1-08-8- المصالح السوفيتية والأمريكية في القضية الكردية

8 – مصالح الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في القضية الكردية

مصالح الولايات المتحدة في القضية الكردية لا ترتبط بدرجة كبيرة بالطموحات القومية للأكراد في إيران والعراق وتركيا. ولكن، الأكراد وسعيهم الى الحكم الذاتي هامشيين لعلاقات الولايات المتحدة مع هذه الدول التي بها ‘داد كبيرة من السكان الأكراد. هذه العلاقات عادة لها بعد سياسي وعسكري واقتصادي مهم. بدرجة كبيرة، مصالح الولايات المتحدة عملت أيضاً كطباق للمصالح السوفيتية في المنطقة. مصالح أمريكا ليست إستاتيكية، ولكنها تتغير مع مرور الزمن مع التغييرات في العلاقات بين الولايات المتحدة وحكومات الدول المعنية.

بالمثل، المصالح السوفيتية لا علاقة لها بتطلعات الأكراد القومية، على الرغم من الخطاب المُعلن. التدخل السوفيتي مع الأكراد، بشكل عام، كانت تتعلق بمتابعة أمن الحدود وحماية وتحسين الأصول السوفيتية.

في عشية الحرب العالمية الثانية، الاهتمام الأساسي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط كان احتواء التهديد الشيوعي. هذا المجهود اتخذ شكل المساعدات العسكرية والاقتصادية الى الدول الصديقة لمكافحة التأثيرات السوفيتية. في ذلك الوقت، الأكراد الساخطون والغير متطورين سياسياً كانوا هدفاً سهلاً للتأثيرات السوفيتية، وهم يدركون أن العلاقات بين حكوماتهم المضيفة والولايات المتحدة كانت مبنية على المصلحة المتبادلة.

السوفييت لم يكونوا غرباء عن التعامل مع تنوع واسع من المجموعات العرقية لها تطلعات قومية، بعد ان حققت، من وجهة نظرهم، نجاحاً كبيراً حول محيطهم. واحدة من أكثر محاولاتهم المفتوحة والدراماتيكية في الحصول على نفوذ على طول الصف الشمالي حدثت في إيران بعد الحرب مباشرة. إقامة ما يُسمى بالجمهوريات في أذربيجان وماهاباد لم يكن ليحدث أبداً بدون الوجود السوفيتي في شمال إيران.

جمهورية ماهاباد، التي تم الكلام عنها عاليه، كانت النجاح الكردي الواسع النطاق، بالرغم من قصر عمرها، ومنذ نشأتها عملت كنقطة تجمع في التاريخ للقوميين الاكراد. في الحقيقة قبر قاضي محمد ، زعيم الثورة الفاشلة، يُعظم كمزار من الكثير من الأكراد[1].

الولايات المتحدة لم يكن لها دور في قمع هذه الثورة، ولكن وقوعها قوى مناشدة الشاه للأمم المتحدة لإنقاذه من التدخل السوفيتي. إثارة السوفييت للسكان في أذربيجان عام 1945م هربت بدرجة كبيرة من ملاحظة الغرب. ما وضع تدابير السوفييت في البؤرة كان فشل الاتحاد السوفيتي في الانسحاب من إيران بعد توقف الأعمال العدائية بستة أشهر حسب شروط المعاهدة الثلاثية عام 1942م. ايران التي أُهملت من الغرب بدرجة كبيرة، بسبب تركيز انتباهه على إعادة بناء أوروبا، تُركت لشراء حريتها بتحويل مواردها البترولية الشمالية الى روسيا، والسماح بالاختراق الشيوعي لحكومتها، وبترك القضية الأذربيجانية غير محلولة[2].

العجيب هو أن السوفييت تركوا إيران تماماً. بالطبع كان لديهم آمال بجعل جمهورية أذربيجان، الخاضعة لرئاسة شيوعي أذري يُسمى جعفر بيشفاري، وجمهورية كردستان، تحت نفوذهم، ولكن الزعيم الكردي قاضي محمد كان لديه اهداف اخرى في ذهنه.

