الحلقة الأربعون : إدارة التوحش-2

ملخص الحلقة

لا يمكن فهم إدارة التوحش بدون فهم الحرب الغير نظامية irregular war

في هذه الحلقة استعرض مقال مهم عن الحرب الغير نظامية لضابط الاستخبارات جيفري وايت

بعض الملحوظات على المقال

الملحوظة الاولى: في بداية المقال، جيفري وايت يزعم ان سبب لجوء الغرب الى استخدام “الحرب الغير نظامية” هو أن الغربيون يُقتلون كثيراً بأيدي البدائيين أو البرابرة”

هذه الجملة تعكس حقيقة الرؤية الغربية للعالم، الغرب لا يرى على سبيل المثال ان من قتلهم من الشعوب في فترات الاستعمار مثل قتلى الهند اثناء الاستعمار البريطاني أو الجزائريين أثناء الاستعمار الفرنسي أو الهنود الحمر أثناء الاستعمار الغربي لأمريكا أو غيرهم من الشعوب في أفريقيا وآسيا يستحقون الحياة، وبالتالي فهو يتجاهلهم تماماً فهو يرى فقط قتلى الغرب على أيدي البدائيين، لأن الغربيون فقط هم من يستحقون الحياة.

كلمة بدائيون هنا توفر لنا فهم للعقلية الغربية، منذ قديم الأزل استخدم الإغريق وصف البرابرة لوصف غيرهم من الشعوب، كلمة برابرة ببساطة كانت تصادر حق الشعوب في الحياة وتبرر للإغريق إبادة هذه الشعوب البربرية التي تحارب الحضارة والانسانية. نفس الوصف استخدمته الدولة الرومانية ولذلك اعتبرت روما كل ما هو غيرها بربري وبالتالي من حقها إبادته وتدمير دولته

عندما ظهر سيدنا عيسى ودخل في رسالته الكثير من الشعوب لم ترض روما وتواطأت مع اليهود لتخريب الدين من الداخل وصنعت المسيحية المتوافقة مع الوثنية الرومانية واعتبرت من يرفضها ويصر على التمسك بعقيدة التوحيد الذي جاء به سيدنا عيسى عليه السلام مهرطق (كلمة قريبة من بدائي وبربري، تصادر حق الحياة) يستحق الابادة. وبالفعل أبادت روما في القرون الميلادية الاولى ملايين من الموحدين (المهرطقين، البرابرة، البدائيين) في أرجاء الامبراطورية الرومانية، حتى أن ليبيا خلت من سكانها تقريباً عام 114م.

الملحوظة الثانية: هي ان الحرب الغير نظامية هي حرب ضد الشعوب وليس الجيوش، ولكنها حرب غير عادلة من عدة أوجه، الوجه الاول انها حرب من جيوش خاصة عالية التدريب وأجهزة استخبارات ضد شعوب مسالمة ليست لديها تنظيمات ولا مؤسسات تدافع عنها، أجهزة الاستخبارات تخترق الشعوب وتخرب كل جوانب حياتها من الداخل، الجانب الثاني أن هذه الشعوب محرومة تماماً من الدفاع عن نفسها فمجرد القيام بعمل اجتماعي او سياسي أو حتى خيري قد يسبب في تقوية مناعة الشعوب امام التخريب الغربي يُعتبر جريمة يتعرض فاعلها للعقوبة والسجن وربما التعذيب والإعدام، وهنا يأتي الجانب الثالث وهو أن مؤسسات الدولة العدو المستهدفة والتي من المفترض ان تدافع عن شعبها حولها الغرب في حربه الشاملة الغير نظامية الى مجرد ادوات لتخريب وتدمير الشعوب، الجيش الشرطة القضاء الاعلام وحتى المؤسسات الدينية اصبحت مجرد أدوات لتخريب الشعب وتدميره من الداخل.

الملحوظة الثالثة: مفهوم التقسيم المجهري، تقسيم الشعوب تقسيم مجهري حسب الطوائف والاعراق والقبائل والاماكن ودراسة كل قسم بتفصيل لتحويله الى هدف وأداة في الحرب الغير نظامية.

الملحوظة الرابعة: روبرت كابلن ومقاله “الفوضى الآتية”، وفكرته بأنه بعد انتهاء الحرب الباردة فستكون هناك إمكانية لبروز بنى سياسية جديدة تنظم الناس والمكان حسب الطلب وبحكم الواقع، وبالتالي بدلاً من ترك الامور مثلاً حتى تبرز بنية اسلامية قوية، الغرب يجب ان يتحرك منذ الآن في حركة استباقية ويعيد هو تنظيم البنى السياسية حسب مصالحه هو وبحكم الواقع الذي يفرضه مستخدماً استراتيجيات وتكتيكات الحرب الغير نظامية. ويقوم بصنع بنى سياسية مجهرية شديدة التفكك والخصومة بحيث يستحيل تكتلها في أي بنية سياسية كبيرة تشكل تهديد على الهيمنة الغربية على العالم.

الملحوظة الخامسة: من المواضيع المهمة في هذا المقال، المقارنة بين الحرب النظامية الحديثة والحرب الغير نظامية من حيث أبعاد الحرب في كل منها. هناك تسعة أبعاد يتم المقارنة بينها منها: الخدمات اللوجستية، التوجيه، العقيدة العسكرية، المعركة الحاسمة، جنود (منفصلون عن المجتمع وفي حاجة الى تدريب وتلقين لتشكيلهم كقوة منفصلة) ومحاربون (من قلب المجتمع ومندمجون فيه)، حلفاء ومشاركون متواطئون (الجيوش النظامية يتم التعامل معها كحلفاء أما ميليشيات الطوائف والقبائل والفصائل يتم التعامل معهم كشركاء متواطئون)، الفصل والتكامل (الجيوش النظامية منفصلة عن المجتمع وبالتالي يسهل اختراقها والسيطرة عليها، اما ميليشيات الطوائف والقبائل والفصائل تكون مندمجة ومتكاملة مع مجتمعاتها ولذلك يلزم التعامل معها واستغلالها او استهدافها على هذا الاساس).

في النهاية، المقال مهم جداً ولغته واضحة ومدلولاته قوية وسهل القراءة.

موضوع الحلقة

 %d8%ac%d9%8a%d9%81%d8%b1%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d9%8a%d8%aa

جيفري وايت باحث في معهد واشنطن متخصص في الشؤون العسكرية والامن في الشام وايران. وهو من المعلقين المهمين على المواضيع العسكرية المتضمنة سوريا وإسرائيل وحزب الله، وصراع غزة وإيران.

