7-01-01: الجزء الاول – لبنان وعملية السلام

ملخص الجزء الأول

الفرنسيون والبريطانيون تقاسموا الانتداب على أراضي الدولة العثمانية السابقة في مؤتمر سان ريمو.

نظام الانتداب كان الهدف منه تربية وإرشاد الشعوب الواقعة تحت الانتداب لإعدادهم للحكم الذاتي

الفرنسيون أرادوا انشاء كيان مسيحي يوازن سلطة المجتمعات المسلمة المهيمنة ففصلوا جيب مسيحي من سوريا وجعلوه دولة منفصلة هي لبنان

بعد الحرب العالمية الثانية انتزعت الولايات المتحدة وبريطانيا لبنان وسوريا من الانتداب الفرنسي

لبنان أصبحت دولة مستقلة يحكمها نظام المحاصصة الطائفية الذي يحابي المسيحيين

نظام المحاصصة الذي يهيمن عليه المسيحيون ظل قائماً بسبب النجاح الاقتصادي الذي دعمه الغربيون.

المشاكل بدأت مع وصول 100 الف لاجئ فلسطيني عام 1948م، وازدادت سوءاً في السبعينات مع فرار 100 ألف فلسطيني آخرين من الأردن الى لبنان، لكن هذه الدفعة الأخيرة كانت تقاتل إسرائيل من الأراضي اللبنانية وخاصة من جنوب لبنان أراضي الشيعة المهمشين والذين لم يكونوا راغبين في تواجد الفلسطينيين في أراضيهم.

الفلسطينيون والمسيحيون وصلوا الى الصراع، وبهذا الصراع انهار النظام اللبناني.

الحقيقة ان من فكر في الاستفادة من هذا الصراع هم أمريكا وإسرائيل وليس الأسد كما يقول المؤلف، الأسد أدى دوره الذي رسمته أمريكا وإسرائيل بمنتهى البراعة.

في خلال هذه الفترة حدث تحول في السياسة الأمريكية والإسرائيلية وبدأ التفكير في استغلال الشيعة في تفكيك الشرق الأوسط ذو الأغلبية السنية، بعد ان تبين ان إسرائيل وحدها غير قادرة على القيام بهذا الدور، فأصبحت هناك فكرة استعمال شيعة كقطب ثاني مساعد لإسرائيل لاتمام عملية التفكيك والتسريع بها. في هذه المرحلة دبرت أمريكا والغرب الثورة الخومينية وبدأ الاهتمام بإنشاء حراك شيعي في لبنان وكانت إسرائيل والصراع العربي الإسرائيلي عاملاً مساعداً في تمكين الشيعة ليس فقط في ايران ولبنان ولكن في كل العالم العربي وهو ما راينا نتائجه في العراق وسوريا والخليج العربي لاحقاً.

موضوع الجزء الاول

لبنان وعملية السلام

Lebanon_religious_groups_distribution

 لبنان محكوم بنظام يُسمى المحاصصة الطائفية[1] confessionalism ، تحت هذا النظام كل الطوائف الدينية الكبرى في البلد تتقاسم حكمه.[2] كل طائفة تقدم ممثل لواحد من المناصب السياسية العليا في لبنان، وهذا الشخص يستخدم مكتبه لتوزيع الامتيازات للمشاركين له في الديانة.

اليوم في لبنان، السلطة مُتقاسمة بين الطوائف على قاعدة مساواة أكثر أو أقل.[3] لكن حسب ما كان النظام مصمماً في الأصل، فإن المحاصصة الطائفية تحابي المجتمع المسيحي المهيمن. الطوائف الأخرى –الدروز، والسنة والشيعة—يتم إدخالهم في القرارات المؤثرة على المصلحة الوطنية؛ لكن، في النهاية، المسيحيون يحددون صنع القرار الحقيقي. هذه الوضع الفريد، الذي تهيمن فيه مجموعة واحدة (المسيحيون)، أقامه الفرنسيون. الفرنسيون قاموا بذلك كجزء من تسوية سلام بعد الحرب العالمية الأولى.

