1-04: تحليل استراتيجي لحرب الخليج

مقدمة

هذه المذكرة تعاين الحرب الإيرانية العراقية من منظور استراتيجي لتحديد أسبابها، وتحليل الاستراتيجية العسكرية والأحداث لهذه الحرب من أجل تسليط الضوء على التطورات التكتيكية واللوجستية، واستخلاص استنتاجات مبدئية فيما يتعلق بالأهمية الاستراتيجية لحرب الخليج. المؤلف استنتج أن لو أن صدام حسين قيم بطريقة صحيحة المطالب المتناقضة لأهدافه السياسية والسياسة الأمنية لمفهومه الاستراتيجي، لكان من المحتمل تخلى عن المشروع بأكمله.

برنامج مذكرات البحوث الاستراتيجية في معهد الدراسات الاستراتيجية، بكلية حرب الجيش الأمريكي، يوفر وسيلة نشر مناسبة للأبحاث التحليلية الغير مُقيدة بشكل أو تطابق مع سياسة مؤسسية.

هذه المذكرات يتم إعدادها حول مواضيع ذات أهمية حالية في مجالات استراتيجية متعلقة بعمل المؤلفين الاحترافي.

هذه المذكرة الاستراتيجية تم إعدادها كمساهمة في مجال أبحاث ودراسة الامن الوطني. وبهذه الصفة، فهي لا تعكس الرأي الرسمي للكلية، ولا وزارة الجيش ولا وزارة الدفاع.

لواء جاك ميريت، قائد كلية حرب الجيش الأمريكي.

السيرة الذاتية للمؤلف

العقيد ويليام ستاودنماير WILLIAM o. STAUDENMAIER تم تعيينه في معهد الدراسات الاستراتيجية منذ تخرجه من كلية حرب الجيش الأمريكي عام 1976م. خدم من قبل كقائد لكتيبة دفاع جوي في ألمانيا وفي تكليفات مختلفة في وزارة الجيش.   تخرج ستاودنماير من جامعة شاطانوغا ونال درجة الماجستير في الغدارة الشعبية من جامعة بنسلفانيا. نشر مقالات حول الدفاع الجوي والاستراتيجية العسكرية في الجرائد الإحترافية وهو مساهم في كتاب ” The Gulf War: Old Conflicts, New Weapons

 

موجز

عندما غزا الجيش العراقي إيران جديا يوم 22 سبتمبر 1980م، توقعات الكثير من المحللين العسكريين الغربيين كان ان الحرب ستكون حرب خاطفة عراقية تجتاح القوات المسلحة الإيرانية المتفككة في أسابع قليلة وترسخ صدام حسين كأقوى زعيم في الخليج الفارسي. وُصفت الحرب بأنها قادسية صدام – إشارة إلى معركة القادسية عام 637م التي هزم فيها العرب الجيش الفارسي بشكل حاسم مما أدى الى سقوط الإمبراطورية الفارسية. لو أن التوقعات كانت حول جهاد جسور عنيف، فإن الواقع كان ان صدام حسين انتهازي ماكر أكثر منه محارب مقدس. بالرغم من تواجد بعض المتوازيات بين الغزوات العربية في القرن السابع الميلادي وحرب الخليج، إلا أن حلول المشاكل المركبة الناتجة من الصراع الحالي يجب أن تُلتمس في سياق البيئة الاستراتيجية الإقليمية اليوم، والتي تعقدت باعتماد الغرب على بترول الخليج الفارسي، ولوي العضلات العسكرية السوفيتية في أفغانستان، ومعضلة الصراع العربي -إسرائيلي، والتفاعل المتقلب بين القومية العربية والنضال الإسلامي.

حرب الخليج دخلت الآن في عامها الثاني ولا يبدو ان لا إيران ولا العراق متحفزين لإيقاف القتال. خطوط الجبهة مازالت حيث كانت بعد الأسابيع الثمانية الأولى من الحرب تقريباً وظروف وقف القتال لم تتزحزح منذ الأسبوع الأول. العرق خسرت أكثر من 21 ألف قتيل والمصادر الإيرانية تعترف بأكثر من 35 ألف قتيل. ولا واحدة من البلدين قوية عسكرياً بما يكفي ولا راغبة سياسياً بأخذ المخاطرة أو الخسائر المطلوبين لإنهاء الحرب. الحرب تسببت في طريق مسدود لن يكسره عاجلاً الاستراتيجيون العملياتيون، المقيدون بأهداف وسياسات ومفاهيم قادتهم الوطنيين الاستراتيجية. في الحقيقة، الطريق المسدود الموجود في ميدان المعركة ليس أكثر من إثبات الأخطاء التي ارتكبها الاستراتيجيون على المستوى الوطني. الأهداف السياسية العراقية تفرض مطالب على الاستراتيجية العسكرية وقواتها المسلحة من الصعب تحقيقها. الأهداف الأرضية مثل تأمين ممر شط العرب المائي واحتلال المنطقة المُتنازع عليها في مقاطعات كرمانشاه وإيلام كانت مهام عسكرية مباشرة تتطلب فقط احتلال مقادير محدودة من الأراضي. الأهداف التي كانت محدودة أكثر وتحقيقها أسهل كانت الأهداف السياسية الرامية الى استخدام الوسائل العسكرية للإطاحة بآية الله خوميني وترسيخ العراق كأقوى قوة في الخليج الفارسي. تحليل هادئ لهذين المطلبين الأخيرين لا يتطلب شيء أقل من الهزيمة الحاسمة للجيش الإيراني في معركة لا يظهر ان العراق راغبة في المخاطرة بدخولها. عودة جزر الإمارات في الخليج الفارسي كانت تتطلب أيضاً قرار في ميدان المعركة في ضوء ضعف البحرية العراقية مقابل إيران. نظراً للمطالب المتفاوتة للأهداف السياسية، كان من المهم أن يحدد مجلس قيادة الثورة العراقية بوضوح أهدافهم لإنهاء الحرب، قبل ان يكلفوا جيشهم بدخول الصراع. وبما أنهم لم يفعلوا ذلك، فإن ما بدأ على انه قادسية صدام قد ينتهي الى أن يصبح مثل معركة واترلو لنابليون.

تحليل استراتيجي لحرب الخليج

عندما غزا الجيش العراقي إيران جديا يوم 22 سبتمبر 1980م، توقعات الكثير من المحللين العسكريين الغربيين كان ان الحرب ستكون حرب خاطفة عراقية تجتاح القوات المسلحة الإيرانية المتفككة في أسابع قليلة وترسخ صدام حسين كأقوى زعيم في الخليج الفارسي[1]. وُصفت الحرب بأنها قادسية صدام – إشارة إلى معركة القادسية عام 637م التي هزم فيها العرب الجيش الفارسي بشكل حاسم مما أدى الى سقوط الإمبراطورية الفارسية. لو أن التوقعات كانت حول جهاد جسور عنيف، فإن الواقع كان ان صدام حسين انتهازي ماكر أكثر منه محارب مقدس[2]. بالرغم من تواجد بعض المتوازيات بين الغزوات العربية في القرن السابع الميلادي وحرب الخليج[3]، إلا أن حلول المشاكل المركبة الناتجة من الصراع الحالي يجب أن تُلتمس في سياق البيئة الاستراتيجية الإقليمية اليوم، والتي تعقدت باعتماد الغرب على بترول الخليج الفارسي، ولوي العضلات العسكرية السوفيتية في أفغانستان، ومعضلة الصراع العربي -إسرائيلي، والتفاعل المتقلب بين القومية العربية والنضال الإسلامي.

الأحكام، العسكرية أو السياسية، من الصعب عملها في هذا الوضع المعقد. الوصول المقيد للمحللين العسكريين الغربيين الى منطقة الحرب شكل تعقيداً إضافياً؛ مع ذلك، بعد أكثر من عام من القتال، أصبح هناك معلومات كافية لعمل بعض الأحكام الاستراتيجية المبدئية المتعلقة بحرب الخليج. هذه المذكرة تعاين الحرب الإيرانية العراقية من منظور استراتيجي لتحديد أهدافها، وتحليل الاستراتيجية العسكرية وأحداث الحرب من أجل إلقاء ضوء على التطورات التكتيكية واللوجستية المهمة، واستخلاص استنتاجات مبدئية فيما يتعلق بالأهمية الاستراتيجية لحرب الخليج.

جذور الحرب

نشأت حرب الخليج من نوعين من المسببات – عامة وخاصة[4]. المسببات العامة هي الأسباب الكامنة للصراع والتي عادة نجد جذورها في التاريخ، بينما المسببات الخاصة تمثل الأسباب الأكثر استفزازاً وقرباً للصراع. في حالة حرب الخليج، المسببات العامة قد تُعزى الى الانقسام الثقافي الذي فصل العرب عن الفرس منذ على الأقل القرن السابع الميلادي، عندما نشرت الجيوش العربية الغازية الإسلام شرق جبال زاغروس. في ذلك القوت أيضاً انقسم الإسلام الى فرقتين متنافستين – الشيعة والسنة – وهو انقسام مازال يغذي الكثير من الاضطرابات الإسلامية الحالية في جنوب غرب آسيا. السبب الكامن في القدم بنفس القدر هو المشكلة الإثنية المتمثلة في الشعب الكردي في مسعاه الذي لا نهاية له على ما يبدو من أجل انشاء دولة قومية تؤثر في كل من إيران والعراق من بين دول أخرى. الصراع حول شط العرب يلقي أيضاً ظلاً طويلاً، يعود بالوراء في العصر الحديث الى القرن التاسع عشر الميلادي، ولكن حقيقة يسبق هذا التاريخ بعدة قرون[5]. وهكذا، فإن المسببات العامة لحرب الخليج عام 1980م هي ميراث قرون من الاختلافات الدينية والعرقية والأرضية بين العرب والفرس.

مسبب خاص قد يكون إما داخلي أو خارجي. في الواقع في حالة حرب الخليج، العناصر الخارجية والداخلية موجودة. المسبب الخارجي العامل في العراق كان محاولة إيران تصدير ثورتها الإسلامية الى الشيعة في دول الخليج الأخرى؛ المسببات المجهدة خاصة كانت الدعوات المتكررة لآية الله خوميني الى الشعب العراقي بـ “اليقظة والاطاحة بهذا النظام البعثي في بلدكم الإسلامي قبل فوات الأوان”[6]  بعض التحريض يمثل خطراً على الحكومة السنية العلمانية المستبدة في العراق، في نظر العدد الكبير من السكان الشيعة في ولاياتها الشرقية. المسبب الداخلي الذي كان وثيق الصلة باندلاع الحرب كان طموح صدام حسين بتحقيق الهيمنة على منطقة الخليج الفارسي وقيادة الحركة العربية[7].