قبل الانضمام الى معهد واشنطن، قضى جيفري وايت 34 سنة في العمل في وكالة استخبارات الدفاع (DIA). وكان عضوا في جهاز Defense Intelligence Senior Executive Service (DISES ، وعمل في في مناصب تحليلية وقيادية كبرى، من بينها : محلل صور  imagery analyst، محلل قدرات عسكرية military capabilities analyst ، محلل استخبارات جارية current intelligence analyst ، محلل كبير لدول المواجهة في الصراع العربي الاسرائيلي senior analyst for the Arab-Israeli confrontation states ، مدير لقسم الاستخبارات الجارية في الشرق الاوسط chief of the Middle East current intelligence division ، مدير مكتب التقييم العسكري للشرق الاوسط/أفريقيا chief of the Office for Middle East/Africa Military Assessments ، مدير مجموعة التقييم العسكري الاقليمي chief of the Regional Military Assessments Group. في هذه المناصب ساهم جيفري وايت في التخطيط العملياتي والسياسي وكتب كثيراً تقارير لكبار مسؤولي وزارة الدفاع، من بينهم وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان المشتركة.

بصفته ضابط استخبارات في وكالة استخبارات الدفاع قدم جيفري وايت دعم استخباري خلال أزمات متعددة في الشرق الأوسط، من حرب الاستنزاف العربية الاسرائيلية عام 1968م الى الصراع المتنامي مع العراق عام 2002م. وقاد عدد من مجموعات الاستخبارات للرد على الأزمات، من بينها تلك المتعاملة مع الحرب المدنية اللبنانية، الصراع السوري الاسرائيلي في لبنان، عمليات الولايات المتحدة ضد ليبيا، العمليات البحرية الأمريكية في الخليج الفارسي، والعديد من أزمات العراق ما بين 1994 الى 2002م. ما بين 1995 الى 2000م، قدم جيفري وايت دعماً استخباريا كبيرا لكل من المفاوضات السورية الاسرائيلية والاسرائيلية مع منظمة التحرير الفلسطينية.

نال جيفري وايت العديد من الجوائز من بينها Secretary of Defense Medal for Meritorious Civilian Service، و National Intelligence Distinguished Service Medal، DIA Directors Awards for Exceptional and Meritorious Civilian Service.

 مقال بعض الأفكار عن الحرب الغير نظامية لجيفري وايت:

 بعض الأفكار عن الحرب الغير نظامية[1]

نوع مختلف من التهديد

جيفري وايت[2] Jeffrey B. White

14 أبريل 2007م

آخر تعديل 27 يونيو 2008م

الغربيون، مع تكنولوجيتهم وتنظيمهم المتفوق، يُقتلون منذ وقت طويل بأيدي بدائيين أو متوحشين نمط حربهم مع الغربيين أُسيء فهمه ومهارتهم تتفوق على مهارات الغربيين في الحروب الغير نظامية. الحرب الغير نظامية هي أقدم أشكال الحرب، وهي ظاهرة لها الكثير من الأسماء، من بينها الحرب القبلية، الحرب البدائية، “الحروب الصغيرة  little wars “، والصراع المنخفض الشدة low-intensity conflict.

التعبير “الحرب الغير نظامية irregular warfare  يبدو أنه هو الأفضل في الدلالة على هذا التنوع من الحروب الصغيرة. هذه الحروب تصيب الكثير من العالم الغير غربي، وستجذب المزيد من اهتمام المنظومة الاستخبارية.

منذ الحرب العالمية الثانية، في أحد الروايات، هناك أكثر من 80 صراع غير نظامي. تتضمن حروب مدنية في رواندا والصومال، وحروب عصابات في السودان، وثورات في الشيشان؛ هذه الصراعات بها عناصر غير نظامية تقاتل عناصر أخرى غير نظامية، أو قوات نظامية لحكومة مركزية، أو قوة تدخل خارجية.

الاستحواذ على واستخدام تكنولوجيا عسكرية حديثة كان يُرى عادة كحل لمشاكل في أواخر القرن العشرين، مع الحرب المعلوماتية information warfare  كنموذج مؤخر. لكن الحرب الغير نظامية مازالت غير متأثرة بشكل مربك بالتغيرات في التكنولوجيا. في الحرب الغير نظامية، السيسيولوجيا والسيكولوجيا والتاريخ لديهم المزيد ليقولوه عن طبيعة الصراع، بما في ذلك استمرارها وشدتها.

الآثار المترتبة على الاستخبارات

تقليدياً، التهديدات الكبرى للأمن الوطني الامريكي تأتي من دول مُسلحة بتكنولوجيا حديثة وتمتلك  مفاهيم عسكرية لا تختلف كثيراً عن مفاهيم الولايات المتحدة. هذا جعل المنظومة الاستخبارية تركز على خصوم مماثلين، مما يجعل حياة المحلل اسهل، ولكن المنظومة تُركت أقل جاهزية لصراعات تتضمن اعداء وحلفاء غير مماثلين . التركيز على المكونات التقليدية لتحليل القدرات العسكرية  — ترتيب المعركة order of battle ، العقيدة، اقتصاديات الدفاع defense economics ، وخلافه—خدمت جيداً الولايات المتحدة في حرب الخليج ضد العراق ولكن لم تخدمها جيداً في الصومال. المنظومة الاستخبارية عليها ان تقوم بهذه الأشياء طالما تواجه الولايات المتحدة تهديدات تقليدية، ولكن المنظومة تحتاج أيضاً الى أن تكون قادرة بمهارة متساوية على أن تنظر في الانواع المختلفة من التهديدات الناشئة من الحروب الغير نظامية.

البيئة العملياتية  The Operational Environment

الحرب الغير نظامية تتواجد في بيئات عملياتية شديدة التحديد، ” microclimatesمناخات مجهرية “، في حاجة الى أن تُفهم من محللي الاستخبارات، والقادة العسكريين وصانعي السياسات. هذا الأمر يمثل العديد من التحديات.

أولاً، هذه البيئات العملياتية تتكون من عدد من العناصر، من بينها الجغرافيا، الايكولوجيا، التاريخ، الأعراق، الدين والسياسة. هذه ليست مواضيع تكرس لها المنظومة الاستخبارية الكثير من الانتباه.

ثانياً، بالنسبة للحرب الغير نظامية، هذه الأشياء يجب أن يُنظر إليها في سياق مفصل ودقيق. ما هو مهم هو الجغرافيا والتاريخ والسياسة المحلية المحددة. التاريخ العربي شيء، تاريخ الصراع الدرزي المسيحي في لبنان شيء آخر، ودور أسر محددة وأعضاء أسرة شيء أخر أيضاً. جمع وتحليل واستيعاب المعلومات على هذا المستوى من التفاصيل هو تحد هائل لمحللي الاستخبارات وصانعي السياسات، وخائضي الحروب على حد سواء.