الفرنسيون والبريطانيون تقاسموا النظام المُسمى بالانتداب في مؤتمر سان ريمو  San Remo [4]conference ، وهو واحد من عدة منتديات دُعيت للعمل على تسوية سلام بعد الحرب الكبرى. في سان ريمو، قرر الحلفاء أن المجتمعات التي كانت واقعة تحت حكم الإمبراطورية العثمانية من قبل سيُعاد بنائها على شكل ما يُسمى أراضي تحت الانتداب mandate territories. من المفترض أن الأوروبيون سوف يربون ويرشدون tutor الأراضي تحت الانتداب، لإعدادهم للحكم الذاتي. في الواقع، لجميع المقاصد تلك الأراضي أصبحت ممتلكات أوروبية.

في حالة لبنان، أراد الفرنسيون تكوين كيان مسيحي يوازن سلطة المجتمعات المسلمة المهيمنة، وهكذا فصلوا جيب مسيحي من سوريا الكبرى وجعلوه دولة منفصلة. اعترض السوريون على ذلك؛ لكن الفرنسيون الذين كانوا قد مُنحوا الانتداب على سوريا، أجبروهم على الخضوع، وهكذا أُتيح البقاء لهذا الترتيب.

ثم في الحرب العالمية الثانية وقفت فرنسا في عهد حكومة فيتشي[5] مع قوى المحور، ونتيجة لذلك انتزعت الولايات المتحدة وبريطانية من الفرنسيين انتدابهم على ليس فقط لبنان ولكن على سوريا أيضاً. لبنان أصبحت مستقلة، ولكن اللبنانيون رتبوا الأمور بينهم بحيث يبقوا على نفس نظام الحكم؛ يعني تبقى لبنان دولة تحت هيمنة المسيحيين.[6] وتم تقنين هذا الترتيب بقانون يجعل رئيس الجمهورية مسيحي؛ وتحديداً من الطائفة المارونية.[7] وأيضاً لأنهم كانوا المجموعة الأكثر عدداً في لبنان بعد الحرب العالمية الثانية، فقد حصل المسيحيون على غالبية مقاعد البرلمان.

مرت الأعوام ولم يتوقف هذا القانون أبداً، حتى بالرغم من أن معظم النقاط التي ارتكز عليها تغيرت. التحول الأكثر أهمية كان في مجال الديمغرافيا—المسيحيون لم يعودوا المجموعة الأكثر عدداً؛ المسلمون وخاصة الشيعة، تجاوزوهم، ولكن بدلاً من تغيير النظام بشكل مشوه—ناهيك عن تغييره جذرياً—توقف اللبنانيون عن عمل تعداد سكاني.[8] احتفظوا بالتصور الخيالي بأن التفوق العددي القديم للمسيحيين مازال قائماً. وهكذا سُمح للمسيحيين بإدارة البلد.

قد يتساءل البعض لماذا تعلق اللبنانيون بهذه البنية السياسية الزائفة؟ الإجابة قد تكون أن بموجبها كان الأداء الاقتصادي جيد؛ حقيقة الاقتصاد اللبناني قبل سبعينات القرن الماضي كان معجزة. بالنسبة لبلد شديد الصغر، كان لبنان غنياً، بالتأكيد أغنى من البلدان المحيطة به. سوريا وإسرائيل والأردن – ولا واحدة كانت في تحالف معه. المعجزة اللبنانية، كانت تقوم بدرجة كبيرة حقيقة على الهيمنة المسيحية. بسبب ذلك، أقام رجال الأعمال الغربيون مقراتهم هناك، وأيضاً –وهذا هو الأهم—أقاموا أعمالهم المصرفية هناك. بالإضافة إلى ذلك استفادت لبنان من تدفق مستمر للتحويلات من اللبنانيين المقيمين بالخارج. (مصدر آخر كبير للدخل كان من الخليج الفارسي. سنتناول ذلك بتفصيل أكثر لاحقاً)

طالما كان المال يتدفق في لبنان، وطالما كان هناك اهتمام أكثر أو أقل بكل فرد – لديه عمل ومؤمن بشكل معقول—النظام حتى بالرغم من عدم مساواته سياسياً ظل قائماً. ولكن المشاكل أصبحت ظاهرة منذ عام 1948م مع وصول اللاجئين الفلسطينيين الى لبنان بعد أول حرب عربية إسرائيلية. 100000 فلسطيني جاءوا الى لبنان لأن ليس لديهم مكان آخر يذهبون إليه. ليس معهم شيء إلا ممتلكات ضئيلة تمكنوا من انقاذها من بين حطام تلك الحرب، هؤلاء الناس كانوا معدمين. اللبنانيون لم يرحبوا بالفلسطينيين؛ ولكن استغلوهم بشكل مخجل. اللبنانيون استخدموا الفلسطينيين كمصدر للعمال الرخيصة، واستمر ذلك حتى فترة السبعينات المصيرية.

