الحلقة السادسة عشرة : محاضرة جذور الغضب الاسلامي

 محاضرة: جذور الغضب الإسلامي

ملخص الحلقة

في الحلقات السابقة تكلمت عن شخصيات ومنظمات مرتبطة بالحركة المحافظة الجديدة ومشروع القرن الأمريكي الجديد الذي عبر عنها في وقت ما وكان أداة لإختراق مؤسسات أمريكا والسيطرة على منظومة الحكم.

من هذه الشخصيات المستشرق اليهودي برنارد لويس الذي تكلمت عنه في الحلقة السابقة، في هذه الحلقة والتي تليها سأتناول محاضرة ألقاها عام 1990 م. ظاهر المحاضرة يتناول تحليل للغضب الإسلامي من الغرب، أما باطنه فهو تحريض للغرب على الإسلام نعيش نتائجه اليوم، في ضغوط تُمارس على المسلمين من أجل تغيير عقيدتهم لتكون متوافقة مع القيم الغربية وخاضعة للصهيونية، ربما من أبرز نتائج تلك السياسة التي اتبعها اليهود في إختراق أنظمة الحكم والمؤسسات الدولية، هذا الانقلاب الذي وقع في مصر والدعوة الى ثورة دينية تنشيء إسلاماً جديداً متوافقاً مع الغرب

في سنة 1990 م. إختار الوقف الوطني للإنسانيات National Endowment for the Humanities برنارد لويس ليلقي محاضرة جيفرسون Jefferson Lecture التي تُعتبر أعلى تكريم للإنجاز في مجال الإنسانيات تمنحه الحكومة الفيدرالية. محاضرته كانت بعنوان “الحضارة الغربية: وجهة نظر من الشرق”. هذه المحاضرة تم مراجعتها وأُعيد نشرها في المجلة الشهرية The Atlantic Monthly تحت عنوان “جذور الغضب الإسلامي The Roots of Muslim Rage”

بالطبع برنارد لويس يظهر الإسلام بأنه دين لا يصلح للممارسة دين ضد الإنسانية والتقدم والتطور البشري، دين ضد الحضارة الغربية التي تقود التطور الانساني، دين إرهابي غير قادر على التكيف مع الحياة الطيبة التي يدعو اليها العالم الغربي المتحضر ولذلك يجب تغييره، سنلاحظ كمية الأكاذيب وتحريف الحقائق حتى يستطيع برنارد إثبات وجهة نظره وتحريض الغرب على الاسلام وهو ما نعيش اليوم آثاره سواء في إنقلاب مصر أوالهجمة الشرسة على الاسلام في الشرق الاوسط والعالم كله.

نفس هذه النغمة سنجدها في كلام الانقلابيين والعلمانيين والمنافقين الذين تصدروا المشهد في العالم العربي وربما يؤكد لنا ذلك التماثل من يقف وراءهم ويحركهم. ويبين لنا مدى إختراق اليهود والصهاينة لأنظمة الحكم والنخب السياسية والإجتماعية في العالم العربي والغربي ومدى سيطرتهم عليهم.

هذه التجربة التي نعيشها اليوم وقعت من قبل في القرون الميلادية الأولى، عندما إخترق اليهود الدولة الرومانية والنخب الكهنوتية في مصر والشام وشمال أفريقيا واليونان وآسيا الصغرى وتمكنوا بالفعل من محاربة الاسلام الصحيح بنفس تلك الدعاوى التي يواجهها الاسلام اليوم وتمكنوا من فرض ثورتهم الدينية التي استأصلت الإسلام وكتبه الصحيحة وفرضت المسيحية الوثنية الجديدة بكتبها المحرفة وقيمها وعقائدها المتوافقة مع روما والخاضعة سياسياً لسلطانها.

من هذه المحاضرة والمحاضرات التي تناولتها من قبل في الحلقات السابقة وما سأتناوله فيما بعد ومن دراستنا لتحركات اليهود وإختراقهم لأنظمة العالم سيتضح لنا جذور الكراهية للاسلام والانقلاب الذي وقع في مصر وأسباب تأييد أنظمة الحكم سواء العربية أو العالمية له والإصرار العنيف على ضرورة تغيير العقيدة الإسلامية والحرب الشرسة على القرآن ونبي الاسلام محمد صلى الله عليه وسلم وكتب السنة الصحيحة.

 

 موضوع الحلقة

The Roots of Muslim Rage

Why so many Muslims deeply resent the West, and why their bitterness will not easily be mollified

by Bernard Lewis

لماذا يشعر كثير من المسلمين بالإستياء من الغرب، ولماذا من الصعب تهدئة إحساسهم بالمرارة بسهولة

 في أحد رسائله علق توماس جيفرسون أن في أمور الدين “القول المأثور للحكم المدني” يجب أن يُعكس وأن يقول بدلاً من ذلك، “منقسمين نثبت ونتحمل، متحدين نسقط” في ملاحظته كان جيفرسون يقدم بإختصار كلاسيكي فكرة أصبحت يُنظر إليها كأمريكية الأساس: فصل الكنيسة عن الدولة. هذه الفكرة لم تكن جديدة تماماً؛ فلها سوابق في كتابات سبينوزا، ولوك وفلاسفة الإستنارة الأوروبية. ولكن في الولايات المتحدة أُعطي هذا المبدأ لأول مرة قوة القانون وأصبح واقعاً خلال قرنين بالتدريج.

لو كانت الفكرة بأن الدين والسياسة يجب الفصل بينهما جديدة نسبياً، تعود فقط لثلاثمائة عام، إلا أن الفكرة بأنهما متمايزان تعود تقريباً إلى بدايات المسيحية. المسيحيون مأمورون في كتاباتهم المقدسة “بأن يعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله” فبينما إختلفت الآراء حول المعنى الحقيقي لهذه الجملة، إلا أنها قد فُسرت بشكل عام على أنها تشرعن لوضع تتواجد فيه مؤسستان جنباً إلى جنب، لكل منهما قوانينها وسلسلة سلطتها – مؤسسة متخصصة بالدين، تُسمى الكنيسة، والأخرى مختصة بالسياسة، تُسمى الدولة. وبما أنهما مؤسستين، فيمكن ضمهما أو فصلهما، ويمكن أن تتبع إحداهما الأخرى أو تكون كل منهما مستقلة، ويمكن أن تنشأ بينهما صراعات حول مسائل حدود كل منهما ودائرة سلطتها.

هذه الصياغة للمشاكل المطروحة من العلاقات بين الدين والسياسة والحلول المحتملة لها، نشأت من مبادئ وخبرات  مسيحية وليست عالمية. هناك تقاليد دينية أخرى تُفهم فيها أدوار الدين والسياسة بطريقة أخرى، وبالتالي تكون المشاكل والحلول المحتملة مختلفة بشكل جذري عما نعرفه في الغرب. غالبية هذه التقاليد عادة، بالرغم من مستواها العالي من التعقيد والتحقيق، تبقى أو تصبح محلية – محصورة في إقليم واحد أو ثقافة واحدة أو شعب واحد. ولكن هناك تقليد ديني واحد بسبب توزيعه العالمي، وحيويته المستمرة، وطموحاته العالمية، يمكن مقارنته بالمسيحية، هذا التقليد الديني هو الإسلام.