التغيرات في الجغرافيا السياسية


الجغرافيا في حاجة الى أن تُرى في ثلاث سياقات على الأقل: سياسي، وثقافي ومادي. الجغرافيا السياسية، كما يبين روبرت كابلان Robert Kaplan  في مقاله “الفوضى الآتية The Coming Anarchy ” قابلة للتغيير. كابلان يشير الى أن الكثير من الجغرافيا السياسية في العالم في خطر بسبب نهاية الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفيتي، وانحدار النظام القائم في كثير من العالم الثالث. هذا يدعو الى الحساسية بإمكانية بروز بنى سياسية جديدة تنظم الناس والمكان حسب الطلب او بحكم الواقع. يجب توضيح أن هذا الادراك بذلك لن يكون أوتوماتيكياً.

في الفترة ما بين 1975 – 76م المنظومة التحليلية المتطلعة بقوة في لبنان قاومت فكرة أن لبنان يتفكك وان العمليات السياسية التي وازنت النظام تفككت في وجه الضغوط الخارجية والداخلية. بالمثل، المنظومة الاستخبارية أدركت انهيار الاتحاد السوفيتي بتردد وبطء.

لو كابلان محقاً، أو حتى محق جزئياً، فإن خرائط الشرق الاوسط، وأفريقيا وجنوب غرب آسيا سوف تُعاد خلال حياة الذين يعيشون اليوم. الكثير من إعادة رسم الخرائط هذه سيتم بيد ما يمكن وصفه باتساع بالقبائل.

الجغرافية السياسية على مستوى  المناخات المجهرية microclimates أكثر عرضة للتغيير وأقل سرعة في التأثر بالتحليل من الجغرافيا السياسية على مستوى الدولة أو الإقليم. في كتاب “اعمدة الحكمة السبعة” ، لورنس العرب T. E. Lawrence  وصف المناخ المجهري الجغرافي السياسي لسوريا وهو يخطط للمراحل النهائية لثورة العرب:

“الطبيعة قسمت البلد الى مناطق. الناس طوروا الطبيعة فأعطوها أجزاء مستقلة وتعقيداً إضافياً. كل من القسم الشمالي الرئيسي والقطاع الجنوبي مقتطع ومسور من الخارج بشكل مصطنع الى جماعات على خلاف. غلينا ان نجمعهم في أيدينا من أجل عمل هجومي ضد الاتراك. فرص فيصل والصعوبات التي يواجهها تقع في عذع تعقيدات سوريا السياسية هذه التي رتبناها عقليا في شكل منظم مثل خريطة اجتماعية.”

في مناخ مجهري جغرافي سياسي مثل الموجود في لبنان والصومال أو كردستان، الفهم يكون مراوغاً وصعب المنال. الأنماط الأسرية والقبائلية والدينية والاقتصادية المتبدلة، والعلاقات العسكرية المتراكبة في جغرافيا محددة تنتج بيئة تحليلية ملتبسة معقدة وديناميكية  — بيئة من المرجح انها تجعل المحللين الاستخباريين حذرين وصانعي السياسات والقادة منزعجين وعرضة للخطأ.

الجوانب الثقافية والطبيعية

الجغرافيا الثقافية تحتاج أيضاً أن تُفهم بالمعنى المجهري. جغرافيا المناطق الصغيرة تصبح مهمة في السياق القبلي. من هم رجال القبيلة؟ أين هم؟ ماذا يفعلون؟ كيف يعيشون؟ ما هو شكل مدنهم ومنازلهم؟ هذه أسئلة مهمة في تخطيط وتنفيذ العمليات الأمريكية.

الجغرافيا الطبيعية المجهرية Microphysical geography  تتعلق بالأرض الشديدة التحديد التي ستحدث عليها العمليات. ما هو بالضبط شكل التضاريس؟ كيف تتأثر بالظروف المناخية المختلفة؟ أي نوع من القوات يمكن أن تعمل عليها بكفاءة؟ ما هي مميزاتها وعيوبها للمحاربين؟ ما الذي يكون التضاريس الرئيسية في هذا الوضع الخاص؟ الحرب الغير نظامية تقع عادة في تضاريس بعيدة وعرة أو صعبة يمكن أن تقيد عمليات القوات الحديثة، وتنقص من قدرتها الحركية وتخفض من امتيازاتها التكنولوجية.

جغرافيا بيروت، الشوف ومقديشيو كانت كلها مهمة لنجاح وفشل السياسة والعمليات الأمريكية في لبنان والصومال. المحللون الاستخباريون، والعملاء وصانعو السياسة في حاجة الى إجابات شديدة التحديد للأسئلة المتعلقة بالجغرافيا المجهرية.

قضية ناشئة

الايكولوجيا (علم البيئة) لا يُعتبر عادة موضوع بالنسبة لمنظومة الاستخبارات العسكرية، ولكن قد يكون عنصر أساسي في تحذير طويل المدى. كما يشير كابلان، تفكك الأنظمة السياسية أو بداية أزمة إنسانية قد يشار إليها بمعلومة وتحليل ايكولوجي:

“حان الوقت لفهم “البيئة” لأي شيء هي: موضوع الأمن الوطني لأوائل القرن الحادي والعشرين. التأثير السياسي والاستراتيجي للانفجار السكاني، انتشار المرض، إزالة الغابات وتآكل التربة، نضوب المياه، وتلوث الهواء، وارتفاع منسوب البحر المحتمل في أقاليم مهمة ومزدحمة مثل دلتا النيل وبنغلاديش – تطورات ستحث على هجرات جماعية، وبالتالي ستحدث صراعات بين جماعات – ستكون قلب تحدي السياسة الخارجية الذي ستنبعث منه في النهاية غالبية التحديات الأخرى، يثير الجماهير ويوحد مصالح متنوعة مهملة منذ الحرب الباردة.”

بينما المشاكل البيئية ليست مقتصرة على العالم الثالث، الا ان الزيادات السكانية الكبرى متوقعة في العالم الثالث، حيث الحكومات المركزية أضعف وحيث تتفشى القبلية.

أهمية التاريخ

هؤلاء الذين أصبحوا داخلين في صراع قبلي بدون معرفة تاريخه متوجهين الى مشاكل. كان هناك القليل من المواقف لها تاريخ أكثر تعقيداً من لبنان ما بين 1975 الى 1982م. التفاعل المعقد بين الأسرة، والقبيلة والعرق والجماعات الدينية ازداد تعقيداً بالتدخل الكبير من الفلسطينيين والسوريين والاسرائيليين.  نتج عن هذا “مشروب ساحرة شريرة witch’s brew ” من تحالفات غامضة متبدلة، وشخصيات مريبة وخبث محض. بدون معرفة تاريخ أسر الجميل، وجمبلاط والأسد الداخلة في الصراع، لا يمكن للمحللين وصانعي السياسات أن يأملوا في اكتشاف ما يحدث.

