2-02-06: الفصل السادس – العمل السوفيتي

الفصل السادس: العمل السوفيتي

 

الخلفية .

الاتحاد السوفيتي كان في الأساس راغب في مساعدة العراق طوال الحرب، مما وتر العلاقات بينه وبين الإيرانيين. ثم قبل نهاية الحرب مباشرة كان لدى موسكو فرصة استغلتها لإصلاح علاقاتها مع ايران.  النزعة الدافئة بدأت خلال وضع العلم الامريكي على ناقلات البترول الكويتية عام 1987م. ولكن كان انسحاب الجنود السوفييت من أفغانستان ونهاية الحرب الايرانية العراقية هي التي حركت النزعة الى الامام. يظهر ان ايران والاتحاد السوفيتي يطوران الآن علاقات عسكرية واقتصادية ايضاً، طبيعتها ومداها مازالا غامضين.

في نظر السوفييت، ايران لديها أهمية استراتيجية في حلبة الشرق الأوسط بسبب موقعها على الحدود الجنوبية لموسكو، وحجمها وثرائها المحتمل. مثالياً، موسكو تتمنى رؤية نظام حكم موالي للسوفييت في طهران. ولكنها قد تقنع بمنع خصومها من تحقيق نفوذاً  سائداً هناك. فوق كل شيء السوفييت يريدون حرمان أمريكا من النفوذ هناك، هذا النفوذ الامريكي الذي كان أساسياً أيام الشاه.

تاريخياً السوفييت كانوا قلقين من التدخل الأجنبي في إيران، معتقدين أن ذلك سوف يهدد هشاشتها وضعفها في ذلك الجزء من العالم. الايرانيون من جانبهم كانوا دائماً متشككين في جارتهم روسيا القوية في الشمال، بالرغم من الفترات التي كانت فيها العلاقات السوفيتية الايرانية ودودة نسبياً سطحياً.

عندما كان الشاه يحكم ايران، السوفييت عادة يقوا على مسافة. الشاه كان يرى نفسه حاكماً قوياً يمكنه احتواء سياسة التوسع السوفيتية، ليس فقط في ايران ولكن في الشرق الاوسط كله.

وهكذا فقد طلب دعماً في الإقليم من الولايات المتحدة والحكومات الغربية.  بالعودة الى الوراء الى خمسينات القرن العشرين، حصلت ايران على واردات كبيرة من الأسلحة والدعم الاقتصادي من واشنطن لمساعدتها في محاربة التخريب الشيوعي الداخلي. لكن هذه المساعدات كان تكافئها المساعدات السوفيتية للعراق.

في أوائل سبعينات القرن العشرين، بعد أن رفع الحظر العربي للبترول سعر البترول ارتفاعاً كبيراً –وهذا الارتفاع جلب ثراء لم يكن يحلم به منتجو البترول- سعى الشاه الى تحويل ايران الى قوة عظمى. في هذا المنعطف تحديداً الرئيس نيكسون كان يبحث عن وكيل لاحتواء التقدم السوفيتي في الخليج[1]. الشاه تولى هذا الدور بلهفة. وخلال السنوات ما بين 1972 الى 1978م اشترى ما قيمته 20 بليون دولار من الأسلحة الأمريكية، والتي ورها نيكسون بسعادة بما أنه كان يرى الشاه دعامة للاستقرار وصديق متين للولايات المتحدة.  عدد قليل في واشنطن كانوا مدركين بالقوة المحتملة لخصوم الشاه في ذلك الوقت.

في نهاية السبعينات اتخذ الشاه سياسة غير منحازة تجاه الشرق وحسن العلاقات الاقتصادية بين ايران والسوفييت[2]. السوفييت رحبوا بالمبادرة بوضوح على أمل ان يعقبها فوائد سياسية.

النزعة الدافئة لم يكن من الممكن أن تأتي في وقت أفضل بالنسبة لموسكو. عندما سقط الشاه، تحرك السوفييت للاستفادة من خسارة النفوذ الامريكي في ايران. في الواقع، استغلال السقوط المفاجئ للشاه أصبح هدفاً سياسياً سوفيتياً كبيراً في اوائل ثمانينات القرن العشرين.

