1-08-09- المصالح الإقليمية

9 – المصالح الإقليمية

المصالح الإقليمية للدول الثلاثة التي بها أعداد كبرى من الأكراد ليست محصورة في الجيران الذين لديهم سكان أكراد، ولكنها تشمل جيران لهم مصالح متعلقة بقضايا الموارد والقضايا الأيديولوجية. ما يلي سوف يعاين علاقات هذه الدول الثلاثة مع بعضها ومع جيران إقليميين آخرين في سياق هذه القضايا التي تواجه أمنهم ورفاهيتهم الاقتصادية.

أ – إيران والعراق

عند النظر في علاقة إيران بالعراق، من المثير للاهتمام أن نلاحظ أن، بالرغم من العداء التاريخي، تواجدت علاقات ودية أحياناً في الماضي بين الجارين اللذين لديهما عدد كبير من السكان الاكراد على طول حدودهما المُشتركة. لكن، العلاقات الإيرانية العراقية المتخاصمة، تضمنت بشكل متكرر دسائس لعب فيها الاكراد دوراً محورياً وإن كان مثل دور البيدق. قرار الشاه “بتحريض الاكراد على قضية كركوك[1] بمساعدة الأمريكيين والإسرائيليين استغل السخط الكردي من توزيع العراق لموارد النفط الاستراتيجية. قرار الحكومة العراقية باستثناء منطقة كركوك الغنية بالنفط من منطقة حكم ذاتي كردية كان نقطة حساسة، والتمويل المُقدم عبر الشاه مكن الاكراد من الضغط من أجل مزيد من الترتيبات المنصفة. العلاقات الودية مع العراق خُتمت بتوقيع اتفاقية الجزائر، التي حلت النزاع الطويل حول شط العرب ونتج عنها تراجع المساعدات الامريكية-الإيرانية-الإسرائيلية عن قوات برزاني المقاتلة في العراق. هذا التراجع تسبب في انهيار المقاومة الكردية في العراق. من الواضح ان الشاه احتفظ باليد العليا في هذه المقايضة، حاصلاً على الميزة الاستراتيجية التي أرادها مقابل إلغاء ما بلغ بالضرورة حرباً بالوكالة من الاكراد ضد الحكومة العراقية[2]. بالإضافة إلى أنه بالرغم من أن حملة بغداد على الأكراد أصبحت سريعاً مكلفة بشكل غير مقبول، العراق بدأت في تحقيق بعض التقدم باستخدام أسلحة متطورة موردة من الاتحاد السوفيتي. “بالنسبة لإيران فائدة دعم الأكراد كمقاوم لحكومة البعث المعادية لم يكن يساوي ثمن مواجهة مطلقة مع العراق. من وجهة النظر الكردية، الإيرانيون باعوهم غدراً[3].

انهيار حكومة الشاه في عام 1979م جعل العراق تعيد التفكير في إنصاف الاتفاقية. وتوصلوا إلى ان الاتفاقية غير منصفة، تم التفاوض حولها في لحظة ضعف. هذا الامر مجموعاً به الخوف من الرغبة التوسعية عند الأصوليين الشيعة المحرضين من الخوميني، علاوة على الشعور من جانب بغداد ان بإمكانهم الفوز سريعاً، قاد إيران الى مهاجمة إيران. وضع إيران كعدو بدأ من جديد مع الحرب الإيرانية-العراقية. الأكراد كما أشرنا من قبل، جُعلوا بسرعة عاملاً في مجهود الحرب من الطرفين. دعم نظام حكم الخوميني للعناصر الكردية دفع صدام حسين الى التوصل الى تفاهم مع جلال طالباني لفترة وجيزة، مقايضاً المساعدات اللوجستية للاتحاد الوطني الكردستاني PUK مقابل امتيازات حكم ذاتي محدود. ايران، حتى لا تتغلب العراق عليها، دفعت للحزب الديمقراطي الكردي KDP التابع لإدريس ومسعود برزاني للقتال ضد الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، الذي كان مُدعماً من العراق، ثم بعد ذلك، للقتال ضد القوات العراقية مباشرة.  بعد ذلك عاد طالباني لعقله، وسافر الى طهران، ووضع نفسه تحت تصرف الخوميني[4]. لكن في التحليل الأخير، بينما لعب الأكراد دوراً في الحرب، إلا أن ميلهم الى تبادل الأدوار بدون تحذير جعلهم عاملاً مزعجاً أكثر من كونهم عاملاً حاسماً. الأكراد جُندوا في القوات المسلحة لكلا الطرفين المتحاربين. بالرغم أن كلاهما لديه مشاكل كبيرة في الهروب من التجنيد، إلا ان هناك نوع من التعويض، حيث ان الكثير من الأكراد الذين خاضوا الحرب أصبحوا مصابين بالقومية. بالنسبة لكل من إيران والعراق، قطاعهم الشمالي كان نوعاً من العرض الثانوي البلقاني، ينتج مشاكل أكثر من إنتاجه للحلول. لا إيران ولا العراق شعرا ان نتيجة الحرب يمكن أن تُحل في هذه المنطقة، التي كانت تمثل لهما قرحة طفيفة غير مريحة[5].

الخوميني حاول أيضاً أن يقيم منظمات دينية بين الأكراد العراقيين، ولكن هذه الفكرة لم تلق استقبالاً جيداً. بالإضافة إلى أن طهران مولت “جيش مسلم كردي” في العراق برئاسة واحد اسمه عباس شاباك، كان من قبل تابعاً لطالباني. لبعض الوقت سمح الاتحاد الوطني الكردستاني لهذا الجيش بالعمل، ولكن بعد القليل من السنوات قوات طالباني اخترقت المجموعة واستولت على أسلحتها وشتت أفرادها[6]. صدام حسين بلا شك استراح وفرح بموت آية الله خوميني. جاذبية الخوميني للشيعة كانت تقوم بدرجة كبيرة على كاريزمته الفريدة، وعلى رسالته. لم يأت خليفة له بنفس قوته الجاذبة، وبغداد بلا شك ترجو ان يتبع موت الخوميني انخفاضاً كبيراً في حماس حركته.