حتى مع هذه الاختلافات الأساسية الهامة بين العراق وايران، كان هناك حاجة الى المزيد لإشعال نار الحرب؛ بعد كل شيء، هذه الخصومات تواجدت لبعض الوقت. صدام حسين كان لديه شرارة مناسبة جاهزة في متناول اليد في النزاع الأرضي المشتعل في شط العرب، خلاف طويل الزمن بين إيران والعراق يعمل عادة كمقياس يعكس وضع السلطة النسبية لهذين الجارين المتشاكسين الغنيين بالبترول. ممر شط العرب المائي يتدفق 120 ميل من منبعه عند التقاء نهري دجلة والفرات الى الخليج الفارسي راسماً للحدود بين إيران والعراق على غالبية طوله. موانئ ايران البترولية الهامة عبادان وخورمشهر واقعة على ضفافه وفي البصرة يمد شط العرب العراق بمنفذها الأساسي الى الخليج الفارسي. ولاية خوزستان (المُسماة عربستان في العراق) الإيرانية المجاورة يسكنها عرب في الغالب وظلت العراق لوقت طويل راغبة فيها؛ مسألة سيادة خوزستان رُفعت على الفور تقريباً بعد أن سكتت مدافع الحرب العالمية الأولى وبرزت العراق الحديثة.

تم تسوية النزاع حول شط العرب عام 1847م، 1913م، 1937م، وحديثاً عام 1975م، عندما وفقت العراق على وضع حدود في مركز أو خط نهر thalweg  الممر المائي في مقابل تعهد إيران بالامتناع عن تقديم مساعدات الى التمرد الكردي المسيطر على جبال شمال العراق.  تسوية 1975م عكست السطوة الإيرانية في الخليج الفارسي وبقيت فعالة حتى ضعفت قوتها بعد الإطاحة بالشاه. إثارة الخوميني للخلاف الديني والسياسي في العراق بالرغم من ضعف إيران أدى إلى انقسام صريح بين البلدين وقد يكون قد أقنع صدام حسين انه قد حان وقت العمل[8].

صدام حسين يجب ان يكون قد فكر أن ضعف إيران العسكري، الناتج من العواقب الفوضوية للإطاحة بالشاه، ستمكن العراق من التخلص من الخوميني بهزيمة ايران في معركة، وبهذا تصيب الثورة الإسلامية المناضلة بنكسة شديدة، تعوق ايران كقوة في الخليج، وفي نفس الوقت ترسخ العراق وصدام حسين كقائد لمنطقة الخليج الفارسي. وبالتالي أعلن الرئيس صدام حسين من جانب واحد أن معاهدة 1975م المتعلقة بالحدود في شط العرب لاغية[9]. صدام حسين لكي يبين صدارة العراق وتدهور ايران في العالم، طالب الاعتراف بسيادة العراق الكاملة على شط العرب. مطالب أخرى كانت عودة بعض الأراضي الحدودية في الشمال قيل ان العراق وُعدت بها في اتفاقية 1975م ولكن لم تُعطى أبداً له، وأيضاً إعادة جزر أبو موسى وطنب الصغرى والكبرى الى الإمارات – وهي ثلاثة جزر واقعة استراتيجياً بالقرب من مضيق هرمز. عندما رفضت إيران تلك المطالب، كان الخليج الفارسي على شفا الحرب.

اعتبارات استراتيجية

المخططون العراقيون اثناء تطويرهم لاستراتيجية عسكرية عملياتية لتحقيق أهدافهم السياسية فكروا في العوامل الجغرافية والعسكرية التي قد تصطدم بنجاح عمليتهم. الاستراتيجية العسكرية العملياتية – استراتيجية ميدان المعركة – حساسة لميزان القوى العسكرية المتحاربة والجغرافيا العسكرية لمسرح العمليات. الأحكام المتعلقة بالتوازن العسكري بين إيران والعراق يجب ان تكون عوامل مهمة في الحسابات الاستراتيجية للرئيس صدام حسين في عشية الحرب. إيران كانت من قبل القوة العسكرية الإقليمية البارزة في عهد الشاه، ولكن الآن الشاه ذهب وإيران كانت في حالة اضطراب. فهم درجة تغير التوازن العسكري بين إيران والعراق يتطلب تحليل لكل من.  المؤشرات الاستاتيكية والديناميكية المهمة للقدرات العسكرية (أنظر اجدول 1)، كما كانت مرئية في منتصف ثمانينات القرن العشرين قد يتم تصنيفها على انها قيمة إجمالية[10].  بالرغم أن تحليل كمي للمؤشرات الاستاتيكية الأساسية يعطي معلومات نوعاً ما، إلا انه غير دقيق ويجب جمعه مع عوامل ديناميكية نوعية لتقديم تقييم أكثر دقة للقدرات العسكرية لدولة ما. هذا صحيح خاصة في حالة الأجهزة المسلحة الإيرانية، التي تم تطهيرها من عناصرها الغير موثوق فيها عندما تولى الخوميني السلطة عام 1979م.

العوامل العسكرية النوعية مثل القيادة وخبرة المعارك والتدريب واللوجستيات والقيادة والتحكم يجب أن تضبط أي تحليل استراتيجي؛ في حالة تقييم التوازن العسكري المُقارن بين ايران والعراق، فإن الأخذ بالعوامل النوعية لا غنى عنه.

قبل الثورة الإسلامية، القيادة في الجيش الإيراني كانت تتسم بالعلاقة الإقطاعية feudal relationship  بين سلك الضابط  officer corps وصفوف المُجندين enlisted ranks؛ بعد الثورة، عندما تم تطهير سلك الضباط وهجر الكثير من المجندين الجيش، غالبية المراقبين العسكريين الغربيين اعتبروا هذه النتيجة تفكك حقيقي للقوات المسلحة الإيرانية[11].

table 1

العراق لم تكن خالية من مشاكلها القيادية – ضابط بريطاني كبير متقاعد صرح بأن:

“… مستوى القيادة العراقي سيء بشكل لا يمكن تصوره…، هيئة الأركان العامة العراقية تبدو مهزلة. اعتادوا على الإشارة الى الجيش البريطاني في الحرب العالمية الأولى على انه “اسود تقودها حمير”. الجنود العراقيين نمور يقودها حفنة من الحمير[12]“.

بالرغم من هذا الحكم الخام تم بعد بداية الحرب بين ايران والعراق بوقت قصير، إلا ان التفوق في القيادة يجب ان يُمنح للعراق، خاصة ان كنا نقوم بالحكم قبل الحرب مباشرة، بسبب الفوضى الموجودة في إيران. نفس الامر حقيقي بالنسبة لخبرة المعركة للقوات المسلحة المتحاربة. بالرغم من أن ستة ألوية من الجيش الإيراني، مع عناصر من القوات البحرية والجوية، تلقت خبرة معركة في ثورة ظفار في سبعينات القرن العشرين، إلا انه من الظاهر أن الكثير من هؤلاء المخضرمين تم التخلص منهم عام 1976 -80م. عناصر في الجيش العراقي لم ترى فقط المعركة خلال الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973م ، ولكن أيضاً خاضت حملة مكافحة تمرد ضد الثوار الاكراد على مدى عقد من الزمن.

بالرغم من صحة القول بأن عمليات المعارك في حملات حروب العصابات تختلف بدرجة كبيرة عن تلك التي يتم إجرائها في الحرب التقليدية المتوسطة الشدة، إلا أن خبرة العمل في بيئة معادية لا يمكن اكتسابها في تدريب وقت السلم ولا يجب التقليل من قيمتها. التدريب أيضاً كان مشكلة لكل من البلدين بسبب توسع قوتهما السريع وبرامج التحديث[13]. من الصعب حتى على أكثر الجيوش تقدما التدريب والتوسع والتحديث في نفس الوقت، فهي مهمة شبه مستحيلة لمعظم الدول المتقدمة.  الافتقار الى القدرة الإدارية والخبرة التكنولوجية على مستوى الدولة انعكس على القوات المسلحة في هاتين الدولتين. من المثير للاهتمام ايضاً في حرب الخليج مرة أخرى ان قوات مسلحة مدربة ومجهزة من قبل السوفييت أظهرت عجز في تنسيق استخدام الأسلحة المُجمعة، خاصة القوة الجوية والدبابات في حرب هجومية.  إيران بالمثل كانت مُقيدة بالتدريب الفقير على الدفاع[14]. المستشارون العسكريون من الاتحاد السوفييتي او الولايات المتحدة في العراق وإيران الموجودون في البلد وقت الحرب لم يكن أمامهم الكثير ليفعلوه مع حالة الانسداد الناشئة.

اللوجستيات سوف تؤثر على قدرة دولة ليس فقط على بدء حرب، ولكن ايضاً تحمل المعركة لفترة طويلة. كل من إيران والعراق تعتمدان على دول أخرى لإمدادهما بالمعدات والذخيرة وقطع الغيار الضرورية لشن معركة حديثة. إيران اُبعدت عن الولايات المتحدة ومعظم المجتمع الدولي بسبب قضية الرهائن الأمريكيين وعُزلت من جيرانها الإقليميين لأن جهودها العالية لتصدير نوعيتها من الإسلام، تضررت بشدة. التقديرات الغربية لقدرة إيران على تشغيل أنظمة أسلحتها المتطورة كانت متشائمة بشكل موحد ومبرر، خاصة فيما يتعلق بطائرات الهليكوبتر والنفاثات العالية الأداء.  في بداية الحرب، المقاتلات الإف-14 الـ 77 لدى ايران كانت كلها على الأرض بسبب الصيانة الفقيرة. بالرغم من وجود نفاثات أخرى وطائرات هليكوبتر متاحة، إلا أن التقديرات السابقة للحرب المبنية على كل من نقص الطيارين المدربين وأطقم الصيانة، وايضاً نقص قطع الغيار، وضعت النسبة التشغيلية لهذه المعدات عند حوالي 50%[15]. العراق من جانب آخر، كان المحللون العسكريون الغربيون يرونها قادرة على الإبقاء على وتشغيل معداتها الحديثة، التي اشترتها من كل من مصادر غربية وسوفيتية[16].

القيادة والتحكم هي قدرة الدولة على توجيه قواتها المسلحة في التطبيق المُقاس للقوة العسكرية لتحقيق أهداف سياسية. الصراع بين بني صدر القائد العام للقوات المسلحة الإيرانية وآية الله خوميني أدى الى انشقاق في القوات المسلحة. الباسداران – ميليشيا الحرس الثوري المُشكلة لحماية الثورة أصبحت ثقل موازن للقوات المسلحة النظامية التي كانت تُعتبر غير جديرة بالثقة سياسياً. استمر الصراع، حتى بعد بداية حرب الخليج، عندما تم تطهير القوات المسلحة من خيانتها. السياسة الإيرانية وضعت الباسداران في الأضواء بتكليفها بالدفاع عن المدن والقرى التي شهدت تحقق نجاح ضئيل لإيران في أوائل الحرب. الجيش هبط الى وضع مساعد تقريباً لاستخدامه في قيادة الهجمات المضادة المحلية خارج المدن. وجود مركزي القوة المتنافسين هذين أدى الى انتشار في متابعة الحرب بحيث تُستخدم عادة العمليات العسكرية ضد العراقيين لخدمة أهداف سياسية محلية. بعض المحللين يعتقدون أن الهجمة الإيرانية المضادة في يناير 1981م كانت مُخططة ومُنفذة من قبل بني صدر كمحاولة لإسكات نقاده المحليين[17]. نظام التحكم والقيادة العراقي لم يعاني من سمات الشيزوفرانيا الموجودة في ترتيبات القيادة والتحكم الإيرانية.

