19-01-01: تفشل أو فشلت

ملخص الحلقة

في هذه الحلقة تتناول شريفة زهور العناوين التالية:

  • تفشل أو فشلت
  • الديمقراطية
  • الشرق الأوسط الجديد ومعاداة الأمركة
  • عوائق الديمقراطية في مصر

الموضوع الأول في هذه الحلقة هو هل مصر فشلت كدولة او في طريقها الى الفشل؟ هذا التساؤل يفتح الكثير من المواضيع، مثل، ما هي الدولة الفاشلة، هل هو كما في تفكير الجهاديين الإسلاميين المحاربين (هذا التعريف يعني المقاومين للغرب والرافضين للتبعية له): فشل الدولة في واجباتها الإسلامية؟ او توقف التطور السياسي والاجتماعي-اقتصادي، او توقف الدولة عن الوجود تماماً، او اندلاع ثورة كاملة التفجير full-blown revolution. ولكن شريفة زهور توصلت الى نتيجة مهمة وهو ان البيروقراطية العملاقة لمصر أعاقت فشل الدولة بالرغم من وجود عوامل الفشل. وعند زيادة تلك العوامل كانت البيروقراطية تبقى متحركة ببطء وتعثر بينما كل شيء خارج دائرتها يندفع بفوضى لا تتحكم فيها حركة منظمة. في مثل هذه البيئة لا توجد حركة منظمة قادرة على افشال نظام الحكم (فشل الدولة في نظر الغرب) ولكن توجد دائماً عوامل اضطراب بسبب الفساد والظلم، ولكن هذه العوامل لا تتطور الى فشل لنظام الحكم وبالتالي يكون الغرب دائما قادر على معالجة الأمور والسيطرة على البلد.

ولكن بالرغم من ذلك تخشى أمريكا من تغير هذه القواعد وانفلات الأمور، مع ظهور الصحوة الإسلامية التي تسميها إرهاب (من وجهة نظر الغرب) والقادرة على تحويل الفوضى الشعبية الساخطة الى حركة شعبية منظمة قادرة على افشال الدولة والأكثر خطورة من ذلك هو عندما تنجح الحركة الإسلامية في مصر وتتحول الى نزعة عالمية قادرة على افشال دول أخرى في العالم من بينها دول غربية مهمة. لذلك اصبح من المهم ان لا يسمح الغرب بوصول مصر الى حدود الفشل ولكن مرة أخرى تظهر المعضلة الغربية في تعريف ويليام زارتمان للدولة الفاشلة وسبل تجنب الفشل، الدولة تفشل عندما:

لا تتمكن دولة من توفير أمن او خدمات لمواطنيها أو لا تعد قادرة على أداء وظائفها الأساسية

ولكن هذا التعريف نسبي، فمن هي الدولة (هل هي ممثلة للمواطنين، او جهاز أمني ممثل لمصالح الغرب والصهاينة) ومن هم المواطنون الذين يجب على الدولة ان توفر لهم الامن والخدمات (هل هم كل مواطني الدولة او هذه النخبة من العسكر واللصوص المرتبطة بمصالح الغرب والصهاينة) وما هي وظائف الدولة الأساسية (هل هي التنمية والحفاظ على مصالح المواطنين، او الحفاظ على مصالح الغرب والصهاينة ومصالح النخبة العميلة لهم).

لذلك باختصار يمكن القول بان الغرب راغباً او غير راغب يدفع مصر الى الفشل ولكن لا يجب ان يتركها تصل الى الفشل.

بعد ذلك ننتقل الى التحول الديمقراطي وبعض المقولات حوله في تقرير شريفة زهور والتي تعكس المعضلة الامريكية:

” برامج المساعدة الديمقراطية الامريكية دعمت غالباً بدلاً من ان تقوض الاوتوقراطية المكسية بالليبرالية[1]liberalized autocracy، بسبب صياغتها واستراتيجياتها التصاعدية  bottom-up strategies”

” المنظمات الغير حكومية لا تقوم عادة بتحويل الناس الى طريقة جديدة في التفكير حول أنظمة حكمها”

” هذا النوع من البرامج (برامج التحول الديمقراطي) ليس داخلاً في إصلاحات بنية أو إجراءات نظام الحكم. لاحظ برومبرغ Brumberg ان التحول الليبرالي للأنظمة المستبدة في الشرق الأوسط والذي يحدث لأسباب تذهب الى ما وراء التحفيز الأمريكي، وضع عقبات أمام الديمقراطية بدلاً من دفع الديمقراطية.”

