1-08-4-الموارد الاستراتيجية للعراق

4 – العراق

  • نظرة عامة على الخصائص الجغرافية: الأصول البرية والمائية

        يقع العراق جيوفيزيائياً على الصفيحة العربية، التي يحدها في الشمال الصفيحة التركية وفي شمال شرق ما يُعرف بمنطقة “Zagros Crush” أو “Zagros Thrust”. هذه المنطقة تفصل الصفيحة العربية عن الصفيحة الإيرانية وسط/شرق و تمتد من تركيا على طول سلسلة جبال زاغروس. مع ضغط الصفيحة العربية جهة الشمال، يُشعر كثيراً بزلازل في منطقة ” Zagros Crush “. هذه المنطقة تقسم الإقليم المُسمى عادة بكردستان. الجزء العراقي من كردستان يقع في الركن الشمالي شرقي من البلاد، ويعاني من مقدار من النشاط الزلزالي الغير متناسب بدرجة كبيرة مع باقي العراق[1].

الطقس العام في العراق قاسي بشكل خاص في شهور الصيف، مع درجات حرارة تتراوح ما بين 95 (35 درجة مئوية) الى 120 (48.9 درجة مئوية) فهرنهايت. في الأمسيات، بالقرب من الأنهار وفي مناطق الجبال درجات الحرارة أبرد نوعاً ما. بسبب اتجاه رياح الصيف، التي تُسمى “رياح الشمال” والتي تهب عبر الصحراء في اتجاه الخليج، وليس فوق مياه الخليج في اتجاه الكتلة البرية، هذه الرياح تعطي القليل من الارتياح وهي من النوعية الساخنة الجافة[2]. إذاً، أفضل طقس خلال الصيف، يتواجد في المناطق الكردية.

العراق ارض سقوط المطر فيها نادر والمياه مورد ثمين. معدل هطول الأمطار يتراوح ما بين أقل من 100 مم الى أكثر من 1500 مم سنوياً.  معظم المطر النازل يحدث خلال شهور الشتاء في المنطقة الكردية. باقي البلد يتلقى ما بين 100 الى 200 مم سنوياً، اختلاف كبير بين المنطقتين. العراق فريد من بين الدول الثلاثة التي تتضمن كردستان بالنسبة لتوزيع معدل هطول الأمطار. فبينما تتلقى كل من تركيا وإيران مقادير كبيرة من سقوط الامطار في مناطقهما الكردية، فهما أيضاً يتمتعان بمستويات مماثلة في مناطق أخرى في بلديهما. وهكذا فإن هطول الامطار في العراق يتركز بشكل أساسي في المنطقة الكردية[3]. الموارد المائية لا تُقاس فقط بمعدل سقوط الأمطار ولكن أيضاً بالنتح التبخري وأرقام الفائض المائي. أهمية هذه الأرقام هي أنها تبين كميات المياه المحتمل فقدانها من خلال التبخر والنتح وتقيس درجة الفائض أو العجز المائي في منطقة معينة. مرة أخرى أفضل أرقام للنتح التبخري توجد في المنطقة الكردية، مع رقم منخفض يتراوح بين 570 مم الى 1140 مم. النتح التبخري لباقي العراق أعلى من الرقم الأخير[4]. أرقام الفائض تظهر اتجاه مماثل. واردات الماء الفائض في الإقليم الكردي أكبر من 1200 مم سنوياً، بينما باقي البلد يظهر أرقام 100 مم أو أقل[5]. إذاً معظم موارد العراق المائية موجودة في المنطقة الكردية. لكن، الإحصائيات وحدها تقول جزء فقط من القصة. الاستخدام الفعال للموارد المائية في القطاع الزراعي لا تعتمد فقط على كمية سقوط الامطار، ولكن أيضاً على خصائص التربة، مثل درجة الإنتاجية والتملح.