على العكس، صدام حسين، كقائد عام للقوات المسلحة، يتحكم في الحرب مباشرة من خلال مجلس قيادة الثورة، حيث يوجد ممثل لكل من الأجهزة العسكرية الثلاثة. وبالتالي في العراق على الأقل، مع تكشف الحرب، كان هناك جهاز عقلاني مُتاح لتطوير استراتيجية عسكرية وتنفيذ أوامر عسكرية.

لو أن مخططو الحرب العراقيون قاموا بنفس نوع التقييم للعوامل الاستاتيكية والديناميكية المجملة سابقاً في التقرير، فإنهم سوف يستنتجون أن العراق لديها القدرة العسكرية على شن هجوم موضوعي محدود ناجح ضد إيران. مالم يخطئ مخططو الحرب العراقيون بدرجة كبيرة في حساب قدراتهم العسكرية الذاتية وتأثير الثورة الإسلامية على فاعلية القوات المسلحة الإيرانية، فلن يتمكنوا من التفكير بثقة في هجوم واسع النطاق وأكثر عدوانية، واضعين في اعتبارهم كما يجب ان يكون السكان الشيعة في مؤخرة جبهة الغزو والوضع الكردي المحتمل استغلاله في الشمال والذين من الممكن ان يستمرا في ربط عدة كتائب عراقية. ولكن هناك أكثر من التوازن العسكري في التقييم الاستراتيجي. الخصائص الطبيعية لمسرح العمليات لها أهمية أساسية في تطوير استراتيجية ميدان المعركة.  الاستخدام الماهر للتضاريس عامل أساسي في الاستراتيجية العسكرية العملياتية وكذلك المناورة. كل من هذين العاملين الاستراتيجيين اعتبارات مهمة بالضرورة في تطوير الاستراتيجية العسكرية العملياتية في حرب الخليج[18].

بالنظر الى مسرح العمليات (انظر الشكل رقم 1) من المنظور العراقي، تقفز عدة نقاط فوراً الى العقل. أولاً، الحقيقة الجغرافية العسكرية البارزة هي أن بغداد قريبة بشكل غير مريح من الحدود الإيرانية. ثانياً، ثلاث مناطق استراتيجية في إيران جديرة بالملاحظة: السهل الساحلي الغني بالبترول في مقاطعة خوزستان في الجنوب المجاورة للخليج الفارسي، وطهران، ومنطقة بندر عباس المنفرجة على مضيق هرمز. خوزستان فقط كانت لها أهمية في خطة الحرب العراقية. بالمثل في العراق هناك ثلاثة مناطق استراتيجية مهمة -منطقة البصرة على شط العرب،

figure 1

وبغداد، وحقول البترول في كركوك. منطقة البصرة يمكن حمايتها بالغزو في الجنوب، وهو ما يعمل على منع الوصول الى بغداد من هذا الاتجاه، ولكن بغداد أيضاً معرضة للهجوم من الشمال من خلال عدة ممرات عبر جبال زاغروس. لو قصد أحد مهاجمة إيران من الجنوب، فإن الجغرافيا تملي على المخطط الاستراتيجي الحكيم أن يخطط لهجمات ثانوية على مقربة من قصر شيرين للحصول على موقع استراتيجي قوي منفرج على طريق الغزو التاريخي طهران  Teheran -كرمانشاه Kermanshah -خانكين  khanaquin -بغداد Baghdad. يجب ان تُقام مواقع الحظر جهة الشمال في جبال كردستان في ممر رواندوز المنطقة السهلة الدفاع، الواقعة شمال السليمانية مباشرة، لمنع عمود إيراني، مستخدماً للطريق الناشئ من أذربيجان، من الوصول الى سهل الرافدين بالقرب من كركوك. يجب أيضاً إقامة موقع في السليمانية لحظر المدخل الشرقي الى مجمع البترول المهم في كركوك[19].

الحركة أو المناورة، التي لها تأثير كبير على الاستراتيجية في ميدان المعركة، تختلف بدرجة كبيرة على مسرح العمليات. في خوزستان، مرور المركبات من جيد الى مقبول الى جهة الشمال حتى دزفول، ولكن ابعد من ذلك شمالاً في جبال زاغروس، مرور المركبات وحتى حركة المُشاة للتشكيلات العسكرية الكبيرة تصبح صعبة وملزمة بالطريق. على السهول الساحلية، التحركات العسكرية تصبح بطيئة بدرجة كبيرة في بداية الأمطار الشتوية في نوفمبر وتبقى مُعوقة حتى يونيو أو يوليو[20]. العمليات العسكرية عامة ذات شدة منخفضة ويكون لها فقط أهمية محلية حتى تتوقف الأمطار وتصبح الطرق سالكة في أواخر الربيع، بعد أن يهدأ الفيضان الناتج من الثلج الذائب في جبال روسيا وتركيا.

بناء على خصائص المنطقة العملياتية، العوامل الاستراتيجية الكبرى التي يجب على المخططين العسكريين العراقيين والإيرانيين أن يضعوها في اعتبارهم قد عُرضت. من المنظور العراقي، من الواجب حماية بغداد من غارات إيرانية محتملة على طول طرق الغزو القديمة في الجبال الشمالية، وفي نفس الوقت حماية منطقة البصرة الغنية بالبترول. الاستراتيجيون العراقيون ايضاً عليهم أن يؤمنوا منطقة الجبال التي يستطيع ان يسبب منها دائماً الاكراد المتمردين المحتملين مشاكل، وايضاً في الشمال، المخططون الدفاعيون العراقيون عليهم ان يفكروا في التهديدات السورية الطارئة. وهكذا، مطلوب خمسة فرق تقريباً في المرتفعات الشمالية، واثنتان مطلوبتان للدفاع عن المنطقة المركزية بالقرب من بغداد، وثلاثة فرق مدرعة وفرقتين ميكانيكيتين لحراسة الجبهة الجنوبية المواجهة لخوزستان[21]. إذاً، كل الفرق العراقية الاثني عشرة مصفوفة على او بالقرب من الحدود الإيرانية، معتمدة على الصحراء لحماية الأجنحة الجنوبية والغربية المهددة بشكل أقل. لكن، إيران عانت من أولويات استراتيجية مختلفة. في مواجهة التهديد من الاتحاد السوفيتي من كل من جنوب القوقاز في الشمال ومن أفغانستان من الشرق

ن مع الاضطرابات في بلوشستان على الحدود الباكستانية، بالإضافة الى الحاجة الى حماية طهران ضد إمكانية محاولة أمريكية أخرى لتحرير الرهائن، في عشية الحرب أرسلت إيران أربعة من فرقها التسعة المفتقرة الى القوة على طول الحدود العراقية البالغة 1300 كلم.  عناصر من تلك الفرق، مع الحرس السوري، كانت في احتكاك مع الوحدات العراقية لعدة شهور على طول الحدود في الشمال. نشر الجنود الإيرانيين ضد العراق تكون من فرقة مشاة أُرسلت بالقرب من أرومية (أنظر الشكل رقم 2) للحماية ضد التهديد السوفيتي لأذربيجان، بالرغم من انها يمكن ان تُستخدم أيضاً لتهديد كركوك؛ فرقة مشاة أخرى متمركزة في سنندج في المنطقة الكردية الإيرانية الجبلية؛ جهة الجنوب وُضعت فرقة مدرعة بشكل استراتيجي في كرمانشاه؛ في خوزستان تم وضع فرقة مدرعة أخرى في أحواز لتغطية المنطقة بالكامل من دزفول الى عبدان[22].  من وجهة النظر الإيرانية، استراتيجية معقولة قبل الحرب لمواجهة غزو عر اقي كانت ستتضمن دفاع أمامي forward defense لخوزستان، فارضاً أطول تأخير ممكن وأكثر خسائر ممكنة للقوات العراقية، بينما يتم الاعداد لدفعة مضادة في الشمال، ربما من كرمانشاه، موجهة الى بغداد. عناصر أخرى من الخطة العملياتية الإيرانية ربما كانت ستتضمن استخدام القوات الغير تقليدية لاختراق منطقة الشيعة في شرق العراق والمنطقة الكردية في الشمال لإثارة اضطرابات في مؤخرة القوات العراقية المهاجمة.

كما بينت الأحداث اللاحقة، الخطة العراقية تصورت بوضوح هجوم رئيسي في الجنوب ومعه ثلاثة فرق مدرعة وفرقتين ميكانيكيتين لتأمين خط دزفول- أحواز-خورمشهر-عبدان. الهجمات الداعمة في شمال قوة الفرق سوف تستولي على أراضي مهمة في ايران لإعاقة طرق الاقتراب الى بغداد. في الجو، المخططون العراقيون تمنوا أن تحقق هجمة استباقية على نمط الهجمة الجوية الإسرائيلية على مصر عام 1967م تفوقاً جوياً بتدمير القوات الجوية الإيرانية التي تم اضعافها بالفعل على الأرض. بسبب التفاوت في القوة البحرية لصالح إيران. فلم يكن من المتوقع الا قليل جداً من المساعدة من البحرية العراقية في المعركة البرية

figure 2

كون كل هذا لم يسير حسب الخطة فإن ذلك يمكن عزوه جزئياً الى ما وصفه كلاوسفيتز بالاحتكاك – فهو الفرق بين الحرب على الورق والحرب في ميدان المعركة[23].

الحرب

كلاوسفيتز كتب أن “كل شيء في الحرب شديد البساطة، ولكن أبسط شيء صعب.” كلاوسفيتز نسب هذه الصعوبة الى الاحتكاك، والذي يُعبر عنه في الصياغات الإدارية الحديثة مثل قانون مورفي– أي خطأ يمكن حدوثه سيحدث. كلاوسفيتز رأى أن الخطر، والارهاق، والريبة المتأصلين في المعركة تجعل الأشياء تحدث بالخطأ في ميدان المعركة[24]. ولكن الأشياء يمكن ان تحدث بالخطأ قبل تكليف الجنود في ميدان المعركة بوقت طويل. مفهوم الاحتكاك، كما هو مُتصور عند كلاوسفيتز، محصور بدرجة كبيرة في ميدان المعركة؛ ولكن اليوم العيوب في التخطيط أو سوء التقدير المتعلق باختيار الأهداف السياسية والسياسة تحكم عادة على العملية العسكرية بالموت قبل الانضمام الى المعركة. سبب فشل الخطط الاستراتيجية كثيراً في ميدان المعركة هو ان الأهداف السياسية التي تضع غايات الاستراتيجية العسكرية والسياسات الأمنية التي تضع القواعد السياسية للتحكم في الاستراتيجية ليست متوافقة مع المفهوم الاستراتيجي المُختار – أو العكس. حرب الخليج حالة كلاسيكية في هذا الخصوص. قبل أن تلجأ أي دولة لاستخدام القوة لتأمين مصالحها الوطنية، يجب أن يدخل رجل الدولة والجنرال في حوار لضمان أن الوسائل العسكرية متفقة مع الغايات السياسية. المشكلة الاستراتيجية الأكبر لصدام حسين في حرب الخليج كانت ضمان أن الأهداف السياسية، والسياسات الأمنية والاستراتيجية العسكرية كانت متناغمة. الاستراتيجية العسكرية يمكن التفكير فيها على أنها تعمل على مستويين رئيسيين- استراتيجية كلية واستراتيجية عملياتية[25].  الاستراتيجية العسكرية الكلية تهتم بخطة الحرب العامة وتتناول ترجمة الغايات السياسية الى أهداف عسكرية تتحقق باستخدام مفاهيم استراتيجية سليمة في سياق السياسات الأمنية القائمة.  وظيفة الاستراتيجية العملياتية هي ترجمة متطلبات الاستراتيجية الكلية الى خطط عملياتية متسقة مع القيود المفروضة بالعقيدة التكتيكية والقدرات اللوجستية. في تطوير استراتيجية عسكرية متكاملة تشمل كل من المستويين الاستراتيجيين، أولاً يجب على الاستراتيجي ان يهتم بالاستراتيجية الكلية ثم بالاستراتيجية العملياتية operational strategy، ولكن لتحليل كيف عمل هذه المستويات الاستراتيجية خلال حرب الاستراتيجية لم تكن مُعلنو فيها، من الضروري تقييمها بترتيب معكوس. حالما تُحلل أحداث الحرب لتحديد صلاحية المفهوم العملياتي من ناحية محدداته التكتيكية واللوجستية، يصبح من الممكن بعد ذلك تقييم تأثير الأهداف السياسية، والسياسات الأمنية، والاستراتيجية العسكرية الكلية حول مسار حرب الخليج.