من المفاهيم المهمة سابقاً “اللبرالية الاستبدادية”، هل يمكن ان تكون الليبرالية استبدادية؟ خاصة انه من المفترض ان الليبرالية ضد الاستبداد. هنا يجب ان نعود الى المفاهيم الغربية لكل منهما مع ملاحظة ان مفاهيم الغرب نفسها تختلف حسب التطبيق، يعني تعريف الليبرالية والاستبداد في العالم الغربي يختلف عن تعريفهما في العالم العربي، ايضاً مفهوم الليبرالية نفسه يشمل جوانب اقتصادية وسياسية واجتماعية. مفهوم الليبرالية الاقتصادية يعني باختصار سحق الفقراء، ومفهوم الليبرالية الاجتماعية يعني سحق العقيدة والقيم، وهذه الوظائف الأنظمة الاستبدادية قادرة على القيام بها بأداء اعلى بكثير من غيرها من الأنظمة. وهكذا تبقى الليبرالية السياسية التي لا ضرر من تأجيلها وجعلها مكافأة متدرجة للمجتمعات التي تحقق تقدماً في الامركة والتخلي عن معتقداتها وقيمها.

هنا نأتي الى نقطة الشرق الأوسط الجديد والامركة ومعاداة الامركة. واحد من أهم معضلات السياسة الامريكية هي ان الغرب وامريكا وإسرائيل بالطبع، يكرهون الإسلام والمسلمين بشدة ويحاربوهم بكل قوة وخبث ولكنهم يريدون من المسلمين ليس فقط ان يحبونهم ولكن يعتنقون عقيدة الولاء والبراء للصهيونية الغربية ولا يرضون بذلك بديلاً. الأمركة عقيدة تفرضها أمريكا على المسلمين والامر هنا اجباري ليس اختياري، فمحصلة الحرب على الإرهاب (الاسلام) وحرب الأفكار على العالم الإسلامي هي الامركة التي تعني في مفهومها النهائي التخلي عن الإسلام تماماً واعتناق ليس العقيدة الغربية نفسها ولكن اعتناق تأليه الغرب والتبعية له، لان المسلمون حتى لو تخلوا عن عقيدتهم تماماً فلن يجعلهم الغرب مساوين له ابداً بل سيجعلهم عبيداً له. محاولات الامركة بالقوة نراها الآن في مصر والامارات والسعودية والعراق وكردستان وتونس وليبيا وفلسطين، والتي من المفترض أن تقود في النهاية الى الشرق الأوسط الجديد.

تنتهي هذه الحلقة بمقولة:

” كيف ستتعامل مصر مع التحدي الجهادي المتقطع المستمر، لو استمر في هذا البلد، تكلم عن مستقبل حرب طويلة”

الجملة تعكس ان نظام الحكم العميل للغرب سيستمر في استبداده وفساده، وبالتالي السخط الشعبي سيستمر وفي بعض الأحيان نتيجة الخطاب الشعبوي وطبيعة الحركات الإسلامية سيتخذ شكل حركة منظمة، ولكن لن تكون متواصلة ولكن ستكون تحركات متقطعة مستمرة، وفي حال فشل أمريكا عن إيجاد بديل ديمقراطي لهذه الأنظمة المستبدة فسيستمر هذا الوضع   الذي يجب ان تكون أمريكا والغرب مستعدين له بخوض حرب طويلة مع الإسلام والمسلمين.