الإسلام واحد من أكبر الديانات في العالم. دعوني أشرح ما أقصده بذلك بصفتي مؤرخ غير مسلم للإسلام. الإسلام جلب رغد العيش والسلام النفسي لملايين لا تُحصى من الرجال والنساء. منح الكرامة والمعنى لحياة الفقراء. علم شعوب من أعراق مختلفة الحياة في أخوة وشعوب من عقائد مختلفة أن يعيشوا جنباً إلى جنب بتسامح معقول. ألهم بحضارة كبرى عاش فيها آخرون بجانب المسلمين حياة مبدعة ونافعة وبإنجازاتها أثرت العالم كله. ولكن الإسلام أيضاً مثل ديانات أخرى عرف فترات نفخ فيها روح الكراهية والعنف في بعض أتباعه. من سوء حظنا أن جزء وليس كل أو حتى غالبية العالم الإسلامي يمرون بهذه المرحلة، وأن كثير من هذه الكراهية وليس كلها مرة أخرى موجه ضدنا.

لا يجب أن نبالغ في أبعاد المشكلة. العالم الإسلامي بعيد عن الإجماع في رفضه للغرب، والأقاليم الإسلامية في العالم الثالث ليست الأكثر بغضاً ولا تطرفاً في عداوتها للغرب. هناك عدد كبير في بعض الأماكن  من المسلمين، ربما يكونون أغلبية نتقاسم معهم بعض الإعتقادات والطموحات الثقافية والأخلاقية والإجتماعية والسياسية الأساسية؛ مازال هناك وجود غربي جليل – ثقافي وإقتصادي ودبلوماسي – في الأراضي الإسلامية، وبعضهم حلفاء للغرب. بالتأكيد لم تعاني السياسة الأمريكية في أي مكان في العالم الإسلامي في الشرق الأوسط أو غيره من الأماكن كوارث أو واجهت مشاكل مثل تلك التي واجهتها في جنوب شرق آسيا أو أمريكا الوسطى. ليس هناك كوبا، ولا فيتنام، في العالم الإسلامي، وليس هناك مكان فيه إشتبكت القوات الأمريكية كقوات محاربة أو حتى كمستشارين. ولكن هناك ليبيا، وإيران ولبنان وصعود للكراهية يؤلم وينذر وفوق كل شيء يربك الأمريكيين.

في بعض الأوقات تمتد هذه الكراهية الى ما هو أبعد من العداء إلى مصالح محددة أو أفعال أو سياسات أو حتى بلدان وتتحول إلى رفض للحضارة الغربية ذاتها، ليس فقط ما تفعله ولكن أيضاً مهيتها، والقيم والمباديء التي تمارسها وتعلنها. تلك القيم والمباديء الغربية تُعتبر عندهم كأنها شر متأصل، والذين يطورونها أو يقبلونها هم “أعداء الله”. هذه الجملة التي تتكرر كثيراً في كلام القيادة الإيرانية، سواء في إجراءاتهم القضائية أو بياناتهم السياسية، يجب أن تبدو غريبة للانسان الأجنبي المعاصر خارج إيران، سواء كان متدين أو علماني. فكرة أن الله له أعداء، ويحتاج إلى مساعدة بشرية لكي يحددهم ويتخلص منهم، تجد القليل من الصعوبة في إستيعابها. لكنها ليست بكل هذه الغرابة. مفهوم أعداء الله مألوف في العصر القديم الكلاسيكي والقبل-كلاسيكي، وفي كل من العهد القديم والجديد، وفي القرآن.  وهناك نسخة وثيقة الصلة بشكل خاص للفكرة نجدها في الديانات الثنائية في إيران القديمة، التي تفترض نظرية نشأة الكون التي تقدمها، وجود سلطتين ساميتين وليس سلطة واحدة. الشر أو الشيطان الزردشتي يختلف عن الشر أو الشيطان المسيحي أو الإسلامي أو اليهودي، فهو ليس واحد من مخلوقات الله يؤدي واحدة من المهام الأكثر باطنية لله ولكن سلطة مستقلة، سلطة سامية عليا للشر في صراع كوني ضد الله. هذا الإعتقاد أثر في عدد من طوائف المسيحيين والمسلمين واليهود ، من خلال الماناوية وطرق أخرى. الدين المانوي المنسي تقريباً أعطى إسمه لتصور المشاكل كصراع شديد وبسيط بين قوى متساوية للخير المحض والشر المحض.

القرآن بلا شك توحيدي بشدة، ويقر بإله واحد، قوة كونية واحدة فقط. هناك صراع في قلوب الناس بين الخير والشر، بين وصايا الله والهوى، ولكن هذا الصراع يُرى كصراع مأمور من الله، ونتائجه مقدرة من الله، كإختبار للبشرية، وليس كما هو الحال في بعض الديانات الثنائية القديمة، صراعاً تلعب فيه البشرية دوراً أساسياً في تحقيق نصر الخير على الشر.  ولكن بالرغم هذا التوحيد، فإن الإسلام مثل اليهودية والمسيحية، تأثر في مراحل مختلفة وخاصة في إيران بالفكرة الثنائية بوجود صراع كوني بين الخير والشر، بين النور والظلام، بين النظام والفوضى، بين الحقيقة والأكاذيب، بين الله والخصم، الذي يوصف بالشيطان وإبليس والشر وأسماء أخرى.

نشأة فكرة دار الكفر  The Rise of the House of Unbelief

في الإسلام إكتسب الصراع بين الخير والشر سريعاً أبعاداً سياسية وعسكرية. محمد (صلى الله عليه وسلم) لم يكن فقط نبي ومعلم، مثل مؤسسي الديانات الأخرى؛ فقد كان أيضاً رئيس نظام الحكم والمجتمع، حاكم وجندي. ومن هنا صراعه شمل الدولة وقواتها المسلحة. وإن كان المقاتلون في الحرب من أجل الإسلام ، الحرب المقدسة “في سبيل الله”، يقاتلون من أجل الله، فينشأ عن ذلك أن خصومهم يقاتلون ضد الله. وبما أن الله في الأساس هو السيد، الرئيس الأعلى للدولة الإسلامية – والنبي وبعده الخلفاء هم وكلاؤه – إذاً فالله كسيد يأمر الجيش. الجيش هو جيش الله والعدو هو عدو الله. واجب جنود الله هو إرسال أعداء الله بأسرع ما يمكن الى المكان الذي سيعاقبهم فيه الله – يعني ما بعد الموت أو الحياة الآخرة.

ما هو وثيق الصلة بوضوح بهذا الموضوع التقسيم الأساسي للبشرية كما يتصوره الإسلام. على الأرجح غالباً فكل المجتمعات البشرية لها طريقتها في تمييز نفسها عن الآخرين: المنتمي الى الداخل والدخيل، المنتمي للمجموعة والخارج عن المجموعة، القريب أو الجار والأجنبي. هذه التعريفات ليس فقط تعرف الغريب الخارجي ولكن أيضاً وربما بشكل أكثر خصوصية، تساعد في تعريف وتوضيح إدراكنا لأنفسنا.