عمليات المعركة على البر والبحر والجو[26].

قبل الهجوم العراقي على خوزستان، كانت إيران والعراق تتقاتلان بشكل متقطع على طول مناطق الحدود الشمالية في معظم وقت 14 شهر. اندلع القتال من جديد في أوائل سبتمبر في قصر شيرين عندما حرر العراق قريتين – زين القوس وسيف سعد- في منطقة حدود مُتنازع عليها. الافتقار الى رد إيراني فعال يجب أن يكون قد أقنع الرئيس صدام حسين بأن الوقت قد حان للاستيلاء على شط العرب.

توقيت الغزو العراقي موضوع مُعقد، يدور حول تصورات القوة العراقية والضعف الإيراني. بالرغم ان الجيش العراقي ظل يُزود بالأسلحة من الاتحاد السوفيتي لسنوات، الا أنه كان يسير في عملية تحديث وتنويع لقواته المسلحة. أسبانيا والبرازيل وإيطاليا وخاصة فرنسا، كانوا يبيعون للعراق أسلحة حديثة في مقابل البترول. مئات الدبابات وحاملات الجنود المدرعة للجيش، وأربعة فرقاطات وستة طرادات للبحرية، وستون مقاتلة ميراج إف-1 للقوات الجوية كان دخولها الى الترسانة العراقية مجدولاً في عام 1981م. الكثير من المحللين العسكريين اعتبروا أن هذه الأسلحة المُطورة غربياً قد تقلب الميزان العسكري الإقليمي بشكل حاسم لصالح العراق. لكن، انتظار اكتمال عملية التحديث، التي قد تتطلب تدريب شامل للأطقم على الأسلحة الجديدة قبل ان يكون من الممكن استخدامها في المعارك، قد يعني ان الهجوم لا يمكن ان يحدث الا في خريف عام 1981م او ربما 1982م. التأخير حتى لشهور قليلة قد يشير الى ان أي تسوية محتملة للمواضيع العراقية مع إيران لا يمكن أن يحدث حتى يوليو 1981م على الأقل عندما يكون الطقس مناسباً مرة أخرى لشن حملة في خوزستان. هذا التأخير قد يمنح لآية الله خوميني وقتاً لتقوية قبضته على إيران ومن جهة اقتراب الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، تسوية ازمة الرهائن المثيرة للخلافات، والتي عزلت إيران دولياً. ايضاً، صدام حسين كان مركزاً على مؤتمر دول عدم الانحياز الذي سيُعقد في بغداد عام 1982م. لو أنه تمكن من هزيمة الخوميني عام 1980 او 1981م، فلن يكون صدام حسين فقد قائد العروبة، ولكن قد يصبح أيضاً القائد الأكثر تأثيراً لحركة عدم الانحياز. في مواجهة هذا الإغراء، من الواضح أن صدام حسين قرر إطلاق هجومه على إيران يوم 22 سبتمبر 1980م.

الحرب البرية

الهجوم البري اجتاح ميليشيا حرس الحدود بسرعة متجاوزاً وعازلاً لخورمشهر وعبدان عن أحواز. الهجمات على أحواز ودزفول، بالرغم من عدم اعتراضها بقوة، الا انها لم تكن ناجحة مثل الهجمات جهة الجنوب في خوزستان وتوقفت مفتقرة الى هذه الأهداف الحضرية، خالقة نتوء في سوسنغرد (الخفاجية) بقي تهديداً للشبكة اللوجستية العراقية في هذا القطاع. الشعبة الثانية لقوة الغزو العراقية استولت على مهران واندفعت ابعد من ذلك جهة الشرق الى سفوح جبال زاغروس لتأمين شبكة الطرق المهمة التي تربط دزفول بشمال ايران غرب زاغروس وفي نفس الوقت تمنع الوصول الى العراق من هذا الاتجاه. الهجوم الثالث الابعد جهة الشمال، استولت على المنطقة المهمة أمام قصر شيرين التي سترد على أي خطط إيرانية لتهديد بغداد من هذا القطاع المعرض للهجوم الفرعي في منطقة موسيان المحتلة التي زعموا انهم وُعدوا بها من الشاه كجزء من معاهدة الجزائر عام 1975م[27]. في نهاية سبتمبر، أعلنت العراق ان أهدافها الأرضية في الحرب قد تحققت[28]. هذا الإعلان كان بالتأكيد سابقاً لأوانه بما أن الحظر البحري الإيراني لم يُكسر ولا تم الاستيلاء على خورمشهر وعبدان على شط العرب، وغني عن الذكر الاحواز ودزفول. لو كان التقصير في احتلال هذه الأهداف العسكرية الرئيسية جزءاً من خطة عراقية لدفع قوتها المدرعة بعمق في خوزستان، وتجنب هذه الجيوب الحضرية ذات المقاومة الثورية عن عمد، لجلب الجيش الإيراني النظامي الى المعركة، فسيكون هذا بالتقليد الكلاسيكي للتكتيكات المدرعة. ولكن هذه لم تكن الحالة؛ من الواضح أن المعركة في المدن تم تجنبها كاختيار سياسي متعمد للإبقاء على عدد منخفض من الخسائر[29]. وبالتالي الجيش العراقي لا ضرب بعمق للاشتباك مع الجيش الإيراني النظامي، ولا هو هاجم المدن بوحدات مشاة، واختار بدلاً من ذلك، تطويق المدن إن أمكن، والتسبب في استسلامها في الأساس من خلال المدفعية والقصف الصاروخي، المُلحق به هجمات جوية. الرد الإيراني على الهجمة البرية العراقية لم يكن جيد التنسيق، لأنه كان من الواضح وجود جيشين منفصلين تابعين لقائدين مختلفين يخوضان الحرب لصالح إيران. الباسداران-الحرس الثوري- ووحدات ميليشيا أخرى تحملوا العبء الأكبر للهجوم الأولي. خاضوا المعركة بأسلحة مشاة خفيفة وكوكتيل مولوتوف، جعلوا العراقيين يدفعون ثمناً غالياً في المنطق الحضرية[30]. مع ذلك، السبب الرئيسي لعدم هزيمة إيران في بداية الحرب يمكن أن يُنسب الى تكتيكات العراقيين الحمقاء، فضلاً عن أي جهد قيادي مبذول من القيادة الإيرانية العليا. لكن، يجب الاعتراف بأن الجنود الإيرانيين، خاصة هؤلاء الذين ينتمون الى الباسداران، حاربوا بحماس وشدة لم تفاجئ العراقيين فقط، ولكن معظم المحللين العسكريين الغربيين أيضاً. لو أن القوات المسلحة أخرت أو أوقفت العراق وقتاً كافياً لإيران لكي تحشد فيه سكانها ذوي العدد المرتفع في حرب استنزاف فإن ذلك كان سيكلف العراق كثيراً ويقنع صدام حسين بالانسحاب من الأراضي الإيرانية، ثم يتم وضع الجيشين المنفصلين تحت قيادة مركزية. من أجل هذه الغاية، في يوم 13 أكتوبر 1980م، آية الله خوميني أسس مجلس الدفاع الأعلى المكون من سبعة أفراد لإدارة الحرب وأخذ القرار في كل مواضيع الدفاع.  تم تعيين بني صدر لرئاسة المجلس، ولكن سلطته خٌففت بوجود الملالي المتشددين[31]. إنشاء كيان اتخاذ القرار على مستوى مرتفع هذا كان تقدماً، ولكنه لم يمنع الزعماء الدينيين من التدخل (وحتى إعطاء أوامر لقادة الجيش على خط الجبهة) في عمليات المعارك، ولا هو أخمد صراع السلطة الداخلية الذي بقي حتى بعد سقوط بني صدر.

أول نجاح تكتيكي في الحرب للعراق كان الاستيلاء على خورمشهر – التي أُعيد تسميتها بخونينشهر  Khuninshahr: مدينة الدم- بتكلفة بلغت أكثر من 1500 قتيل وربما ثلاثة أضعاف هذا الرقم من الجرحى. أكثر من أي شيء آخر، نسبة الخسائر في هذه المعركة يبدو أنها أقنعت القيادة العليا العراقية بفرض حصار على عبادان بدلاً من محاولة الاستيلاء عليها بقتال من بيت الى بيت. بعد سقوط خورمشهر، أقام الجيش العراقي جسور عائمة عبر نهر كارون جنوب هذه المدينة، ممكناً القوات المسلحة من تهديد عبادان بالتطويق[32]. التطويق لم يكن مكتملاً وصمدت عبادان حوالي عام بعد ذلك عندما قامت القوات الإيرانية في أكتوبر 1981م، في أكثر عملياتها البرية نجاحاً في الحرب، بدفع القوات العراقية الى الوراء الى الضفة الغربية لنهر كارون ورفعت الحصار. قيل أن، عناصر من فرقة إيرانية نظامية، ووحدة محمولة جواً، ودرك، ومجندين تم حشدهم حديثاً شاركوا في هذه المعركة، مما يشير الى قدرات قيادة وتحكم أعلى عدة مستويات من تلك التي كانت موجودة من قبل حتى في منتصف عام 1981م[33].  بعد سقوط خورمشهر وبداية حصار عبادان، تباطأت العمليات البرية في خوزستان. من الواضح أن العراقيون كانوا يريدون ان يقضوا الشتاء في دفاع استاتيكي أمامي في خوزستان، متخندقين ولا يحاولون القيام بمزيد من التقدم. إيران، المُصابة بعدم استقرار محلي، لم يكن مُعتقد أن يكون لديها القدرة على شن هجوم مُضاد كبير. في الشمال، العراقيون كانوا لايزالون يحتلون مواقع كانوا قد استولوا عليها في أول أسبوع من الحرب. بأحكام القبضة على طول الجبهة بأكملها، بعدم التقدم ولا التراجع، العراق كان قادراً على الحفاظ على مدنه وقراه الحدودية بعيداً عن مدى المدفعية الإيرانية. الانحراف الوحيد عن هذه الحرب التي لا يحدث فيها تقدم sitzkrieg حدث في المنطقة الكردية في شمال العراق، حيث فُتحت جبهة عراقية جديدة في ديسمبر في جوار بنجوين بيد عناصر من فرقة مشاة عراقية. هذه الجبهة الجديدة ستعمل على دعم الميليشيات الكردية، التي كانت بالفعل ناشطة في المنطقة[34]. تأمين الأراضي المؤاتية في منطقة بنجوين سيوفر أيضاً حماية أفضل لكركوك.  الهدوء في القتال الناتج من بداية الخريف مكن كل من الدولتين من تعزيز وحداتها على خط الجبهة. يبدو أن إيران حققت نجاحاً أفضل في هذا الخصوص عن العراق – بالطبع إيران أيضاً كان لديها عدد أقل من الوحدات مكلفة بالمعارك الأولى.