ب – العراق وتركيا

العلاقات الحديثة بين حكومات العراق وتركيا تميزت بجهود التعاون لاحتواء الأكراد وإبعاد التهديد المحتمل الذي يفرضوه على الامن الداخلي للمنطقة. تركيا تعتبر الحركات الكردية في العراق وإيران تهديدات لأمنها الذاتي من عدة طرق. في ستينات وسبعينات القرن العشرين، صراع حروب العصابات في العراق وبعدها في إيران أثر بقوة في الوعي القومي لأكراد تركيا أيضاً. مجموعات في كردستان التركية نظمت دعماً للأحزاب الكردية في العراق وإيران… حزب العمل الكردستاني PKK أقام حتى قواعد عسكرية في كردستان العراقية، تحت حماية مظلة الحزب الديمقراطي الكردي KDP [7].

المخاوف التركية العراقية المتبادلة فيما يتعلق بالتهديد الكردي أدت الى إنشاء ما يمكن تشبيهه باتفاقية “مطاردة ساخنة” بين الدولتين، تسمح لجيوشهما بعبور حدود الدولة الأخرى لطرد الثوار الاكراد. تم اختبار الاتفاقية عام 1983م، عندما شنت القوات المسلحة التركية غارات غير ناجحة بدرجة كبيرة عبر الحدود، بموافقة الحكومة العراقية، ضد قواعد حزب العمل الكردستاني في العراق[8]. بينما تمكن الاتراك من القبض على القليل من المخربين الاتراك، تمكنوا من جمع أعداد كبيرة من أفراد الاتحاد الوطني الكردي، الكثير منهم تم تسليمهم الى بغداد وسجنهم وإعدامهم.

حسب قول جلال طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردي، عدد الإعدامات تجاوز 1400 حالة عام 1983م. في سبتمبر 1983م، مجموعة منشقة من الاتحاد الوطني الكردي أسرت طيارين تركيين تحطمت طائرتهم في العراق واحتفظت بهما كرهائن، ولكن الخوف من تهديد القوات المسلحة التركية بالانتقام أدى إلى إطلاق سراحهم السريع[9]. بالرغم من جهود الاتحاد الوطني الكردي لتجنب المواجهات المستقبلية مع القوات المسلحة التركية، تبع ذلك أعمال أخرى:

في أغسطس 1986م، نسقت القوات الجوية التركية غارات جوية مع هجوم للجيش العراقي على مناطق في شمال العراق تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكردي، مما تسبب في الكثير من الخسائر (165 قتيل حسب إذاعة بغداد). لكن، غالبية او كل الضحايا كانوا أكراد عراقيين، وليسوا مقاتلين تابعين لحزب العمال الكردي. يوم 4 مارس 1987م، القوات الجوية التركية قصفت مرة أخرى معسكرات مزعومة لحزب الهمال الكردستاني في شمال العراق[10].

بالإضافة إلى ان الدولتان تعاونتا خلال الحرب الإيرانية- العراقية على تقليل انقطاع الواردات النفطية. النفط العراقي كان يُنقل بالشاحنات وخط أنابيب عبر تركيا خلال الحرب الإيرانية العراقية. هذا المنفذ على البحر المتوسط أصبح مهماً بشكل خاص عندما أغلقت سوريا خط الانابيب الجاري في أرضها.

الخطوط العراقية التركية عبارة عن خطين يجريان من منطقة كركوك وسعتهما المجمعة 1.5 مليون برميل في اليوم. الأحجام الحالية عبر الخطين أقل قليلاً، عند حوالي 1.3 مليون برميل في اليوم. التصدير عبر البحر المتوسط مكن العراق من الاستمرار في الحصول على عائد بالرغم من عزله عن الخليج أثناء الحرب الإيرانية – العراقية[11].

نتيجة النقص في جنود الجيش العراقيين المطلوبين في الجبهة، تم تجنيد حوالي 15000 كردي عراقي من غير المنتمين الى قبائل والمعروفين بالجحوش من فبل بغداد من أجل توفير الأمن على طول طريق النفط العراقي لمنع تخرب خط النفط من الاتحاد الوطني الكردي PUK ، وحزب العمل الكردي PKK وقوات المجموعات المنشقة. الاتراك ساعدوا في المجهود من جانبهم من الحدود بتغطية خط الانابيب بأمن كثيف (سلك شائك، حقول ألغام، تفريغ المنطقة من السكان، وإطلاق النار على أي شيء يتحرك). هذا التعاون كان مهماً، لان التخريب كان يهدد من كلا الجانبين – بينما كانت قوات حزب العمل الكردي تلجأ الى الأقاليم الجبلية في شمال العراق، أفراد الاتحاد الوطني الكردي وغيرها من الجماعات المعادية للبعث كانت تختبئ عبر الحدود في تركيا[12]. لكن الصادرات عبر تركيا، لم تكن بدون ثمن. بالرغم من رسوم العبور، إلا أن المميزات التي تم الحصول عليها انخفضت عندما تباطأت تركيا في دفع ثمن البترول الذي تشتريه من العراق عبر خط الانابيب. في عشية وقف إطلاق النار، التهديد الكردي، مضاف إليه الحاجة الملحة الى عائدات النفط، سيستمرون في جعل أمن خط الأنابيب مهماً، وقد يكونوا سبب اعمال العراق العدوانية ضد الأكراد بعد الحرب. قضية تركية-عراقية أخرى لها مضامين أمنية داخلية تتعلق بالمياه. العراق يعتمد على نهري دجلة والفرات في كثير من مواردها المائية. مشروع جنوب شرق الأناضول الذي ناقشناه عاليه، يمكن أن يتسبب في التحكم في او تحديد مياه الفرات من قبل تركيا، وهي الحركة التي يمكن أن تؤثر في سوريا أيضاً. تركيا لم تنكر هذا الاحتمال، بما انه لا يوجد معاهدات تتعلق بحقوق المياه بين الدول. قضية التحكم في مصادر مياه شحيحة جعلت تركيا في حالة انتباه لإمكانية عمل أعمال تخريبية ضد مشروعات بناء جنوب شرق الاناضول[13].

التخريب يمكن أن يكون داخلياً، من عناصر حزب العمل الكردي، ولكن عندما تختار تركيا تقييد تدفق المياه الى سوريا أو العراق، فهؤلاء الأكراد الذين لديهم الكثير من سنوات الخبرة في عبور الحدود الجبلية التركية-العراقية يمكن ان يلعبوا دوراً في جهود التخريب التي سيتم شنها لصالح حكوماتهم، التي قد تكون مضطرة الى تنحية خلافاتها مع الأكراد في وجه نقص المياه الذي من الممكن أن يهدد حياتهم.