فكرة السوفييت كانت… تسريع فصل أذربيجان عن إيران واتحادها مع جمهورية أذربيجان السوفيتية الاشتراكية، ولم يريدوا أن تصبح دولة كردستان تحت زعمائها البرجوازيين والقبليين دولة مستقلة، وتنجذب إلى نمط غربي من الديمقراطية، بدلاً من تشكيل نواة لدولة كردية شيوعية[3].

لمنع حدوث ذلك، رتب السوفييت اجتماعاً في تبريز بين قاضي محمد والزعماء الأذريين في مسعى لتسوية الخلافات. توصلوا الى اتفاقية تضمنت تعاون عسكري وثقافي واقتصادي؛ وان تكون أي مفاوضات مع الحكومة الإيرانية إما مشتركة أو بإشعار الطرف الثاني، واتفقوا على أن تدير الحكومات الغالبية في كل منطقة. ولكنهما لم يناقشا اين ستقع الحدود للجمهوريتين. قاضي محمد كان مصراً على إنشاء كردستان أكبر بكثير من جمهورية ماهاباد. غاياته الضخمة تتصور كردستان مستقلة تمتد من البحر المتوسط الى الخليج الفارسي، وتتضمن إدماج المناطق الكردية في غرب أذربيجان. الزعماء القبليون الاكراد الذين أيدوا كومولا حزب قاضي محمد كانوا أيضاً غير متحمسين بشكل واضح للهيمنة الشيوعية، ويمتلكون عداوة تاريخية تجاه الأذريين. كما انه، بما ان المنطقة الواقعة تحت سيطرة كومولا تقع بالكامل داخل الحدود الآذرية، القتال لأخذ الأقاليم الكردية الجنوبية فقد بلا شك بعض الجاذبية بعد أن اكتشف المحاربون القوميون أن المنطقة كانت مسلحة بكثافة وأن الأكراد في محافظة كردستان كانوا يتعاونون مع الحكومة الإيرانية[4]. رحيل السوفييت شجع بلا شك الجيش الإيراني، بينما الزعماء القبليون الاكراد الذين رفضوا المشاركة في المعارك استنتجوا على الأرجح أن التنازلات الإيرانية، إذا مُنحت في أذربيجان، فستكون أكثر إفادة للآذريين الشيوعيين التابعين لبشفاري على المدى الطويل. بلا شك هؤلاء الزعماء القبليون راوا بوضوح انه على الأرجح أن الاتحاد السوفيتي لم يسعى الى إنشاء دولة كردية مستقلة، لكن الى فصلها عن إيران ثم دمجها بالكامل في أذربيجان السوفيتية[5].

التدخل السوفيتي في الجمهورية الكردية المنحوسة، كان على أفضل الأحوال، فاتراً. هدفهم الأساسي كان دمج أذربيجان الإيرانية، وبالرغم من الوعود بالمساعدات المالية، إلا ان دعمهم للكرد تكون من مطبوعات، وبعض الأسلحة والذخائر، وبعض الأدوات الموسيقية العسكرية[6]. فيما بعد، ستالين نفسه أشار إلى ان سبب التدخل في شمال إيران، كان قلق السوفييت على امن حقول نفطهم في باكو، والتي بسبب قربها من الحدود الإيرانية، يعتبرونها معرضة بشدة للتخريب.

إضافة إلى ان ستالين شعر ان الاتحاد السوفيتي يستحق حصة في امتيازات النفط الإيراني وانه أُعيق من الغرب[7]. إيران، بعد أن دفعت التهديد السوفيتي بعمل شاق ومناورة ذكية، رأت عقيدة ترومان عام 1947م إجابة لصلواتها. وقد تم تقديم مساعدة ملموسة من الولايات المتحدة إلى إيران على الفور. “يوم 6 أكتوبر 1947م، عقدت الدولتان اتفاقية تمد عمر البعثة العسكرية الاستشارية الامريكية الى الجيش الإيراني”، واتبعت ذلك بمنح من المعدات العسكرية، والمشورة التخطيطية الاقتصادية وحوالي 10 مليون دولار من المساعدات تحت قانون المساعدات العسكرية المتبادلة. بالرغم أن الإيرانيون شعروا بأن المساعدات لم تكن كافية، الا انها أثبتت انها الخطوة الأولى في علاقة طويلة وحميمة مع الولايات المتحدة[8] بلغت ذروتها في واردات سلاح قيمتها أكثر من 2.5 بليون دولار في العام الأخير من حكم الشاه[9]. سقوط الشاه أنتج اهتماماً متجدداً وإن كان فاتراً بالقضية الكردية من جانب الاتحاد السوفيتي.