العوامل العرقية والدينية

العوامل العرقية عنصر قوي في الحرب الغير نظامية. الصراعات العرقية في ليبيريا، ورواندا وبورندي وفي اماكن أخرى في أفريقيا أدت إلى خسائر بشرية واقتصادية هائلة. تحديد الاعراق يكون عادة كافياً لتحديد اين ستصطف جماعة أو قبيلة في صراع، وتحديد قواعد التجنيد، وتشكيل الاصطفاف والتحالفات السياسية، وسمات أساسية أخرى في صراع. لكن الصراعات الغير نظامية، لا تقع بالضرورة على طول الخطوط العرقية؛ بعض الحروب الغير نظامية لن تكون صراعات عرقية.

في كردستان، هناك صراع مستمر بين السكان الكرديين بناء على الولاءات القبلية والأسرية. في نفس الوقت، الأكراد داخلون في صراع اساسه عرقي ضد حكومات العراق وتركيا. بالمثل، في الصومال سكان متجانسون عرقياً داخلون في صراع مرير بين القبائل والعشائر، يصنع حلفاء وأعداء بحكم الواقع مع قوات التدخل الخارجية. الولايات المتحدة انحازت لبعض الجوانب عندما دخلت في هذا الصراع، وهو عمل فيه مخاطرة في وضع تمتلك فيه القليل من الاوراق الرابحة هذا إن كانت في الاصل تمتلك اي ورقة رابحة.

الدين قوة قوية في الحرب القبلية، ويمكنه دعم العرقية في صناعة صراع أكثر صعوبة وقسوة. مثل العرقية، الدين ليس دليلاً بسيطا للصراع القبلي. المسلمون حاربوا مسلمين، والمسيحيون حاربوا مسيحيين. في لبنان شكلوا تحالفات متقاطعة مع الدين  cross-religion: المسيحيون اتباع فرنجية اصطفوا مع السوريين المسلمين ضد مسيحيين مثلهم.

 المقولة المألوفة “كل السياسات سياسات محلية” مهمة لفهم الصراعات الغير نظامية. سياسات حزب الكتائب في لبنان، كانت ومازالت بدرجة كبيرة سياسات أسرة الجميل. الكتائب هب تعبير سياسي لتجمع قبلي داخل القلب المسيحي للبنان. هذه ظاهرة عامة في العالم الثالث. حزب عيديد في الصومال هو بدرجة كبيرة تعبير عن عشيرته وحلفائها.

في هذه الأوضاع المفاهيم السياسية الكاسحة مثل الاشتراكية والقومية والديمقراطية قد لا يكون لها معنى حقيقي. رؤية الحزب الاشتراكي التابع لوليد جمبلاط في لبنان على أنه ممثل لتعبير عن الاشتراكية هو سوء فهم كامل لدوافعه ودوره ونواياه. اهتمام جمبلاط الحقيقي هو تعزيز مصالح قبيلته “الدروز

الحرب القبلية هي امتداد للسياسات القبلية. التي هي حتماً سياسات العداء، الخيانة، الديون القديمة، والامتيازات الاقتصادية الضيقة. بينما تلعب كل من اسرائيل وسوريا لعبة كبرى great game في لبنان والولايات المتحدة نرى الأفعال السورية هناك من خلال عدسات الحرب الباردة، اللبنانيون يلعبون “لعبة صغيرة little game”.  أسر شمعون والجميل وفرنجية يقتلون بعضهم لتصفية حسابات، مسيحيون يحاربون مسيحيين من أجل السيطرة على مشاريع اقتصادية في بيروت، والدروز والمسيحيون يغيرون على مناطق بعضهم ويدافعون عن مناطقهم في نمط لبناني بالكامل، قديم منذ قرون ومبهم للأطراف الخارجية. هم يشكلون أعداء سيئين وحلفاء فقراء.

في لبنان في أوائل ثمانينات القرن العشرين، كل عوامل المناخ المجهري أفرزت وضع يمكن فقط إدراكه بطريقة خافتة من المراقبين الخارجيين، من بينهم المحللون الاستخباريون. غموض الموقف هناك ساهم في أخطاء كبيرة في السياسة. الولايات المتحدة تحركت لدعم حكومة يهيمن عليها المسيحيين وقوات مسلحة لم تعد تعكس توزيع القوة في البلد. مع القليل من الفهم للتواريخ والثقافات المجهرية للبنانيين، الولايات المتحدة بدرجة ما أُسرت من المسيحيين الذين يتحدثون الإنجليزية ويُنظر إليهم على انهم “غربيون” في شكلهم ونمط معيشتهم. من السهل اعتبار اعدائهم أعداءنا (نحن الامريكيون). الإسرائيليون سقطوا في نفس الفخ، وكلتا الدولتين دفعتا ثمناً فادحاً. الفائزون النهائيون في لبنان كانوا السوريين، الذين فهموا ما دخلوا فيه وكانوا مستعدين للبقاء أمداً طويلاً.

الحرب الحديثة والحرب الغير نظامية

من عناصر البيئة العملياتية والمناخات المجهرية التي تنتجها، برز شكل من الحرب أكثر انتشاراً واختلافاً عن الحرب التقليدية الحديثة. هناك عدد من الأبعاد ستختلف من خلالها الحروب الحديثة عن الحروب الغير نظامية. على الأقل يمكن تحديد تسعة من هذه الأبعاد:

التنظيم

البعد الأول هو التنظيم organization. المؤرخون العسكريون الغربيون ينظرون الى تطور الحرب المنظمة بداية من 6000 عام مضت. الدول القديمة في الهلال الخصيب أوجدت أول جيوش منظمة. في الألفية الثالثة قبل الميلاد بعضها أقام قوات مسلحة مدمجة مع تنظيم وترابط واضح. منذ ذلك الوقت القوات أصبحت منظمة، ترتيب المعركة كان موضع اهتمام شديد للمحللين العسكريين، الذين يعتقدون أن التنظيم الأفضل يعادل كفاءة أكثر.

القوات القبلية عادة يكون لها تنظيمات رخوة، ترتيبهم للمعركة عديم الشكل، وهم عامة لا يقومون بعمل نشر استراتيجي للقوات. الوحدات الغير نظامية من المرجح انها تعكس قبيلة أو عشيرة مرتبطة ببنية جغرافية وقيادة تقليدية محددين. ميليشيا الدروز في لبنان والقوات المبنية على العشائر في الصومال نماذج حديثة للجيوش الغير نظامية. بينما ولا واحدة منهما سيكون لها فرصة المواجهة وجهاً لوجه مع جيش غربي، إلا ان الدروز هزموا الميليشيا المسيحية اللبنانية والوحدات النظامية في الجيش اللبناني؛ والصوماليون أعطوا قوات الولايات المتحدة والأمم المتحدة كل ما أرادوا في مقديشيو.