الجزء الأول: دولة فاشلة أو في طريقها الى الفشل

الجزء الثاني: أهمية مصر في المنطقة

الجزء الثالث: التحول الديمقراطي في مصر

الجزء الرابع: الإسلام السياسي والأصولية في مصر

الجزء الخامس: أصوليون ومعتدلون

الجزء السادس: عودة بروز الجهاد في مصر

الجزء السابع: الاحتواء الأيديولوجي للتهديدات

الجزء الثامن: الاستنتاجات والتوصيات

موضوع الحلقة

مصر: تحديات الامن والسياسة والإسلاميين

تفشل أو فشلت FAILING, OR FAILED?

ثقافة “الدول الفاشلة failed states” ليست في معظمها من ناتج متخصصين في مصر او الشرق الأوسط او ناشئة من داخل العالم العربي او الإسلامي، باستثناء الجهاديين الإسلاميين المحاربين، الذين يعتبرون حكوماتهم الإسلامية فاشلة في واجباتها الإسلامية. في أعمال المتخصصين الإقليميين، مفهوم “الدولة الفاشلة” تم استبداله بثقافة مختلفة واسعة حول التطور السياسي والتطور الاجتماعي-اقتصادي socioeconomic.  مصر بسبب بيروقراطيتها العملاقة، وسكانها الكثيرين ومشاكل نموها المتعددة، لم تفشل ابداً بمعنى التوقف الفعلي عن الوجود، او اشتعال ثورة كاملة التفجير full-blown revolution. ثورة 1919م كانت بدقة أكثر اعتراض شعبي، وثورة 1952م المجيدة انقلاب عسكري. بدلاً من الانهيار المؤدي الى توقف عن الوجود، كل شيء مرتبط ببيروقراطية الدولة تكدس ببطء، بينما خارج مجالها، تندفع الأشياء مثل المرور، الى الامام بفوضى. أي تنبؤ داخل هذه الفوضى، فكاهتها السوداء، املها الدائم، والطريقة المركبة التي تحدث بها الاحداث والنفوذ السياسي تكون مشوشة في حالة تطبيق النموذج الغربي المعاصر للدولة الفاشلة. الفشل في هذه البنية الحكومية الغربية الغير اكاديمية في الغالب قد يجادل، مثلما تجادل بنية التنمية السياسية علمياً بأن وظائف التخطيط وتوزيع الثروة الغير ناجحة وسماتها السياسية التشاركية المُعاقة تشجع الاضطرابات، وانه بالرغم من وجود بنية ضخمة من قوات الامن، لاتزال ملاذ للإرهابيين. هذا لا يعني ان الغرب كامل، أو أن مصر تفتقر الى أي احتمال ديمقراطي.

بالتأكيد الفقراء في أمريكا يدركون منذ وقت طويل ان الوظائف التوزيعية الأمريكية تحتاج تزييت أفضل، وأن إعصار كاترينا قد يكون قد نبه أمريكيين آخرين مرتاحين بهذه الحقيقة. لكن مصر مازالت بعيدة عن نموذج مثالي لحكومات شرق أوسطية أخرى خاصة في فشلها في توزيع الثروة distributive failures، وايضاً في جوانب أخرى من الحاكمية governance (إحكام قبضة الجهاز الحاكم الموالي للغرب على السلطة).

مفهوم الدولة الفاشلة مهم بشكل خاص في تقديم تفسير للإرهاب، خاصة الإرهاب الإسلامي، خاصة في شموله لإرهابيين وأعضاء القاعدة الذين جاءوا من مصر، وايضاً العنف الإسلامي الذي أغرق مصر ما بين سبعينات وحتى عام 1999م، والعنف المتقطع منذ عام 2003م. الكثير من الذين يتمسكون بنظرية الدولة الفاشلة يقرون ايضاً بتطور الأصولية الإسلامية والإرهاب الى جهاد عالمي[2] global jihad. هذا الارهاب والأصولية العارضة التي يعود تاريخها الى ما هو ابعد من الحركة الإسلامية المعاصرة (في الحقيقة يعود قروناً الى الوراء) لا يُهتم بها كثيراً.

يمكن نسبتها الى خط جهادي دائم في الاسلاموية[3] Islamism، أو طريقة مدمرة بشكل خاص لبعض العيوب الكامنة في الإسلام، الدين، او الثقافة أو الحضارة الإسلامية[4]. الاسلاموية (الإسلام السياسي) والجهاد الإسلامي Islamist militance  يتطور بتنوع واسع من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، في أماكن مختلفة من بينها إنجلترا وألمانيا وفي كل مكان.