خلال عام 1979م، حاولت موسكو عمل تحالف مع الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني… لكن السياسات الكردية عامة كانت مفتتة، بما في ذلك داخل الحزب الديمقراطي الكردي. بينما وجدت الاقتراحات السوفيتية بعض الاستجابة، العصبة المهيمنة على الحزب الديمقراطي الكردي لم تكن مهتمة لأنها بقيت على خلاف مع حكومة طهران حول الحكم الذاتي الكردي في الوقت الذي كانت الأولوية العليا لطهران هي العلاقات الجيدة مع طهران[10].

تركيا بالطبع واحدو من المستفيدين الأساسيين من سخاء عقيدة ترومان. خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية الأكراد في تركيا لم يكونوا عاملاً في العلاقات بين تركيا والقوى الخارجية. ثلاث ثورات كردية في تتابع سريع قبل الحرب، كانت معترضة في الأساس على سياسات اتاتورك العلمانية والنفوذ المتزايد للحكومة الجديدة على ما كان من قبل مجال كردي حصري تقريباً، تم قمعها بقوة وحسم من قبل القوات التركية. لضمان أن الحركة الكردية القومية تظل ساكنة، هجرت الحكومة التركية الزعماء الأكراد المنشقين إلى مناطق أخرى من البلد[11]. بما أن غالبية السكان الأكراد الذين تم اسكاتهم باقين في إقليم شرق الاناضول الغير متطور وغير صناعي، فلم يعودوا قضية في السنوات المباشرة بعد الحرب العالمية الثانية.

علاقة أمريكا بتركيا استمرت في زيادة التقارب على مر السنين. باستثناء أزمة قبرص، البلدان تمتعا بدرجة كبيرة من المصالح المتبادلة. قواعد الولايات المتحدة والناتو في تركيا تسهل المصالح الأمنية في الإقليم وتمكن الولايات المتحدة من الحفاظ على عين يقظة على السوفييت. المساعدة الأمنية الامريكية الى تركيا تساعد تركيا على الإبقاء على ثاني أكبر قوة عسكرية في الناتو. نتيجة لذلك، الولايات المتحدة لديها ميل أو رغبة ضئيلة لمواجهة تركيا فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان ضد السكان الأكراد – على عكس أعضاء السوق الأوروبية المشتركة، الذين يستمرون في الضغط على تركيا في هذا الهدف.

تركيا، من جانبها، مقتنعة أن المحرضين الأجانب وراء المشاكل الحالية في مناطقهم الشرقية. ذكروا شهادات لمتهمين من حزب العمال الكردي PKK  في محاكمة لهم على أنشطتهم الإرهابية، ذكروا فيها أنهم تدربوا في معسكرات حرب عصابات في سوريا والعراق ولبنان. بالإضافة إلى أن الاتحاد السوفيتي له علاقة طويلة وإن كانت هشة بالثوار الاكراد في تركيا – موفراً المساعدات المالية منذ وقت طويل يعود الى عشرينات القرن العشرين – وكذلك في إيران والعراق. أقام الاتحاد السوفيتي محطتين للإذاعة في عامي 1958 و1968م، تبث برامج مصممة لتشجيع السخط بين السكان الأتراك ككل، والأكراد بشكل خاص[12].

حديثاً، العلاقات بين تركيا والاتحاد السوفيتي تظهر علامات تشير الى التحسن، بداية مع فتح العبور بين الحدود في نوفمبر 1989م بين البلدين في مدينة سارب بالقرب من شرق البحر الأسود. هذه النقطة الحدودية ستكون بوابة للواردات والصادرات بين البلدين. تركيا تخطط لتصدير منتجات مثل عناصر زراعية، منسوجات، ومواد بناء، وتستقبل في المقابل بضائع جلدية، أخشاب ونفط من الاتحاد السوفيتي. هذا البرنامج للتبادل السلعي سوف يتزامن مع فتح قنصلية تركية في باكو وقنصلية سوفيتية في طرابزون.