الإطاحة بنظام حكم الشاه عام 1979م تمت بيد أتباع دينيين للخوميني والعديد من الجماعات المعادية للشاه، بعضها كان ودوداً مع الاتحاد السوفيتي. موسكو سعت الى العمل من خلال هذه العناصر الموالية للسوفييت للتأثير على الثورة. لكن عملاء موسكو هُزموا في صراع سلطة ناشئ بينهم وبين رجال الدين.

وهكذا بحلول عام 1981م  العلاقات السوفيتية الايرانية كانت مرتجفة و في جذور هذا النفور تواجدت أربعة عوامل:

الغزو السوفيتي لأفغانستان وتهديده الكامن لإيران

الطبيعة الدينية للحركة الأصولية الاسلامية الايرانية (وما يصاحبها من ارتيابها في البروباغاندا السوفيتية)

المساعدات السوفيتية للعراق في الحرب الايرانية العراقية

ارتياب الايرانيين في حزب توده المدعوم من السوفييت، والذي تخلص منه رجال الدين عام 1983م.

من جانب السوفييت، موسكو كانت قلقة من انتشار الثورة الاسلامية عبر الحدود الايرانية الى جنوب روسيا. الملايين من المسلمين يعيشون في جنوب الاتحاد السوفيتي وهم أهداف طبيعية للبروباغاندا الأصولية[3] (كما بينت الأحداث في يناير 1990م، المجتمع المسلم في اذربيجان على الحدود هائج و عرضة لعمل اضطرابات. سنناقش ذلك بتفصيل أكبر فيما بعد ).

اندلاع الحرب الايرانية العراقية عام 1980م، دفع حقيقة السوفييت الى التعامل مع الايرانيين[4]. رفضوا الغزو العراقي، وبالتالي مالوا جهة طهران. بتعبير عيني هذا يعني انهم فرضوا حظر تسليح على العراق، ومنعوا الكثير من المعدات المطلوبة. ولكن بعد أن صدت ايران الغزو العراقي ثم حاولت غزو العراق، موسكو غيرت وجهها تغييراً كاملاً ومفاجئاً. واصلت توريدات السلاح واستمرت في تسليح العراقيين في باقي الصراع.

بداية من عام 1984م، تحركت طهران لوقف التدهور في العلاقات الايرانية سوفيتية. في اوائل عام 1985م، طلبت من السوفييت قطع توريدات السلاح للعراق وعرضت عليهم توسيع الاتصالات الاقتصادية مع موسكو. ولكن السوفييت، غير مقتنعين بصدق ايران، تمسكوا بموقف صارم تجاه ايران. من الظاهر ان موسكو كانت تعتقد ان الدافع الأساسي لطهران من التودد لها كان دق اسفين بينها وبين بغداد.

في عام 1986م السوفييت كانوا بين بين، في تعاملهم مع المتحاربين. مع ذلك لم يبد أن ذلك يزعجهم – طالما أن واشنطن لم تعد بقوة الى المنطقة، فهم راضيين. وهكذا خلال أزمة الرهائن، عندما بدا أن الولايات المتحدة ستتدخل عسكرياً في ايران، حذرت موسكو من هذا العمل.

موسكو لكي تبقي على القليل من النفوذ في طهران، سمحت لحلفائها في أوروبا الشرقية ببيع أسلحة للإيرانيين. لكن المبيعات انخفضت عام 1985م[5]. كانت هناك ايضاً توريدات سوفيتية مباشرة للأسلحة الصغيرة والذخيرة خلال منتصف ثمانينات القرن العشرين، ولكن بشكل عشوائي فقط. كل الطلبات الايرانية للحصول على أسلحة سوفيتية متقدمة كان تُرفض من موسكو. السوفييت كانوا مستائين بشدة عندما ارسلت ليبيا الى ايران صواريخ سكود ارض ارض السوفيتية الصنع في ربيع عام 1985م. تردد السوفييت لتزويد ايران بأنظمة التسليح ربما كان نتيجة عاملين:

الاول، لم تكن تريد من ايران ان توسع الحرب

الثاني، ارادت تجنب نفور العراق.

أصول تحول موسكو تجاه ايران.