في السبعينات أدت الصدامات بين الفلسطينيين الذين يعيشون في الأردن والحكومة في إحداث خروج جديد للفلسطينيين. 100000 آخرين فروا الى لبنان، وهذا الفوج كان مختلف تماما عن الفوج الأول، فوج عام 1948م.[9] اللاجئون الفلسطينيون عام 1970م اعتبروا أنفسهم مقاتلين. في الأردن عملوا كميليشيات وكانوا مصرين على شن حربهم ضد إسرائيل من موطنهم الجديد في المنفى.

الفلسطينيون الواصلون حديثاً الى لبنان استقروا في جنوب لبنان، فوق الحدود الإسرائيلية مباشرة بما أنهم يستطيعون من هناك شن غاراتهم الفدائية ضد مستوطنات نحال الإسرائيلية (مستوطنات شبه عسكرية) في الجليل. من الطبيعي أن غارات عابرة للحدود من هذا النوع سيتم منعها من قبل حكام البلد. ولكن في الحالة اللبنانية، لم تكن هناك قوات مسلحة كافية لتنفيذ هذا المنع، وبالتالي استمرت الغارات دون رادع.[10]

من المؤكد أن الغارات لم تكن شديدة الفعالية. ولكنها جلبت انتقام شديد من الإسرائيليين. الذين قصفوا ومشطوا المعسكرات الفلسطينية في جنوب لبنان وأثناء العملية تعرضت بعض المجتمعات المحلية لا محالة للضرب.[11] تلك المجتمعات تضمنت الشيعة الأكثر فقراً وتخلفاً سياسياً بشكل أساسي، من بين كل الطوائف.[12]

هؤلاء الناس (الشيعة) لم يكونوا سعداء بوجود الفلسطينيين بينهم، خاصة بعد بداية غارات الإسرائيليين الانتقامية، ولكن لم يكن لديهم هناك الكثير مما يمكن القيام به حيال ذلك. الفلسطينيون ظلوا قوة في الجنوب ولكونهم شعب مغامر استولوا بالتدريج على المزيد من البلد. لم يكونوا يسعون الى الحصول على سلطة داخل النظام اللبناني (لان لديهم أمل في العودة يوماً ما الى منازلهم في الأراضي التي يسيطر عليها الاسرائيليون). لكنهم أنشأوا دولة-مصغرة في لبنان. كان لديهم مستشفياتهم، وعياداتهم وأعمالهم؛ أنشأوا مدارس وبرامج رعاية اجتماعية، كلها لفائدتهم هم؛ المواطنون اللبنانيون لم يكن لهم نصيب في ذلك. وهكذا فإن النمو الهائل للمجتمع الفلسطيني كان طفيلياً. الفلسطينيون كانوا يعيشون على الموارد اللبنانية ولكنهم لم يكونوا يساهمون كثيراً في المجتمع ككل.

المسيحيون كانوا يحتقرون الفلسطينيين أكثر من أي أحد آخر، وكانوا يعلنون عن احتقارهم لهم بصراحة. هم وحدهم من بين المجتمعات اللبنانية Lebanese communities، لم يكونوا مرعوبين من الواصفين لأنفسهم بأنهم مقاتلين فدائيين. المجموعات الأخرى، المسلمون السنة، والدروز، وحتى الشيعة—كانوا كلهم مدركين للدور السياسي الخاص الذي يلعبه الفلسطينيون؛ أنهم يجسدون الشكوى العربية ضد إسرائيل؛ الفلسطينيون كانوا طليعة الصراع العربي ضد الدولة اليهودية. لكن المسيحيون، لا يعتبرون أنفسهم عرب؛ ولكنهم يعتقدون أنهم أحفاد الفينيقيين القدماء. ولكن ذلك كان امراً بعيد الاحتمال وغير مقنع ولا قابل للتصديق؛ ولكن مازال المسيحيون يصدقونه.[13]

ولذلك نرى لماذا الطابع الخاص للفلسطينيين كطلائع مقاتلي العرب سيكون مفقوداً عند المسيحيين.