التكنولوجيا

المحللون العسكريون الغربيون ركزوا كثير من اهتمامهم ولهم حق في ذلك على التكنولوجيا كقوة دافعة في الحرب. لكن في الحروب الصغيرة، مستوى التكنولوجيا قد لا يكون العامل الأهم.

الحرب الغير نظامية تتضمن استخدام ما هو متاح من خلال الشراء، او السرقة أو الاستيلاء أو الصناعة المحلية. القوات القبلية تتخصص في الغارات، المناوشات، والكمائن التي تكون فيها البندقية والرشاشات والهاون والالغام الأسلحة الأساسية. بينما بعض القوات القبلية لديها دبابات ومدفعية ميدان، الا أن غالبيتها تعتمد على أسلحة فردية وأسلحة تحتاج أطقم خفيفة light crew-served.

%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d8%a7%d8%b1%d9%86%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a3%d8%a8%d8%b9%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d8%a8


الخدمات اللوجستية

كل الجيوش التقليدية تحمل معها “كرة وسلسلة” نظام خدماتها اللوجستية. القوة الميكانيكية الثقيلة تستهلك كميات هائلة من الوقود، والذخيرة، ومنتجات البترول، وقطع الغيار. هذا النظام يقيد القدرات الحركية والمرونة العملياتية ويخلق نقاط ضعف يمكن استغلالها.

القوات الغير نظامية هي فعلياً أقل تقيداً بالعوامل اللوجستية. احتياجاتها للغذاء والذخيرة أبسط، وعادة لا تتحرك مسافات طويلة. يستمدون الدعم من السكان المحليين. الكثير من تسليحهم يُنقل بسهولة، وعادة يقومون بتطوير قدراتهم الذاتية لصيانة وإصلاح الأسلحة والمركبات البسيطة. هذه العوامل اللوجستية تقلل من نقاط ضعف الغير نظاميين أمام الاستراتيجيات المضادة للخدمات اللوجستية. ليس هناك خطوط حديدية أو شبكة طرق لمهاجمتها، وليس هناك مستودعات ذخيرة لتفجيرها، ليس هناك جسور لضربها وإخراجها من الخدمة. ايضاً من الصعب فصل الغير نظاميين عن أسلحتهم والعثور على مخابئ سلاح عندما يكونون قريبين من الناس.

التوجيه

الحرب التقليدية الحديثة هي بالضرورة حرب دولة ضد دولة. هذا التنظيم المركزي وتوجيه الموارد يوفر التنظيم والتكنولوجيا والقوة العاملة المطلوبة. الانظمة المتطورة تُستخدم لقيادة وتحكم قوات الدولة.

الحروب القبلية، حروب صغيرة، موجهة من القيادة المحلية لأسباب محلية وربما شخصية.  التكهن بهذه الأسباب صعب لان القيم والاهداف والاستراتيجيات والتكتيكات قائمة على عوامل غامضة، مميزة idiosyncratic وبعيدة remote  (في الوقت والمكان).

القادة المحليون يستخدمون أنظمة اتصالات بسيطة تعمل على مسافات قصيرة. هواتف، ووكي-توكي، والسعاة  runners  يمكن أن يوفروا شبكة اتصالات فعالة للعمليات المحلية. في معركة الإمساك بعيديد، الصوماليون تحركوا تقريباً بدون توجيه الى ساحة القتال. الروس واجهوا نفس الظاهرة في غروزني. بالنسبة للمقاتلين الغير نظاميين، “التوجه الى صوت الأسلحة ”riding to the sound of guns، يمكن أن يكون بمثل كفاءة أي نظام تحكم وتوجيه حديث.

العقيدة

أحد السمات المميزة لتنظيمات القوات المسلحة الحديثة هي تطوير عقيدة واضحة لمستويات الحرب الاستراتيجية والعملياتية والتكتيكية. العقيدة تضع اسس لما تحارب من أجله القوات، وكيف سيتم تزويدها بالموارد؛ كيف سيتم تنظيمها ونشرها؛ الاسلحة التي ستستخدمها؛ وكيف ستقاتل.

القوات الغير نظامية ليس لديها عقيدة شديدة التفصيل. فهي معتادة على القتال على أرضيها، وعلى ألفة حميمة مع أسلحتها، وهي شديدة البراعة على المستوى التكتيكي. بعض القادة والرجال قد يكونوا قد نالوا تدريباً أساسياً في الغرب او الشرق؛ ولكن معظم معرفتهم نمت داخل الوطن.

الافتقار الى عقيدة صريحة يجعل من الصعب على القوات الحديثة فهم خصومهم الغير نظاميين المحتملين وحلفائهم. وأيضاً يجعل من السهل إساءة تقديرهم. معرفة الطريقة التي يحارب بها المحاربون القبليون يمكن أن تكون مكلفة لو كان اكتسابها يتم من خلال التجربة.

معركة حاسمة

من ماراثون الى عاصفة الصحراء، غاية الغرب في الحرب أصبحت الاشتباك مع العدو وهزيمته سريعاً، مع أقل خسائر للقوات الصديقة. هذه حرب للأغنياء الأقوياء، هؤلاء الذين يمكنهم الاستثمار في نوع التكنولوجيا والقوات المطلوبين لتحقيق انتصار سريع.

القوات القبلية تتجنب عمليات ذات نطاق ومدة وكثافة ممتدين. فهي تتحرك داخل وخارج نطاق الاتصال كما هو محدد من قيادتهم أو استجابة للتهديدات. تاريخهم وثقافتهم تقدم التجربة والشرعية لهذا النوع من الحرب، بينما أسلحتهم وقابليتهم على استخدامها بكفاءة تجعلهم أكفاء في شن الحرب.

في صراع محلي، القدرة الحركية الاستراتيجية والعملياتية قد لا تعني الكثير. القدرة الحركية التكتيكية قد تكون أكثر أهمية. القوات القبلية تكون عادة ليها خبرة في الحركة على أراضيها. في مقديشيو، القوات الغربية كان عليها أن تتحرك في قوافل مصحوبة بمدرعات على طول ممرات معينة؛ حتى الحركة بالهليكوبتر قد تكون خطيرة.

جنود ومحاربون[3]

الجيوش الحديثة تطور التماسك والانضباط والاحتراف خلال عملية محكمة من التدريب و التلقين indoctrination، وهذه العملية تنتج جنود ووحدات ممتازين. في القوات الغير نظامية، تتواجد عملية أكثر طبيعية، تحقق أحياناً في بعض الحالات نتائج مماثلة.