اختلافات السياسة الايرانية سوفيتية حول الحرب الايرانية عراقية وحول أفغانستان كانت القضايا الأكثر اهمية التي تفصل بين موسكو وطهران، وبدت أنها المجالات الأقل احتمالاً لحدوث تغيير فيها. ولكن مع انتهاء الحرب، ومع بداية انسحاب السوفييت من أفغانستان، تحسنت العلاقات بدرجة كبيرة. أصول هذه العلاقات المحسنة يمكن مشاهدتها في وقت مبكر في عام 1986م. الرغبة السوفيتية في الالتزام بقرار الأوبك بخفض إنتاج النفط مهدت الطريق لبروتوكول سوفيتي ايراني، في نهاية عام 1986م. نص على استئناف واردات الغاز الطبيعي الايراني الى الاتحاد السوفيتي. البروتوكول تبعته زيارة ولاياتي وزير خارجية ايران الى موسكو في فبراير 1987م، اول مسؤول رفيع المستوى يزور الاتحاد السوفيتي منذ بداية الثورة الايرانية.

جدل تغيير العلم عام 1987م أعطى موسكو الفرصة التي كانت ربما تبحث عنها من أجل ترسيخ علاقتها مع ايران. في أوائل عام 1986م وافقت موسكو على طلب كويتي بحماية ناقلات بترولها[6]. امكانية دفاع الاسطول السوفيتي على الشحنات الكويتية، وبالتالي تحسين النفوذ السوفيتي في الدول العربية المعتدلة، كان مزعجاً لواشنطن بحيث اتخذت مجهود أكثر طموحاً ووضوحاً بوضع العلم الأمريكي على عدد من ناقلات البترول الكويتية. واشنطن بهذه الطريقة تمكنت من المزايدة على الروس لصالح الدول العربية المعتدلة. لكن، في نفس الوقت، تمكنت موسكو من استغلال دخول امريكا في الخليج لتوسيع علاقاتها مع ايران.

كانت هذه حركة ذكية بما أنها مكنت موسكو من توفير احتياجات ايران من الدعم الديبلوماسي الدولي. السوفييت انتقدوا الولايات المتحدة على عسكرة الخليج، وهو ما زعموا انه يوسع الحرب.  تعبير موسكو عن عدم سعادتها كان بلا شك حقيقي، بدرجة تخوف السوفييت الشديد من أي نشاط أمريكي عسكري بالقرب من حدودها.  كما انها ظهر لإعطاء درس للقادة العسكريين الأمريكيين حول التصورات السوفيتية في هذا الجزء من العالم. بسبب قربها الجغرافي، السوفييت رأوا ايران كحالة خاصة وليست بالضرورة جزء من “التفكير الجديد”[7] لغورباتشوف.

شواهد إضافية على ذلك حدثت في أغسطس 1987م عندما وقع البلدان اتفاقاً اقتصادياً دعا الى بناء خط حديدي جديد وخط بترول يربط بين البلدين[8]. إن تحقق، خط البترول سيكون له قيمة اقتصادية كبرى لإيران، وسيعطيها طريقاً آخر غير الخليج الفارسي لتصدير بترولها الخام. لكن الخط الحديدي يمكن أن يكون له أيضاً أهمية استراتيجية للسوفييت. يمكن أن يعطي موسكو وصولاً لأجزاء كبرى من إيران، ايضاً – بالنسبة لهؤلاء الذين يؤيدون نظرية موانئ المياه الدافئة – قد يكون هذا تطوراً مقلقاً. حتى لو ثبت أن المخاوف الاستراتيجية مبالغ فيها، السوفييت حسنوا بهذا الاتفاق وضعهم في الإقليم[9].

حدود العلاقات – 1987م.

خلال خريف عام 1987م، لم يكن واضحاً إن كان السوفييت سيكونون قادرين أو غير قادرين، أو حتى ميالين الى الاستفادة من مكاسبهم في ايران. في ذلك القوت، يظهر أن الايرانيون كانوا يريدون السوفييت فقط لأسباب تكتيكية عابرة متعلقة بوضع علم دولة أخرى على ناقلات البترول، وحرب الناقلات، وللحد من الدعم السوفيتي للعراق. الاختلافات السوفيتية الايرانية لا تزال قائمة على قرار الحرب الايرانية العراقية؛ وعلى افغانستان ومعاملة ايران لحزب توده. في نظر الايرانيين، مازال الاتحاد السوفيتي شيطان، لكن أصغر من شيطان أمريكا.  الارتياب الاسلامي في جارتها الشمالية مازال عاملاً في المعادلة الثنائية، بالرغم أنها معادلة صعبة القياس فيما يتعلق بالعوامل الأخرى.