حديثاً، ربما في مسعى لتخفيف التهديد سعت تركيا الى مسار أكثر تصالحية فيما يتعلق بقضية موارد المياه. تورغوت أوزال رئيس الوزراء التركي، في خطاب 27 سبتمبر 1989م  امام الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، اقترح “مشروع خط أنابيب السلام” والذي سيحول مصادر المياه الغير مستخدمة عبر خط الأنابيب الى الدول المجاورة التي بها مناخ أكثر جفافاً[14]. خطبة أوزال لم تحدد الجيران الذين سينالون فوائد هذا المشروع، ومن المرجح ان تركيا كان لديها بعض التنازلات في ذهنها مثل سحب الدعم السوري للثائرين الاكراد أو تخفيض العراق لاسعار النفط عندما أعلنت عن خطة توزيع المياه.

ج – تركيا وإيران

هناك الكثير من التشابهات التاريخية والمادية بين تركيا وإيران. كلتا الدولتين بهما سكان غير عرب ولغات غير عربية (تركية Ural-Altaic Turkish  والفارسية  Indo-European Farsi) سائدة في كل بلد، وكلتا الدولتين دخلتا العصر الحديث تحت قيادة قوية لحكام  كاريزميين – أتاتورك في تركيا، ورضا شاه في إيران. التجاور الجغرافي لهاتين الدولتين شجع التعاون بينهما على مدار السنين؛ لكن ثورة عام 1979م في إيران وترت العلاقة التي كانت وثيقة من قبل، حيث رأت الحكومة التركية العلمانية ان التشديد الديني الراديكالي الجمهورية الإسلامية في إيران به تهديد محتمل للأمن الداخلي التركي.

خلال سنوات حكم محمد رضا شاه، كانت إيران حريصة على ضمان اشعار تركيا بأي أنشطة أمنية محلية ضد السكان الأكراد في إيران. كل ربيع وخريف، كنوع من الطقوس تقريباً، كانت القوات الجوية الإيرانية تقوم بقصف منظم للقرى الكردية. عمليات التهدئة هذه أصبحت نظامية الى درجة ان الجانب التركي كان يتم إشعاره مقدماً بالقصف الجوي لتجنب أي سوء تفاهم حول انتهاكات المجال الجوي في هذه المنطقة الحدودية الجبلية[15].

الثورة في إيران، والتي تبعها قتال بين الأكراد الإيرانيين والحكومة الإسلامية الجديدة، جاءت في وقت حرج في التاريخ التركي. الحكومة التركية كانت تواجه مشاكل سياسية واقتصادية كبرى، كانت مُهددة بأنشطة إرهابية واضطرابات من عدة جوانب، ولم يكن في مقدورها ان تتحمل المزيد من زعزعة الاستقرار في شكل ردود أفعال على الاحداث في إيران من السكان الأكراد في المحافظات الشرقية. احتمال التلويث الإيراني للأكراد في تركيا جعل الجنرال كنعان إفرن، الذي لم يكن قد هندس بعد الانقلاب العسكري في تركيا، يعلن القانون العسكري في ستة محافظات في جنوب شرق تركيا يوم 20 أبريل 1979م. تبع ذلك تدريبات عسكرية في منطقة ديار بكر من الجيش والقوات الجوية كاستعراض للقوة[16]. يوم 12 سبتمبر 1980م، سيطر الجنرال كنعان إفرن على الحكومة المضطربة في تركيا. نظام الحكم الجديد اتخذ خطوات بسرعة للقضاء على الأنشطة الإرهابية، والتي تضمنت حملة على حزب العمل الكردستاني في منطقة جنوب شرق تركيا.

في أكتوبر تم توجيه واحدة من أكبر العمليات الأمنية ضد ما يُسمى منظمة “أبوكو Apocu” التي تتكون من أكراد انفصاليين يساريين، وتم قتل ثمانية من زعماء الفتنة. هذا النجاح ضد المتطرفين الأكراد نال صدارة كبيرة في وسائل الإعلام[17].

حديثاً، أصبحت العلاقات الإيرانية التركية أقل ودية. الأكراد محوريين في النزاع. يوم 10 أبريل 1988م، أعلنت تركيا انها ستسقط أي طائرة عسكرية تدخل تركيا بطريقة غير شرعية بعد أن أسقطت طائرات إيرانية قنابل على الجانب التركي من الحدود اثناء توفيرها الدعم الجوي لأكراد داخلين تركيا من إيران[18]. اشارت تركيا إلى انها تعتقد ان إيران تساعد قوات حزب العمال الكردستاني، وان القوات الكردية يتم تدريبها في معسكرين في إيران بالقرب من الحدود التركية. حسب قول أحد المصادر، إيران أمدت أكراد حزب العمل الكردستاني PKK ببطاقات هوية مدنية وزي الحرس الثوري الإيراني. بالإضافة إلى أن تركيا تشك في ان هناك علاقة قوية بين حزب الله في لبنان وحزب العمل الكردستاني[19].

إيران من جانبها أعلنت صراحة ارتيابها في حكومة تركيا العلمانية، واتهمت تركيا بأنها بيدق بيد السعودية والولايات المتحدة. كان هذا بعد طرد تركيا لحجة الإسلام صبري حمداني، الغمام في مسجد إيراني في إسطنبول، بسبب تصريحات تنتقد بقوة السعودية. الإمام انتقد السعوديين بسب قطع رأس 16 كويتي شيعي كانوا متورطين في تفجيرات في مكة في يوليو 1989م. الحكومة التركية ردت على هجوم الامام بإرساله في اول حافلة خارج البلد، العمل الذي ادعى الإيرانيون انه وحشياً، مشيرين الى أنهم شعروا انه كان يجب على الأقل وصعه على طائرة بدلاً من وضعه في الحافلة[20].

التدهور في العلاقات الدبلوماسية الإيرانية التركية صاحبه تدهوراً حديثاً مماثلاً في العلاقة التجارية بين الدولتين. في عام 1985م، الصادرات إلى إيران من تركيا بلغت 1078 مليون دولار والواردات كانت 1265 مليون دولار. بعد عام، انخفضت هذه الأرقام الى 564 مليون و221 مليون على التوالي[21]. في عام 1987م، اتخذ الإيرانيون تدابير تقشفية شرسة، تسببت في انخفاض بنسبة 95% في حجم البضائع المستوردة الى إيران من تركيا. وحتى مع هذا الانخفاض، استمرت تركيا في ان تكون واحداً من أكبر الموردين الى إيران بالتوازي مع ألمانيا الغربية، واليابان، وإيطاليا والمملكة المتحدة[22].