بالإضافة الى أن شركات الإنشاءات التركية وافقت على تنفيذ أربعة مشاريع إنشاء في الاتحاد السوفيتي، ويتفاوضون على عقد لتنفيذ 24 مشروع إضافي[13]. العلاقات المتحسنة تدريجياً بين الدولتين قد تجعل الاتحاد السوفيتي يواصل موقفاً أكثر حذراً تجاه التدخل في الشؤون الكردية في تركيا.

خلال الجزء الأخير من الحرب العالمية الثانية، كافحت العراق انتفاضة كردية لمدة عامين تمكنت الحكومة من قمعها. في سنوات ما بعد الحرب، العراق مثل تركيا جُنبت من أي انتفاضات كردية كبرى، بشكل أساسي لان الزعيم الأساسي للأكراد، ملا مصطفى برزاني، كان ضيفاً في الاتحاد السوفيتي بعد أن هرب بسبب انهيار جمهورية ماهاباد المنحوسة في إيران.

بسبب ارتباطه بالاتحاد السوفيتي، أصبح برزاني معروفاً لفترة من الزمان بالملا الأحمر – اللقب الذي لصق به، بالرغم انه لا كان شيوعياً، ولكنه كان يتعامل مع أي أحد يساعده في تحقيق أهدافه القومية، ولا كان ملا – في الحقيقة “ملا” كان اسمه الأول.

الجهود السوفيتية للتأثير في الأكراد في العراق عن بعد استمرت، بالرغم أن “البروباغاندا الإذاعية السوفيتية وكتيبات التخريب باللغة الكردية فشلت في إثارة الاكراد، اللذين لم يكن لهم الكثير من العوامل المشتركة مع الروس، على الانتفاض[14].

العام 1955م كان عاماً مهما فيما يتعلق بالعلاقات الأمريكية مع إيران والعراق وتركيا. ظهر حلف بغداد الى الوجود، موفراً ترتيبات أمنية جمعية تعزز سياسة الاحتواء الأمريكية في المنطقة. بالرغم أن الولايات المتحدة ليست موقعة على الحلف، إلا ان المساعدات للدول الثلاثة تعكس رضا أمريكا عن الترتيبات التي هندسها الحلف. هذا الترتيب السعيد تحطم مع الإطاحة بالملكية في العراق عام 1958م على يد عبد الكريم قاسم. من وجهة نظر كردية، الجانب الأهم في هذه الثورة كان أنها مكنت برزاني وأتباعه من العودة من المنفى في الاتحاد السوفيتي. عودة برزاني كانت الفصل الافتتاحي لإحياء الصراع القومي الكردي في العراق، الصراع الذي أصبح كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي داخلين فيه. الأحداث التي أدت إلى تدخل الولايات المتحدة في الصراع الكردي في العراق تم مناقشتها بتفصيل أعلاه. الولايات المتحدة كانت غير سعيدة بوضوح من العراق لأسباب متنوعة؛ وليس أقلها عداء العراق لإسرائيل، ودعم الحركات الراديكالية في المنطقة، والعلاقة الوثيقة مع السوفييت، كل واحد من هذه الأسباب كان يُرى على انه تهديد لمصالح الولايات المتحدة في المنطقة.

ولكن العراق بدلاً من الاقتراب من الاتحاد السوفيتي كان فعلياً يسعى الى اتخاذ مساراً أكثر استقلالاً. بحظر الحزب الشيوعي العراقي وايضاً رفض الطلب السوفيتي بتقديم دعم للفلسطينيين ضد الأردن، العراق كان يضع المصالح الذاتية والحفاظ على البعث في المقدمة. حاول الاتحاد السوفيتي إعادة العراق الى الحظيرة بعقد معاهدة صداقة عام 1972م وتوريد أسلحة بقيمة 1.7 بليون دولار من بينها وفرة من قطع الغيار التي عالجت مشاكل إعادة التوريد، على مدار أربع سنوات. استخدم العراق هذه المساعدات العسكرية الهائلة للابتعاد أكثر عن السوفييت وفي نفس الوقت سحق الثورة الكردية. البناء العسكري العراقي دفع الشاه بلا شك الى استنتاج ان الوقت كان مناسباً للتفاوض في اتفاقية الجزائر عام 1975م[15]. بينما كان العراقيون يستخدمون أسلحتهم الجديدة ضد الأكراد، كان الاكراد يتلقون مساعدات قادمة من مصادر متنوعة، من بينها الولايات المتحدة، وإسرائيل، وشاه إيران. كل مساهم كان يتبع أجندته الخاصة. أسباب الشاه لتقديم الدعم للأكراد لم تكن تتضمن التعاطف مع تطلعاتهم القومية. الشاه الذي نصب نفسه حارساً للخليج وبصفته معاد للشيوعية، كان لديه مخاوف قوية من تصاعد النفوذ السوفيتي في المنطقة. القرار بتقديم مساعدات للأكراد تم صياغته عام 1972م من الشاه والرئيس الأمريكي في ذلك الوقت نيكسون:

اقترح الشاه على الرئيس نيكسون بأنه بالقليل من الهمز يمكن لإثارة الأكراد حول قضية كركوك. ليس معروفاً ما الحجج التي استخدمها بالرغم أن من الممكن افتراض أنه أكد على إبرام معاهدة الصداقة العراقية مع موسكو، البعثيون يخططون لشرعنة الحزب الشيوعي العراقي وأخذه في تحالف حكومي، وما قيل إن العراقيين سوف يمنحون الروس تسهيلات موانئ في البصرة. ربما قدمت هذه النقاط حجج كافية[16].

النقاط الإضافية قد تكون قدمت قوة دفع مهمة للقرار، على الأقل فيما يتعلق بتوقيت قرار مساعدة الأكراد: أولاً، الصعود الحاد في أسعار النفط خلال أوائل سبعينات القرن العشرين وثانياً، قرار العراق بتأميمي حقول النفط.

بعد رفض الطلبات الكردية بالمساعدة في أغسطس 1971 ومارس 1972م، وافقت الولايات المتحدة على التعاون بعد أسبوعين من تأميم شركة البترول العراقية. بالإضافة الى ان برزاني وعد بانه لو فاز فهو مستعد أن يصبح الولاية الحادية والخمسين. ووعد أيضاً، انه لو نجح، فسوف يعيد حقول النفط الى الولايات المتحدة، وان الولايات المتحدة يمكنها ان تجد صديق في الأوبك عندما تحقق كردستان الغنية بالنفط الاستقلال[17].

بغض النظر عن أي الظروف والحجج أثبتت انها أكثر إلحاحاً، النتيجة النهائية لهذا الاجتماع كانت أن الولايات المتحدة أصبحت داخلة كلية في القضية الكردية. “نيكسون ذهب فوق رؤوس مستشاريه الاستخباريين الكبار، وتجاهل اعتراضات السي آي إي، وطوق وزارة الخارجية[18].  وامر بعمليات لدعم الأكراد[19].

الشاه قدم معظم المساعدة، مقارنة بمقدار رمزي من المساعدات الامريكية (حوالي 16 مليون دولار)، أغلبها على هيئة أسلحة صغيرة وذخيرة. بعض هذه الأسلحة تم الحصول عليها عبر إسرائيل، وكانت أسلحة صينية وسوفيتية تم الاستيلاء عليها خلال حرب 1967 بين العرب وإسرائيل. أسلحة أخرى تم شرائها من كمبوديا. منشأ صناعة هذه الأسلحة كانت المقصود منه جعل العراقيين يعتقدون أن الاكراد تورد الأسلحة إليهم من قبل الروس وليس الغرب[20]. وبلا شك مقصد ثاني كان تمكين الأكراد من استخدام أي ذخائر عراقية متوافقة مع أسلحتهم يمكن ان تسقط بين أيديهم.

ليس من المرجح أن العراقيون اقتنعوا ان الأكراد يتلقون مساعدات بأي درجة كبيرة من السوفييت، لو كان الزعم صحيحاً، بانه خلال الهجوم العراقي عام 1974م، بعض الطائرات الميج 23، المستخدمة في الهجوم على الاكراد في معاقلهم الجبلية كان يقودها أفراد من القوات المسلحة السوفيتية. بالإضافة إلى أن، قيل ان إيران المجاورة أصبحت داخلة بنشاط في المعارك الكردية العراقية في عام 1975م، مع إطلاق الدبابات الإيرانية قذائف عبر الحدود الإيرانية العراقية وبعض وحدات الجيش الإيراني باشرت القتال عبر الحدود داخل العراق[21].