واحد من القوات الأكثر تماسكاً في كل الازمان، الفالانكس في الولايات الاغريقية، تدين بتماسكها الهائل وانضباطها في المعركة الى واقع انها تتكون من رجال يعرفون بعضهم جيداً. التماسك والانضباط في المعركة في جيش فيرجينيا الشمالية يقومان على نمط تجنيد محلي مماثل. القوات القبلية مستمدة من هذا النوع من التأسيس.
الجنود والمحاربون ليسا شيء واحد. الجندي الحديث هو نتاج نظام يأخذه خارج الحياة الطبيعية ويعيد تشكيله ويحوله الى محترف منضبط متجاوب في استخدام القوة المميتة. يستجيب لسلسلة قيادة واضحة، ويُتوقع منه ان ينفذ الأوامر من رؤسائه، وكلهم يعملون لتحقيق أهداف الدولة.

المحارب لا يؤخذ من الجانب المدني في المجتمع ويوضع في شيء مختلف. فهو بدوره كمحارب يكون داخل مجتمع عادي. مهاراته وتسليحه مستمدين مما هو متاح لقبيلته. معرفته للحرب ربما تنحصر بدرجة كبيرة لما هو موجود داخل مجتمعه. يعمل داخل تنظيم مفكك ونظام الانضباط فيه أكثر رخاوة.  المحارب يعيش قريباً من الارض والناس الذين يعيشون عليها. تحت الظروف والتدابير المناسبة، يمكنه أن يكون بنفس كفاءة المحترف الحديث.

قادة المحاربين ايضاً يختلفون بطرق كبيرة عن القادة في الجيوش الحديثة. بالرغم أنهم قد يكون لديهم القليل من أو لا يكون لديهم على الاطلاق تعليم وتدريب عسكري رسمي، إلا أنهم قد يكون لديهم خبرة قتال واسعة على مستوى الوحدة الصغيرة. هم يعرفون رجالهم ويفهمون احتياجاتهم السيكولوجية والاجتماعية. قيادتهم العسكرية قد تُدعم بأدوارهم الدينية أو السياسية.

حلفاء Allies  ومتواطئين  Accomplices

حروب التحالف اصبحت شائعة، والنادر توقع خوض الولايات المتحدة حرباً وحدها. هذا يجعل من الضروري فهم حلفائنا المحتملين على الأقل بقدر ما نفهم أعداءنا. نجاح الجنرال البريطاني اللنبي في فلسطين كان بسبب تي. إي لورنس والحكمة في استخدامه في مساعدته على إدارة حلفائه من العرب. بالمثل، واحد من اسباب نجاح عاصفة الصحراء/ درع الصحراء كان إدارة تحالف عسكري متنوع. هذه الأمثلة التي تؤكد على أن علاقة مفيدة مع حليف لا ينبغي ان تُصطنع ونحن ندخل صراع أو عملية غير الحرب. هذه المقولة حقيقية أكثر عند الدخول في صراع قبلي حيث يكون “المتواطئ accomplice ” تعبير مناسب أكثر من “الحليف ally”.

في بعض المواقف، يحمل التحالف مع حزب محلي بعض المخاطر. على سبيل المثال، القوة المتدخلة يمكن الاستيلاء عليها بأجندة المحليين. هم يفهمون الوضع بشكل أفضل، وهم قادرون على أعمال مفاجئة وتغيرات في السياسة تقلب أهداف وإدراك الأجانب.

عملية أن نصبح حلفاء مع حزب محلي في صراع يمكن أن تحدث مصادفة تقريباً، أو على الأقل بدون عملية قرار واضحة. لكي نصبح حلفاء مع المسيحيين في لبنان أو مع واحدة من الفرق الصومالية فإن الامر كان به الكثير من المجازفة. في هذه الحالات، المخاطرة هي أن نصبح متواطئين مع السكان المحليين (ضد سكان محليين آخرين)، على الأقل في اعين الفرق المعارضة؛ المتواطئ يمكن أن يتحول فجأة الى هدف.  القادم الخارجي أيضاً يمكن التخلي عنه بسرعة لمصالح المحليين. في هذه الأوضاع الضبابية، من الصعب على العناصر الأجنبية أن تنسق حركة أقدامها مع حلفائها.

الفصل Segregation  والتكامل أو الاندماج Integration

البعد النهائي هو التباين بين الحرب الغير نظامية والحرب الحديثة يتعلق بالعلاقة بين الحروب والقوات الداخلة فيها وبين مجتمعاتها. الحرب التقليدية الحديثة يمكن رؤيتها منفصلة عن المجتمع، بمعنى أن القوات مستمدة من المجتمع ومرسلة الى جبهة أو مسرح للقيام بالحرب، وهو ما سيكون لفترة محدودة عامة.

في كثير من الحروب القصيرة، القوات لا تكون منفصلة عن المجتمع. الصراع يمكن أن يستمر لأجيال ويصبح جزء روتيني من المجتمع. هذا له مضامين واضحة للعناصر الخارجية الداخلة في الصراع لتسويته، فرق محاربة منفصلة، تنحاز لبعض الأطراف، أو تتعامل مع قضايا إنسانية.

في صراع طويل، الوقت سيكون عامة الى جانب القوات المحلية. سيكون من الصعب فصل المحارب عن السكان المدنيين فالرجال والنساء والأطفال والمسنون كلهم يصبحون محاربين محتملين.

حيثما يكون للصراع تاريخ طويل ويُضم إليه ثقافة المحارب، سيكون هناك وفرة للأسلحة الصغيرة وحملها سيُعتبر ضروريا وحقاً وصواباً. نتيجة لذلك، نزع سلاح المحاربين سيكون صعباً.

 العمليات في لبنان، والصومال، وفي أماكن أخرى بينت صعوبة أن يكون لقوة خارجية أكثر من تأثير عابر على صراع كامن بعمق في المجتمع.

هؤلاء الداخلون في صراع كهذا من الخارج يجب ان يتوقعوا نتائج إيجابية قليلة وصعوبات قصوى. كلما كانت الأهداف أكبر وأشمل كلما زاد احتمال الإحباط والهزيمة.

قائمة الميزانية Balance Sheet

القوات الغربية الداخلة في صراع قبلي تواجه شكل لا متماثل من الحرب asymmetric war. لديها مميزات قوة النيران الهائلة، والقدرة الحركية الاستراتيجية والعملياتية الممتازة، وانضباط المحترفين، والدعم اللوجيستي الهائل، وبنى فعالة لتوجيه والتحكم في العمليات. في قتال وجه لوجه في ميدان مفتوح، يمكن أن تدمر قوات قبلية بسهولة.

ولكن خصومهم القبليون أيضاً لديهم مميزات. لأنهم يمتلكون الأرض، فهم غير مهتمين بالوقت. لا يسعون الى معركة حاسمة، ويفضلون الاشتباك في غارات ومناوشات وكمائن. هذا يجعل خسائرهم قليلة، بينما يصيبون غيرهم من القوات الغربية بإصابات حساسة عالية. بالنسبة للجنود تاحديثين، هذا الامر محبط. ولكن ليس هناك شيء جديد – الإغريق والرومان كان لهم نفس التجربة ضد خصومهم البرابرة.