إبرام إيران مؤخراً لاتفاقية تجارية مدتها عشرة سنوات مع بلغاريا، تهدف الى إنتاج ما يبغ قيمته 1 بليون دولار سنوياً من التجارة بين البلدين، زود أيضاً غضب تركيا. تركيا تكافح تحت وطأة مئات الآلاف من الأتراك البلغاريين الذين عبروا الحدود إلى تركيا فارين من حملة “الادماج البلغاري Bulgarization” التي تهدف إلى القضاء على هويتهم التركية. انزعجت تركيا من أن إيران، ودول مسلمة أخرى عقدت اتفاقيات مع صوفيا مثل ليبيا، وسوريا واليمن الجنوبي، تضع القضايا التجارية قبل مصيبة إخوانهم المسلمين الذين يواجهون الاضطهاد. لإضافة الإهانة الى الجرح، ايران بعد ذلك عرضت تقديم خدماتها كوسيط بين بلغاريا وتركيا[23].

لكن مازالت تركيا تبقي خياراتها مفتوحة فيما يتعلق بإيران. بالرغم من ان المناقشات حول إمكانية عمل خط انابيب نفط من إيران الى البحر المتوسط لم تؤت ثمارها بعد، إلا انها تنمو على أساس منتظم[24]. إيران مستمرة في شراء نصيب الأسد من انتاج المخصبات التركية، الصناعة التي حققت مكاسب لتركيا مقدارها 26 مليون دولار عام 1988م ومن المنتظر ان تحقق عائد مقداره 40 مليون دولار عام 1989م[25]. بالإضافة الى أن مجلس الوزراء في تركيا صادق مؤخراً على بروتوكول لتصدير الكهرباء الى إيران. كجزء من هذا البروتوكول، هيئة الكهرباء التركية سوف تنشئ محطة محولات في ماكو بإيران ودوغبايزيد في تركيا[26].

د- سوريا

العلاقات السورية العراقية لم تكن أبداً دافئة، لان كل منهما يرى سياسة الآخر انحرافاً عن الأيديولوجية البعثية الأصلية. اختلافات الدولتين يُعبر عنها عادة في سياق نزاعات ترتكز حول اما الدعم السوري لأكراد العراق أو افتقار سوريا الى البترول ووفرته لدى العراق. بالمثل، العلاقات السورية التركية تميزت بالاختلافات التي تتراوح ما بين النزاعات الحدودية الى الاتهامات بالتدخل في شؤون الآخر. العلاقات مع إيران، على العكس، زادت دفئاً مع تأسيس الجمهورية الإسلامية، ولكن مؤخراً بدأت في إظهار علامات توتر. سوريا لديها عدد صغير من السكان الاكراد، وهي متهمة بتمويل أنشطة حزب العمل الكردستاني بمساعدة السوفييت في كلا الجانبين من الحدود التركية العراقية. سوريا لا توفر فقط ملاذاً آمناً لزعيم حزب العمل الكردستاني عبد الله أوجلان، المطلوب في تركيا في اتهامات متنوعة، ولكن أيضاً قدمت التدريب لقوات حزب العمل الكردستاني. بالإضافة إلى ان سوريا قدمت مساعدات الى الاكراد خلال القتال في العراق الذي سبق اتفاقية الجزائر عام 1975م وقدمت دعماً للاتحاد الوطني الكردستاني ذي التوجه اليساري التابع لجلال طالباني، الذي كان على خلاف أيديولوجي مع الحزب الديمقراطي الكردستاني التابع لبرزاني[27].

نزاع سوريا مع العراق حول النفط يعود الى عام 1966م، عندما توقفت الحكومة السورية عن ضخ البترول من خلال خط الانابيب العابر لروسيا الى البحر المتوسط في نزاع مع شركة بترول العراق حول رسوم العبور. (في الواقع السوريون أرادو من العراق تأميم صناعة نفطهم بحيث ان دمشق لشعورها بأنها مخدوعة كواحدة من دول الشرق الأوسط القليلة بدون أصول بترولية، يمكنها أن تطلب من أشقائها العرب رسوم أعلى). تم حل في شهور قليلة، ولكن العراق أصبح حذراً من تعرض وسائل النقل بخط الانابيب للخطر[28]. خط الانابيب أصبح مرة أخرى مشكلة خلال الحرب الإيرانية العراقية. سوريا، الداعمة لإيران، رفضت السماح للعراق باستخدام خط الانابيب، الحركة التي دُبرت لإفادة إيران بتهديد قدرة العراق على الاستمرار في تمويل الحرب.

نقل المياه عبر نهر الفرات، الذي تكلمنا عنه عاليه، يمكن أيضاً ان يكون مشكلة تجمع سوريا والعراق في صف واحد. سوريا تعتمد على الري بالمياه من نهر الفرات، وبينما تتمتع العراق بفوائد نهر دجلة، فهي ايضاً تعتمد على الفرات. واردات المياه الى سوريا، لو تم تحديدها وتخفيضها أو جعلتها تركية رهينة، فيمكن ان تقنع سوريا بتنحية خلافاتها مع العراق والشروع في عمل ديبلوماسي أو عسكري مشترك مع العراق لضمان الوصول المستمر الى هذا المصدر الحيوي.

لكن، في المدى القريب، بدلا من محاولات التقارب سوريا تبدو قانعة باستخدام حزب العمل الكردستاني مورقة رابحة بالاستمرار في إيواء اوجلان والسماح لحزب العمل الكردستاني بان يكون مصدر إزعاج خطير لتركيا ولكن ليس إلى درجة إثارة انقرة الى اتخاذ إجراءات عسكرية صد سوريا[29].  باقي أن نرى لو كان مقترح تركيا الأخير بعمل خط انابيب سلام للمياه سوف يخفف من مشكلة الموارد المائية ويجعل سوريا تبعد نفسها عن حزب العمل الكردي في مقابل مصدر آمن للمياه.

مؤخراً، بدأت سوريا في الابتعاد عن إيران، الحركة التي أرضت بلا شك العراق.  خلال الحرب، قبلت سوريا هدايا بترولية في مقابل دعم إيران ضد العراق، ولكن مؤخراً طُلب من السوريين دفع سعر السوق كاملاً. الاختلافات المتركزة حول سياسات الدولتين في لبنان ساهمت في توتر العلاقات[30]. العزل المتزايد لإيران من العالم العربي كان عاملاً أيضاً في ابتعاد دمشق عن طهران.