الهجوم العراقي البري الأولي، متبعاً العقيدة السوفيتية، ربما حقق مُعدل معركة في الجنود والعربات المدرعة مفضلة محلياً مقدارها 5 أو 6: 1؛ ولكن قُدر أنه في نهاية ديسمبر هذا المُعدل، الذي ظل في صالح العراق، تضاءل الى تقريباً 2 أو 3:1 . [35] إيران عززت أيضاً دفاعاتها، خاصة في منطقة الأحواز، بإغراق بعض المناطق انتقائياً لمنع استخدامها من قبل الجنود العراقيين[36]. المهندسون العراقيون من جانبهم كانوا مشغولين ببناء شبكة من حوائط الفيضان الترابية بالقرب من أحواز للحماية من فيضان نهر كارون وغيره من الأنهار في المنطقة والاحتراس من المحاولات الإيرانية المُحتملة لإغراق الغزاة بفتح سدود الري[37]. بالإضافة الى ذلك، لضمان أن الجنود العراقيين في خوزستان يمكن إيصال الإمدادات إليهم في الموسم المطير، تم إنشاء طريق جديد صلب السطح من حارتين من البصرة الى خطوط الجبهة العراقية بالقرب من أحواز. بعد القيام بهذا الاستعدادات، هدأ كلا الجيشين لخوض حرب دفاعية استراتيجية مع تبادل يومي للقصف المدفعي، وهما ينتظران مرور فصل الشتاء.

هذه الحرب الزائفة كُسرت عندما شن الإيرانيون هجوماً مُضاداَ في قطاع سوسنغرد يوم 5 يناير 1981م. هذا الهجوم كان أكبر عمل بالدبابات في الحرب؛ لسوء الحظ، القليل من التفاصيل الموثوقة نُشر في العلن. لكن من الواضح، أن إيران تكبدت هزيمة كبيرة وهناك خسائر ثقيلة في الأفراد والمعدات من كلا الجانبين[38]. قيل ان العراق خسر حوالي 50 دبابة تي-62 وخسائر ايران في الدبابات التي كانت بشكل أساسي في دبابات تشيفتن وإم-60، قد تصل الى 100 دبابة. لو كان ذلك صحيحاً، فذلك يعني ان أكثر من 300 الى 400 دبابة وعربة مدرعة قد دخلوا في هذه المعركة. قيل أيضاً أن هذه المعركة المنحوسة تم خوضها على الأكثر من أجل أسباب سياسية داخلية إيرانية وليس لأسباب استراتيجية. المحللون يشيرون الى حقيقة أن بني صدر كان تحت الهجوم من الرجال المقدسين المناضلين لعدم متابعة الحرب بطريقة أكثر دأباً. الزعماء الدينيون مجدوا فضائل والروح القتالية عند الباسداران وشوهوا نقصان العدوانية عند الجيش النظامي. بالرغم أن الهجوم المُضاد الذي تسبب بني صدر في إطلاقه كان أقل بكثير من “سيف الانتقام الوامض[39]” عند كلاوسفيتز، الا انه على الأقل، ثبت وضع الرئيس في صراع السلطة مع آية الله خوميني مؤقتاً[40]. بعد هذه المعركة الحرب البرية هدأت الى حالة جمود المدفعية التي تنتظر الكسر[41].  بشكل عام، المعركة البرية لم تشبه شيء أكثر من مباراة كرة قدم تدور بين خطوط الـ 20 ياردة، وكلا الفريقين ليسا بالقوة الكافية لتسجيل أهداف وهزيمة الخصم. القتال البري كشف عدة مشاكل مشتركة بين إيران والعراق. أولاً، كلا الدولتين مسلحتين بأحدث أنظمة التسليح وأكثرها تطوراً التي يمكن شرائها بالمال، ولكنها كانت غير فعالة نسبياً خلال الحرب. جهاز حاسب الرؤية على الدبابات العراقية نادراً ما كان يُستخدم (ربما بسبب تدريب الطاقم دون المستوى المطلوب)، مما خفض من دقة الدبابات التي-62 الى معايير الحرب العالمية الثانية. الإيرانيون كان لديهم مشاكل مماثلة مع دباباتهم إم-60 وتشيفتن، الا انهم كانوا أكثر تركيزاً على الصيانة. ولا دولة من الدولتين كانت قادرة على الوصول بأسلحتها الهجومية البرية المتطورة الى أقصى فاعلية. على سبيل المثال، العراق استخدم صواريخ فروغ-7 وسكود-بي أرض أرض فقط مرتين، كلتاهما في جوار دزفول. مخزون صواريخ تاو ودراغون ضد الدبابات في ايران شهدت القليل من العمل، ولا حتى في خوزستان حيث كان خط البصر المطلوب لهذه الأسلحة ممتاز[42]. ثانياً، لا إيران ولا العراق أظهرتا المبادرة والعدوانية المطلوبة في الحرب الهجومية الحديثة المتوسطة الشدة. الميليشيا الإيرانية والحرس الثوري الذين كانوا يقاتلون في مدن خوزستان اظهروا عدوانية وصلابة في الدفاع لا ند لها في أي مكان آخر في ميدان المعركة، ربما يُنسبان الى حقيقة أن هؤلاء “المؤمنون الصادقون” كانوا يقاتلون لإنقاذ ثورتهم. القول بأن كلا الطرفين كانا يتبعان عقيدة مرشديهم من القوى العظمى سوء قراءة بالكامل لعقائد الحرب الهجومية الأمريكية والسوفيتية. كل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة يشددان على أهمية المناورة في الحرب الهجومية. الجرأة، والسرعة في الهجوم، الاستخدام المُنسق لكل الأسلحة، وعمليات الأسلحة المُجمعة كلها عناصر في عقائد القوة البرية الهجومية للقوى العظمى. هناك أيضاً اختلافات، ولكن عمليات المعركة في الحرب لا تتبع العقيدة الموثقة لأي من القوى العظمى. أحد أسباب ذلك الشذوذ الواضح قد يكون بسبب أن كل من إيران والعراق أرسلتا المستشارين العسكريين لكل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي الى أوطانهما.

في النهاية، لا إيران ولا العراق كانتا قادرتين على شن هجوم أسلحة مُجمعة فعال. الهجوم العراقي كان بطيء الحركة وممل، يعتمد على المدفعية أكثر من أي سلاح آخر، وليس أبداً على النيران المجمعة combining fire والمناورة maneuver في عمليات وحدات كبرى large unit operations. الهجوم المضاد الإيراني في يناير 1981م حاول استخدام تكتيكات الأسلحة المُجمعة وكان فشلاً ذريعاً. نتيجة لهذه المعركة، غيرت إيران تكتيكاتها الى استخدام المدرعات لدعم المُشاة، وعدم المحاولة أبداً بعد ذلك لتجميعهم مرة أخرى، حتى هجوم أكتوبر 1981 لتخفيف حصار عبادان. الوقت مبكر جداً للقول بأن هذا الهجوم يمثل تغييراً في التكتيكات.

الحرب في البحر

في البحر، الصورة هي نفسها بدرجة كبيرة. الحرب البحرية بدأت تقريباً في نفس الوقت مع المعركة البرية، مع خوض الاشتباك البحري بزوارق الدورية من كلا الطرفين. اندلعت معركة حربية ثانية يوم 24 سبتمبر، عندما هاجمت سفن حربية إيرانية البصرة ومحطتين للبترول واقعتين في الخليج الفارسي بالقرب من ميناء الفاو العراقي. المعركة الثالثة والأخيرة، وايضاً الاشتباك البحري الأكبر، وقعت في يومي 29، 30 نوفمبر.  الاشتباك تضمن قصف الفاو وهجوم كوماندو دمر منصة ميناء البكر، وهي محطة نفطية بحرية عراقية. قوات البحرية تراجعت بعد هذه الاشتباكات ولو كان من الممكن تصديق مزاعم القوات المتحاربة، فغن إيران فقدت 56% (76 سفينة) من أصولها البحرية، بينما فقدت العراق ما يُقدر بـ 66% (42 سفينة). لا يمكن أن يكون هناك درجة عالية من الثقة في أي خسائر محسوبة على أساس مزاعم لا أساس له من دول الحرب و تكون حتى أقل ثقة عندما لا يُسمح لصحفيين محايدين بالتواجد في منطقة الحرب.  لكن، لو أن الخسائر كانت فقط نصف المقادير المزعومة، فإنها تمثل نسبة خسارة كبيرة[43].

الحصار الإيراني للعراق، الذي أُعلن في أول يوم للحرب، لم يُكسر أبداً؛ 69 سفينة بقيت محاصرة في منطقة الحرب. إيران استمرت في تزويد عابدان بالإمدادات وتعزيزها بالبحر حتى تم كسر الحصار في أكتوبر 1981م. الدبلوماسية البحرية[44] لعبت أيضاً دوراً رئيسياً في الحرب. ربما تكون أهم سياسة ترسخت مبكراً في الحرب كانت التأكيد الإيراني العام بأن إيران مصرة على الإبقاء على مضيق هرمز مفتوحاً. إيران حذرت أيضاً من أنها مستعدة لاتخاذ إجراءات بحرية مناسبة ضد دول الخليج التي تساعد العراق.  هذه الإعلانات جعلت التدخل البحري الغربي للإبقاء على مضيق هرمز مفتوحاً غير ضروري وأعلم الدول الإقليمية بالمخاطرة المحيطة بتقديم المساعدات للعراق[45]. التحذير الى الدول الواقعة على سواحل الخليج الفارسي من الظاهر انها كانت ضرورية، بما أنه قيل في وقت مبكر من الحرب أن

العراق قام بتجميع طائرات هليكوبتر وقوة برية في عُمان لمهاجمة واحتلال أبو موسى، وطنب الكبرى والصغرى. الهجوم تم إحباطه عندما إكتشفت الاستخبارات البريطانية المؤامرة، ومورست ضغوط دبلوماسية على عُمان من دول غربية أخرى.