من وجهة النظر الإسلامية الكلاسيكية، التي بدأ كثير من المسلمين في العودة إليها، العالم وكل البشرية ينقسم إلى قسمين: دار الإسلام، حيث تسود العقيدة والشريعة الإسلامية ، وباقي العالم، المعروف بدار الكفر أو دار الحرب، والذي من واجب المسلم النهائي إدخالها في الإسلام. ولكن الجزء الأكبر من العالم مازال خارج الإسلام، وحتى داخل الأراضي الإسلامية نفسها، حسب رأي المسلمين الأصوليين، تقوضت عقيدة الإسلام وأُلغيت الشريعة الإسلامية. ولذلك التقيد بالحرب المقدسة يبدأ في الوطن ويستمر في الخارج ضد نفس العدو الكافر.

مثل كل حضارة أخرى عُرفت في التاريخ البشري، العالم الإسلامي في ذروة مجده رأى نفسه مركز الحقيقة والتنوير، محاط ببرابرة كافرين والذين كان يقوم بدوره المتواصل في تنويرهم وتمدينهم. ولكن بين المجموعات المختلفة للبرابرة كان هناك فروق جوهرية. البرابرة في الشرق والجنوب كانوا مشركين ووثنيين، لا يمثلون تهديداً خطيراً ولا ينافسون الإسلام على الإطلاق. في الشمال والغرب، على العكس عرف المسلمون من تاريخ مبكر منافس حقيقي – دين عالمي منافس، حضارة متميزة ملهمة بهذا الدين، وإمبراطورية بالرغم أنها أصغر من إمبراطوريتهم بكثير إلا أنها لم تكن أقل طموحاً في مطالبها وآمالها. هذا هو الكيان المعروف عند نفسه وعند الآخرين بالعالم المسيحي Christendom، التعبير الذي يتماثل منذ زمن طويل مع أوروبا.

الصراع بين هذين النظامين المتنافسين إستمر 14 قرن. بدأ مع ظهور الإسلام، في القرن السابع الميلادي، واستمر فعلياً إلى يومنا هذا. شمل ذلك سلسلة طويلة من الهجمات والهجمات المضادة، الجهاد والحملات الصليبية، الغزوات وإستعادة ما يُفقد في الغزوات. في الألف سنة الأولى كان الإسلام متقدماً، والعالم المسيحي في تراجع وتحت تهديد. العقيدة الجديدة غزت الأراضي المسيحية في الشام وشمال أفريقيا وإجتاحت أوروبا، وحكمت لبعض الوقت صقلية وأسبانيا والبرتغال وحتى أماكن من فرنسا. محاولة الصليبيين إستعادة الأراضي المفقودة من العالم المسيحي في الشرق  توقفت أو حتى استبعدت، وحتى ما فقده المسلمون في جنوب غرب أوروبا لحملة استعادة الاراضي Reconquista  هناك عُوض باتساع بالتقدم الإسلامي في جنوب شرق أوروبا، الذي وصل مرتين حتى فيينا. ولكن في الثلاثمائة عام الماضية، منذ فشل الحصار التركي الثاني لفيينا عام 1683 م. وصعود الامبراطوريات الأوروبية الإستعمارية في آسيا وأفريقيا، تحول الإسلام إلى الدفاع، والحضارة المسيحية وما بعد المسيحية في أوروبا وبناتها وضعت العالم كله بما فيه العالم الأسلامي في فلكها.

ولكن منذ وقت طويل ظهرت موجة مد وجزر ثورية ضد هذا العلو paramountcy الغربي، ورغبة في إعادة تأكيد القيم الإسلامية وإستعادة العظمة الإسلامية.  ولكن عانى المسلمون من مراحل متتابعة من الهزيمة. الأولى كانت فقدانه لهيمنته على العالم، للقوى المتقدمة لروسيا والغرب. الثانية كانت تقويض سلطاته حتى على بلاده الإسلامية نفسها، من خلال غزو الأفكار الأجنبية والقوانين وطرق الحياة الأجنبية وحتى أحياناً حكام أجانب ومستوطنين، وإعتاق العناصر المحلية الغير مسلمة. المرحلة الثالثة تمثلت – القشة الأخيرة—كانت في تحدي سيادة المسلم حتى داخل بيته، من إعتاق النساء والأطفال المتمردين. كان ذلك فوق طاقة التحمل ، وأصبح إندلاع الغضب ضد الأجانب، الكافرين والقوى المبهمة التي هدمت هيمنته ومزقت مجتمعه، وفي النهاية انتهكت حتى قداسة بيته حتمي. كان أيضاً من الطبيعي أن يوجه غضبه أولاً ضد العدو الألفي وأن يستمد قوته من الاعتقادات والولاءات القديمة.

أوروبا وبناتها؟ قد تبدو الجملة شاذة عند الأمريكيان، الذين حددت أساطيرهم الوطنية منذ بداية وطنيتهم أو حتى قبل ذلك، هويتهم في مقابل أوروبا، كشيء جديد ومختلف جذرياً عن الطرق الأوروبية القديمة. ولكن هذه ليست الطريقة التي يراها الآخرون؛ ولا حتى في أوروبا، ولا في أي مكان.

بالرغم أن شعوب من أعراق مختلفة شاركت في إكتشاف وخلق الأمريكتين ولكن في الغالب رغماً عنهم، إلا أن ذلك استمر مشروعاً أوروبياً حتى في أعين باقي العالم هيمن عليه الأوروبيون وأعطوا فيه لغاتهم ودياناتهم وكثير من طرق حياتهم للامريكتين.

لوقت طويل كانت الهجرة الإختيارية لأمريكا محصورة في الأوروبيين. هناك فعلياً بعض من أتى من الأراضي الإسلامية وشمال أفريقيا، ولكن القليل كانوا مسلمين؛ الغالبية كانوا أعضاء من الأقليات المسيحية وبدرجة أقل اليهودية في تلك البلاد. هجرتهم إلى أمريكا ووجودهم اللاحق فيها، أدى الى تقوية فضلاً عن تقليل الصورة الأوروبية لأمريكا في عيون المسلمين.

في الأراضي الإسلامية القليل كان معروفاً عن أمريكا. في البداية أثارت رحلات الإكتشاف بعض الإهتمام؛ النسخة الوحيدة الموجودة لخريطة كولومبس لأمريكا عبارة عن ترجمة تركية مازالت محفوظة في متحف قصر توبكابي، في إسطانبول. رواية جغرافية تركية من القرن السادس عشر الميلادي عن إكتشاف العالم الجديد بعنوان “تاريخ الهند الغربية” تُعتبر واحد من أوائل الكتب المطبوعة في تركيا. ولكن بعد ذلك يبدو أن الإهتمام تضاءل، ولم يكن هناك كثير مما يُقال حول أمريكا باللغة التركية والعربية أو أي لغة أخرى من لغات المسلمين حتى تاريخ متأخر نسبياً.

سفير مغربي كان في أسبانيا في ذلك الوقت كتب ما كان من المؤكد أول رواية عربية للثورة الأمريكية. سلطان المغرب وقع معاهدة سلام وصداقة مع الولايات المتحدة عام 1787 م.، بعد ذلك كان للجمهورية الجديدة عدد من التعاملات بعضها ودي وبعضها معادي وغالبيتها تجارية مع دول إسلامية أخرى. ولكن هذه العلاقات يبدو أن تأثيرها كان قليلاً على كلا الطرفين. الثورة الأمريكية والجمهورية الأمريكية التي نشأت عنها بقيت لوقت طويل غير ملحوظة وغير معروفة. حتى أن الوجود الأمريكي الصغير في الأراضي الإسلامية في القرن التاسع عشر – التجار، القناصل، المبشرين والمعلمين – لم يثيروا إهتماماً أو أثاروا القليل من الإهتمام، وفي الغالب لم يكن وجودهم مذكوراً لا في صناعة الأدب ولا الصحف في بلاد المسلمين في ذلك العصر.