مرة أخرى، هدايا الطبيعة أُنعمت بها بغزارة المنطقة الكردية. الجزء الشمالي الشرقي من العراق يتكون في الغالب من تربة بنية محمرة وتربة جبلية، عالية الإنتاج، خاصة لمحاصيل الحبوب مثل القمح والشعير. الجزء الجنوبي الشرقي من البلد به تربة غرينية، غنية بشدة ومنتجة ولكن في حاجة الى خدمة مستمرة ودقيقة بسبب خصائصها السبخة. الأرز، والبلح، محاصيل شعبية في هذه المنطقة. مستويات الطمي والطين العالية، علاوة على الملوحة المفرطة التي يجب تخفيفها بالغمر والصرف المُتحكم فيه للمنطقة، تعوق استغلال هذه التربة. بالإضافة الى أن المنطقة نادراً ما تتماشى مع الفيضانات والجفاف الذي يحدد من إنتاجية المنطقة[6].

مقدار التربة المزروعة في العراق موضوع جدال، مع إحصائيات الحكومة التي تذكر رقماً يدور حول 12 مليون هكتار (1 هكتار = 2.47 فدان). تقريباً 4 مليون هكتار من هذه  الأراضي الزراعية المحتملة موجودة في الأجزاء الشمالية والمتوسطة في العراق، وهي أراضي تروى بالأمطار.  الباقي، حوالي 8 مليون هكتار، في حاجة الى ري وتقع في الجنوب. “بعض المراقبين يعتقدون أن هذا المقدار من الأراضي المصنفة بانها زراعية عالي بشكل غير واقعي لانه من المشكوك فيه انه يمكن توفير الماء لبدء الزراعة. المساحة المزروعة فعلياً سنوياً حوالي 3 مليون هكتار… [7]

  • تطور الزراعة في العراق

مع التشديد المتزايد على إنتاج النفط للحصول على العملة الصعبة من أجل تمويل الحرب الإيرانية-عراقية ولإعادة بناء البنية التحتية بعد هذه الحرب، عانى الإنتاج الزراعي في العراق. قبل اكتشاف البترول، الزراعة كانت أهم قطاع في الاقتصاد. تدهور القاعدة الزراعية في العراق كان له مضاعفات خطيرة في الأمن الداخلي للدولة. بالرغم أن الإنتاجية كانت دائماً منخفضة، الزراعة وفرت تاريخياً معظم التوظيف للمواطنين العراقيين. التحول المستمر للعاملين من الريف الى المدن كان من الممكن أن يتسبب في مشاكل خطيرة لو لم يتمكن الاقتصاد من استيعاب العمال النازحين. تدهور الزراعة لم يحدث بين عشية وضحاها، ولكنه كان نتيجة طموح زائد وسياسات حكومية سيئة الإدارة على مدى شديد الطول فشلت في أخذ طموحات الشعب وعوامل اقتصادية أخرى في اعتبارها.

لمعظم هذا القرن، تقنيات الزراعة المستخدمة في العراق لم تكن مختلفة كثيراً عن تلك المستخدمة في ازمان الكتاب المقدس، مما تسبب عنه محاصيل قليلة الغلة بالنسبة للأرض المزروعة. خصوبة التربة كان يتم المحافظة عليها ليس بالمخصبات ولكن بترك الأرض مرتاحة (بدون زراعة لفترة). نظام الاستئجار الزراعي tenant farming system أفاد المالك الغائب absentee landlord أكثر من الفلاح الذي يعمل في الحقل. نتيجة لذلك، المزارعون المستأجرون لم يكونوا مُحفزين لتعلم تقنيات زراعية جديدة أو الاستثمار في معدات غالية الثمن[8].