ولكن لو كان لدى طهران أسباب لتكون حذرة من الاقتراب بشدة من الاتحاد السوفيتي، فإن موسكو أيضاً لديها أسباب لتكون حذرة من انفتاحها على إيران. السوفييت اجتهدوا بمشقة لتوسيع وتعميق علاقاتهم مع الدول العربية المعتدلة في المنطقة. كل هذه العلاقات ستكون في خطر لو تحركت موسكو الى شكل ما من التعاون العسكري العلني مع ايران. بالإضافة الى أن السوفييت لا يريدون ان يتخلوا عن عصفور في اليد – العراق – مقابل عصفور غير مؤكد بدرجة كبيرة على الشجرة – ايران.  لهذا فإن انفتاح السوفييت على ايران في خريف 1987م  بدا جزءاً من عمل أكبر من أجل التوازن في الخليج كله، وليس مقدمة لتحالف عسكري كبير أو علاقة نفوذ. مع ذلك، لم يكن هناك شك أن تحسين العلاقات السوفيتية الايرانية خلال حرب الناقلات أغضب العراقيين وجعلهم أقل رغبة في المضي في جهود السوفييت للتوسط في انهاء الحرب.

في نهاية عام 1988م اصبح واضحاً ان الدوافع وراء تحسين العلاقات السوفيتية الايرانية امتدت الى أبعد ما أن تكون مجرد رد تكتيكي على سياسة وضع العلم الامريكي على الناقلات في الخليج.  تطوران كبيران غيرا الصورة الاستراتيجية وعززا العلاقات السوفيتية ايرانية. الاول، التصورات الايرانية للتهديد السوفيتي تضاءلت بشدة بعد أن بدأ السوفييت في سحب جنودهم من أفغانستان. الثاني، الهزيمة العراقية المدمرة لإيران تركت الايرانيين ضعفاء عسكرياً وفي حاجة الى حليف دولي قوي.

تحسين العلاقات بين موسكو وطهران كان واضحاً في المحادثات الاقتصادية المشتركة في موسكو في أوائل ديسمبر 1983م. السوفييت والايرانيون دخلوا في اتفاقية في عدد من المساعي الاقتصادية الكبرى. تضمنت تصدير الغاز الطبيعي الايراني الى الاتحاد السوفيتي، التوسيع المشترك لمحطات كهرباء أصفهان والاهواز، ومجهود مشترك لزيادة انتاج الحديد في أصفهان. في مجال النقل، دعت الاتفاقية الى عبور حر للشاحنات الايرانية من وإلى باكو من أجل نقل الخامات المطلوبة من أوروبا. في النهاية دعت الى بناء خط سكة حديد بين سرخس ومشهد في ايران لتسهيل السفر والنقل بين البلدين.

الرؤية الايرانية الأكثر حميدة للتفكير الجديد لغورباتشوف والدفاع الاستراتيجي السوفيتي أصبحت أوضح مع نهاية عام 1988م.  في المراسلة الشخصية الاولى والوحيدة من الخوميني الى رئيس دولة أخرى، الزعيم الايراني أرسل رسالة الى غورباتشوف في أوائل يناير 1989م يعبر فيها عن موافقته على النزعة الدافئة في العلاقات. ومع أن الرسالة تحتوي انتقادات وثناء على الاتحاد السوفيتي، كان من الواضح أن رسالة الخوميني قصدت نزع فتيل النزاع الايديولوجي لطهران مع موسكو من أجل المساعدة على توسيع العلاقات الايرانية مع الاتحاد السوفيتي.

في مؤتمر صحفي عند عودته من تسليم رسالة الخوميني الى غورباتشوف، قال لاريجاني نائب وزير الخارجية الايراني أن الرسالة فتحت فصلاً جديداً في العلاقات الايرانية بالاتحاد السوفيتي على أعلى المستويات. وتوقع ان تزيد الروابط الاقتصادية بين البلدين ثلاثة أضعاف عام 1989م. وقال إن  غورباتشوف عبر عن استعداد السوفييت في المشاركة في إعادة بناء ايران بعد الحرب. السوفييت أيضاً جاملوا طهران بالتعبير عن نيتهم تطبيق غلاسنوست في آسيا الوسطى المسلمة، وبذلك تسمح لإيران ببعض النفوذ بين ملايين من السوفييت المسلمين الذين يعيشون على طول الحدود الجنوبية مع ايران. (هذه السياسة بكل تأكيد سوف يُعاد التفكير فيها بعد الانفجار الحديث في أذربيجان).