هـ – إسرائيل

تدخل إسرائيل في القضية الكردية كان في الأساس مدفوعاً بالتهديد الأمني المفروض على إسرائيل من العراق، والرغبة في الحصول على امتيازات استراتيجية بتعزيز علاقات أوثق مع إيران الغير عربية الغنية بالبترول.

عارضت إيران إنشاء دولة إسرائيل، وتقنياً الدولتان كانتا في حرب مع بعضهما منذ عام 1948م. على العكس تعاملات إسرائيل مع تركيا تميزت بتجنب مدروس للقضية الكردية، مفضلة بدلاً من ذلك التأكيد على التشابهات الإقليمية، حيث ان كلتا الدولتين مواليتين للغرب، وليستا عربيتين، ومانتا تاريخيا مهتمتين بمواجهة التدخل السوفيتي في الإقليم.

علاقة إسرائيل بتركيا هادئة لكن وثيقة. نقل الأسلحة الإسرائيلية الى تركيا مثل صواريخ جو أرض الإسرائيلية، والقذائف المضادة للدبابات، والمدافع الرشاشة والذخائر جاري منذ منتصف سبعينات القرن العشرين. بالإضافة إلى أن تركيا تلقت تدريباً استخباريا من الاستخبارات الإسرائيلية، والموساد الإسرائيلي احتفظ بمحطة في تركيا لأكثر من ثلاثين عام[31].

حساسية إسرائيل من مخاوف الحكومة التركية من قضايا الأقليات تمتد الى “المسألة الأرمينية“. الحكومة التركية تتمسك بعدم وجود إبادة أرمينية، في حد ذاتها، وانه بعد أمر حكومة عثمانية بترحيل الأرمن، اندلعت حرب مدنية تجاوزت فيها اعداد القتلى المسلمين القتلى من الأرمن. تركيا لا تعترض فقط على إطلاق تعبيرات “مذبحة” أو “إبادة” عند وصف الاحداث التي وقعت، ولكنها تستاء أيضاً من تحميل الحكومة التركية مسؤولية أحداث وقعت عام 1915م، تحت حكومة عثمانية[32]. مقاربة إسرائيل للقضية متعاطفة مع الاهتمامات التركية بحيث ان:

… الحكومة الإسرائيلية تمنع أي ذكر للإبادة التركية للأرمن عام 1915م في أي وسائل إعلامية تسيطر عليها الحكومة أو في أي أنشطة برعاية الحكومة. لا تسمح بعرض برامج تلفزيونية تتناول أحداث عام 1915م، واتخذت إجراءات ضد أي ذكر للقضية الأرمنية. تلاميذ المدارس الإسرائيليون لم يسمعوا أبداً عن الهولوكوست الأرمني، ووزير الخارجية الإسرائيلي يبذل كل جهد لمنع أي حدث عام أو دراسي يذكر ما حدث عام 1915م.

في عام 1982م حتى المؤتمر الدولي حول الهولوكوست والإبادة كان هدفاً لاستياء وضغط وزارة الخارجية، بسبب إدراج الإبادة الأرمنية في جدول المناقشات[33].

نظراً لهذه المعاملة الحذرة لهذه القضية من جانب الإسرائيليين، فليس من المرجح انهم سيختارون على الأقل في الوقت الحاضر، تعريض علاقتهم الودية للخطر بإدخال أنفسهم في مسألة الأقلية الكردية في تركيا المتساوية في حساسيتها مع المسألة الأرمنية.

إسرائيل، كما أشرنا سابقاً، أظهرت تحفظاً أقل بكثير في التدخل في المشاريع الكردية في العراق. فيما يبدو زار ملا مصطفى برزاني إسرائيل على الأقل مرتين، عام 1967م، وعام 1973م، وقيل ان رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ليفي أشكول التقى مع الزعماء الاكراد في طهران خلال زيارته لإيران عام 1966م[34]. دعم إسرائيل للأكراد التابعين لبرزاني في العراق قبل اتفاقية الجزائر، وتوفير كل من السلاح والتدريب[35]، كان مدبراً على الأكثر للإبقاء على الحكومة العراقية مشغولة بدلاً من دعم مجموعة مضطهدة محبة للحرية. حقيقة، مدى ومدة المساعدات الإسرائيلية، التي بلغت قيمتها ملايين من الدولارات والتي استمرت لأكثر من عقد من الزمان، بدأت بمساعدات من الموساد بداية من 1958م وتم تعزيزها عام 1963م بالأسلحة والذخيرة، والمستشارين العسكريين الإسرائيليين[36]. تبع ذلك الوجود الذي أُشيع لمدربين إسرائيليين بين العصابات المسلحة الكردية الذين قدموا دورات تدريبية للثوار في الجبال الكردية بداية من أغسطس 1965م[37].اسرائيل أخذت التلميحات بتقديم المساعدات للأكراد في العراق من إيران. العلاقات الإسرائيلية الإيرانية أصبحت وثيقة بشكل خاص خلال ستينات القرن العشرين واستمرت خلال كل حكم الشاه. بالرغم من غياب العلاقات الدبلوماسية الرسمية، حافظ الإيرانيون على قسم مصالح في السفارة السويسرية” بينما حافظ الإسرائيليون على سفارة بحكم الواقع في طهران[38].

خلال الحظر العربي للنفط، إيران زودت إسرائيل بكتمان بالبترول. إضافة إلى أن الموساد الإسرائيلي قدم التدريب للسافاك في عهد الشاه. توريدات السلاح من إسرائيل إلى إيران امتدت في عهدي كل من الشاه والخوميني. لكن أفضل تمثيل للقوة التاريخية للعلاقات الإسرائيلية الإيرانية، بخطة طموحة بين دولتين… لتطوير صواريخ طويلة المدى قادرة على حمل رؤوس نووية. الصواريخ نتاج أبحاث وتطوير إسرائيلية، بدأت أواخر خمسينات القرن العشرين. في ربيع عام 1977م، وقع وزير الدفاع الإسرائيلي شيمون بيريز اتفاقية سرية في طهران لتطوير صواريخ أكثر تقدماً. كان على إيران تمويلها من خلال توريد نفط قيمته 1 بليون دولار… تم إيقاف المشروع في نهاية عهد الشاه؛ تفاصيله تم الكشف عنها عندما نشر نظام الحكم الإيراني الجديد وثائق تم العثور عليها في مبنى السفارة الإسرائيلية في طهران… [39]  بلا شك، إسرائيل ستكون سعيدة بإنشاء كردستان مستقلة، ولكن ليس من المرجح ان يُرى ذلك كإمكانية حقيقية في المستقبل القريب. حقيقة، الانتماء الكردي لإسرائيل، الأكثر حتى من الانتماء الكردي مع إيران، قد يكون قد لوث حركة الحكم الذاتي الكردي من وجهة نظر الجيران العرب الذين كان من الممكن لولا ذلك أن يطوروا بعض التعاطف مع قضيتهم، ربما مدفوعين بالخلافات مع صدام حسين.