قد نحتاج الى ان نفحص بعناية الأسباب المادية والأيديولوجية للأحداث، ثم نتابع التطور الاستراتيجي في تلك الجماعات الموجودة في الشتات. كما سيتم توضيحه، مثل هذا النوع من النضال militance  ليس العائق الوحيد للتطور السياسي والاجتماعي-اقتصادي في مصر. لكن من الحقيقي بالتأكيد ان حاكمية وتوزيع وتخطيط ومشاركة سياسية محسنة أفضل مرغوبة في حد ذاتها.  تحقيقها سيؤدي الى وضع ستكون فيه عناصر المعارضة اقل احتمالاً للجوء الى تكتيكات الإرهاب خاصة ان رأينا حرية متزايدة، ومشاركة سياسية، وقيم مدنية وديمقراطية محسنة.

تعريف مختلف للفشل كما يطرح ويليام زارتمان[5]  I. William Zartman، عندما

أ-لا تتمكن دولة من توفير أمن او خدمات لمواطنيها أو

ب- لا تعد قادرة على أداء وظائفها الأساسية[6].

لكن قد لا يكون هناك اتفاق حول ماهية الوظائف الأساسية للدولة أو من من المفترض أن تخدم. الدولة قد تحتاج فقط الى توفير امن وخدمات لبعض مواطنيها او لبعض الوقت. نموذج أكثر تعقيداً لفهم الدول يأتي من ثقافة سياسات مقارنة[7] comparative politics literature قديمة مكون رئيسي فيها كان شرعية نظام حكم. تلك الأفكار تشدد بقوة على بناء مؤسسات سياسية يمكن ان تحسن مشاركة سياسية أوسع. في بلاد مثل مصر (أو سوريا)، تمثيل الشعب أو الأمة، ومساواة اقتصادية واجتماعية أكبر، ومشاركة جماعية كانت اهداف الدولة العربية الاشتراكية.  ولكن بمقياس علم الاجتماع السياسي الأمريكي، هذا النوع من المشاركة لا يؤدي الى الشرعية لأنه خاضع بشدة للدولة نفسها. مصر في حالة تحول منذ ظهور الاشتراكية العربية في الستينيات. لكن هذا التحول كان رهينة لوظيفة أبدية أخرى للدولة، “توفير الامن” – في هذه الحالة لنظام الحكم، أكثر منه لشعب الأمة.

حركات المعارضة تبرز غالباً تقريباً من خلال تيارات الجذب (عوامل الشد pull factors) والطرد، التثبيط، أو الطبيعة القمعية لبديلهم- الدولة. بالإضافة الى فشل الدولة (عامل ضغط push factor)  في مصر والجاذبية الأيديولوجية للجهاد الناشط (عامل الشد)، هناك متغير آخر بالإضافة الى فشل الدولة (عامل ضغط) في مصر والجاذبات الأيديولوجية للجهاد الناشط (عامل الشد)، هناك متغير آخر يفسر كيف تنمو حركات الجهاد ثم يتم احتوائها، فقط لتظهر من جديد. هذا المتغير الإضافي هو رد الدولة على التحديات من كل من المعتدلين الإسلاميين والجهاديين. في مصر، القمع الحكومي المفعم بالحيوية للإسلاميين، واسرهم وحتى مجتمعاتهم اثار رداً جهادياً، في بعض الحالات                                                                       من الذين لم يُعدوا مسبقاً للعمل الجهادي.[8] على سبيل المثال، في الصعيد، الإقليم المتخلف والفقير تماماً، العنف المقرر من الدولة خلق دورة من الثأر بين الإسلاميين والشرطة، مماثل للعنف الشيعي – السني في العراق منذ فبراير 2006.[9] في وقت اكثر حداثة، محللون مصريون واوروبيون ربطوا هجمات سيناء ما بين 2004 – 2006م بالقمع الشديد للبدو مدموجاً بمعدلات التنمية المنخفضة underdevelopment  القديمة و عزلتهم alienation.[10]

