الديمقراطي كسياسة عامة وشددت على هذه العملية بحدة أكثر كجزء من رؤية المحافظين الجدد لشرق أوسط جديد. لكن الولايات المتحدة لا يمكنها ان تطور وترعى ولا تطالب بتحول ديمقراطي بقوة في مصر بدون تغيرات أساسية في مؤسسات الدولة السياسية. تاريخياً واليوم، برامج التحول الديمقراطي في مصر لم تكن موجهة تجاه تحويل المؤسسات. ولكنها قد تقوي المجتمع المدني بتأسيس منظمات غير حكومية مدرة للدخل، وبعض برامج قد تحسن الادراك المدني أو ادراك المجتمع مثل ما يتم من خلال برنامج التطور الاقتصادي للشرق الأوسط (MEED). هذا ببساطة ليس كما أشرنا سابقاً هي العوائق الأكثر شدة للتحول الديمقراطي.

كما أن، الوضع الخطير في العراق قد يكون نذير لما سماه ريتشارد هاس[20] من مجلس العلاقات الخارجية “نهاية الهيمنة الأمريكية في الإقليم”[21] رأيه يفترض أن معاداة الأمركة anti-Americanism زادت الى درجة ان نوع لي الذراع الذي حدث في سنوات التجريب مع الشرق الأوسط الجديد بلغ نهايته. في هذه الحالة فإن النموذج الواقعي للتحول الديمقراطي والذي كان من المفترض ان يلهم الإقليم قد لا يظهر أو سيُدمغ بسياسات طائفية ولن يكون قابلاً للتطبيق خارج العراق والبلاد الشبيهة له على الأكثر.  بمعنى آخر، التحولات التي تؤدي الى تآكل السلطة التنفيذية مثلما في باكستان أو مصر قد تضعف القدرة القمعية suppressive capacity  للدولة. بالرغم من كل الحديث الأمريكي حول التحول الديمقراطي، الا ان البلد ترغب بعمق أكبر في الاستقرار والتعامل بمقادير محددة.

رأي آخر يرى أن الولايات المتحدة لم تكن جادة أبداً في موضوع التحول الديمقراطي في مصر. كما تظهر الشواهد ويشير المعلقون الى رد الرئيس مبارك على الدعوات المطالبة بالتحول الديمقراطي عام 2005م بعمل بعض التعديلات في القانون على هيئة استفتاء اعترض عليها مجموعات كثيرة. التغيرات سمحت بانتخابات رئاسية متعددة المرشحين، بينما فصلت بشدة مؤهلات المرشحين. بالرغم من هذه القيود، حكومة مبارك كانت مازالت تسجن واحد من منافسيه الانتخابيين، أيمن نور، بالإضافة الى عدة مئات من شخصيات المعارضة والناخبين المحتملين في ربيع 2005م. عندما طُلب من وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس التعليق على قضية أيمن نور خلال زيارتها لمصر في أكتوبر 2006م، ردها الحذر تناقض مع ملاحظات سابقة شجعت بحيوية التحول الديمقراطي.[22]

 

الملحوظات

[1] 42. Naguib Mahfouz, Mirrors, Roger Allen, trans., Minneapolis: Bibliotecha Islamica, 1977, pp. 28-32, 151-155; Beth Baron, Egypt as a Woman: Nationalism, Gender, and Politics, Berkeley: University of California Press, 2005; Zuhur and Rifaey, “Visualizing Identity: Gender and Nation in Egyptian Cartoons” in Zuhur, ed., Colors of Enchantment.

[2] 43. Diane Singerman, Avenues of Participation: Family, Politics, and Networks in Urban Quarters of Cairo, Princeton: Princeton University Press, 1985, p. 261.

[3] 44. Sherifa Zuhur, “The Mixed Impact of Feminism in Egypt of the 1990s” Middle East Review of International Affairs (MERIA)

Vol. 5, No. 1, March 2001; Sherifa Zuhur, Gender, Sexuality and the Criminal Laws in Middle East and North Africa: A Comparative Study, Istanbul: KKIP/WWHR (Women for Women’s Human Rights), 2005.

[4] 45. Abdel Monem Said Aly, “Back to the Fold? Egypt and the Arab World,” Occasional Paper, Washington DC: Center for Contemporary Arab Studies, Georgetown University, 1988.

[5] https://en.wikipedia.org/wiki/Olivier_Roy_%28professor%29

[6] 46. Olivier Roy, Globalized Islam: The Search for a New Ummah, New York: Columbia University Press, 2004.

[7] 47. Springborg, Mubarak’s Egypt, p. 238.

[8] 48. Nabil Fahmy, “Egypt’s Unwavering Path to Democratic Reform,” Mediterranean Quarterly. Vol. 17, No. 3, Summer 2006.

[9] 49. Fréderic Vairel, “Quand ‘Assez!’ ne suffit plus: Quelques remarques sur Kifaya et autres mobilisations Ègyptiennes” (“When ‘Enough’ Isn’t Enough: Some Remarks on Kifuya and Other Egyptian Mobilizations”), in Florian Kohstall, ed., Director, L’Ègypte dans l’année 2005, Cairo: CEDEJ, 2006, pp. 130-131.

[10] Diane Singerman, “The Networked World of Islamist Social Movements,” in Islamic Activism: A Social Movement Theory Approach, Quintan Wiktorowicz, ed., Bloomington: Indiana University Press, 2004, p. 160.

[11] International Crisis Group, “Reforming Egypt: In Search of a Strategy,” October 4, 2005.

[12] Personal interviews.

[13] “An Interview with Abdul Moneim Abu El-Foutouh,” Islamism Digest, Centre for the Study of Terrorism, August 2006.

[14] Maye Kassem, Egyptian Politics: The Dynamics of Authoritarian Rule, Boulder, CO: Lynne Rienner, 2004.

[15] Raymond Baker, Egypt’s Uncertain Revolution Under Nasser and Sadat, Cambridge: Harvard University, 1978; Derek Hopwood, Egypt, Politics and Society, 1945-1984, Boston: Unwin Hyman, 1985.

[16] https://en.wikipedia.org/wiki/Leonard_Binder

[17] https://risweb.st-andrews.ac.uk/portal/da/persons/raymond-hinnebusch(d6a6e79f-3a4b-4dc5-ab59-dc60caed8a7d).html

[18] http://www.mei.edu/profile/robert-springborg

[19] Noha El-Mikawy, The Building of Consensus in Egypt’s Transition Process, Cairo: American University in Cairo Press, 1999.

[20] https://en.wikipedia.org/wiki/Richard_N._Haass

[21] Richard Haass, “The New Middle East,” Foreign Affairs, November/December 2006.

[22] “Egypt: Rice Fails to Address Rights and Governance Issues, Say Analysts,” IRINNews.org, United Nations Office for Coordination of Humanitarian Affairs, October 24, 2006.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s