الحرب العالمية الثانية، صناعة البترول، والتنمية بعد الحرب جلبت الكثير من الأمريكيين إلى الأراضي الإسلامية؛ وعدد متزايد أيضاً من المسلمين ذهب إلى أمريكا، أولاً كطلبة، ثم معلمين أو رجال أعمال أو أنواع أخرى من الزائرين وفي النهاية كمهاجرين. السينما ومؤخراً التليفزيون نقلا طريقة الحياة الأمريكية، أو بأي درجة نسخة ما منها، أمام عدد لا حصر له من الملايين الذين كان اسم أمريكا من قبل لا معنى له أو غير معروف عندهم. تشكيلة واسعة من المنتجات الأمريكية، خاصة في السنوات المباشرة التالية للحرب، عندما إستُبعدت المنافسة الأوروبية فعلياً ولم تكن هناك بعد منافسة يابانية، وصلت إلى أبعد الأسواق في العالم الإسلامي، جاذبة لعملاء جدد، وربما الأهم من ذلك أنها أنشأت أذواق وطموحات جديدة. بالنسبة للبعض مثلت أمريكا الحرية والعدالة والفرصة. وللكثيرين مثلت الثروة والقوة والنجاح، في وقت لم تكن هذه الصفات تُعتبر خطيئة أو جريمة.

ثم جاء التغيير الكبير، عندما عرف زعماء صحوة دينية تنتشر وتزداد إتساعاً اعداءهم بأنهم أعداء الله وسعوا وراءهم وأعطوهم سكناً محلياً وإسماً في “نصف الكرة الغربي”. وفجأة أو هكذا بدا، أصبحت أمريكا العدو اللدود، تجسيد الشر، الغريم الشيطاني لكل ما هو خير، وخاصة للمسلمين والإسلام. لماذا؟

 

بعض الإتهامات المألوفة

بين مكونات حالة معاداة-الغرب وبشكل أكثر خصوصية معاداة-الأمركة، هناك بعض التأثيرات الفكرية الواردة من أوروبا. واحدة منها من ألمانيا، حيث شكلت نظرة سلبية جزءاً من مدرسة فكرية لا تنحصر في النازيين ولكن تشمل كتاباً متنوعين مثل رينيه ماريا ريلكه Rainer Maria Rilke ، إرنست جانغر Ernst Junger، وومارتن هايدجر Martin Heidegger. في هذا التصور، أمريكا هي النموذج الجوهري لحضارة بدون ثقافة: ثرية ومريحة، متقدمة مادياً ولكن بلا روح ومصطنعة؛ مُجمع أو على الأقل مبني وليس نامياً؛ ميكانيكية وليس عضوية؛ معقدة تكنولوجياً ولكنها تفتقر إلى الروحانية والى حيوية الثقافات الوطنية الإنسانية المتجذرة للألمان وغيرهم من الشعوب الأصيلة. الفلسفة الألمانية، وخاصة فلسفة التعليم، كانت تتمتع بشعبية كبيرة بين العرب وبعض المفكرين المسلمين في الثلاثينات وأوائل الأربعينات، وهذه الفلسفة المعادية-للأمركة كانت جزء من الرسالة.

بعد إنهيار الرايخ الثالث والنهاية المؤقتة للتأثير الألماني، حلت محله فلسفة أخرى، أكثر عداءاً لأمريكا – النسخة السوفيتية للماركسية، مع تنديد بالرأسمالية الغربية ولأمريكا أخطر تجسيد أكثر تقديماً لها. وعندما بدأ التأثير السوفييتي في التلاشي، كان هناك تأثير آخر يحل محله، أو على الأقل يكمل عمله – مدرسة العالم الثالث Third Worldism الجديدة الساحرة، تنبعث من أوروبا الغربية، وخاصة من فرنسا، وفيما بعد من الولايات المتحدة أيضاً، وتستمد في أزمنة مختلفة من تلكما الفلسفتين السابقتين. هذه المدرسة الساحرة لاقت مساعدة من النزعة البشرية العالمية لإختراع عصر ذهبي في الماضي، والميل الأوروبي بشكل خاص إلى تحديد مكانه في مكان آخر (غير أوروبا). التنوع الجديد في أسطورة “العصر الذهبي القديم” كان في تحديده في العالم الثالث، حيث فسدت هناك براءة آدم وحواء الغير غربيين بسبب الثعبان الغربي. هذا الرأي إتخذ صلاح وطيبة ونقاء الشرق وخبث وشر الغرب كبديهية، متوسعاً في منحنى أُسي للشر من أوروبا إلى الولايات المتحدة. هذه الأفكار، سقطت أيضاً في أرض خصبة، وإكتسبت دعماً واسعاً.

ولكن بالرغم أن هذه الفلسفات المستوردة ساعدت على توفير تعبير فكري لمعاداة-التغريب anti-Westernism ومعاداة-الأمركة anti-Americanism، إلا أنها لم تتسبب فيه، وبالتأكيد لم تفسر معاداة-التغريب الواسعة الإنتشار التي جعلت الكثيرين في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي متلقين لمثل هذه الأفكار.

من الواضح بالتأكيد أن ما إكتسب التأييد من هذه العقائد المختلفة كلياً لم تكن نظرية العرق النازي، التي لا يمكنها أن تحقق جاذبية كبيرة للعرب، أو الشيوعية السوفيتية الملحدة، التي لا يمكنها أن تحقق جاذبية كبيرة للمسلمين، ولكن ما جعلها رغم ذلك تلقى تأييداً رغم إختلافها هو عدائها المشترك للتغريب. النازية والشيوعية هما القوتان الرئيسيتان المقاومة للغرب، كطريقة حياة وكقوة وسلطة في العالم، وبهذه الصفات يمكنها على الأقل ان تعتمد على عاطفة إن لم يكن دعم هؤلاء الذين رأوا في الغرب عدوهم الأساسي.

ولكن لماذا العداء في المقام الأول؟ لو انتقلنا من العام إلى الخاص، ليس هناك نقصان في السياسات والأفعال المنفردة، المتبعة والمتخذة من الحكومات الغربية المنفردة التي تسببت في إثارة الغضب الإنفعالي لشعوب الشرق الأوسط وغيرها من شعوب إسلامية. ولكن في كثير من الأحيان، عندما تُستبعد تلك السياسات وتُحل هذه المشاكل، لن يكون هناك الا تخفيف مؤقت ومحلي لحدة العداوة. الفرنسيون تركوا الجزائر، شركات البترول البريطانية تركت آبار بترولها، الشاه المتغرب ترك إيران – ولكن الإستياء العام للأصوليين وغيرهم من المتطرفين ضد الغرب وأصدقائه مازال باقياً ومازال يتنامى ولم يهدأ.