السوفييت قدموا تنازلات أخرى لإيران على جبهة أفغانستان حيث دعوا الى مشاركة متزايدة من الشيعة المحليين في المفاوضات بين قوات المجاهدين وحكومة كابول: قبائل الشيعة الأفغانية عملاء للإيرانيين. يظهر هنا وجود مبادلة: مقابل الدعوة الى العملية السياسية الافغانية، الايرانيون سوف يهيمنون على الشيعة الافغانيين المماثلين لهم في العقيدة ليكونوا أكثر وداً تجاه عملاء السوفييت في كابول[10].

الاستراتيجية السوفيتية في أفغانستان بدت ناجحة وتؤتي ثمارها. في الحلبة العسكرية، مارست ايران نفوذاً على عملائها (الشيعة، وايضاً مجموعات أخرى غير محددة من بين قوات المجاهدين) ليبقوا محايدين ولا يقاتلوا حكومة كابول. الكثير من هذه المجموعات كانت خاضعة لرغبات ايران، مما شاهم في بقاء حكومة كابول الموالية للسوفييت في السلطة، بالرغم من تنبؤات الخبراء بأنها سوف تسقط. (بالطبع النقل الجوي السوفيتي الضخم الى افغانستان ساعد أيضاً في ترسيخ الوضع السياسي لكابول ) [11].

السوفييت ايضاً استغلوا فرصة أخرى للقيام بغزوات في ايران بدهاء على حساب الغرب. عندما وقعت حادثة سلمان رشدي في فبراير 1989م، زار شيفيرنادزي وزير الخارجية السوفيتي ايران وأشار إلى ان غورباتشوف متلهف مثل الخوميني الى تحسين العلاقات السوفيتية الايرانية. الايرانيون ردوا بإيجابية وفي مايو 1989م اعلن وزير الخارجية الايراني أن ايران سوف توقع على صفقة أسلحة مع الاتحاد السوفيتي. واخيراً، في يونيو 1989م، على أكبر هاشمي رافسنجاني المتحدث باسم البرلمان الايراني في ذلك الوقت ثم رئيس الجمهورية بعد ذلك بوقت قصير زار موسكو ووقع على بان رسمي المح الى استئناف المبيعات العسكرية السوفيتية الى ايران[12].

التقارير حول المناقشات الحقيقية بين غورباتشوف ورافسنجاني بقيت غير حاسمة. الصحافة الكويتية نقلت عن مصادر مزعومة للسي آي إي تقول أن موسكو وافقت على تزويد ايران ب300 دبابة تي-72 و 50 دبابة تي-54 بالإضافة الى 200 قطعة مدفعية و 21000 مركبة عسكرية[13].تقارير صحفية أمريكية مؤكدة أخرى قالت أن السوفييت عقدوا صفقة أسلحة قيمتها 2 بليون دولار معايران. قيل أن طهران سوف تدفع ثمن هذه الأسلحة بشحنات من الغاز الطبيعي الى المناطق الجنوبية من الاتحاد السوفيتي.

يجب التعامل مع هذه التقارير بحذر. معظم المراقبين يصدقون كلمات غورباتشوف عندما قال أن الاتحاد السوفيتي سوف يبدأ في شحن أسلحة الى ايران، ولكن طبيعة هذه الأسلحة كلها مهمة. ليس من المرجح أن موسكو سوف تعطي طهران أي شيء يمكن أن يزعزع الاقليم بدرجة كبيرة.

في مارس 1989م انتقدت صحيفة عراقية ذات صلات بنظام الحكم موسكو لسماحها لأصدقائها في أوروبا الشرقية بتسليح إيران[14]. العراقيون على ما يبدو كانوا يردون على تقارير تفيد بأن تشيكوسلوفاكيا ورومانيا وافقتا على تزويد طهران بدبابات وعربات مدرعة وصواريخ مضادة للدبابات، وصواريخ مضادة للطائرات، وقاعدة بحرية في جزيرة قشم ومحطتين طاقة نووية. الصحيفة قالت ان هذا التعامل المزدوج من جانب الاتحاد السوفيتي وحلفائه في أوروبا الشرقية سوف يقوض العلاقات السوفيتية عراقية.