الديمقراطية

في عام 2005م، أعلن الرئيس بوش أن “بقاء الحرية في أرضنا يتوقف بتزايد على نجاح الحرية في الأراضي الأخرى. أفضل أمل للسلام في عالمنا هو توسيع التحرر في كل العالم”. هذه الكلمات بدا انها من أجل دعم عملية تحويل ديمقراطي أكثر مصداقية في الشرق الأوسط؛ تحول يهدف الى منع مأوى الإرهاب، ويهم بمعنى جديد لاستحقاق واستثمار ذاتي للمواطنين في الإقليم. التحول الديمقراطي ظل لوقت طويل سمة للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. كان هناك تعبير عنه بطريقة مختلفة لعدة سنوات ليس فقط من الحكومة الامريكية ولكن من مؤسسات أخرى كغاية لخلق “ليبرالية[11]” بالمعنى السياسي والاقتصادي والايديولوجي. لكن الرئيس بوش كان بالفعل قد اعطى أولوية حديثاً للتحول الديمقراطي في مدته الأولى لسياسة الشرق الأوسط.[12] الإقليم بأكمله كان يضج بمناقشات حول “تحول ديمقراطي مفروض بالقوة”، ديمقراطية من خلال فوهة المسدس”، “ديمقراطية أهلية”، “ديمقراطية متدرجة” وغيرها. ترويج الديمقراطية الامريكية سواء في العقود الماضية للعلاقات المصرية-أمريكية وفي برنامج التحول الديمقراطي منذ عام 2005م، واجه بعض المشاكل الحقيقية في الادراك، والجوهر، والكفاءة. كما أشار دانيال برومبرغ[13] Daniel Brumberg ، الخطاب الرسمي المتفائل للتحول الديمقراطي عام 2003م لم يعكس بالضرورة سياساتنا الفعلية. لمدة عقد على الأقل، برامج المساعدة الديمقراطية الامريكية دعمت غالباً بدلاً من ان تقوض الاوتوقراطية المكسية بالليبرالية[14]liberalized autocracy، بسبب صياغتها واستراتيجياتها التصاعدية[15]  bottom-up strategies.

عندما تمول او تتفاعل البرامج مع مجموعات صغيرة على مستوى “المجتمع المدني”، مما يعني في مصر المنظمات الغير حكومية التي تميل الى ان تبدو نصيرة-للديمقراطية في مظهرها. ولكن بداية ، هي لا تقوم عادة بتحويل الناس الى طريقة جديدة في التفكير حول أنظمة حكمها. نفس هذه المنظمات الغير حكومية تواجه مشاكل مع أجهزة الأمن المصرية التي لها دور في تسجيل ومراقبة المنظمات الغير حكومية.

وفي النهاية، بالتعريف، هذا النوع من البرامج ليس داخلاً في إصلاحات بنية أو إجراءات نظام الحكم. لاحظ برومبرغ Brumberg ان التحول الليبرالي للأنظمة المستبدة في الشرق الأوسط والذي يحدث لأسباب تذهب الى ما وراء التحفيز الأمريكي، وضع عقبات أمام الديمقراطية بدلاً من دفع الديمقراطية.[16]