السبب المقدم غالباً للشعور المعادي لأمريكا بين المسلمين اليوم هو دعمها لإسرائيل. هذا الدعم بالتأكيد عامل مهم، يتزايد بالقرب والضلوع. ولكن هنا مرة أخرى هناك بعض الغرابة، من الصعب تفسيرها بتقديم سبب واحد بسيط. في الأيام الأولى لإقامة إسرائيل، عندما كانت الولايات المتحدة تحتفظ بمسافة ما، حفظ الإعتراف القانوني الفوري الممنوح من الإتحاد السوفييتي والدعم والأسلحة المرسلة من دولة تابعة له هي تشيكوسلوفاكيا، دولة إسرائيل التي كانت في مرحلة الطفولة من الهزيمة والموت في الأسابيع الأولى لحياتها. ولكن لم تبدو هناك نوايا سيئة كبرى تجاه السوفييت (من جانب العرب) بسبب تلك السياسات، ولا نوايا طيبة تجاه الولايات المتحدة (بسبب احتفاظها بمسافة ما بعيداً عن إسرائيل الوليدة). في عام 1956 م. كانت الولايات المتحدة هي التي تدخلت، بقوة وحسم لتأمين الإنسحاب الإسرائيلي والبريطاني والفرنسي من مصر – ولكن في أواخر الخمسينات وفي الستينات كان السوفييت وليست أمريكا هم الذين توجه إليهم حكام مصر وسوريا والعراق ودول أخرى من أجل الحصول على السلاح؛ كانت الكتلة السوفيتية هي التي أقاموا معها روابط تضامن في الأمم المتحدة وفي العالم كله عامة. في زمن أحدث، حكام حمهورية إيران الإسلامية قدموا أكبر شجب قائم على مباديء ومتصلب لإسرائيل والصهيونية. بالرغم أن هؤلاء الزعماء قبل وبعد موت الخوميني عندما قرروا لأسباب تعود إليهم الدخول في حوار من نوع ما، وجدوا أن الكلام مع القدس (يقصد إسرائيل) أسهل من الكلام مع واشنطن. في نفس الوقت الكثير من  الرهائن الغربيين في لبنان  الذين كانوا مكرسين أنفسهم لقضايا العرب ودخل بعضهم في الإسلام، كان يُنظر إليهم من مخطتفيهم كأعضاء من الشيطان الكبير. تفسير آخر يُسمع عادة كثيراً من المنشقين المسلمين، يعزو الشعور المعادي لأمريكا الى دعم أمريكا لأنظمة الحكم المكروهة، والذي يراه الراديكاليون موقفاً رجعياً منها، ويراه المحافظون موقفاً كافرا، ويراه الطلافان موقفاً فاسداً ومستبداً. هذا الأتهام له بعض المعقولية والقبول، ويمكن أن يساعد في تفسير سبب تحول حركة موجهة داخلياً inner-directed في الأساس، ومعادية للقومية anti-nationalist  عادة لتكون ضد القوة الأجنبية. ولكنه (الاتهام السابق) ليس كافياً خاصة لأن دعم مثل هذه الحكومات محدود سواء في مداه extent وكما إكتشف الشاه في فاعليته effectiveness أيضاً. من الواضح، أن هناك أشياء أعمق ومعقدة غير هذه الشكاوى المحددة (السطحية)، أشياء عديدة ومهمة – أشياء أكثر عمقاً بحيث تحول كل إختلاف إلى مشكلة وتجعل كل مشكلة غير قابلة للحل.

هذا الإشمئزاز ضد أمريكا، وبشكل أعم ضد الغرب، لم ينحصر بأي حال من الأحوال بالعالم الإسلامي؛ ولا المسلمون باستثناء ملالي إيران وتلاميذهم، جربوا وأظهروا أكثر الأشكال خبثاً لهذا الشعور. فحالة التحرر من الوهم والعداء أثرت في أجزاء أخرى من العالم، وبلغت حتى بعض العناصر في الولايات المتحدة. من هذه العناصر الأخيرة التي كانت تعبر عن نفسها وتزعم انها تتكلم من أجل الشعوب المقهورة في العالم الثالث سُمعت أكثر التفسيرات والتبريرات شعبية وإنتشاراً لرفض الحضارة الغربية وقيمها مؤخراً.

الإتهامات مألوفة. نحن في الغرب متهمون بالتحيز الجنسي sexism، العنصرية racism، الإمبريالية imperialism، إضفاء الطابع المؤسسي على السيادة الأبوية والعبودية institutionalized in patriarchy and slavery، الإستبداد والإستغلال  tyranny and exploitation. أمام هذه الإتهامات وغيرها من إتهامات شنيعة، ليس أمامنا خيار إلا الإعتراف بالذنب – ليس بصفتنا أمريكيون، ولا حتى غربيون، ولكن ببساطة كبشر، كأعضاء من الجنس البشري. في ولا واحدة من هذه الخطايا نحن المخطئون الوحيدون، وفي بعضها نحن بعيدون عن أن نكون الأسوأ. معاملة المرأة في العالم الغربي، وبشكل أعم في العالم المسيحي، كانت دائماً غير متساوية، وأحياناً مستبدة، ولكن حتى في أسوأ حالاتها كانت أفضل من الحكم بتعدد الزوجات والتسري (إتخاذ المحظيات أو الإماء) الذي كان نصيب النساء في العالم على هذا الكوكب.

هل العنصرية إذاً هي الشكوى الرئيسية؟ بالتأكيد الكلمة تظهر ببروز في الدعاية الموجهة لأوروبا الغربية والشرقية، وبعض المستمعين في العالم الثالث. وتظهر ببروز أقل فيما هو مكتوب ومعد للنشر للإستهلاك المحلي، وأصبح تعبير معمم لا معنى له بقصد الاهانة والسب – على الأصخ مثل “الفاشية”، التي تُنسب اليوم للخصوم حتى من المتحدثين باسم أحد الأطراف، والدكتاتوريات القومية من مختلف  الألوان، وحتى من المختلفين في ألوان القمصان.

العبودية اليوم مستنكرة على مستوى العالم كجريمة ضد الإنسانية، ولكن في الذاكرة الحية مورست وكان يُدافع عنها بأنها مؤسسة ضرورية، اُقيمت وكانت تُنظم بالقانون الإلهي. خصوصية المؤسسة الخاصة، كما كان الأمريكيون يسمونها من قبل، لا تكمن في وجودها ولكن في إلغائها. الغربيون كانوا أول من كسر الإجماع على قبولها وأول من جعل العبودية عمل خارج عن القانون، في البداية داخل الوطن، ثم في الأراضي الأخرى التي يسيطرون عليها، وفي النهاية في أي مكان في العالم يكونوا قادرين فيه على ممارسة السلطة أو النفوذ – يعني، بوسائل الإمبريالية.