الدور الأمريكي الرئيسي خلال ذلك الوقت، الذي تم الكشف عنه في تقرير بايك عام 1976م، كان بوضوح لضمان دعم الشاه المستمر مع زيادة سخونة الصراع. في مقابلة يوم 13 سبتمبر 1976م مع إدموند غريب، صرح الملا مصطفى برزاني، “كنا نريد ضمانات أمريكية. لم نثق أبداً في الشاه. بدون وعود أمريكية لم نكن لنعمل بالطريقة التي عملنا بها[22].”

الصحيفة اللبنانية الأحد، أشارت إلى ان المساعدات الأمريكية إلى الاكراد بدات قبل اجتماع 1972م بين الرئيس نيكسون وشاه إيران. كتبت الصحيفة يوم 10 أغسطس 1969م ان ضابطين أمريكيين من منظمة المعاهدة المركزية CENTO ، واحد اسمه الجنرال هانتر وضابط غير معروف رتبته اسمه بركينز، التقيا ببرزاني في مقره في نفس هذا الشهر على الأقل مرتين. حسب هذه الرواية، وقع برزاني اتفاقية سرية خولته 14 مليون دولار من الأموال والمساعدات العسكرية، مع وعد بالمزيد لو كان فعالاً في الإطاحة بحكومة البعث. في مقابل هذا الدعم المالي، قيل أن برزاني وافق على بعض الشروط. هذه الشروط تضمنت سرية مطلقة فيما يتعلق بالصفقة، باستثناء كبار الشخصيات في منظمة برزاني؛ وعد بعدم التدخل بأي حال في إيران، سواء ضد حكومة الشاه أو دعم الاكراد الإيرانيين؛ رفض المساعدات السوفيتية[23]، منع عضوية الشيوعيين في الحركة الكردية وقطع أي علاقات مع الاتحاد السوفيتي؛ وان الولايات المتحدة وافقت على مساندة جهود الحكم الذاتي الكردي بشرط انه لن بذهب الى ما هو أكثر من الحكم الذاتي، وان برزاني يكون المحكم الوحيد للاكراد في المفاوضات مع الولايات المتحدة. علاوة على أن الولايات المتحدة تحتفظ بدرجة ما من السيطرة على التمرد الكردي، محذرو برزاني من البدء في أي عمل يخالف توجيهات الولايات المتحدة”. عندما سُئل موظف كبير لم يذكر اسمه في وزارة الخارجية حول صحة التقرير بعد 9 سنوات من نشره، أشار الى ان حكومة الولايات المتحدة لم تعقد مثل هذا الاتفاق مع برزاني[24].

التدخل الأمريكي في جهود الحكم الذاتي الكردي كان في النهاية، مجهوداً للحصول على الأهداف التالية:

  • ضمان أن العراق سيظل مشغولاً بقتال الاكراد، وبالتالي لن يحول قوته الكاملة التي حصل عليها حديثاً تجاه إسرائيل حليفة أمريكا.
  • تقييد دور العراق في الصراعات العربية الإسرائيلية يضمن ان العراق لن يكون لها دور كبير، سواء كموجه أو في فرض شروط غير مقبولة في أي مفاوضات سلام مستقبلية
  • تقليل احتمالات تهديد العراق لإيران، او الانخراط في تحريض القوات المعادية للشاه، أو تشجيع التطلعات الانفصالية بين السكان العرب في جنوب إيران.
  • بإضعاف طاقة العراق، ضمنت الثورة الكردية أن العراق سوف يقلل الدوافع والموارد التي كان من الممكن تكريسها للحركات الراديكالية في الدول العربية الأصغر حجماً[25].
  • انشغال العراق بالأكراد مكن الشاه من تعزيز موقفه “كحارس للخليج” متخلصاً من المخاوف من أن وضع سلطته من الممكن ان يكون مهدداً من العراق.