الخطة تم التخلي عنها عندما منعت الحكومة العُمانية العراق من حق شن هجمات من قواعدها[46]. بالرغم أن الحصار الإيراني كان فعالاً في منطقة الخليج الفارسي، إلا أن البحرية الإيرانية لم تستطع إقامة حصار على العقبة أو مواني السعودية على البحر الأحمر، التي تلقت العراق من خلالها مقداراً كبيراً من الإمدادات والسلع الحربية. دول خليجية أخرى دعمت مزاعم العراق الأرضية، داعمين لشقيقهم العربي، ولكنها توقفت عن مهاجمة إيران سواء مادياً أو خطابياً. الأردن كان أول داعم للعراق والأكثر ثباتاً في دعمه خلال الحرب. في بداية الحرب أبدت الدول الخليجية دعماً أكثر علانية للعراق، الى درجة السماح لطائرات العراق بالتوزيع على مطارات في الأردن والسعودية وعُمان والإمارات واليمن الشمالية والكويت لتجنب الهجمات من إيران[47]. بعد أن بدأت العراق وايران في مهاجمة المنشآت البترولية للآخر، أدركت دول الخليج مدى ضعف تحصينات منشآتها البترولية وتعرضها للضرب. هذا الضعف تأكد بتحذير رمزي للدول الساحلية، عندما قامت المقاتلات الإيرانية بمهاجمة مخفر صحراوي كويتي كتحذير للكف عن الدعم العلني للعراق. (الكويت كانت تشحن بضائع عن طريق البر الى البصرة). الهجوم الإيراني كانت نتائجه ثلاثية. النتيجة الأولى، الطائرات العراقية الموزعة أُجبرت على مغادرة ملاذاتها والعودة الى العراق. النتيجة الثانية، دول الخليج العربية بدأت في إظهار مقاربة أكثر حذراً تجاه العراق. النتيجة الثالثة، السعودية طلبت المساعدة من الولايات المتحدة في حماية آبارها النفطية؛ المساعدة كانت مُعدة مسبقاً على شكل إرسال أربعة طائرات أنظمة انذار وتحكم محمول جواً (إيواكس). هذه الطائرات كانت في الخدمة يوم 1 أكتوبر 1981م، عندما انتقت ايران الكويت مرة أخرى كهدف لضربة رمزية وتحذيرية لغيرها من دول الخليج المؤيدة للعراق. ايران، في تصعيد خطير محتمل للحرب هاجمت منشأة تخزين نفطية كويتية في أم العيش. قيل أن الولايات المتحدة اكتشفت اقتراب الطائرات الإيرانية ولكن، لو كان ذلك صحيحاً، فليس من المعروف إن كان الكويتيون قد تم إنذارهم مُسبقاً ام لا. على أي حال، الهجوم كان ناجحاً ولم يتم إعاقته[48]. هذه التهديدات الإيرانية بتوسيع الحرب دفعت دول الخليج الى العمل بحذر عند تقديم مساعدات الى العراق. دول الخليج العربية كانت مؤيدة بوضوح لمطالب عراقية محدودة وبالتأكيد لن تكون مستاءة لو تسببت الحرب في الإطاحة بالخوميني، الذي كان يدعو بقوة الى ثورة إسلامية أصولية بين السكان الشيعة في هذه الدول. لكن السعودية والدول العربية الإقليمية الأصغر خافت من أن خروج الأحداث من اليد قد تجعل الخوميني الواقع في مأزق ينطلق لتدمير المنشآت النفطية في الخليج الفارسي. وهكذا، فإن فشل العراق في ضرب القوة الجوية الإيرانية في أول يوم من الحرب فتح دول الخليج أمام ضربات انتقامية، وترك هذه الدول أقل من متحمسة حول الاستمرار في دعمها العلني للعراق[49].

الحرب الجوية

الحرب الجوية بدأت بضربة جوية استباقية لعشرة مطارات عسكرية في إيران. الهجمة الجوية حققت مفاجئة، ولكن التكتيكات الجوية العراقية الخاطئة منعت تدمير القوة الجوية الإيرانية على الأرض. نتيجة لذلك، القوة الجوية الإيرانية لم تنج فقط من الضربة، ولكن حققت مقدار من المفاجأة عندما هاجمت البصرة وبغداد في اليوم التالي من الحرب الغير معلنة. وكما حكينا سابقاً العراق وزعت جزء كبير من سلاحها الجوي الى البلاد العربية المجاورة الآمنة، من المفترض بعيداً عن متناول القوة الجوية الإيرانية.

بالرغم من هذا النشاط المبكر، ولا طرف من الأطراف المتحاربة استخدم قوته الجوية لتحقيق تميز حاسم، مفضلين عدم مواجهة الخصم في معركة جوية. سياسة تجنب الصراع في الجو المتبادلة توازت مع سياسات مماثلة في البر والبحر. النمط الذي تبعته العمليات الجوية في باقي الحرب وُضع في الأسبوع الأول. كلا الطرفين المتحاربين نفذا ضربات عميقة في داخل البلد الأخرى، متجاوزين بدرجة كبيرة الأهداف العسكرية، ومفضلين عليها أهداف سيكولوجية أو اقتصاديه ذات جاذبية عالية لانتباه الجماهير. هذه الهجمات، التي تم شنها بمقاتلات تكتيكية عادة بأزواج وفي كثير من الحالات بأربعات، اخترقت الى أهدافها بدون إعاقة لان الطرفان المتحاربان كلاهما لم يكن باستطاعتهما التعامل مع نظام دفاع جوي متكامل. الدوريات القتالية كانت محمولة جواً بالقرب من الحدود العراقية الإيرانية، ولكن القليل من الاعتراضات الناجحة كانت تتم[50].

بالرغم من أن بعض المقاتلات أدت مهام دعم جوي قريب في وقت مبكر من الحرب، ومن بينها مروحيات هجومية إيرانية حققت بعض التدمير للدبابات باستخدام صواريخ حرارية مضادة للدبابات، إلا ان معدل الطلعات التكتيكية لم يكن قريباً من مستوى القدرة [51]capacity level. الصيانة السيئة ونقص الطيارين المدربين أعاقت جهود إيران الجوية، عوامل كانت متوقعة ولكن مستوى العمليات الجوية الذي حققته هذه القوة الهالكة كان ملحوظاً. الخبرة العراقية الفقيرة لم تكن متوقعة ويجب ان تُنسب الى نوعية الطيارين المنخفضة، بالرغم أن صدام حسين ألقى اللوم على المعدات السوفيتية الفقيرة[52].

يوم 4 ابريل 1981م، في واحدة من أكثر الأعمال الجوية دراماتيكية في الحرب، المقاتلات النفاثة فانتوم إف-4 (F-4 Phantom) ضربت بعمق في العراق وهاجمت مجمع إتش-3 النفطي. لضرب إتش-3 ومطار الوليد المرافق، قاعدة قوة القصف الإستراتيجية العراقية ( TU-22 و  IL-28)، كان على الطائرات الإيرانية الطيران 810 كلم من أقرب قاعدة لها في الرضائية، بحمل تسليح كامل على مستوى منخفض لمحاولة تجنب الاكتشاف من الرادار.  الرحلة أكبر من مدى عدم إعادة التزود بالوقود للإف-4. العراق زعمت ان راداراتها التقطت طائرات إف-4 الإيرانية وتتبعتها الى سوريا؛ بعد ذلك بـ 67 دقيقة ظهرت الطائرات مرة أخرى في المجال الجوي العراقي. الاستنباط هو أن سوريا سمحت للقوة الضاربة الإيرانية بإعادة التزود بالوقود في سوريا؛ سوريا أنكرت المزاعم بالطبع وهنا تقع المسألة[53].

الحرب في الجو تشوبها التكتيكات السيئة، وأنظمة الدفاع الجوي الغير فعالة، والعجز عن شن عمليات جوية مستمرة. القوات الجوية العراقية فشلت في تدمير القوات الجوية الإيرانية على الأرض في غارتها الاستباقية لأنها وظفت تكتيكات خاطئة. القوات الجوية العراقية، إما بسب التدريب السيء أو العقيدة المتداولة، ركزت الهجوم على تعطيل مدارج المطارات بتكسير الطرق، بدلاً من مهاجمة الأهداف المربحة أكثر مثل الطائرات العسكرية المتوقفة أو منشآتها الداعمة المرافقة. كلا الطرفين وضعا أولوية منخفضة على استخدام قواتهم الجوية لدعم العمليات البرية. بالتالي، كل من إيران والعراق كانتا قادرتين على تعزيز وإمداد وحداتهم على خط الجبهة. ولا طرف من الطرفين كان قادراً على تصميم وإجراء حظر أو حملة قصف استراتيجي عقلاني[54] rational strategic bombing campaign. الإنذار المبكر وقدرات القيادة والتحكم انهارت بوضوح، مما سمح لكل من إيران والعراق بانتهاك المجال الجوي للآخر مع الإفلات من العقاب. أنظمة صواريخ أرض جو (SA-2, SA-3, SA-6, SA-7) عند العراق و(Hawk, Rapier, Tigercat) لدى إيران كانت بشكل موحد غير فعالة. بالمثل، العراقيون كان لديهم أنظمة مدافع دفاع جوي ممتازة، ولكنهم لم يكن باستطاعتهم تشغيلها بكفاءة. نظام مدافع الدفاع الجوي- ZSU-23-4 السوفيتية 23مم، والمدافع الرشاشة 12.5 مم المُركبة على الدبابات كانت نظام تسليح فعال للاستخدام ضد مروحيات كوبرا الإيرانية المضادة للدروع التي تطلق صواريخ تاو الامريكية الموجهة سلكياً[55]. تقارير أخرى تشير الى أن العراقيون كان لديهم مشاكل في صيانة الرادار على نظام (ZSU-23-4) وببساطة كانوا يحشدون نيرانهم في نقطة في الفضاء، على رجاء ان تطير مروحية الهجوم الإيرانية عبر حائط الحديد – وهذا التكتيك ليس شديد الفاعلية. الحرب الجوية اتسمت بتشنجات والتي فيها إيران أولاً ثم العراق بعدها شنوا غارات انتقامية على مراكز الآخر الاقتصادية والسكانية. لكن، كلا الطرفين المتحاربين لم يبدوان قادرين على الاستمرار في هجوم طويل بما يكفي ليكون له تأثير استراتيجي مهم. كلتا القوتين الجويتين لم ترد توجيه الضربة القاضية، سواء من خلال التصميم أو بسبب نقص قطع الغيار أو ان الوقود النفاث يمنعهم من شن هجوم مستمر.

الكثير من تاريخ الحرب على البر والبحر وفي الجو كان بحثاً عن الامداد اللوجستي. في وقت مبكر من الحرب تلقت إيران امدادات، معظمها طبية وقطع غيار، من كوريا الشمالية، وسوريا، وليبيا. إسرائيل في محاولة واضحة لجعل الحرب مستمرة لأنها تلهي واحداً من أقوى أعدائها، قيل أنها أمدت إيران بقطع الغيار جواً. العراق استخدمت طرفاً ثالثاً لشراء الأسلحة من عدة دول تعتمد على العراق في نسبة كبيرة من وارداتها النفطية. العراق أنفقت على الأقل 2 بليون دولار على الأسلحة منذ بداية الحرب، طلبت صواريخ من البرازيل، ودبابات خفيفة من النمسا، وطائرات نفاثة وعربات قتال للمشاة من أسبانيا، ونظام صواريخ رولاند أرض جو من فرنسا.  هناك تكهنات بأن السبب الرئيسي لشراء أنظمة الأسلحة هذه ليس فقط للاستخدام في ميدان المعركة، ولكن لجعل القوات المسلحة موالية لصدام حسين[56]. في المقارنة بين الدولتين، يبدو أن كل من إيران والعراق كانتا ناجحتين في الحصول على الإمدادات بأقل احتياجات قواتهما المسلحة على المستوى المنخفض الحالي للمعركة.