الشرق الأوسط الجديد ومعاداة الأمركة ANTI-AMERICANISM

من الجدير بالملاحظة ان معاداة الامركة زادت في مصر منذ القصف المُصور في التلفاز لأفغانستان وحكومة الطالبان كرد على أحداث 11/9. المصريون مثل الكثيرين في الإقليم قلقوا بشدة من التصريحات المتعلقة بالحرب على الإرهاب[17] War on Terror  التي تبدو انها تستهدف المسلمين وعقائدهم، وتزايد هذا القلق بغزو أمريكا للعراق. الرئيس مبارك عارض خطة غزو العراق واستبدال نظام حكم صدام حسين لانه كان يعتقد أن ذلك سوف يغضب الجهاديين الأصوليين في الإقليم، وذهب الى ما هو أبعد من ذلك ليقول “أن ذلك سوف يخلق 100 بن لادن”[18] الكثير من المصريين، مثل الكثير من المسلمين في العالم الإسلامي الأوسع، يجدون تأكيداً في وسائل الإعلام وفي الأحداث في الإقليم بأن الحرب على الإرهاب المعلنة من أمريكا هي في وجهة نظرهم، حرب على الإسلام. الكثير منهم صُدموا وحزنوا من أحداث 11/9. لم يريدوا مطلقاً ان يضرب الجهاديون شوارعهم ويعرضوا أعمالهم ودخلهم للخطر. الغالبية لا تريد حظر الأفكار والكتب أو الإنتاج الثقافي المصري البديل مثلما فعلت طالبان. ولكن بعد 11/9، الكثير من المصريين قلقوا بعمق من تدمير وفقدان الحياة المدنية civilian life  في أفغانستان، ثم روعوا بالعدد الكبير من الموتى المدنيين والصراع الطائفي في العراق. القيم الشعبوية[19] Populism  والإسلامية تعني تتطابق مع المتفرجين الفقراء التعساء الذين يبدون للكثيرين في الإقليم بيادق في الحملة العالمية التي ذهبت بعيداً وراء الانتقام من هجمات 11/9.

كما ان، الفكرة بأن الإسلام يولد عنف من ذات نفسه موضوع غربي منذ زمن طويل في ثقافة ودراسة العالم الإسلامي، يعود الى عصر القرون الوسطى. الجهود المتزايدة أو المتكررة بتزايد لمساواة الإرهابيين بالمسلمين خاصة هؤلاء الغير محبين للولايات المتحدة سواء من حيث موقفها تجاه إسرائيل أو الرافضين لوجود امريكي في العراق، اثارت غضب الكثير من المصريين.

سواء كان السبب هو رد الفعل الغربي على الحوادث المتعلقة برسوم الكارتون الدانماركية التي سخرت من النبي محمد صلى الله عليه وسلم وحوادث الشغب التي نتجت عنها في العالم الإسلامي؛ أو التصريحات التي أدلى بها البابا بينيديكت السادس عشر التي اساءت تفسير وخطأت أو تناولت بسطحية الآيات القرآنية والتعاليم الإسلامية[20]؛ أو أحداث أخرى، فإن الانطباع العام في مصر هو زيادة النزعة السلبية في العلاقات الغربية-إسلامية بسياسات ناشئة من حملة الحرب العالمية الشاملة على الإرهاب GWOT campaign.

بالمثل، هناك نفور من المشروع الأمريكي للتحول الديمقراطي في الشرق الأوسط. هناك غضب شديد من غرور التحول الديمقراطي المفروض من أمريكا تم التعبير عنه عام 2003م.[21] آخرون من الذين يؤيدون الرئيس مبارك ارتبكوا من بعض تصريحات المسؤولين وتساءلوا عن سبب ظهور الولايات المتحدة المؤيدة بقوة من رئيسهم كأنها تسحب التأييد من الحكومة المصرية. المتحدثون الرسميون للحكومة المصرية اتخذوا موقفاً بأن بوش لا ينتقد حقيقة مصر؛ ولكن الإقليم يجب أن يتبع خطوات مصر في التحول الديمقراطي التدريجي. لكن مع ذلك علق وزير الخارجية أحمد ماهر بأن حتى طلبة الجامعة يعرفون أن الديمقراطية تمثل نفسها ولا يمكن فرضها من الخارج.[22]

على مدى العامين الماضيين بدت الولايات المتحدة متراجعة عن أي دعوات حادة للتحول الديمقراطي وواصلت دعمها القوي للحكومة الحالية، بالرغم من ضربها على يدها خفيفاً بسبب عدم فتحها للعملية الانتخابية بشكل شامل. الحكومة المصرية قدمت الحد الأدنى من التنازلات؛ الحزب السياسي المهيمن، الحزب الوطني الديمقراطي، رسم خطته لعمل إصلاحات سياسية ولكن ابقى لنفسه اكبر قدر ممكن من السلطة. تحت زعامة جمال ابن الرئيس، أعاق الحزب فعلياً عملية تحول ديمقراطي حقيقية، في نفس الوقت الذي زعم فيه انه أحدثها.