خلال خمسينات القرن العشرين، دخل النفط المتزايد دفع الحكومة الى إقامة سياسة تطوير شاملة. بدأ هذا المجهود بإنشاء هيئة تطوير مستقلة لتحسين إمكانيات البلد وتوفير إرشاد لكل القطاعات الاقتصادية. بالرغم من مجهوداتها الجيدة، واجهت الهيئة معركة شاقة وتم انتقادها بسبب طريقتها البطيئة للتطوير التي تشدد على المشاريع العامة فضلاً عن تحسين مستوى المعيشة المتوسط للفرد. الهيئة استجابة للنقد، دعت[9] اللورد سولتر العالم الاقتصادي البريطاني لفحص قضايا التطوير في العراق وتقديم المشورة.  سولتر أوصى بأن يكون تحسين حصص الشعب الفقير بدرجة كبيرة أولوية قبل المشاريع الكبرى، مثل السدود والطرق، واقترح ايضاً ان توفر الوزارات المختلفة مداخيل وتعمل عن قرب مع الهيئة المستقلة[10].

خلال سنوات التطوير في خمسينات القرن العشرين، وظفت الزراعة حوالي 70% من السكان، ولكن ساهمت فقط بـ 3% من الدخل القومي. محاولات هيئة التطوير لتنفيذ نصيحة سولتر في القطاع الزراعي كانت غير فعالة بدرجة كبيرة. الهيئة وجدت صعوبات في توفير المال للفلاحين الذين يحتاجونه، والأموال المخصصة للزراعة لا تُنفق عادة. علاوة على أن الحكومة كانت خائفة من إثارة الشيوخ- مُلاك الأرض بمبادرات الإصلاح الزراعي والضرائب على الأراضي[11].

الفقر في المناطق الريفية شديد جداً، وكثير من مُلاك الأراضي جائرين بشدة، الى درجة ان الفلاحون كثيراً ما يفضلون تجربة حظهم في المدن الصناعية الجديدة. هجرة المزارعين الى المناطق الحضرية تستنزف القوة العاملة في القطاع الزراعي الغير فعال أصلاً[12].

انقلاب عام 1958م الذي جلب عبد الكريم قاسم الى السلطة تبعته سريعاً مبادرات إصلاح زراعي. الغاية من هذه المبادرات لم يكن فقط تحقيق فائدة للفاحين، ولكن أيضاً تجريد مُلاك الأراضي الخطرين سياسياً من السلطة. السمة الأساسية للإصلاح الزراعي كانت توزيع الأراضي على الفلاحين، الذين سيدفعون بعدها ثمن الأرض بقروض حكومية طويلة الأجل، وكشرط للملكية يجب أن ينضموا الى التعاونيات الحكومية. لكن، الإصلاح الزراعي لم يكن ترياقاً شافياً لكل الأمراض. الأراضي أُخذت من الشيوخ بسرعة، ووزعت على الفلاحين ببطء. إدارة الحكومة للتعاونيات، التي كان المزارعون مترددين في الانضمام إليها، كثيراً ما كان مثيراً للشفقة. ما جعل الأمور أسوأ، أن البلد كانت في مخاض جفاف شديد في ذلك الوقت.

“الإنتاج الزراعي سقط ولم يتعافى أبداً خلال ستينات القرن العشرين[13]

سبعينات القرن العشرين بشرت بإصلاحات زراعية جديدة كانت موجهة أساساً الى الزعماء القبليين الأكراد. سعت الحكومة أولاً الى تفكيك حيازات الزعماء الكبيرة وثانياً  البدء في برنامج للزراعة الجماعية. المزارع الجماعية (تحويل التعاونية الى وحدة تعمل كمزرعة واحدة تحت إدارة جماعية) زادت بسرعة في أوائل سبعينات القرن العشرين، من 6 عام 1972م الى 72 عام 1974م. النمو كان أكثر بطئاً بعد ذلك، والإجمالي تجمد عند 79 … عام 1977م …. لكن، مساحة المزارع الجماعية زادت باستمرار، وبلغت 180 ألف هكتار عام 1977م. كما تم تأسيس مزارع للدولة… [14]

لكن زيادة المزارع الجماعية، لم تعوض التدهور الكلي في المساحة الإجمالية المزروعة. كما أن المزارعون لم يكونوا مُحفزين للعمل بجدية أكثر، والإنتاج كذلك عانى. إنتاج الشعير انخفض من 945 ألف طن عام 1957م الى 458 ألف طن عام 1977م، وإنتاج القمح هبط من 757 ألف طن الى 696 ألف طن خلال نفس الإطار الزمني[15]. أرقام عام 1982م أظهرت تحسن بسيط في المحصول، عند 965 ألف طن للقمح و902 ألف طن للشعير[16].