هل هي إذاً الإمبريالية الشكوى؟ بعض القوى الغربية، بمعنى الحضارة الغربية ككل، كانت بالتأكيد مدانة بالإمبريالية، ولكن هل نحن مستعدون للتصديق بالفعل أن في إمتداد اوروبا الغربية كان هناك نوع من الإفتقار الأخلاقي عن مثل تلك التوسعات السابقة البريئة نسبياً مثل توسعات العرب والمغول والعثمانيين أو التوسعات الأكثر حداثة مثل تلك التي جلبت حكام موسكو إلى بحر البلطيق، والبحر الأسود، وبحر قزوين، والهندوكوش والمحيط الهادي؟

في ممارسة التحيز الجنسي، والعنصرية والإمبريالية، الغرب كان ببساطة يتبع الممارسة الشائعة بين الجنس البشري من خلال
آلاف السنين من التاريخ. ولكنها تميزت عن كل تلك الحضارات في أنها إعترفت ووصفت وحاولت ولكن ليس بدون نجاح تماماً معالجة تلك الأمراض التاريخية. وهذا بالتأكيد محل تهنئة وليس إدانة. نحن لا نُحمِّل علم الطب الغربي بشكل عام، أو الدكتور باركينسون والدكتور ألزهايمر خاصة، مسؤولية الأمراض التي شخصوها والتي أعطوها أسماؤهم.

من بين كل هذه الآثام، الأكثر شجباً على نطاق واسع وشدة هي بلا شك الإمبريالية – أحياناً الغربية فقط وأحياناً الشرقية (السوفيتية) والغربية على سواء. ولكن الطريقة التي يُستخدم بها هذا التعبير في الأعمال الأدبية للمسلمين الأصوليين عادة تفترض أنها قد لا تحمل  نفس المعنى تماماً لهم مثل المعنى عند النقاد الغربيين للامبريالية. في كثير من هذه الكتابات التعبير “إمبريالي” يُعطى مدلول ديني متميز، يُستخدم بشكل مصاحب وأحياناً تبادلي لكلمة “مبشر (مسيحي)”، ويشير إلى شكل من أشكال المهاجمة والإعتداء يتضمن الحروب الصليبية والإمبراطوريات الإستعمارية الحديثة. أحياناً  يكون هناك إنطباع بأن جرم الإمبريالية ليس كما هو عند النقاد الغربيين هيمنة شعب فوق شعب آخر ولكن تخصيص الأدوار في هذه العلاقة. ما هو شر حقيقة وغير مقبول هو هيمنة الكافرين على المؤمنين الصادقين. المؤمنون الصادقون يعتبرون أن حكمهم للكافرين شيء طبيعي ومناسب، لأن ذلك يحافظ على الشريعة المقدسة ويمنح الفرصة والحافز للكافرين لإعتناق العقيدة الصحيحة. ولكن عندما يحكم الكافر المؤمن فذلك يكون تجديف وغير طبيعي، لأنه يؤدي إلى فساد الدين والأخلاق في المجتمع، وإلى إهانة أو حتى إلغاء شريعة الله. هذا قد يساعدنا في فهم الإضطرابات الحالية في مثل تلك الأماكن المختلفة مثل إريتريا الأثيوبية، كشمير الهندية، سينكيانج الصينية وكوسوفو اليوغوسلافية، في كل هذه المناطق السكان المسلمون يُحكمون بحكومات غير مسلمة. وقد يفسر لنا أيضاً لماذا يطالب المتحدثون باسم الأقليات المسلمة الجديدة في أوروبا الغربية بدرجة من الحماية القانونية للإسلام لم تعد هذه البلاد تعطيها للمسيحية ولم تعطها أبداً لليهودية. ولا بالطبع منحت هذه الحكومات التي ينتمي إليها المتحدثون باسم المسلمين فيها مثل هذه الحماية لديانات أخرى غير دياناتها. في إدراكهم ليس هناك تناقض في تلك المواقف. العقيدة الصحيحة، المبنية على الوحي النهائي من الله يجب أن تُحمى من الإهانة والإساءة؛ العقائد الأخرى، لكونها زائفة أو غير كاملة، ليس لها الحق في مثل تلك الحماية.

هناك صعوبات أخرى في طريقة القبول بالإمبريالية كتفسير للعداء الإسلامي (للغرب وللامبريالية الغربية)، حتى لو عرفنا الإمبريالية بشكل ضيق وخاص على أنها غزو الغير مسلمين للبلاد الاسلامية والهيمنة عليها. لو كانت الأعمال العدائية موجهة ضد الإمبريالية بهذا المعنى، لماذا كان هذا العداء أشد في عداوته  ضد أوروبا الغربية، التي تخلت عن كل ممتلاكاتها في بلاد المسلمين وتبعيتها لها، عن عداوته ضد روسيا، التي ما تزال تحكم بيد غير خفيفة، عدة ملايين من العناصر المسلمة الكارهة والكثير من المدن والبلدان الإسلامية القديمة ؟ ولماذا تضم الى هذه الامبرياليات الغربية الولايات المتحدة، التي باستثناء فترة وجيزة في الفلبين التي بها منطقة لأقلية مسلمة، لم تحكم أبداً أي شعوب مسلمة؟ الإمبراطورية الأوروبية الأخيرة الباقية التي بها عناصر مسلمة، التي هي الإتحاد السوفييتي، بعيدة عن أن تكون هدفاً للإنتقاد والهجوم، تم إستثنائها بالكامل من الهجوم الإسلامي. حتى أن القمع الأكثر حداثة للثورات الإسلامية في الجمهوريات الإسلامية في جنوب ووسط آسيا من الاتحاد السوفييتي لم يسبب أكثر من كلمات إعتراض خفيف نسبياً، مصحوبة بتنازل عن أي رغبة بالتدخل فيما يُطلق عليه بشكل طريف “الشؤون الداخلية” للإتحاد السوفييتي وطلب بحفظ النظام والهدوء على الجبهة.

سبب لهذا التحفظ المفاجيء نوعاً ما نجده في طبيعة الأحداث في آذربيجان السوفيتية. الإسلام كما هو واضح عنصر هام ومتنامي في الإحساس بالهوية الأذربيجانية، ولكنه ليس عنصراً سائداً حاضراً والحركة الأذربيجانية لديها عوامل مشتركة مع الحركة الوطنية الأوروبية أكثر مما لديها من عوامل مشتركة مع الإسلام الأصولي.  مثل هذه الحركة لا يمكنها إثارة تعاطف حكام الجمهورية الإسلامية. بل من الممكن أن تفزعهم، لأن دولة ديمقراطية حقيقية تُدار بشعب آذربيجان السوفيتي يمكن أن تمارس جاذبية قوية على أقاربهم المباشرين في الجنوب، في آذربيجان الإيرانية.

سبب آخر لهذا النقص النسبي في الإهتمام بخمسين مليون أو أكثر من المسلمين تحت الحكم السوفياتي ربما يكون حسابات المخاطر والمنافع. الاتحاد السوفييتي قريب، على طول الحدود مع تركيا، وإيران وأفغانستان؛ أمريكا وأوروبا الغربية بعيدة. الأكثر  من ذلك، حتى ذلك الوقت لم تكن من عادة السوفييت قمع الشغب بمدافع المياه والرصاص المطاطي، مع حضور الكاميرات التليفزيونية، أو إطلاق سراح المعتقلين بكفالة والسماح لهم بالوصول الى وسائل الإعلام المحلية والعالمية. السوفييت لا يجرون مقابلات مع من ينتقدونهم بقسوة في وقت الذروة، أو يغرونهم بالتعليم وإلقاء المحاضرات وكتابة إلتزامات. على العكس، طرقهم للإشارة الى الإستياء من النقد يمكن أن تكون بغيضة تماماً.