في النهاية الفلسطينيون والمسيحيون وصلوا الى الصراع، وبهذا الصراع انهار النظام اللبناني. تمكن الأسد من استغلال هذه الأزمة لتوسيع وضعه السلطوي في المنطقة.

الحلقة الأولى: تمهيد ومقدمة

الحلقة الثانية : لبنان وعملية السلام

الحلقة الثالثة: مولد حركة

الحلقة الرابعة : الوضع المتغير في لبنان

الحلقة الخامسة: التخلص من الاخوان المسلمين

الملحوظات

[1] https://en.wikipedia.org/wiki/Confessionalism_(politics)

[2]لخلفية حول النظام الطائفي في لبنان انظر في

George Lenczowski, The Middle East in World Affairs, Ithaca, NY: Cornell University Press, 1980, p. 360 f.

[3]بحث من السعودية، وافق اللبنانيون حديثاً على تعديل نظام حكمهم، بإعطاء مزيد من السلطة للمسلمين. هذه التسوية، المعروفة باتفاقية الطائف، تجعل ترتيبات الحكم نوعاً ما عادلة، ولكن مازال هناك استياء واسع النطاق من أن الاتفاقية ليست عميقة بالقدر الكافي.

[4] https://en.wikipedia.org/wiki/San_Remo_conference

[5] https://en.wikipedia.org/wiki/Vichy_France

[6] الاتفاقية التي بموجبها تم اتخاذ هذا القرار تُعرف بالميثاق الوطني وقد عُقدت اساساً بين المجتمع المسيحي المهيمن والمجتمع المسلم السني الذي كان وقتها قوياً، ولكن أقل عدداً. أنظر في Lenczowski.

[7] المارونيون طائفة مسيحية فريدة في لبنان. يستمدون اسمهم من اسم مؤسسهم القديس مارون، وهو ناسك وقديس من القرن الخامس الميلادي كان في الأصل يعيش في سوريا. انظر في

Jonathan Randall, Going All the Way, New York, NY: Viking Press, 1983, p. 34.

[8] في اربعينات القرن العشرين، كان الشبعة يشكلون ربما حوالي 38% من السكان. اليوم ربما يقتربون من 47%

[9] لخلفية عن ذلك انظر في ” Lenczowski ” ص. 470 F.

[10]اللبنانيون يفتقرون الى جيش لعدة أسباب، أهمها انهم لا يريدون تحمل تكاليف جيش. أيضاً، أي جيش سيمتلكونه سيكون بالكاد متماسكاً بما أنه مصنوع من وحدات تتكون من طوائف متنوعة، وولاء هذه الطوائف للمماثلين لهم في الدين وليس للحكومة المركزية.

[11] For background on this see Augustus Norton, Amal and the Shi’a: Struggle for the Soul of Lebanon, Austin, TX: University of Texas Press, 1987, p. 64 f. Also Robert Fisk, Pity the Poor Nation, Oxford: Oxford University Press, 1992, p. 74.

[12]الدين الإسلامي به فرعين كبيرين- السنة والشبعة. السنة يشكلون الغالبية الكاسحة. الشيعة أصغر وربما يكونون أكثر راديكالية. الشيعة قاعدتهم اساساً في إيران، مع مستعمرتين مهمتين لهما – واحدة في العراق والأخرى في لبنان.

[13] هناك عنصر حقيقي في هذا. تاريخياً، لبنان كانت موطن الفينيقيين، الذين كانوا تجاراً كباراً، انتشروا في البحر المتوسط وأسسوا قرطاج، عدوة روما الكبيرة، فيما يُعرف الآن بتونس. مع ذلك، على مر القرون، هؤلاء الفينيقيون الأصليون تزاوجوا مع العرب، واللبنانيون الموجودون اليوم هم عملياً عرب.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s