80% من الأراضي المزروعة كلها في العراق مخصصة لإنتاج القمح والشعير، وهي مركزة في الشمال، والأجزاء الرطبة من البلد وفي أراضي دجلة والفرات المنخفضة… [17]” هذه الأراضي هي الأكثر اقتصادية في الزراعة لأنها أقل معاناة من تأثيرات الملوحة، وأقل تأثراً بالتغيرات في أنماط توزيع النهر، لأن الأرض تروى بالمطر[18]. أيضاً، بما أن الأراضي واقعة في المناطق ذات أفضل طقس صيفي في العراق، فهي أراضي رئيسية لزراعة محاصيل متعددة في السنة الواحدة، فضلاً عن الاقتصار على انتاج محصول واحد في الشهور الباردة.

العائق الرئيسي في هذه الأراضي، من وجهة نظر الحكومة، كان موقعها في كردستان. الحكومة العراقية، في مسعى للتحكم في هذه المساحة، أقامت الكثير من المزارع الجماعية في هذه المنطقة بعد البدء في الإصلاح الزراعي.

بالفعل في عام 1975م التقارير كانت تتزايد بأن الظروف الزراعية تتدهور. الهجرة الى المدن استمرت وتم الإبلاغ عن العجز في العمالة… حتى التوجه الى الزراعة الجماعية يبدو أنه فقد الزخم؛ فقط سبعة مزارع جديدة تم إقامتها ما بين 1973 1974م و 1975 -1976م والعضوية الاجمالية التي تم الإبلاغ عنها انخفضت بـ1396. نصف الزيادة في التعاونيات الزراعية كانت – في منطقة الحكم الذاتي في كردستان، … وثلث إضافي من التعاونيات كان في نينوى وكركوك، أيضاً في الشمال.  وهكذا، فأكثر من النصف من التعاونيات الجديدة تم تأسيسها في منطقة السكان المحليين فيها كانوا قد هُزموا حديثاً… [19]

في أواخر سبعينات القرن العشرين حسب أحد التقديرات، نصف القوة العاملة العراقية تقريباً كانت تكسب معيشتها من القطاع الزراعي، ولكن تساهم فقط بـ 8% من الناتج القومي الإجمالي للدولة[20]. تقدير آخر يرسم صورة أكثر كآبة، مع 30.2% فقط من القوى العاملة مرتبطين بالزراعة عام 1977م[21].

الهجرة المستمرة الى المدن تسببت في زيادة في عدد الناس العاملين في قطاع الخدمات، الذي هو الآن أكبر قطاع في الاقتصاد، أكبر صاحب عمل هو الدولة نفسها[22]. الخدمات تعريف شامل يتضمن الكثير من الوظائف منخفضة المستوى والأجور، مثل بيع السجائر وتنظيف الشوارع. قطاع الإنشاءات شفط أيضاً الكثير من العمال الزراعيين، ويساهم الآن بـ 10.3% من الناتج القومي الإجمالي، أكثر من الزراعي بنسبة صغيرة[23]. الإنتاجية المنخفضة تسببت في زيادة واردات منتجات الطعام.

في عام 1958م، استوردت العراق القليل من الطعام وصدرت بعض الحبوب. ما بين 1964 – 1966م استوردت 14% من الإمدادات الزراعية؛ ما بين 1975 – 1977م الرقم وصل الى 33%. ما بين 1974 الى 1981م، واردات الحبوب زادت أكثر من مرتين ونصف. في عام 1982م، الطعام كان يشكل 15% من إجمالي الواردات. بعض الزيادة كانت ناتجة من النمو السكاني، علاوة على ارتفاع في مستوى المعيشة… والكثير كان بسبب الهجرة الريفية[24].