العراق، المبتعد عن الاتحاد السوفيتي والمتوجه تجاه الغرب، بدا انه يلطف بمكر موقفة تجاه إسرائيل. بالمشاركة في مؤتمر القمة العربية عام 1982م، العراق… اعترف ضمنياً بحق إسرائيل في الوجود مقابل إنشاء … دولة فلسطينية. صدام حسين مضى الى ما هو حتى أبعد من ذلك، مصرحاً بان شرط الامن لإسرائيل ضروري من أجل التوصل الى حل للصراع العربي الإسرائيلي[40].

الاعتدال من جانب العراق لم يجلب العراق فقط بالقرب من الغرب، ولكنه عمل أيضاً على تخفيض احتمال اهتمام إسرائيل بأي تمويل للأكراد في المستقبل القريب. لكن مع ذلك، الإسرائيليون البراغماتيون دائماً، سيحاولون بلا شك تجديد علاقاتهم الكردية في العراق لو أثبت العراق انه ميال الى محاربتهم في أي وقت قادم. بالرغم من الغياب الحديث لأي خطاب حاد من العراق، إلا أن العلاقات لا يمكن أن يُقال انها أصبحت دافئة بشكل مقنع بين الدولتين. هذه الرؤية دعمها كاتب أثار إمكانية ان إسرائيل قد تكون وراء إسقاط طائرة تحمل فريق جزائري للتفاوض حول وقف إطلاق النار كانت تطير بالقرب من الحدود التركية الإيرانية عام 1981م، في مسعى وقائي للإبقاء على الحرب الإيرانية العراقية مشتعلة[41].

و – المملكة العربية السعودية

علاقات السعودية مع إيران، والعراق وتركيا تغيرت عبر السنين. الاهتمام الأساسي للسعودية فيما يتعلق بهذه الدول هو ضمان انها تحتفظ بنظام حكم مستقل صديق لها، أو لو ثبت أنها دولة محاربة، تعمل على عزلها عن جيرانها في المنطقة.  في حالة العراق وتركيا، المعادلة السابقة كانت ناجحة، ولكن العلاقة المتوترة مع إيران استلزمت تطبيق التكتيك الأخير. ليس من المرجح أن تقحم السعودية نفسها في القضية الكردية، حتى في إيران الراديكالية، لسببين: الأول، إمكانية أن رعاية التمرد الكردي في إيران يمكن ان يمتد الى تركيا والعراق الصديقين، وثانياً، الميراث الغير عربي عند الأكراد لا يعطي دافعاً لتقديم عرض بالمساعدة. ولكن السعودية، مالت الى التأثير في الاحداث باستخدام إما أموال نقدية او سلاح النفط – تقديم مساعدات مالية للدول الصديقة مثل العراق وتركيا، مع تخفيض سعر النفط لإيران المحاربة برفض التقليل من إنتاج النفط، مما يتسبب في سعر عالمي أقل للنفط وتقليل أرباح إيران في مواجهة الحاجة الملحة للعوائد. خلال فترة حكم اسرة بهلوي، إيران والسعودية كثيراً ما كانتا تختلفان فيما يتعلق بقضايا الأمن الإقليمية، ولكن يتعاونان في مجالات أخرى. لما يكونا فقط من بين المؤسسين الأصليين للأوبك عام 1960م، ولكن في العقدين التاليين شرعت الدولتان في عدد من الاتفاقيات الصناعية والاقتصادية، وتفاوضتا على اتفاق يتعلق بقاع الخليج الفارسي والجرف القاري عام 1968م، ونظمتا القمة الإسلامية في المغرب عام 1969م[42]. لكن، منذ سقوط الشاه، موقف إيران المعادي تجاه نظام الحكم السعودي، وموقفها الشيعي الراديكالي وبدرجة كبيرة سكانها الغير عرب جعل السعوديين نافرين من تقديم مساعدات لهذه الدولة. العلاقات الدبلوماسية مع إيران قُطعت في أبريل 1988م، بعد أن تسبب الهياج الإيراني خلال موسم حج عام 1987م في اعمال شغب ومئات من الموتى، وإيران رفضت ضمان أن الحجاج سيمتنعون عن أنشطة مماثلة خلال موسم حج 1988م. حقيقة، آية الله خوميني أخبر الحجاج بأن عليهم التزام بأن يتظاهروا، مما اضطر السعودية الى قطع العلاقات من أجل ضمان الامن خلال موسم الحج السنوي[43]. تنفرد السعودية بانها الدولة الكبرى الوحيدة الموالية للغرب التي لها نفوذاً [44]كبيراً في العراق.

السعودية والعراق يشتركان في كثير من القواسم المشتركة: احتياطات نفطية كبيرة، حدود مشتركة، ميراثا عربياً في غالبية تاريخهما وقيادة سنية قوية مركزية. هذه العوامل، علاوة على أن المساعدات السعودية الاستراتيجية الى العراق، ساهمت في تقليل خطاب بغداد المعادي (لإسرائيل) في أواخر سبعينات القرن العشرين وزيادة التعاون بين الدولتين[45].

هذا التعاون تجلى في محاولات الدبلوماسية السعودية الغير ناجحة لإقناع سوريا بإعادة فتح خط الانابيب المار بها والناقل لبترول العراق الى البحر المتوسط في مسعى لمساعدة الاقتصاد العراقي خلال الحرب[46].