أشار تقرير بايك إلى ان الشاه ونيكسون وكيسنجر تمنوا ان “لا يسود عميلنا برزاني”.. هذه السياسة ليس من المفترض أن تكون معروفة لعملائنا الذين يتم تشجيعهم على مواصلة القتال[26]. من الواضح ان إنتصاراً كردياً سيكون له تأثيراً غير مريح، اولاً على الشاه نفسه، وثانياً، على تركيا، وكلاهما صديقين قويين لأمريكا[27]. الترتيب للتحكم في وتيرة القتال، … الإيرانيون فرضوا ضوابط صارمة لمنع انصارهم المحاربين الغير نظاميين الأكراد من تكوين مخزونات من الذخيرة والتي من الممكن ان تعطيهم حرية أكبر في المناورة. البشمرجة يروون قصصاً عن جر صناديق الذخيرة على الجبال فقط لكي يجدوها عند فتحها مليئة بالقاذورات. لمنع التخزين، الإيرانيون أصروا على رؤية المظروفات الفارغة قبل أن يزودوهم بالذخيرة الجديدة[28].

على المدى القصير، الولايات المتحدة حققت الأهداف المرغوبة من تناول القضية الكردية. العراق ظلت مشغولة بالتمرد الكردي لعدة سنوات إرضاءً لحلفائنا الإقليميين المهمين، إيران وإسرائيل. ولكن على المدى الطويل، النتائج أقل وضوحاً.

 جدول المحتويات

الملحوظات

[1] William O. Douglas, Strange Lands and Friendly People (New York: Harper and Brothers, 1951), p. 64.

[2] Lenczowski, Middle East , pp. 182, 183.

[3] arfa, The Kurds , p. 86.

[4] Arfa, The Kurds , pp. 82-98.

[5] Sim, Kurdistan, p. 21.

[6] Edgar O’Ballance, The Kurdish Revolt. 1961-1970 (Hamden, Connecticut: Archon Books, 1973), pp. 50, 55.

[7] Amin Saikal, The Rise and Fall of the Shah (Princeton: Princeton University Press, 1980), pp. 212-213, n. 43.

[8] Lenczowski, Middle East , p. 187.

[9] Anthony H. Cordesman, The Gulf and the Search for Strategic Stability; Saudi Arabia, the Military Balance in the Gulf, and Trends in the Arab-Israeli Military Balance (Boulder: Westview Press, الإ

[10] Muriel Atkin, “The Islamic Republic and the Superpowers,” in Nikki R. Keddi and Eric Hooglund, eds., The Iranian Revolution and The Islamic Republic (Syracuse: Syracuse University Press, 1986), p. 198.

[11] Sim, Kurdistan , p. 4.

[12] Gunter, “Kurdish Problem,” pp. 400-403

[13] Turkish Digest . 28 September 1989, p. 5.

[14] O’Ballance, Kurdish Revolt , p. 57.

[15] Cordesman, The Gulf and the Search for Strategic Stability , pp. 889-890.

[16] Pelletiere, The Kurds , p. 167.

[17] Edmund Ghareeb, The Kurdish Question in Iraq (Syracuse: Syracuse University Press, 1981), p. 140.

[18] according to the Village Voice . 11 February 1976, the State Department, which had objected to Kurdish aid in the past, may well have been initially unaware of the grant to the Kurds. “The Pike Report reveals ‘highly unusual security precautions and the circumvention of the 40 Committee by the President and Dr. Kissinger that details of the project would otherwise leak—a result which by all accounts would have mightily displeased our ally. It is also clear that the secrecy was motivated by a desire that the Department of State, which had constantly opposed such ventures in the region, be kept in the dark’.” Quoted in Ghareeb, The Kurdish Question in Iraq , p. 139.

[19] pelletiere, The Kurds , p. 167.

[20] Ghareeb, The Kurdish Question in Iraq , p. 140.

[21] sim, Kurdistan , p. 12.

[22] Ghareeb, The Kurdish Question in Iraq , p. 140

[23] ccording to one source, the Kurds in Iraq “were being supported by the USSR” in the eaiily 1970 ‘s, suggesting that either this account was inaccurate or the Kurds did not abide by the secret agreement. See Cordesman, The Gulf and the Search for Strategic Stability , p. 890.

[24] Ghareeh, The Kurdish Question in Iraq , pp. 138-139, 210, n. 22-24.

[25] Ghareeb, The Kurdish Question in Iraq , pp. 140-142.

[26] Ghareeh, The Kurdish Question in Iraq , p. 140.

[27] Ghareeb, The Kurdish Question in Iraq , p. 141

[28] sim, Kurdistan , p. 15.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s