عوائق الديمقراطية في مصر  Roadblocks to Democracy in Egypt

في نفس الوقت، بالنسبة لهؤلاء الذين يعتقدون ان زيادة الحرية (ولو حتى قليلاً) سيقلل الإرهاب – بالتأكيد واحد من جوانب نموذج الدولة الفاشلة – مصر ببساطة لم تصبح أكثر حرية.[23] واحد من الأسباب كان وجود هبة جديدة من مجموعة جديدة وصغيرة من المتطرفين مجهولة يجب التعامل معها، والرئيس رفض أن يتخلص من قانون الطوارئ الذي يعطي سلطات واسعة للمؤسسة الأمنية. عائق آخر هو الطبيعة المركبة المعيقة لثقلها للبيروقراطية والطريقة المركبة التي حققت مكاسب من جهود الخصخصة لبعض المصريين من خلال الفساد المتفشي. مانحون آخرون مصريون وأمريكيون متعددو الجنسية دعموا الخصخصة، بالتباين مع بعض النقاد الاقتصاديين المصريين الأكثر حدة لأداء حكومة مبارك مما يبين أن التغيرات الاقتصادية في البلد لم تكن تفيد الشعب. حتى المؤيدون للخصخصة عبروا عن العديد من التحذيرات والتنبيهات حول الطريقة التي تحدث بها.[24] الافتقار الى التطور السياسي أنشأ أيضاً أشكال طويلة زمنياً من الفساد وتوقعات للتصويت للسياسيين مقابل قبول الحماية، وهو نوع من نظام توزيع distribution system غير رسمي. هذه الجوانب من الحياة في مصر، مع الرشاوى الضرورية في بيروقراطية قليلة المرتبات، ساهمت في نمو مجال اقتصادي وسياسي وحتى ثقافي ثانوي وغير رسمي.[25] ما هو مهم هو أن تراخي الحكومة في فتح وتبديل النظام يتم الاحتجاج عليه من ناس أكثر من الماضي. قد يعني ذلك احتمال أكبر للعنف. نتيجة السمة الأبدية للمصريين بأنهم مزحين وغير عنيفين، او الملاحظة الأكثر دقة بان العنف يقع في سبيل العيش، وان الأجهزة الأمنية والعسكرية الكبيرة من المحتمل انها لن تساند موجة من العنف السياسي، يجب الحذر في توقع تلك التوقعات، ولكن يبدو أن المزاج السياسي مختلف الآن. الموجة الجديدة من السخط الشعبي ترتبط بتقليد الخطاب الشعبوي المصري الذي برز بشكل متكرر في الوصفات الرسمية والغير رسمية لثورة 1919 ضد البريطانيين؛ ثم في ثورة 1952، الانقلاب الذي انهى ملكية الملك فاروق الثاني؛ وفي المظاهرة الضخمة ضد تنحي ناصر عام 1967م؛ واعمال الشغب ضد اسقاط الدعم عام 1977م؛ وفي تمرد قوات الامن المركزي عام 1986م (ايضاً لأسباب اقتصادية)؛ والسخط الشعبي الظاهر منذ 2004-2005 بسبب القضايا السياسية.

في السنوات الخمسة الماضية، والتي كان فيها الموضوع الرئيسي في السياسة الخارجية الامريكية هو “شرق أوسط جديد”، اندلعت جولة جديدة من العنف الإسلامي المتقطع وأدى الى تعطيل صناعة السياحة في مصر. هذا العنف هز الرضا واليقين بأن الهدنة بين الجماعات الإسلامية الكبرى الجماعة الإسلامية والجهاد الإسلامي المصري ومصر عام 1999م حلت أزمة البلد مع الإرهاب، وأن 11/9 كانت انحرافاً او عملاً من إرهابيين مصر قامت بطردهم. كيف ستتعامل مصر مع التحدي الجهادي المتقطع المستمر، لو استمر في هذا البلد، تكلم عن مستقبل حرب طويلة.