المبادرات السعودية في شكل ضغوط اقتصادية كانت نوعاً ما أكثر نجاحاً في تشجيع سوريا على إبعاد نفسها عن إيران من أجل تجنب الإضرار بالقضية العربية[47]. بالإضافة إلى ان السعودية أعطت العراق هدية هادئة تتكون من 350 ألف برميل بترول في اليوم في السوق في أواخر عام 1982م للمساعدة في عجز الحرب[48]. هذه الهدايا النفطية استمرت طوال الحرب. ربما يكون الدليل المرئي المؤخر لمساهمات السعودية في الأمن الداخلي العراقي هو IPSA ايبسا 1 و2. ايبسا هو اختصار لخط الأنابيب العراقي في السعودية Iraq’s Pipeline in Saudi Arabia. ايبسا 1، الذي ينتهي عند خط الانابيب السعودي تم الانتهاء منه وسعته الحالية 0.5 مليون برميل في اليوم. ايبسا 2 تحت الإنشاء ومن المتوقع الانتهاء منه ما بين أواخر عام 1989م وأوائل عام 1990م. ومن المتوقع أن تكون سعته 1.6 مليون برميل في اليوم وسيكون موازياً لايبسا 1 وخط البترول السعودي، وينتهي في ينبع على البحر الأحمر. خطوط الانابيب هذه سوف تحسن بدرجة كبيرة نت قدرة العراق على اكتساب عوائد أجنبية بالرغم من افتقاره الى الوصول الى الخليج الفارسي[49].

دوافع السعودية لمساعدة العراق ليست إيثارية بالكامل. بأخذ زمام المبادرة في التأكيد على الامن الجمعي، والدبلوماسية الإقليمية، والحفاظ على الاستقرار في المنطقة، تقلل السعودية من احتمال ما يمكن ان يكون تدخل مزعزع من قوة عظمى. (حقيقة، سرت إشاعة في السنوات الأولى للحرب بان السعوديون يسعون بهمة في هندسة استبدال صدام حسين بسبب أدائه السيء في مواصلة الحرب ضد نظام الحكم الراديكالي في ايران[50] ). كما أن العراق مثل دول أخرى في المنطقة تعتمد على كرم التمويل السعودي أو المساعدات اللوجستية، لديها مصلحة في استمرار نظام الحكم السعودي الحالي.

تركيا، أيضاً تتقاسم نقاط مشتركة مع السعودية. بالرغم انها ليست دولة عربية، تركيا تتمسك بموقف موالي للغرب وبها عدد كبير من السكان السنة. تركيا تلقت مساعدات من السعودية، وتعتبرها صديقة وليس لديها تسامح مع النقد الشديد للدولة المحسنة إليها داخل حدودها. هذا دفع إيران الى إتهام تركيا بأنها بيدق الغرب (أنظر القسم “ج” عاليه).

أحد الصادرات التركية الهامة الى السعودية هي العمالة. ما بين 1966 الى 1989م، عمل حوالي 222175 تركي على الأقل في السعودية. هذا الرقم هو الثاني بعد عدد العاملين الاتراك في ألمانيا الغربية، التي استضافت أكثر من 500 الف ضيف عامل خلال نفس الفترة. النزعة تجاه صادرات العمالة تحولت تجاه العالم العربي في السنوات المؤخرة، مع حوالي 97% من الهجرة الى السعودية وليبيا والعراق[51]. هذه العلاقة سيكون لها أهمية مستمرة طالما تركيا لديها فائض في العمالة واموال العاملين المغتربين تمثل مصدراً مهماً للعملة الصعبة.

ز- لاعبون إقليميون آخرون

العلاقات بين الدول الثلاثة ذات النسبة المهمة من الاكراد مع لاعبين إقليميين آخرين كانت في العقد الكبير عاملاً في موقف اللاعبين الإقليميين تجاه الحرب الإيرانية العراقية. القضية الكردية، باستثناء المصلحة السورية، لم تلعب دوراً كبيراً. تركيا بصفتها محايدة في هذا الصراع، تمكنت من الاحتفاظ بعلاقات مع دول مختلفة مثل السعودية وليبيا، ولكن دعم دول أخرى في المنطقة بدرجة كبيرة عامل لجهود عرب متحدين غايتهم هي هزيمة عدو راديكالي غير عربي. العراق كان لها في الماضي خلافات مع جيرانها العرب. لكن، عندما هُدد الامن العراقي الداخلي عندما بدا ان إيران تفوز باليد العليا، غالبية القوى العربية الإقليمية، باستثناء سوريا وليبيا (اللتين دعمتا إيران)، قدمت مساندة للعراق، اقرضتها أموال، ومواد او منافذ الى البحر حتى تستمر العراق في الحرب.

علاقة العراق مع مصر تطورت على مر الزمان. مصر كانت من قبل منبوذة في العالم العربي في اعقاب كامب ديفيد، وتلقت أسوأ الانتقادات من العراق. ولكن العلاقات منذ ذلك الوقت ازدادت دفئاً. مصر زودت العراق بقطع الغيار العسكرية خلال الحرب[52]، وبالطيارين المصريين الذين عملوا كمدربين ومستشارين[53] ووردت أيضاً عدد كبير من العمالة الأجنبية، الكثير منهم عمل في قطاع الزراعة المضطرب[54]. أنور السادات، قبل اغتياله، أعطى صدام حسين الإذن بتجنيد هذه العمالة الأجنبية للمساعدة في المجهود الحربي العراقي[55].

الأردن عرض المساعدة على العراق كما انه خلال الحرب الإيرانية العراقية وفر طرق الى العقبة على البحر الأحمر تم نقل 500 ألف برميل بترول يومياً منها عام 1983م[56]. كما أن الأردن أرسلت لواء من الجنود لحراسة المنشآت العراقية مما فرغ الجنود العراقيين للمعركة. الأردن أيضاً عرضت خدمات فرقتين مدرعتين تتكون تقريباً من 20 ألف جندي، ولكن العرض رُفض بأدب[57]. العراق قبلت المشورة العسكرية والتقنية من الأردن في بداية الحرب، وفي عام 1983م، العراق كانت تستدين من الأردن للمساعدة في دفع نفقات تكاليف الصراع الطويل المرتفعة[58].

لاعبون إقليميون آخرون نحوا الخلافات مع العراق أيضاً. الكويت على سبيل المثال، شحنت البترول العراقي من مينائها ودول الخليج… التي بينما كانت متلهفة على تجنب انتشار رسالة الخوميني بين سكانها، كانت في البداية ليست كارهة تماماً لإضعاف الصراع للعراق”، ولكن في النهاية ساهمت بمبالغ كبيرة في خزينة الحرب العراقية[59].