التدهور المستمر في القطاع الزراعي، سواء بالصيغ المطلقة والنسبية، يعني أن العراق سوف تصبح معتمدة بتزايد على واردات الطعام من أجل بقائها. لو عانى المصدر الوحيد للاقتصاد صدمات نفطية، او لو أصبح مفهوم مستقبلي مثل الاندماج البارد حقيقة، فإن العراق يمكن أن يواجه مجاعة حقيقية نتيجة لنقص التنوع. كما أن الهجرة المتزايدة الى المدن لها تأثيرات اجتماعية أيضاً، مما يشجع على فقدان قيم ووسائل تقليدية، متلازمة الرجل الهامشي، تزيد الاستياء، والعزلة، واحتمال الثورات السياسية[25]. بغداد مدركة جيداً لضعف القطاع الزراعي. الجهود التجريبية الأولية للحكومة بدأت في أواخر سبعينات القرن العشرين، للابتعاد عن الزراعة الجماعية التي تتطلب رؤوس مال ضخمة[26] capitalintensive والاتجاه الى تخصيص القطاع بسرعة اكتسبت زخماً نتيجة الحرب.

بالرغم من الاستثمار الكبير في الزراعة من جانب الدولة، إلا ان مستويات الإنتاج لم تتحسن بدرجة كبيرة، والنقص في العمالة والقيود الأخرى المرتبطة بالحرب تجمعت من أجل إيجاب واردات على نطاق واسع إلى حد ما من المواد الغذائية… في نفس الوقت، 80% من كل القروض لقطاع الزراعة عام 1981م كانت لشركات خاصة أو أفراد خواص، وحدث شكل من إعادة خصخصة الزراعة… المزارعون لم يعد مطلوباً منهم ان ينتموا الى أو يبيعوا من خلال التعاونيات أو مزارع الدولة، ويمكنهم الآن البيع مباشرة الى القطاع العام أو أسواق الجملة الخاصة[27].

نجاح هذا التحول السياسي سيعتمد على التزام الحكومة المستمر بالقطاع الخاص، في كل من الخصخصة وفي احتواء الهجرة الحضرية من خلال إنشاء بيئة يكون فيها التوظيف في هذه الصناعة (الزراعة) اختياراً جذاباً.

النجاح أيضاً يتوقف على قدرة الحكومة على تخفيض التهديد الكردي للاستقرار في المناطق الزراعية الخصبة. هذا تم تحقيقه بإعادة توطين مئات الآلاف من الأكراد من المناطق الحدودية مع ايران وتركيا الى مدن أربيل والسليمانية وايضاً الى مراكز التوطين في غرب العراق. حسب قول مصادر كردية، هذا إعادة توطين قسري يتطلب تخلي الأكراد المنقولين عن حقولهم وبساتينهم، ويتركهم عاجزين عن إعالة أنفسهم. بالإضافة الى انهم اتهموا بغداد باستبدال الأكراد الذين أُعيد توطينهم بمزارعين مصريين، ومع خفض التهديد الكردي في المنطقة، باستثمار مبالغ كبيرة (3225 مليون دولار) في البنية التحتية مثل الطرق ومشاريع تطوير المياه، وايضاً الإسكان والسياحة[28].