ولكن الخوف من الإنتقام، بالرغم أنه مهم بلا شك، ليس السبب الوحيد أو ربما الرئيسي للمكانة الصغرى نسبياً المخصصة للاتحاد السوفييتي، بالمقارنة مع الغرب، في الشيطنة من الأصولية الإسلامية.  بعد كل شيء، فإن التغيرات الإقتصادية والفكرية والإجتماعية الكبرى التي بدلت غالبية العالم الإسلامي، وأدت إلى تصاعد مثل هذه الشرور الغربية المستنكرة بطريقة شائعة مثل الإستهلاكيةconsumerism  والعلمانية secularism، نشأت من الغرب وليس من الإتحاد السوفييتي. لا أحد يمكنه إتهام السوفييت بالإستهلاكية؛ فماديتهم فلسفية – والأكثر دقة جدلية – ولديها القليل او لا شيء عملياً فيما يتعلق  بتوفير الأشياء الجيدة في الحياة. هذا النص يقدم نوعاً آخر من المادية، يشير إليها خصومها عادة بأنها فجة.  فهي مرتبطة بالرأسمالية الغربية الغربية وليس مع الشيوعية الشرقية، التي مارست أو على الأقل فرضت على عناصرها، درجة من التقشف قد تقنع قديس صوفي.

والسوفييت أيضاً لم يكونوا حتى وقت قريب قابلين للطعن بتهم العلمانية، وهو الاتهام الآخر الكبير من الأصوليين ضد الغرب. بالرغم أنهم ملحدين، إلا أنهم ليسوا بدون إله، وأنشأوا في الواقع جهاز محكم للدولة لفرض عبادة آلهتهم – جهاز له أرثوذكسيته الخاصة، وهيكلية للتعريف بآلهتهم وله محاكم تفتيش مسلحة فرضها لإكتشاف وإستئصال الهرطقة. فصل الدين عن الدولة لا يعني ترسيخ الدولة للا-دين، ولا يزال الأقل من ذلك الفرض القسري للفلسفة المعادية للدين. العلمانية السوفيتية، مثل الإستهلاكية السوفيتية، لا تمتلك إغراء للجماهير المسلمة، وتفقد جاذبيتها التي كانت لها عند المفكرين المسلمين. والأكثر من ذي قبل فإن الرأسمالية الغربية والديمقراطية هما الذان يقدمان بديلاً جذاباً وموثوقاً للطرق التقليدية في التفكير والحياة. زعماء الأصوليين لم يخطئوا عندما رأوا في الحضارة الغربية التحدي الأكبر لطريقة الحياة التي يتمنون الإحتفاظ بها أو إستعادتها لشعوبهم.

A Clash of Civilizations صراع حضارات  

أصول العلمانية في الغرب قد نجدها في حالتين circumstances  — في تعاليم المسيحية الأولى والأكثر من ذلك في التجربة التي أنشأت مؤسستين هما الكنيسة والدولة؛ وفي الصراع المسيحي المتأخر، الذي قاد المؤسستين بعيداً عن بعضهما. المسلمون أيضاً، لديهم إختلافاتهم الدينية، ولكن ليس هناك شيء يقترب من بعيد من شراسة الصراعات المسيحية بين البروتستانت والكاثوليك، التي خربت أوروبا المسيحية في القرنين السادس عشر والسابع عشر وقادت في النهاية المسيحيين بيأس إلى إطلاق عقيدة فصل الدين عن الدولة. فقط بحرمان المؤسسات الدينية من القوة القسرية، تمكن العالم المسيحي من كبح التعصب القاتل والإضطهاد الذي أنزله المسيحيون على أتباع الديانات الأخرى، والأكثر من ذلك على هؤلاء الذين إعتنقوا أشكالاً أخرى من دينهم المسيحية.

المسلمون لم يجربوا مثل هذه الضرورة ولم يطلقوا مثل هذه العقيدة (العلمانية أو فصل المؤسسة الدينية عن مؤسسة الدولة). لم تكن هناك حاجة للعلمانية في الإسلام، وحتى تعدديته كانت مختلفة تماماً عن تعددية الإمبراطورية الرومانية الوثنية، والتي يصفها بحيوية إدوارد غيبون Edward Gibbon  عندما يشير إلى أن “الطرق المختلفة للعبادة، التي سادت العالم الروماني، كانت كلها تتساوى في صحتها عند الشعب؛ وتتساوى في زيفها كلها عند الفلاسفة؛ وتتساوى في عدم نفعها كلها عند الحكام” الإسلام لم يكن معداً أبداً لا نظرياً ولا عملياً لمنح مساواة كاملة للذين يتمسكون بعقائد أخرى ويمارسون أشكالاً مختلفة من العبادة. ولكنه مع ذلك منح المتمسكين بحقائق جزئية درجة من التسامح العملي والنظري يندر أن يكون له ما يوازيه في العالم المسيحي حتى إتخذ الغرب إجراء العلمنة في أواخر القرن السابع عشر وفي القرن الثامن عشر الميلاديين.

في البداية كان رد الفعل الإسلامي على الحضارة الغربية هو الإعجاب والمحاكاة – إحترام ضخم لإنجازات الغرب، ورغبة في محاكاته والإقتباس منه. هذه الرغبة نشأت من وعي متنامي وفطن لضعف وفقر وتخلف العالم الإسلامي بالمقارنة بالعالم الغربي المتقدم. التباين أصبح ظاهراً في البداية في ميدان المعركة ولكن سريعاً ما إنتشر إلى مناطق أخرى من النشاط الإنساني. الكتاب المسلمون راقبوا ووصفوا ثراء وقوة الغرب، وعلومه وتكنولوجيته، ومصانعه وأشكال حكوماته.  لمدة من الزمن رؤي نجاح الغرب كامناً في إنجازين: التقدم الإقتصادي وخاصة في الصناعة؛ والمؤسسات السياسية وخاصةالحرية. عدة أجيال من المصلحين والمحدثين حاولوا تكييف هذه الإنجازات وتقديمها لبلادهم، على أمل أنهم بذلك سيكونوا قادرين على تحقيق المساواة مع الغرب وربما إستعادة تفوق بلادهم المفقود.