كل ذلك يبين عدم وجود نمط من الحرب متفوق على نمط آخر موضوعياً. عندما تواجه القوات الغير نظامية على أراضيها، تفوق القوات الحديثة ونمطها الحربي لا يمكن افتراضه. روديارد كيبلينغ Rudyard Kipling  أجمل في سطور قليلة تعقيدات ومخاطر الدخول في صراع قبلي:

عندما تُجرح وتُترك في سهول أفغانستان، والنساء يأتين ليقطعن ما تبقى منك، فقط تدحرج جهة بندقيتك وفجر مخك.

واذهب الى ربك مثل الجندي.

اعتبارات الاستخبارات

الاختلافات الكبرى بين الحرب الحديثة والحرب الغير نظامية تقود منطقياً الى اختلافات في طريقة الاستخبارات المناسبة. تاريخ الصراع، جغرافيته المحددة، بنيته العشائرية أو القبلية، زعماؤه وأدوارهم وعلاقاتهم، طبيعة وقدرات محاربيه وكيفية تطورهم ودعمهم داخل المجتمع، والحرب التقليدية تصبح عناصر أساسية للمعلومات بالنسبة لمحلل الاستخبارات، وصانع السياسة والقائد.

فهم المناخ المجهري للصراع يتطلب تقييم عميق للمجتمع الذي يحدث فيه. في استخبارات الدفاع  Defense Intelligence  ، الخبرة في هذا المجال التي تتناول هذا المستوى تتواجد عادة في الملحقين العسكريين  attachés، وضباط المجال الأجنبي foreign area officers  (FAOs)، والمحللين المدنيين الاقليميين ذوي الخبرة.

حتى فهم العناصر العسكرية المحضة لحرب صغيرة يتطلب فهم خاص. العناصر التقليدية للتحليل العسكري يجب النظر إليها بطريقة مختلفة. هذا يتطلب قدرة على أخذ خطوة بعيداً عن النماذج الحديثة أو الغربية للحرب والتركيز على النماذج  الأكثر بدائية بدرجة كبيرة والأقل اعتماداً على التكنولوجيا.

نظام المعركة order of battle  عند القوات الغير نظامية لا يضاهي جمود (عدم مرونة) القوات الحديثة. الوحدات تختلف في الحجم والبنية من قبيلة الى قبيلة ومن وقت الى وقت. هذا يجعل من الصعب العرض بثقة ما تبدو عليه قوات العدو وكيف يتم نشرها. حتى مفهوم النشر deployment  يفقد بعض معانيه عندما تكون القوات مندمجة بقوة مع مجتمعها.

محاولة  توجه الـ J2 [4](إدارة الاستخبارات في هيئة الأركان المشتركة) أثناء بداية الأزمة الصومالية ما بين 1992-1993 الى تطبيق نفس التقنيات المستخدمة في عرض نظام المعركة العراقي (ما يُسمى خرائط الفقاعة  bubble charts) ثبت عدم جدواها تقريباً. القوات الصومالية ببساطة لا تتناسب مع التقنيات القياسية للسلوك التنظيمي standard OB techniques؛ لكن مع مرور الزمن، تم بناء صورة دقيقة بشكل عقلاني لنظام معركة الفصائل. بالتساوي، تم تصميم قواعد بيانات وتطبيقات معالجة أوتوماتيكية للبيانات ADP applications  لتناسب القوات الغير نظامية. أدوات معالجة البيانات مثل تلك التي صُممت لحلف وارسو Warsaw Pact  يمكن تطبيقها في مواقف مثل رواندا والصومال ولكن بصعوبة.

بالمثل، عقيدة القوات القبلية لا يمكن العثور عليها بمعنى رسمي. هناك أشكال تقليدية للحرب، بعض طرق القتال التي يتم تعلمها أو تجربتها، وتلك التي يجب تبينها من تاريخ الصراع والمشاركين فيه. هذا يتطلب استثمار في الوقت من جانب المحللين، ومديريهم عليهم أن يعطوهم هذا الوقت.

التسليح المستخدم أيضاً يجب رؤيته في سياق مناسب للصراع الجاري. هل التسليح نفع احتياجات المحاربين في الماضي؟ هل هي جيدة بما يكفي؟ بالنظر الى البيئة العملياتية، هل يمكنهم هذه الأسلحة بفاعلية ضد قوة حديثة؟ هل من المرجح أن تكون أسلحة القوة الحديثة فعالة في البيئة العملية المحددة؟ ما هي المميزات الحقيقية التي تقدمها؟ كيف تحدد قيود السياسة، وقواعد الاشتباك، والتضاريس، واندماج العدو في مجتمعه، استخدام التكنولوجيا الحديثة؟

مخاطبة القضايا المثارة هنا والإجابة على هذه الانواع من الأسئلة المطروحة تقدم تحليل أكثر دقة وإتقاناً لقدرات القوات الحديثة والغير نظامية. ما يُدعى إليه هو درجة أكبر من الانتباه والحساسية بـ والمرونة للأشكال الغير نظامية من الحرب. وتفرض على المنظومة الاستخبارية أن تبقي على ما لديها من خبرة في المناطق التي تجري فيها حروب غير نظامية أو المحتمل أن تحدث فيها والى تطوير مهارات جديدة وتطوير مهارات الناس التي ستستخدمها في هذا الشكل من الحرب.

 متخصصون Specialists  واختصاصيون Generalists

هناك حاجة الى أن يكون هناك لب من الخبراء في الحروب القبلية يلتف حولهم الاختصاصيون  generalists والقادمون الجدد عديمو الخبرة. المنظومة الاستخبارية عليها ان تستثمر في المتخصصين specialists. لا يوجد قائد يريد أن يذهب الى العمليات مع معرفة عامة فقط للوضع. ولا يجب أيضاً أن يفعل ذلك أي ضابط استخبارات. في كل أزمة، دائماً يهبط الأمر الى عدد قليل من الخبراء المعروفين الذين يوفرون المعرفة الأساسية core knowledge  لصانعي القرار. الاختصاصيون يقومون بأشياء عامة، والخبراء يقدمون ما يحتاجه صانعو القرار والمقاتلون الذين يخوضون الحرب.

توازن مناسب بين المتخصصين والاختصاصيين ليس من السهل تحقيقه. كما قال نابوليون، أفضل استراتيجية هي أن تكون قوياً في كل مكان، ولكن هذه استراتيجية فقط لهؤلاء الذين هم أغنياء في مواردهم. في بيئة الموارد الحالية والمستقبلية، على الإدارة أن تحدد أين يجب أن يكون هذا التوازن. يمكن المساعدة على تحقيقه بتنيؤ أفضل وقدرات تحذيرية طويلة المدى قد تسمح بتحويل مناسب للموارد في الوقت المناسب لتطوير خبرة في التحليل analytic والتجميع collection. المنظومة الاستخبارية في حاجة الى أن تركز انتباه أكثر على حلبة التنبؤ، ليس على الأقل لهذه الغاية.