ج- النفط والتنمية في العراق

قبل اكتشاف النفط، القاعدة الاقتصادية في العراق كانت تقوم على الزراعة. في البداية النفط كان له تأثير صغير على الاقتصاد، لأن نظام الامتيازات قلل المكاسب التي المستحقة للشعب. يمكن القول أن تطوير صناعة النفط في العراق مر بأربعة مراحل مختلفة. المرحلة الأولى كانت مرحلة التدخل الحكومي الأدنى في الصناعة وأدنى ربح مستحق للدولة كنتيجة لتطوير موارد النفط. ولان مستوى التصنيع في البلد كان منخفضاً، فقد كانت الحاجة الى منتجات بترولية محلية ض، وكان هناك نقص عام للوعي المتعلق بأهمية الموارد البترولية، وبالتالي لم يكن هناك احتجاج على التدخل الأجنبي في الصناعة. المرحلة الأولى من التطوير بدأت عندما مُنحت الامتيازات النفطية في العراق عام 1925م لمدة ما بين 50 الى 75 عام الى تحالف كان معروف في الأصل بشركة البترول التركية. هذا التحالف الذي غير اسمه فيما بعد الى شركة البترول العراقية (IPC)، حصل على حقوق الحفر في البلد بأكملها. شركاء تحالف شركة البترول العراقية أسسوا احتكاراً من خلال خروج شركة قابضة متعددة الجنسيات منهم (حقول بترول الموصل، المحدودة أو MOF)  والتي كانت في الأصل بريطانية ولكن فيما بعد ضمت مساهمين من إيطاليا وألمانيا وهولاندا وفرنسا وسويسرا والعراق. تحقق ذلك من خلال دفع شركة البترول العراقية لشركة حقول بترول الموصل إيجار متأخر وفي نفس الوقت وضع أعضاء شركة البترول العراقية في مجلس إدارة شركة حقول بترول الموصل، والحصول على أسهم شركة حقول بترول الموصل وإعادة تنظيم الشركة. في عام 1941م، الشركة أصبحت تابعة لشركة البترول العراقية ومملوكة لها بالكامل، وهكذا سيطرت شركة البترول العراقية على إنتاج البترول في مناطق الموصل وكركوك. مقابل حقوق الحفر في الموصل، الحكومة العراقية طالبت شركة البترول العراقية، على عكس مشروعهم في كركوك، بإنشاء عدد مُعين من الحفارات وضخ مقدار محدد من البترول سنوياً، وأعطت الشركة جدولاً زمنياً مقداره سبعة سنين ونصف لبداية الإنتاج. حقوق الحكومة كانت 20% من إجمالي إنتاج البترول[29].

فرض شروط على شركات البترول قاد الى المرحلة الثانية من التطوير لأن الحكومة أدركت إمكانات الربح لهذه الصناعة. الحكومة كانت مهتمة بشدة بتحسين البنية التحتية، مثل الحفارات وخطوط الانابيب والقدرة التكريرية، التي ستمكن من زيادة الإنتاج وتحقيق أرباح أكبر للبلد. حماس بغداد لزيادة كل من الإنتاج والربحية كان علا خلاف مع رغبة شركات البترول في التحكم بحذر في كمية النفط في السوق العالمي من أجل تجنب انهيار الأسعار. كان من المحتم ان يصل الوضع الى أزمة، تكون بداية المرحلة الثالثة من التطوير والتي فيها صعدت الحكومة من الجهود المنسقة لتقليل سيطرة شركة البترول العراقية على الموارد النفطية. في أوائل خمسينات القرن العشرين طورت الشركات التابعة لشركة النفط العراقية (الموصل للبترول والبصرة للبترول) حقولاً غرب وجنوب كركوك. زاد التطوير في ستينات القرن العشرين عندما تولت الحكومة الأمور في يدها، وأبطلت 99.5% من امتيازات النفط الغير نشطة وكونت شركة النفط الوطنية العراقية (INOC). تطوير الحكومة لحقول مثل حقل شمال الرميلة في جنوب العراق، تم بمساعدة فنيين سوفييت[30]. مُنحت شركة فرنسية هي شركة الأبحاث والأنشطة البترولية (ERAP) عقد تطوير واستكشاف. في عام 1972م، بدأت الحكومة في تأميم كل المصالح النفطية الأجنبية، وأكملت العملية عام 1975م[31]. التأميم، الذي كان هو المرحلة الرابعة من التطوير، كان معناه السيطرة الحكومية الكاملة على صناعة النفط وكان يُعتبر خطوة مهمة في العراق للتخلص من البقايا الأخيرة للنير الامبريالي. لكن، مع ان هذه الخطوة محبوبة من الجماهير، إلا أنها لم ينتج عنها صعود مباشر في مستوى المعيشة، لأنها حدثت في وقت تميز بركود عام في الصناعة. فترة الركود انتهت سريعاً بعد بداية التأميم بأحداث أوائل سبعينات القرن العشرين. حكومة البعث تمكنت من الاستفادة من ونسبة فضل الزيادة الهائلة في العائدات النفطية والصعود المتزامن لها في مستويات المعيشة التي حدثت في عشية الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973م، وحظر الأوبك للنفط والصعود الحاد في أسعار النفط. في هذا الوقت دخل العراق حقبة التحكم الكامل في موارده البترولية الهائلة، وهكذا وقعت مسؤولية إدارة والحفاظ على الموارد البترولية بالكامل في أيدي الحكومة. الأكراد كانوا سريعين في إدراك نقطتين مهمتين: الأولى، ان عائدات البترول المستحقة للعراق كبيرة، والثانية، أن جزء كبير من هذه العائدات ناشئة من حقول نفط كركوك، التي يراها القوميون الأكراد جزءاً من منطقة الحكم الذاتي لكردستان المقترحة.