لا نعتقد أن الاستياء العراقي سيكون سبباً كافياً لإعادة موسكو التفكير في مبيعات السلاح للإيرانيين. مقدار ما من مبيعات السلاح سوف يتم. ولكن في رأينا، السوفييت سوف يسعون بشكل أساسي الى تحسين العلاقات الاقتصادية. على سبيل المثال، خلال عام 1989م بدأ الاتحاد السوفيتي وايران التفاوض على استئناف صادرات الغاز الطبيعي الايراني الى الاتحاد السوفيتي. لكن، مازال هناك حاجة الة استثمارات كبيرة لتجهيز البنية التحتية، والاسعار قد تكون محل نزاع.

باختصار.

موسكو ترى ان نهاية حرب الخليج ونهاية تدخلها في أفغانستان تغير المعادلة الاستراتيجية وايضاً توفر فرصة لتحسين علاقاتها مع ايران، وبذلك تسرق مسيرة (ايران) الى الولايات المتحدة. موسكو وطهران الآن في عملية تعريف طبيعة ومدى علاقتهم الجديدة. الاضطرابات الحديثة في جنوب روسيا في رأينا لن تغير شيء في الصورة. نشعر أنه من المهم، أن حكومة رافسنجاني لم تحاول مفاقمة الاضطرابات في أذربيجان، بالرغم أن الأذريون شيعة، مماثلون في الدين مع الايرانيين.  هذا يخبرنا ان نظام الحكم في ايران، والسوفييت يتطلعون الى جبهة مسالمة هادئة. حقيقة يمكننا القول بان الاضطرابات الآذرية سوف تقرب بين موسكو وطهران – رجال الدين الايرانيون الراديكاليون، الذين هم مصدر قدر كبير من الاضطرابات في أذربيجان، هم اعداء رافسنجاني الرئيسيون. هذا الامر وفر له سبباً للتعاون مع غورباتشوف ضد الراديكاليين.

لكن مصالح السوفييت في الشرق الاوسط تذهب الى ما هو أبعد من ايران. موسكو تسعى الى علاقات طيبة مع كل الدول في المنطقة. بينما تعتبر موسكو ايران أكثر أهمية جيوستراتيجية من العراق، إلا أن السوفييت لا يريدون خسارة بغداد كمستهلك للأسلحة، خاصة لان العراق كان من بين أكبر مصادر موسكو لاكتساب العملة الصعبة[15]. العراق لديها ايضاً ثاني أكبر احتياطات بترولية في العالم وهو ما بدأ في موازنة الاهمية الجيوستراتيجية الكبرى لإيران لدى السوفييت. هذا العامل سوف يصبح متزايد الأهمية مع انخفاض امدادات النفط بحدة في تسعينات القرن العشرين وتنافس موسكو وواشنطن على بترول الشرق الأوسط.

سيظهر ان نوايا موسكو هي تطوير علاقات ناعمة مع دولتين قويتين في الخليج، وهي عملية دقيقة وحساسة ولكنها على أي حال خارج قدراتها. التقارير الحديثة بأن السوفييت يجهزون للوساطة في محادثات سلام بين بغداد وطهران في موسكو – لو كانت صحيحة – تقوي هذا الرأي. هذه المحادثات لن تكون مفيدة لموقف أمريكا في المنطقة. نفوذ موسكو في المنطقة سوف يكبر بدرجة كبيرة، خاصة لو انتجت المحادثات تسوية، أو حتى تقدم نجاه تسوية نهائية.

لتلخيص الموضوع، السوفييت على ما يبدو لعبوا لعبة بارعة من المناورة الديبلوماسية جعلتهم في وضع يسمح لهم استغلال العلاقات مع كل دول الخليج. من الواضح أنهم لديهم علاقات مع طهران، وما هو مهم أنهم فعلوا ذلك بدون إبعاد العراقيين تماماً. بالإضافة أنهم حققوا نجاحات في ممالك الخليج – الكويت أقامت علاقات ديبلوماسية مع موسكو هي والامارات وعمان، ويبدو من المرجح أيضاً أن السعودية خلال عامين سوف تفتح سفارة في موسكو.  عندما تتحرك السعودية، بالتأكيد ستتبعها باقي دول الخليج.