 جدول المحتويات

الملحوظات

[1] pelletiere, The Kurds , p. 167

[2] As the conflict heated up, it became more than a proxy war. Fighting between Iranian and Iraqi troops occurred along their mutual border, and according to Iraq, Iranians firing U.S. -made Hawk missiles shot down two Iraqi fighters who were conducting operations against the Kurds near the Iranian border. See Ramazani, Persian Gulf , p. 105.

[3] ramazani, Persian Gulf , p. 108.

[4] Edgar O’Ballance describes the various Kurdish alliances as follows: “The chaotic Kurdish situation was that the Iranian KDPI (fighting against Khomeini) was being supported by Baghdad; the Iraqi PUK (fighting against Baghdad) was fighting alongside the KDPI; while the Barzani- KDP (supported by Teheran) was fighting against the KDPI and the PUK. The outbreak of the Gulf War… simply reinforced these cross-alliances.” The Gulf War (London: Brassey’s Defence Publishers, 1988), p. 133.

[5] O’Ballance, Gulf War , p. 213.

[6] Martin van Bruinessen, “The Kurds Between Iran and Iraq,” MERIP, No. 141, July-August 1986, pp. 23-24.

[7] van Bruinessen, “The Kurds,” MERIP . No. 141, p. 26.

[8] Van Bruinessen, MERIP . No. 141, pp. 24-26.

[9] O’Ballance, Gulf War , p. 137.

[10] Martin van Bruinessen, “Between Guerilla War and Political Murder: The Worker’s Party of Kurdistan,” Middle East Report . No. 153, July-August 1988, p. 46.

[11] united States General Accounting Office, Energy Security: An Overview of Changes in the World Oil Market , Report to the Congress, August, 1988 (Washington D.C.: U.S. Government Printing Office) , pp. 134-136.

[12] O’Ballance, Gulf War , pp. 136-137.

[13] fbis, “DIE WELT Reports on Building of Ataturk Dam,” 12 November 1986, pp. T4-5.

[14] pM Ozal addresses CEPA in Strasbourg,” Newspot Turkish Digest . 28 September 1989, pp. 1, 7.

[15] Mehmet Ali Birand, The General’s Coup in Turkey; An Inside Storv of 12 September 1980 (London: Brassey’s Defence Publishers, 1987), p. 68.

[16] birand, General’s Coup , p. 78.

[17] Kenneth Mackenzie, Turkey Under the Generals . Conflict Studies, No. 126, January 1981 (London: Institute for the Study of Conflict), p. 23.

[18] EIU Iran; Country Report . No. 2, 1988, p. 10.

[19] Reuters, “Turkey Believes Kurdish Rebels Forging Closer…,” SMPT Mail News Service, 14 October 1989, Ankara, Turkey.

[20] Nicosia, “Iran Criticises Turkey,” 10 October 1989.

[21] Eiu, Iran: Country Report . No. 3, 1987, p. 10.

[22] EIU, Iran: Country Report . No. 1, 1988, pp. 7, 16.

[23] MUshtak Parker, “Turkey: Knowing Who Your Friends Are,” The Middle East . August 1989, p. 18.

[24] eiu, Iran; Country Report . No. 2 1988, p. 15.

[25] UREA Fertilizer Production,” Newspot Turkish Digest . 5 October 1989, p. 5.

[26] eLectricity Energy Export to Iran,” Newspot Turkish Digest . 12 October 1989, p. 5.

[27] Marr, Iraq , pp. 233, 236.

[28] sluglett, Iraq , pp. 99-100.

[29] van Bruinessen, “Guerrilla War,” Middle East Report . July-August, 1988, p. 44.

[30] EIU, Iran; Country Report . No. 2, 1988, p. 10

[31] Benjamin Beit-Hallahmi, The Israeli Connection; Who Israel Arms and Why (New York: Pantheon Books, 1987), p. 14

[32] the Turkish government’s viewpoint is described in detail in Erich Feigl, A Mvth of Terror. Armenian Extremism: Its Causes and Its Historical Context (Freilassing, Austria: Edition Zeitgeschichte, 1986)

[33] Beit-Hallahmi, The Israeli Connection , p. 17.

[34] Beit-Hallahmi, The Israeli Connection , p. 19.

[35] sluglett, “The Kurds,” Saddam’s Iraq , p. 197.

[36] Beit-Hallahmi, The Israeli Connection , p. 19.

[37] BEIT Hallahmi, The Israeli Connection , p. 19.

[38] Beit-Hallahmi, The Israeli Connection , pp. 9-10.

[39] Beit-Hallahmi, The Israeli Connection , pp. 11-12, citing M. Bailey, “The Blooming of Operation Flower,” Observer . 2 February 1986 and E. Sciolino, “Documents Detail Israeli Missile Deal with the Shah,” New York Times . 1 April 1986a.

[40] Marr, Iraq , pp. 305-306.

[41] o’Ballance, Gulf War , p. 104

[42] Nyrop, Iran, pp. 63, 236-237, 446.

[43] Eiu, Iran: Country Report . No. 2, 1988, pp. 9-10.

[44] Anthony H. Cordesman, The Gulf and the Search for Strategic Stability: Saudi Arabia, the Military Balance in the Gulf, and Trends in the Arab-Israeli Military Balance (Boulder: Westview Press, 1984), p. 33.

[45] cordesman, Gulf , pp. 35, 421, 758.

[46] MARR , Iraq , p. 298.

[47] eiu, Iran; Country Report . No. 4, 1987, p. 15

[48] cordesman. Gulf , p. 758.

[49] GAO, Energy Security , pp. 3 4-36.

[50] jabr Muhsin, “The Gulf War,” Committee Against Repression and for Democratic Rights in Iraq, Saddam’s Iraq; Revolution or Reaction? (London: Zed Books, Ltd., 1986), p. 235.

[51] “manpower Export Deployed to Arab Countries,” Newspot Turkish Digest . 12 October 1989, p. 5.

[52] Marr, Iraq , pp. 298, 305.

[53] O’Ballance, Gulf War , p. 105.

[54] Sceiine Whittleton, “Oil and the Iraqi Economy”, Saddam’s Iraq , p. 60.

[55] muhsin, “The Gulf War,” Saddam’s Iraq , p. 235, citing Foreign Report , the Economist Newspaper Ltd, London, 6 May 1982.

[56] Marr, Iraq , p. 305.

[57] o’Ballance, Gulf War , p. 105.

[58] cordesman, Gulf, pp. 399, 758

[59] sluglett, Iraq , p. 259.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s