النفط… كان في قلب النزاع… طالبوا بأن تُدرج منطقة كركوك، ولكن القادة البعثيون رفضوا الطلب. القيادي الكردي لم يطالب فقط بأن تكون كركوك لكردستان، ولكن طالب أيضاً بحصة في الميزانية الوطنية تتناسب مع نسبة السكان الأكراد. الأكراد كانوا يقدرون سكانهم بحوالي من ربع الى ثلث الشعب العراقي البالغ 10 مليون نسمة.. ويطالبون بما بين 20 إلى 25% من الميزانية الوطنية العراقية[32]. القومي الكردي الراحل الملا مصطفى برزاني، في مقابلة له أُجريت مع الواشنطن بوست عام 1973م، أشار إلى رغبته في تفويض إدارة حقول كركوك الى شركات البترول الأمريكية. بالطبع، بغداد لم تكن سعيدة بهذا التحول في الأحداث، خاصة بعد أن اتخذت بالفعل خطوات لتغيير التركيب العرقي للإقليم استعداداً لتعداد رسمي لتحديد الأجزاء التي سيتم تحديدها كمنطقة حكم ذاتي لكردستان. الإجراءات الحكومية لإخماد قضية كركوك تضمنت ترحيل قسري للعائلات الكردية الى إيران والمناطق النائية في العراق، علاوة على محاولات اغتيال لبرزاني وابنه إدريس[33].

يوم 30 مايو 1988م، أعلنت العراق عن تطوير عدد من حقول النفط الجديدة، من بينها حقول في بلد، غرب قرنة، شرق بغداد، الناصرية، صدام، خباز، وصفوان وحاجي. حسب قول العراقيين، هذه الحقول الجديدة لديها الإمكانات لزيادة الإنتاج العراقي الكلي مليون برميل في اليوم[34]. مع ان هذا الرقم قد يكون متفائلاً، إلا أن احتمالات الزيادة في الإنتاج قد تكون وراء الإدارة الوحشية المتزايدة للتهديد الكردي. في أغسطس 1988م، تم استخدام غاز مسموم ضد المواطنين الأكراد في 27 موضع في الركن الشمالي الغربي للعراق بالقرب من الحدود التركية السورية. قلق بغداد على أمن خط الأنابيب العراقي التركي (سيتم الكلام عنه في الفصل الخامس )، علاوة على طريق سريع كبير وخط سكة حديد، ايضاً دوافع محتملة للهجمات، كجزء من سعي الحكومة للتطهير الدائم للسكان المدنيين الاكراد من المنطقة المحيطة بتلك المنشآت[35]

 

 جدول المحتويات

الملحوظات

[1] peter Beaumont, Gerald H. Blake and J. Malcolm Wagstaff, The Middle East; A Geographical Study (London: John Wiley and Sons, Ltd.), pp. 20, 26.