أهداف، سياسية واستراتيجية

حرب الخليج دخلت الآن عامها الثاني ولا إيران ولا العراق يبدوان متحمستين لإيقاف القتال. خطوط الجبهة بقيت بالضرورة حيث ما كانت بعد ثمانية أسابيع تقريباً من الحرب وظروف وقف إطلاق النار لم تتزحزح منذ الأسبوع الأول. العراق خسرت أكثر من 21 ألف قتيل والمصادر الإيرانية أقرت بأكثر من 35 ألف قتيل[57].  ولا دولة كانت قوية عسكرياً أو سياسياً بما يكفي لتحمل المخاطرة أو الخسائر اللازمة لإنهاء الحرب. الحرب تسببت في جمود، الاستراتيجيون العملياتيون، المقيدون بالأهداف والسياسات والمفاهيم الاستراتيجية لزعمائهم الوطنيين، لن يستطيعوا كسره عاجلاً. في الحقيقة، الجمود المتواجد في ميدان المعركة ليس أكثر من إقرار للأخطاء المرتكبة من الاستراتيجيين على المستوى الوطني.

الأهداف السياسية العراقية تفرض طلبات على الاستراتيجية العسكرية وقواتها المسلحة من الصعب تحقيقها. الأهداف الأرضية مثل تأمين ممر شط العرب واحتلال الأراضي المُتنازع عليها في مقاطعات كرمانشاه وإيلام  كانت مهام عسكرية مباشرة تتطلب فقط احتلال مقادير محدودة من الأرض. ما كان أقل تحديداً وتحقيقه أقل سهولة الغايات السياسية الرامية الى استخدام وسائل عسكرية للإطاحة بآية الله خوميني وترسيخ  العراق كأقوى قوة في الخليج الفارسي. تحليل هادئ لهذين الهدفين الأخيرين لا يتطلب أقل من هزيمة حاسمة للجيش الإيراني في معركة من الوا    ضح أن العراق لا تريد المخاطرة بها. عودة جزر الإمارات في الخليج الفارسي تتطلب أيضاً قرار في ميدان المعركة نظراً لضعف البحرية العراقية مقابل البحرية الإيرانية.

نظراً للمطالب المتفاوتة للأهداف السياسية، كان من المهم أن يحدد مجلس قيادة الثورة العراقية بوضوح أهدافهم لإنهاء الحرب، قبل تكليف الجيش العراقي بخوض المعركة.

هدف الإطاحة بالخوميني، والذي كان يؤمل منه أنه سيؤدي الى قيادة العراق للعروبة، يمكن فقط تحقيقه بمتابعة سياسات أمنية ومفهوم استراتيجي للحرب الشاملة. لا شيء أقل من ذلك كان متوافقاً مع الهدف الاستراتيجي المطلوب. ولكن السياسة المُتبعة من العراق كانت مُصممة للاحتفاظ بالخسائر العراقية أقل ما يمكن. بغض النظر، إن كانت هذه السياسة تم اتخاذها لأسباب إنسانية أو الأكثر ترجيحاً، لان حكومة صدام حسيتن المتزعزعة لم يكن باستطاعتها تحمل عدد كبير نسبياً من الخسائر (خاصة من بين الشيعة) بدون إثارة غضب السكان، النتيجة كانت واحدة: عدم تواصل بين السياسة الأمنية والاستراتيجية العسكرية المطلوبة لتحقيق الهدف السياسي.

بالتأكيد، من الممكن أن صدام حسين ومستشاروه أساءوا تقدير قدرات الجيش الإيراني على مقاومة حتى هجوم منخفض الشدة. قد يكونوا قد بالغوا في تقدير الكفاءة العسكرية لقواتهم المسلحة العراقية أو سمحوا لتوقعاتهم بوضع احتمال مرتفع لحدوث انتفاضة للسكان العرب في خوزستان. قيل أن شهبور باختيار، آخر رئيس وزراء في عهد الشاه، كان في العراق قبل بداية الغزو بأسبوعين وكان في الأردن في نهاية سبتمبر.  هل هو نصح صدام حسين بأن الغزو سيطلق بالتأكيد انتفاضات في خوزستان والقوات المسلحة الإيرانية ستسحق آية الله خوميني؟ تم تداول تقارير بهذا المعنى في أوائل الحرب. كان هناك حتى تخمين بأن صدام حسين وافق على تعيين باختيار رئيساً لحكومة إيرانية حرة في خوزستان حالما يتم الاستيلاء على أحواز، وهو ما كان مُتوقع حدوثه يوم 5 أكتوبر 1980م. [58]

لو كانت هذه الرواية صحيحة، فإن الرئيس صدام حسين لن يكون أول من سيكون فاتحاً في التاريخ ويُخدم بسوء من سياسي أو جنرال طموح في المنفى. أياً كانت الحقائق، فإن التنافر والتعارض في العلاقة بين الأهداف والسياسة والاستراتيجية عاب العملية منذ بدايتها.

من جانبها، الهدف السياسي لإيران كان استعادة الوضع السابق. ولكن هذا الهدف السياسي المباشر كان مشوشاً ومعقداً بدسائس السياسات المحلية الإيرانية. اندلعت الحرب وسط صراع بين الأصوليين الدينيين وفرقة بني صدر الأكثر اعتدالاً، والتي في هذه اللحظة تم حلها لصالح آية الله خوميني. هذا الصراع المميت المتبادل كان له تأثيراً هائلاً على مسار الحرب، خاصة في مدن خوزستان المُحاصرة، حيث كانت السياسة تحميل الحرس الثوري – الباسداران – العبء الأكبر للقتال، والذين قوى نجاحهم الخوميني.  بالمقارنة بالحرس الثوري، انتصارات أقل كانت القوات المسلحة النظامية الإيرانية تحتفل بها في الحرب، الواقع الذي انعكس سلباً على بني صدر. آمال الزعماء الدينيين الإيرانيين بألا تتطور الحرب بطريقة تعطي الجيش دور محوري، والسياسة العراقية بعدم تعريض قواتها لمخاطرة أو خسائر ثقيلة، كانت وصفة لحرب منخفضة الشدة.  سياسة أخرى ذات اهتمام حيوي للغرب كانت القرار الإيراني بعدم إغلاق مضيق هرمز. هذه السياسة حقيقة ضمنت أن حرب الخليج يمكن احتوائها.

الاستنتاجات

حرب الخليج بها دروس استراتيجية للتدريس قد تكون أكثر أهمية من تلك الموجودة في الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973م لأنها تكشف طريقة أخرى يمكن أن تتطور بها الحرب بين دول نامية. درس كبير من حرب 1973م من المنظور العسكري الغربي كان أن الحرب المتوسطة الشدة الحديثة يمكن أن تكون عنيفة وباهظة لوجستياً. الاستراتيجيون الغربيون أدمجوا بسرعة دروس هذه الحرب في استراتيجيتهم لهزيمة الهجوم المدرع السوفيتي في أوروبا الغربية. عندما بدأت الولايات المتحدة التفكير في خطط طوارئ جادة لاستخدام القوة في جنوب غرب آسيا بعد إعلان عقيدة كارتر، الاستراتيجيون العسكريون فرضوا عقلية “فجوة فولدا” على البيئة الاستراتيجية في إقليم الخليج الفارسي. افترضوا أن الحروب في الشرق الأوسط – واقليم الخليج الفارسي ستتبع النموذج العربي-إسرائيلي في عام 1973م، وأن العقيدة والتكتيكات المتطورة نتيجة ذلك ستكون ذات صلة بهم. يبدو من الواضح الآن أن ذلك قد يكون صحيح جزئياً.

  • الاستنتاج الأول فيما يتعلق بحرب الخليج يجب ان يكون أنه ليست كل الحروب بين دول شرق أوسطية أو في جنوب غرب آسيا يجب أن تكون على نموذج الحرب العربية-إسرائيلية. هذا لا يعني أن الحروب المستقبلية في الإقليم لا يجب ان تُخطط لتتبع الاستراتيجية الإسرائيلية. هناك سبب لتصديق أن ضعف الجيش الإيراني في بداية الحرب كان من الممكن أن تسمح باستراتيجية أكثر جرأة كان من الممكن أن تدمر عناصر الجيش الإيراني في مقاطعة خوزستان. ولكن ذلك قد لا يكون كافيا للفوز بالحرب، نظراً لأن الإطاحة بالخوميني كان الهدف المحوري.
  • الاستنتاج الثاني هو أنه من الصعب خوض حرب محدودة مع نظام حكم ثوري بقاءه على المحك. الحرب قد تكون محدودة من منظور الرئيس صدام حسين، ولكن بالنسبة لآية الله خوميني فإنها حرب شاملة يتم خوضها لإنقاذ الثورة. من المثير للانتباه، انها تشير أيضاً إلى أن الوطنية قد تكون قوة أكثر قوة في الشرق الأوسط عما يعتقده الكثير من المحللين المشغولين بتأثير الثورة الإسلامية. العرب في خوزستان والشيعة في شرق العراق بقوا مخلصين لحكوماتهم بالرغم من التنبؤات بالعكس.
  • الاستنتاج الثالث، من الصعوبة الشديدة تقييم القدرات العسكرية لدول نامية. إيران والعراق لم يخوضوا حرباً تقليدية لأكثر من 35 عام، باستثناء عمل وحدة صغيرة في ظفار وضد إسرائيل. كلا الدولتين كانتا مسلحتين بأفضل الأسلحة يمكن أن تقدمها التكنولوجيا، وبالتالي على الورق، بقبول حدوث أوضاع مناسبة نتيجة تأثيرات الثورة على القوات المسلحة الإيرانية، تبدو إمكانية تنفيذ العراق لحرب قصيرة عنيفة ضد إيران وفوزه بها رهاناً مؤكدا. ولكن المحللون العسكريون لم يقيموا بطريقة صحيحة قدرة دولة غير متقدمة تكنولوجياً على تشغيل أسلحة متطورة. لعجزهما عن استخدام الإمكانيات القصوى للأسلحة (أو أي مستوى قريب من ذلك) كل من إيران والعراق صهرا الأسلحة الحديثة مع تكتيكات الحرب العالمية الثانية. علاوة على أن، كلا الدولتين اعتمدتا على الامدادات من دول أخرى للحفاظ على تلك الأسلحة، ولكن الأكثر أهمية، انهما احتاجتا الى مشورة خبراء ومساعدات تدريبية من موردي الأسلحة.  من اللافت للنظر مدى سرعة انخفاض كفاءة الأسلحة حالما تم تسريح المستشارين الأمريكيين والسوفييت. هذا العامل يجب أن يُدرس عن قرب أكثر ويجب أن يؤخذ في الاعتبار في التقييمات العسكرية للدول النامية.  المساعدات التدريبية قد تكون ذات أهمية استراتيجية أكبر للدول النامية عن التوريد المؤكد للمعدات والذخيرة وقطع الغيار.
  • الاستنتاج الأخير هو أن أي دولة تفكر في الحرب يجب أن تكون دقيقة وواقعية في تحديد أهدافها، وسياستها واستراتيجيتها. الغموض في أي من هذه العوامل أو الفشل في التكامل بينهم بطريقة صحيحة سيؤدي بالتأكيد الى فشل في ميدان المعركة. بالنسبة للسياسي، قد يكون هناك فضيلة في الغموض تجاه عدوك؛ قد يكون هناك حتى فضيلة في الغموض تجاه حلفائك؛ ولكن الغموض لا لا يكون له أي فضيلة عندما يكون بين رجال الدولة والاستراتيجيين الذين يريدون استخدام القوة العسكرية لتحقيق أهدافهم السياسية. لو كان صدام حسين قيم بطريقة صحيحة المطالب المتناقضة لأهدافه السياسية وسياسته الأمنية حول مفهومه الاستراتيجي، لكان قادراً على اختراع استراتيجية للفوز بالحرب بسعر يريد دفعه- من المرجح أكثر انه كان من الممكن ان يتخلى عن المشروع كله. وبما انه لم يفعل ذلك، فما بدأ على أنه قادسية Qadisiya صدام حسين قد يثبت انه واترلو Waterloo صدام حسين

الملحوظات

[1] 1. Sir John Bagot Glubb, The Great Arab Conquests, Englewood Cliffs. New Jersey: Prentice-Hall, Inc., 1953. pp. 189-204.