الملحوظات

[1] https://en.wikipedia.org/wiki/Liberal_autocracy

[2] https://en.wikipedia.org/wiki/Jihadism

[3] https://en.wikipedia.org/wiki/Islamism

[4] Bernard Lewis, What Went Wrong: The Clash Between Islam and Modernity in the Middle East, New York: Oxford University Press, 2002; Fereydoun Hoveyda, The Broken Crescent: The “Threat” of Militant Islamic Fundamentalism, Westport, CT: Praeger, 1998.

[5] https://en.wikipedia.org/wiki/I._William_Zartman

[6] I. William Zartman, “Introduction, Posing the Problem of State Collapse,” I. William Zartman, ed., Collapsed States: The Disintegration and Restoration of Legitimate Authority, Boulder, CO: Lynne Rienner, 1995, p. 5.

[7] For instance, Gabriel A. Almond and James Coleman, The Politics of the Developing Areas, Princeton: Princeton University Press, 1960.

[8] Mohammed M. Hafez and Quintan Wiktorowicz, “Violence as Contention in the Egyptian Islamic Movement,” in Quintan Wiktorowicz, ed., Islamic Activism: A Social Movement Theory Approach, Bloomington: Indiana University Press, 2004; Raymond William Baker, Islam Without Fear: Egypt and the New Islamists, Cambridge: Harvard University Press, 2003, pp. 187-188.

[9] James Toth, “Islamism in Southern Egypt: A Case Study of a Radical Religious Movement, International Journal of Middle East Studies, Vol. 35, November 2003, No. 4, p. 362.

[10] International Crisis Group, “Egypt’s Sinai Question,” Middle East/North Africa Report, N. 61, January 30, 2007.

[11] https://en.wikipedia.org/wiki/Liberalism

[12] Speech at the 20th anniversary of the National Endowment for Democracy, Washington, DC, November 6, 2003.

[13] http://faculty.georgetown.edu/brumberg/

[14] https://en.wikipedia.org/wiki/Liberal_autocracy

[15] Daniel Brumberg, Democratization Versus Liberalization in the Arab World: Dilemmas and Challenges for U.S. Foreign Policy, Carlisle Barracks: Strategic Studies Institute, 2005, p. 12.

[16] 9. Ibid., p. 12.

[17] https://en.wikipedia.org/wiki/War_on_Terror

[18] 10. Sherifa Zuhur, A Hundred Osamas: Islamist Threats and the Future of Counterinsurgency, Carlisle Barracks: Strategic Studies Institute, U.S. Army War College, 2005, p. 1.

[19] https://en.wikipedia.org/wiki/Populism

[20]  The Grand Mufti of Egypt, Shaykh Professor Dr. Ali Jum`ah (Gum`ah), is a signatory to the “Open Letter to His Holiness Pope Benedict XVI,” issued in 2006 in response to the Pope’s lecture at the University of Regensburg, September 12, 2006.

[21] Bassiouni Hilwani in `Aqidati, November 11, 2003.

[22] Al-Ahram, November 10, 2003.

[23] 14. Measuring “freedom” is a complicated task that rests on universal standards. Freedom House gives Egypt an overall grade of 6 in political rights (as compared to Jordan’s 5) for 2006; but it also measures women’s access to freedom, and the scores in this regard are:

Nondiscrimination and Access to Justice: 3.0

Autonomy, Security, and Freedom of the Person: 2.8

Economic Rights and Equal Opportunity: 2.8

Political Rights and Civic Voice: 2.7

Social and Cultural Rights: 2.4

See Freedom House, “Country Reports: Egypt,” 2006.

[24]  Ahmad Al-Sayyid al-Najjar [Naggar] in Al-Inhiyar al-Iqtisadi fi `Asr Mubarak, Cairo: Merit Press, 2005, shows the devastating corruption and negative effects of these policies. One may compare his critique to Ilya Harik’s stance that insufficient privatization occurred in industry, and agriculture, still a mixed sector, will be more efficient and less distorted as it “liberalizes” (privatizes). Ilya Harik, Economic Policy Reform in Egypt, Gainesville: University of Florida Press, 1997, pp. 38-85.

[25] Diane Singerman, Avenues of Participation: Family, Politics, and Networks in Urban Quarters of Cairo, Princeton: Princeton University Press, 1985, pp. 255-260.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s