[2] w.B. Fisher, The Middle East . Fifth Edition (London; Methuen and Co., Ltd., 1963), pp. 372-373.

[3] Beaumont, Middle East , p. 65.

[4] Beaumont, Middle East , pp. 72-73.

[5] Beaumont, Middle East , pp. 80-81.

[6] Beaumont, Middle East , pp. 331-3 35.

[7] Richard Nyrop, ed, Iraq; A Country Study . Foreign Area Studies Series, (Washington, D.C.: The American University, 1979), p. 154.

[8] Edith and E.F. Penrose, Iraq: International Relations and National Development . Nations of the Modern World Series, (Boulder: Westview Press, 1978), p. 174.

[9] In the mid-1950s he was invited by Nuri al-Said to be one of the external members of the Iraqi government’s Development Board; while working with this board, he produced what came to be known as ” the Salter report” on industrial development of the Iraqi economy.

[10] Penrose, Iraq , pp. 167-172.

[11] Penrose, Iraq , p. 177.

[12] Penrose, Iraq , pp. 164-165.

[13] Nyrop, Iraq , pp. 159, 160.

[14] Nyrop, Iraq , p. 161.

[15] Nyrop, Iraq , p. 266.

[16] Phebe Marr, The Modern History of Iraq (Boulder; Westview Press, 1985) , p. 260.

[17] Beaumont, Middle East , pp 331-333.

[18] Marr, Iraq , p. 260.

[19] Penrose, Iraq , p. 459.

[20] Nyrop, Iraq , pp. 262, 118.

[21] Economist Intelligence Unit data extrapolated from Annual Abstract of Statistics 1978 and cited in Joe Stork, “Iraq and the War in the Gulf,” MERIP Reports . No. 97/June, 1981, p. 14.

[22] Stork, “War in the Gulf,” MERIP . No. 97, p. 16

[23] Stork, “War in the Gulf,” p. 14.

[24] Marr, Iraq , pp. 259-260.

[25] A detailed discussion of this concept is found in

Rafael Patai, The Arab Mind . Revised Edition (New York:

Charles Scribner’s Sons, 1983), Ch. XII.

[26] Capital intensive refers to a business process or an industry that requires large amounts of money and other financial resources to produce a good or service. Once the upfront investments are made, there may be economies of scale with regards to ongoing expenses and sales growth, but the initial hurdle to get into the business tends to keep the list of competitors small, creating high barriers to entry. Companies in capital-intensive industries are often marked by high levels of depreciation and fixed assets on the balance sheets.

[27] Marion Farouk-Sluglett and Peter Sluglett, Iraq Since 1958; From Revolution to Dictatorship (London: KPI , Ltd.), p. 266.

[28] “Carrot and Stick in Iraqi Kurdistan,” Middle East Economic Digest . 11 August 1989, p. 18.

[29] Penrose, Iraq , pp. 137-139

[30] Sluglett, Iraq, p. 100.

[31] Public Affairs Department, Exxon Oil Corp, Middle East Oil and Gas, Exxon Background Series (New York: Exxon Corporation, 1984), p. 12.

[32] R.K. Ramazani, The Persian Gulf and the Strait of Hormuz, International Straits of the World Series (Alphen aan den Rijn, the Netherlands: Sijthoff and Noordhoff, 1979), pp. 104-105.

[33] Peter Sluglett, “The Kurds,” Committee Against Repression and for Democratic Rights in Iraq (CARDRI), Saddam’s Iraq; Revolution or Reaction? (London: Zed Books, 1986), p. 196.

[34] Economist Intelligence Unit, Country Report; Iraq .

No. 3, 1988, p. 11.

[35] The Kurdish Program, Program Update . March 1989, Cover map, p. 1.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s