من جانب آخر، الولايات المتحدة في رأينا تخسر أرضية. بسبب، عداء رجال الدين الأصوليين المتواصل، نظل مبعدين عن الايرانيين؛ نتيجة عدم رغية الكونغرس في الموافقة على مبيعات الأسلحة، علاقاتنا مع الممالك العربية صحيحة ولكنها ليست ودية. والآن، منذ نهاية الحرب الايرانية العراقية، علاقتنا مع بغداد في ندهور.  نخشى أن السوفييت يحققون مكاسب ديبلوماسياً على حسابنا.

 

المقدمة

الفصل الأول: تمهيد

الفصل الثاني : نقطة التحول

الفصل الثالث: توكلنا على الله- استراتيجية وتكتيكات

الفصل الرابع: دور الجيش العراقي في فترة ما بعد الحرب

الفصل الخامس: الأمن الأمريكي والقدرات العراقية

الفصل السادس: العمل السوفيتي

الفصل السابع: المعضلة الأمريكية

التوصيات

 

الملحوظات

 

[1] Richard W. Cottam, “Goodbye to America’s Shah,” Foreign’ Policy, Spring 19.79, pp. 3-14.

[2] Aryeh Y. Yofat, The Soviet Union and Revolutionary Iran, New York: St Martin’s Press, Inc., 1984, pp. 27-31.

[3] هذا أصبح واضحاً بشكل خاص في عام 1988م بعد اندلاع أعمال شغب بين المسلمين في جمهورية اذربيجان السوفيتية والارمنيين. المشاغبون المسلمون كانوا شيعة، والكثير منهم كان يحمل صور للخوميني خلال أعمال الشغب.

[4] Alvin Z. Rubinstein, Soviet Policy Toward Turkey, Iran, and Afghanistan: The Dynamics of Influence, New York: Praugjer, 1982, pp. 110-111.

[5] هذا القسم مأخوذ من حوارات في تل أبيب مع محللين في مركزي دايان ويافا، وفي جامعة جيروزاليم، في يونيو ويوليو 1989م

[6] Gary Lee, “Soviets Helping Kuwait in Shipping Crisis,” The Washington Post, April 15,1987.

[7] See Francis Fukuyama, Gorbachev and the New Soviet Agenda in the Third World, The RAND Corporation, March 1988, Fukuyama argues that the Soviets have displayed a highly competitive, zero sum game vis-a-vis the United States in the Gulf.

[8] See Jackson Diehl, “USSR akid Iran Plan ,Joint Economic Projects,” The Washington Post, August 5,1987.

[9] Robert 0. Freedman, “Gorbachev, Iran and the Iran-Iraq War,” unpublished manuscript, March 1989, provides a good, detailed description of Soviet-Iranian relations through August 1988.

[10]  نتيجة لصفقة سوفيتية ايرانية كما يُزعم، ايران قد تقلص دورها في الحرب المدنية الأفغانية وتنصح ثوارها الشيعة بالتعاون مع حكومة كابول. مقابل الدعم الايراني للدولة العميلة للسوفييت في كابول، قيل ان الحكومة الافغانية منتحت استقلال ذاتي إداري وسياسي لإقليم هزارة في وسط افغانستان، منطقة الشيعة الرئيسية. أنظر في التقرير الاجنبي في الإيكونيميست، 21 سبتمبر 1989م.

[11] The Washington Post, September 10, 1989.

[12] See Dilip 14iro, “Why Iran Came to Call on Its Soviet Neighbor,” The Wall Street Journal, July 7, 1989, p. A-8; David B. Ottaway, “White House Cautions Soviets on Major Arms Sale to Iran, The Washington Post,

June 21, 1969, p. A19; and “Soviet-iran Ties Make U.S. Uneasy,” The Washington Post, June 24, 1989.

[13] Al Qabas, June 26, 1989.

[14] Al-Iraq, March 27, 1989.

[15] See Melvin A. Goodman and Carolyn McGiffert Ekedahgl, “Gorbachev’s ‘New Directions’ in the Middle East,” Middle East Journal, Vol. 421, No. 4, Autumn 1988.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s