[2] 2. Editorial, The New York Times, September 23, 1980, p. A22.

[3] 3. Parallels such as the ancient exhaustion of Persia and the modern disarray in Iran following the Islamic Revolution that offered the Arabs the opportunity to defeat a potentially stronger adversary.

[4] 4. Glenn H. Snyder and Paul Diesing, Conflict Among Nations, Princeton, New Jersey: Princeton University Press, 1977, pp. 11-21.

[5] 5. For an excellent recent discussion not only of the Shatt al-Arab territorial dispute, but also for many other sources of conflict in Southwest Asia, see: Robert Litwak, Security in the Persian Gulf 2: Sources of Inter-State Conflict, International Institute for Strategic Studies, Montclair, New Jersey: Allanheld Osman and Co., 1981. For the disputes between Iraq and Iran, see especially pp. 1- 24.

[6] 6. Richard Hoffman, “Iran, Iraq on War Footing; Khomeini Urges Coup,” The Washington Post, April 9, 1980, p. AI8.

[7] 7. Harvey Sicherman, “Iraq and Iran at War: The Search for Security,” Orbis, Vol. 24, No. 4, Winter 1981, pp. 711-717.

[8] 8. Litwak, pp. 5-10.

[9] 9. “Iraq Denounces 1975 Border Settlement With Iran,” The New York Times, September 18, 1980, p. A8.

[10] 10. An opposing view may be found in Ray S. Cline, World Power Trends and US Foreign Policy for the 1980’s, Boulder, Colorado: Westview Press, pp. 119-137. Using a more sophisticated approach to assess military power potential in 1978, that encompassed qualitative and quantitative indicators such as manpower quality, weapon effectiveness, infrastructure and logistics, organizational quality, strategic research, and military effort, Cline concluded that Iraq had a small military edge over lran.

[11] 11. Ned Temko, “Iran: Ragtag Military Holds Key,” Christian Science Monitor, June 19, 1980, p. 1. Also see Michael Getler, “Iraq Gets Key Regional Role as Iran’s Military Deteriorates,” The Washington Post, April 11, 1980, p. A14 and Major

General K. Perkins, “The Death of an Army: A Short Analysis of the Imperial Iranian Armed Forces,” Journal of the Royal United Services Institute for Defense Studies, Vol. 125, No. 2, June 1980, pp. 21-23.

[12] 12. Abdul Kasim Mansur (pseud), “The Military Balance in the Persian Gulf: Who Will Guard the Gulf States From Their Guardians,” Armed Forces Journal International, November 1980, p. 45.

[13]  US Congress, Senate, Committee on Foreign Relations, Subcommittee on Foreign Assistance, US Military Sales to Iran, Washington: US Government Printing Office, 1976. This study finds that “Most informed observers feel that Iran will not be able to absorb and operate within the next five to ten years a large proportion of the sophisticated military systems purchased from the United States.. ,” p. viii.

[14] 14. Mansur.

[15] 15. Drew Middleton, “Iran and Iraq Test Mettle,” The New York Times, September 23, 1980, p. A12.

[16] 16. Drew Middleton, “Iraqis Hold Military Edge in Confrontation With Iranians,” TheNew York Times, April 13, 1980, p. A14.

[17] 17. Eric Rouleau, “The War and the Struggle for the State,” AIERIP Reports, No. 98, July-August 1981, pp. 3-8. For a discussion of the domestic motiv3tion for the Iranian counterattack, see Middle East Intelligence Survey, Vol. 8, No. 19,

January 1-15, 19 8 1, pp. 147-148.

[18] 18. The strategic deliberations of the Iraqi and Iranian war planners have not been publicly disclosed. In analyzing the Gulf War, a strategic analyst’s methodology must necessarily be one of inferring strategy and intentions from the

observable events of the war.

[19] 19. The terrain appreciations written by British officers campaigning against the Kurds in mountains of Northern Iraq are excellent and still useful. See, for example: Colonel R. H. Beadon, “The Strategic Problems of Iraq,” Journal of the RoyalUnited Services Institute, Vol. LXXVII, No. 518, November 1932, pp. 774-781; Colonel W. E. Blaker, “The Physical and Climatic Difficulties of the Mesopotamian Theater of War,” United Services Institute of India, Vol. 56, No. 243, April 1926, pp. 111-121; and Lieutenant Colonel H. E. Crocker, “British Interests in the Persian Gulf,” Journal of the Royal United Services Institute, Vol. LXXVIII, No. 509, February 1933, p. 168.

[20] 20. The heavy winter rains cause extensive flooding in the coastal plain area. British campaigners in the 1920’s and 1930’s, as well as more ancient Arab historians, commented on the use of these flood waters to enhance military defense.

[21] 21. The International Institute for Strategic Studies, Strategic Survey, 1980-81, London: International Institute for Strategic Studies, 1981, p. 50.

[22] 22. Ibid.

[23] 23. Carl Von Clausewitz, On War, edited and translated by Michael Howard and Peter Paret, Princeton, New Jersey: Princeton University Press, 1976, pp. 119-121 and Bernard Brodie’s Commentary, pp. 648-650.

[24] 24. Ibid.

[25] 25. Andre Beaufre, An Introduction to Strategy, New York: Praeger, 1965, pp. 30-32.

[26] 26. For an overall view of the war up to January 1981, see the “War Between Iran and Iraq,” Strategic Survey, 1980-81, International Institute for Strategic Studies, pp. 49-52; Edgar O’Ballance, “The Iraqi-Iranian War: The First Round,” Parameters, Vol. XI, No. 1, March 1981, pp. 54-59; and Claudia Wright, “The Iraq-Iran War,” Foreign Affairs, Vol. 59, No. 2, Winter 1980/81, pp. 286-303. For information regarding military operations after January 1981, various accounts in newspapers, news magazines, and other periodicals must be relied upon.

[27] 27. O’Ballance, pp. 54-55.

[28] 28. Middle East Intelligence Survey, Vol. 8, No. 13, October 1-15, 1980, pp. 97- 104.

[29] 29. Edward Cody, “Baghdad Seeks Full Sovereignty Over Waterway,” The Washington Post, October 20, 1980, p. A7.

[30] 30. Middle East Intelligence Survey, Vol. 8, No. 14, October 16-31, 1980, pp. 105-10.

[31] 31. Vahe Petrossian, “Iran: Revolution Before Victory,” Middle East Economic Digest, Vol. 24, No. 42, October 17, 1980, pp. 15-16.

[32] 32. John Kifner, “lraqis Move Tanks Across a Key River to Drive on Abadan,” The New York Times, October 12, 1980, p. 1.

[33] 33. Strategy Week, Vol. VII, No. 38, October 5-11, 1981, p. 4 .

[34] 34. International Institute for Strategic Studies, Strategic Survey, 1980-81, p. 50.

[35] 35. David Hirst, “Persian Gulf War Centers on Artillery Duels,” The Washington Post, February 3, 1981, p. A21.

[36] 36. Blaker, pp. 111-121. In 1926 Colonel Blaker described this tactic thusly: “. whole tracts of country may be rendered unusable by the judicious cutting- dams, a flank may be secured or a line of advance barred by this simple devic!.’ fie also

went on to describe the condition of the river during winter, “. . . when one travels up river during the floods, (one may] observe that the surface of the water on which the steamer floats is a foot or two above the level of the surrounding country ……

[37] 37. “Iraqi Troops Brace for Floods,” The New York Times, November 29, 1980.

[38] 38. “Iran-Iraq War: Long, Costly and Indecisive,” Far Eastern Economic Review, No. 112, April 3, 1981, pp. 22-23. See also various newspaper accounts.

[39] سفر التثنية 32:41

[40] 39. Middle East Intelligence Survey, Vol. 8, No. 19, January 1-15, 1981, pp. 147- 148.

[41] 40. Strategy Week, Vol. VII, No. 20, May 25-31, 1981, p. 1. Nothing captures the character of this war so much as the report that both Iran and Iraq were desperately searching for artillery gun barrels to replace those they had burned out.

[42] 41. Drew Middleton, “Tactics in the Gulf War,” The New York Times, October 19, 1980, p. 12 and “Iraqi Tank Guns Stop Missile Helicopters,” Aviation Week and Space Technology, Vol. 113, No. 21, November 24, 1980, p. 66.

[43] 42. Commander William L. Dowdy, III, “Naval Warfare in the Gulf: Iraq Versus Iran,” US Naval Institute Proceedings, Vol. 107/6/940, June 1981, pp. 114- 117.

[44] is a term which applies to a wide range of peacetime naval activities whose purpose is to influence the behaviour of another nation.

[45] 43. Ibid., pp. 115-116.

[46] 44. Strategy Week, Vol. VI, No. 42, October 20-26, 1980, p. 6.

[47] 45. Michael Getler and George C. Wilson, “US Officials Say Diplomatic Action Headed Off Iraqi Escalation of War,” The Washington Post, October 4, 1980, p. A16.

[48] 46. Strategy Week, Vol. VII, No. 39, October 12-18, 1981, p. 5.

[49] 47. Adeed 1. Dawisha, “Iraq and the Arab World: The Gulf War and After,” The World Today, Vol. 37, No. 3, March 1981, pp. 188-194.

[50] 48. O’Ballance, pp. 57-58; Mansur, pp. 44-46.

[51] 49. Robert C. Elliot, “Ripples in the Gulf,” Middle East International, No. 137, November 7, 1980, p. 7.

[52] 50. O’Ballance, p. 57.

[53] 51. Strategy Week, Vol. VII, No. 14, April 13-19, 1981, p. 6 ; Strategy Week, Vol.

VII, No. 15, April 20-26, 19 81, p. 2 .

[54] 52. “Iraqi Tank Guns Stop Missile Helicopters,” Aviation Week and Space Technology, Vol. 113, No. 21, November 24, 1980, p. 66 and Mansur, pp. 44-45.

[55] 53. Aviation Week and Space Technology, p. 66.

[56] 54. Strategy Week, Vol. VII, No. 9, March 9-15, 1981, p. 1.

[57] 55. Strategy Week, Vol. VII, No. 32, August 24-30, 1981, p. 7.

[58] 56. Rouleau.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s