متطلبات تجميع الاستخبارات Collection Needs

هناك أيضاً تداعيات كبيرة لتجميع الاستخبارات. نظام التجميع تم تحسينه للحصول على معلومات عن القوات العسكرية الحديثة، ليس لتلك الداخلة في صراعات غير نظامية. ذلك كان ومازال ضرورياً، لأنه مازال هناك أعداء حديثين محتملين كبار.  ولكنه ترك المنظومة الاستخبارية أقل قدرة على اعداد ما تريده للحروب الصغيرة. هذه هي الحالة لكل من نوع المعلومة المجموعة والأولويات النسبية التي يحدث بموجبها التجميع.

كوكبة الأنظمة العامة والوسائل التقنية الوطنية الأخرى جيدة في العثور على الحقائق الثابتة مثل الأماكن، الأعداد، والبيانات الفنية. ولكن هذه الانواع من البيانات تبينها يكون أكثر صعوبة وأقل أهمية في صراع غير نظامي، وبعض المعلومات الهامة لا يمكن تحديدها بالتجميع الفني المتطور. ما هو مطلوب هو الاستخبارات البشرية التي يمكن أن تطور المناخ المجهري للصراع وجوانبه العسكرية. ملحقي الدفاع، مسؤولي السفارة، وجامعي الاستخبارات البشرية، بالغي الدقة لبيئة العمليات المحلية وابعادها العسكرية، يمكن ان يساعدوا في تحقيق هذا الاحتياج.

عندما دخلنا الصومال في ديسمبر 1992م، كان لدينا خط واحد من قاعد البيانات عن القوات العسكرية هناك. محاولتنا لاستخدام وسائل تجميع واستراتيجيات قياسية كانت فقط ناجحة جزئياً لان تلك الوسائل التقليدية  لا يمكنها ان تقدم نوع المعلومات المحددة التي نحتاجها. لم يكن هناك بنادق آلية ولا كتائب دبابات، ولا أنظمة دفاع جوي، ولا بحرية ولا قوات جوية صومالية. الصوماليون كان لديهم بعض الشاحنات وعربات جيب مع أسلحة تديرها أطقم crew-served weapons  وقطع قليلة من المدرعات. كنا في حاجة الى من يحدد اماكنها ويقوم بعدها من على الارض واكتشاف إن كانت تعمل أم لا. في النهاية، حصلنا على هذه المعلومات، وحتى استخبارات افضل عن قدرات قوات العشائر، من وحدات القوات الخاصة الأمريكية.

مسألة أولويات تجميع الاستخبارات تحتاج أيضاً الى الأخذ في الاعتبار. كيف نوازن بين تجميع الاستخبارات عن المناطق الأكثر ترجيحاً للعمليات وتلك التي تشكل التهديد المحتمل الاكبر؟ هل أفريقيا أو الصين ينالون مزيد من التركيز، وفي أي إطار زمني؟ متي سيُدفع جهاز تجميع الاستخبارات للحصول على المعلومات التي سيحتاجها المحلل للإجابة على احتياجات مستهلكيه؟  البعض سيحتج بتبرير أن المصادر المفتوحة هي على الأقل جزء من الجواب. في النهاية، هدف المنظومة الاستخبارية يجب ان يكون فهم الحرب الغير نظامية على المستوى الذي قصده تي إي لورنس T. E. Lawrence:

“عندما أتخذ قراراً، أو أتبنى حلا بديلاً، يكون ذلك بعد دراسة كل عامل … ذي صلة. الجغرافيا، البنية القبلية، الدين، العادات الاجتماعية، اللغة، النزعات الغريزية، المعايير –كلها تكون في متناول يدي. أعرف أن العدو يحب تقريباً الجانب الذي اخترته.”

#المنظومة_الاستخبارية

#المنظومة_الشيطانية

 

[1] https://www.cia.gov/library/center-for-the-study-of-intelligence/csi-publications/csi-studies/studies/96unclass/iregular.htm#author1

[2] Jeffrey White is a defense fellow at The Washington Institute, specializing in the military and security affairs of the Levant and Iran. He is widely sought out as a commentator on military issues involving Syria, Israel, Hizballah, the Gaza conflict, and Iran.

Before joining the Institute, Mr. White completed a thirty-four-year career with the Defense Intelligence Agency (DIA). He was a member of the Defense Intelligence Senior Executive Service (DISES), and served in a wide variety of senior analytical and leadership positions, including: imagery analyst, military capabilities analyst, current intelligence analyst, senior analyst for the Arab-Israeli confrontation states, chief of the Middle East current intelligence division, chief of the Office for Middle East/Africa Military Assessments, and chief of the Regional Military Assessments Group. In these capacities, Mr. White participated in operational and policy planning and wrote extensively for senior defense officials, including the Secretary of Defense and the Chairman of the Joint Chiefs of Staff.

As an intelligence officer in the DIA, Mr. White provided intelligence support during multiple Middle East crises, from the 1968 Arab-Israeli War of Attrition to the developing conflict with Iraq in 2002. He led numerous crisis intelligence response groups within the agency, including those dealing with the Lebanese civil war, the Israeli-Syrian conflict in Lebanon, U.S. operations against Libya, U.S. naval operations in the Persian Gulf, and multiple Iraq crises from 1994 to 2002. From 1995 to 2000, Mr. White provided extensive intelligence support to both Israeli-Syrian and Israeli-PLO negotiations.

Mr. White has received numerous awards for distinguished service as an intelligence officer, including the Secretary of Defense Medal for Meritorious Civilian Service, the National Intelligence Distinguished Service Medal, and the DIA Directors Awards for Exceptional and Meritorious Civilian Service.

[3] (1) See Ralph Peters, “The New Warrior Class” (Parameters, Vol. 24, No. 2, summer 1994, pp. 16-25) for a detailed discussion of warriors and the implications for the US military.

[4] The Directorate for Intelligence, J-2, supports the Chairman of the Joint Chiefs of Staff, the Secretary of Defense, Joint Staff and Unified Commands. It is the national level focal point for crisis intelligence support to military operations, indications and warning intelligence in DoD, and Unified Command intelligence requirements.

The J-2 coordinates joint intelligence doctrine and architecture, and managed intelligence for joint warfighting assessments. J-2 serves as the Intelligence Community manager for Support to Military operations, and is the Director of the Joint Warfighting Capabilities Assessments for Intelligence, Surveillance, and Reconnaissance under the Joint Requirements Oversight Council.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s