في زماننا هذه الحالة من الإعجاب والمحاكاة أفسحت المجال بين الكثير من المسلمين لحالة من العداء والرفض. فمن جانب هذه الحالة ناتجة بالتأكيد من إحساس بالمهانة – وعي متنامي، بين ورثة حضارة قديمة شامخة سادت العالم لمدة طويلة، بأنها سُحقت وقُهرت وتم تخطيها من هؤلاء الذين كانوا يعتبروهم أدنى منهم. ومن جانب آخر فإن هذه الحالة ناتجة من أحداث في العالم الغربي نفسه. أحد العوامل ذات الأهمية الكبرى كانت بالتأكيد تأثير حربين إنتحاريتين كبيرتين، مزقت فيهما الحضارة الغربية نفسها، وجلبت دماراً لا يوصف لنفسها ولغيرها من الشعوب، وأدار فيهما المحاربون جهود دعائية هائلة في العالم الإسلامي وغيره من الأماكن لتشويه وتقويض كل منهم للآخر. الرسالة التي نقلوها وجدت الكثير من المستمعين، الذين كانوا على الأكثر جاهزين للرد بأن تجربتهم للطرق الغربية لم تكن سعيدة.  تقديم الوسائل التجارية والمالية والصناعية الغربية جلب بالفعل الكثير من الثراء، ولكنه كان من نصيب الغربيين المزروعين في المجتمعات الإسلامية ولأعضاء الأقليات المتغربة ولعدد قليل فقط من عموم الشعب المسلم. في أوقات هذا العدد القليل تزايد، ولكنه بقي معزولاً عن الجماهير، مختلفاً عنهم حتى في ملبسهم ونمط حياتهم. وبشكل محتم أصبحوا يُنظر إليهم كعملاء ومعاونين لمن أصبح مرة أخرى يُعتبر عالم معادي. حتى المؤسسات السياسية التي أتت من الغرب شوهت، لم يجري الحكم عليها بنسخها الغربية الأصلية ولكن بنسخها المحاكاة المحلية، المقامة بمعرفة مصلحين مسلمين متحمسين. هذه المؤسسات التي كانت تعمل في وضع خارج سيطرتها، مستخدمة وسائل مستوردة وغير مناسبة لم تتمكن من فهمها تماماً كانت عاجزة عن مواكبة الأزمات المتنامية سريعاً وتم الإطاحة بها واحدة واحدة. بالنسبة لعدد كبير من الشرق أوسطيين، الوسائل الإقتصادية ذات النمط الغربي جلبت الفقر، والمؤسسات السياسية ذات النمط الغربي جلبت الإستبداد، وحتى الوسائل الحربية ذات النمط الغربي جلبت الهزيمة. من المدهش بشدة أن الكثيرون كانوا راغبين في الإستماع الى أصوات تقول لهم أن الطرق الإسلامية القديمة كانت أفضل وأن خلاصهم الوحيد كان بالإطاحة ببدع الوثنيين التي جاء بها المصلحون والعودة إلى الطريق الصحيح الذي وصفه الله لشعبه.

في الأساس، صراع الأصوليين هو ضد عدوين، العلمانية والحداثة. الحرب ضد العلمانية واعية وصريحة، وهناك الآن أعمال أدبية كاملة تستنكر العلمانية كشر للقوة الوثنية الجديدة في العالم المعاصر وتنسبها لليهود والغرب والولايات المتحدة. الحرب ضد الحداثة في غالبيتها ليست واعية ولا صريحة، وهي موجهة ضد عملية التغيير التي تجري في العالم الإسلامي منذ القرن التاسع عشر برمتها وحولت البنى السياسية والإقتصادية والإجتماعية وحتى الثقافية في البلاد الإسلامية. الإسلام الأصولي أعطى هدفاً وشكلاً لسخط وغضب الجماهير الإسلامية والذي لم يكن له لا هدف ولا شكل بدونه من القوى التي حطت من قيمة قيمهم التقليدية وولاءاتهم  وفي التحليل النهائي، سلبت منهم عقائدهم وطموحاتهم وكرامتهم وبدرجة متزايدة حتى معيشتهم وأرزاقهم.

هناك شيء في الثقافة الدينية للإسلام ألهمت حتى في الفلاح المتواضع أو البائع المتجول البسيط، إحتراماً وتهذيباً تجاه الآخرين لا يوجد ما يتفوق عليه ونادراً حتى ما نجد ما يساويه في الحضارات الأخرى. ولكن في أوقات الثورات والإضطرابات، عندما تُثار الإنفعالات العميقة، هذا الإحترام والتهذيب تجاه الآخرين يمكن أن يفسح المجال لخليط متفجر من الغضب والكراهية يدفع حتى حكومة بلد قديم ومتحضر – حتى المتحدث باسم دين عرقي وروحي كبير—لتبني الخطف والإغتيال، ومحاولة إيجاد إجازة وسابقة لمثل تلك الأفعال في حياة نبيهم (سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم).

غريزة الجماهير ليست كاذبة في تحديد المنبع الأساسي  لهذه التغييرات الجائحة في الغرب ونسبة تمزيق طريقة حياتهم القديمة لتأثير الهيمنة الغربية، والنفوذ الغربي، أو المباديء والنموذج الغربيين. وبما أن الولايات المتحدة هي الوريث الشرعي للحضارة الأوروبية وزعيمة العالم الغربي المعترف بها بدون أي تحدي (من طرف غربي آخر)، فقد ورثت الولايات المتحدة المظالم الناتجة وأصبحت بؤرة الكراهية والغضب المكبوتين. نموذجان قد يكونا كافيين. في نوفمبر 1979 م. هاجم حشد غاضب السفارة الأمريكية في إسلام آباد بباكستان وحرقها. السبب المذكور لغضب الحشد كان إستيلاء مجموعة من المنشقين المسلمين على الجامع الكبير في مكة – الحدث الذي لم يكن لأمريكا أي علاقة به من أي نوع.  تقريباً بعد ذلك بعشرة سنوات، في فبراير 1989 م.، وفي إسلام آباد مرة أخرى،  هوجم مكتب الهجرة الأمريكي USIS  من حشود غاضبة، هذه المرة للإحتجاج على نشر كتاب سلمان رشدي “آيات شيطانية”. رشدي مواطن بريطاني هندي المولد، ونُشر كتابه قبل هذه التظاهرات بخمسة أشهر. ولكن ما أثار غضب الحشود، وتسبب في الفتوى اللاحقة من آية الله خميني بقتل المؤلف، كان نشر الكتاب في الولايات المتحدة.

الآن يجب أن يكون واضحاً أننا نواجه حالة وحركة تتجاوز ببعيد مستوى المواضيع والسياسات والحكومات التي تتابعها. هذه ليست أقل من صدام للحضارات – ربما رد الفعل التاريخي الغير عقلاني من منافس قديم ضد ميراثنا اليهودي-مسيحي  Judeo-Christian heritage، ضد حاضرنا العلماني، والإنتشار على مستوى العالمي لكليهما (الميراث يهودي-مسيحي والحاضر العلماني) من المهم بشكل حاسم أننا من جانبنا لا يجب أن نُستفز إلى رد فعل تاريخي مساو وأيضاً متساو في غير عقلانيته مع هذا الخصم.

ليست كل الأفكار المستوردة من الغرب بمعرفة دخلاء غربيين أو مواطنين متغربين تم رفضها. بعضها قُبلت حتى من غالبية الأصوليين الإسلاميين الراديكاليين، عادة بدون الإعتراف بالمصدر، وعانت من تغيير كبير الى شيء ثراؤه نادر ولكن غريب عادة. من هذه الأفكار الحرية السياسية، مع المفاهيم والممارسات المصاحبة لها، من تمثيل، أنتخابات، وحكومة دستورية. حتى الجمهورية الإسلامية الإيرانية لديها دستور مكتوب ومجلس منتخب، إضافة الى نوع من الأسقفية، لا شيء من ذلك موصوف في التعاليم الإسلامية ولا له سابقة في الماضي الإسلامي. كل هذه المؤسسات مأخوذة من النماذج الغربية. الدول الإسلامية إحتفظت أيضاً بالكثير من العادات الثقافية والإجتماعية الغربية والرموز التي تعبر عنها، مثل شكل وأسلوب الملابس الرجالية (والى حد أقل درجة النسائية)، خاصة في الزي العسكري. استخدام الأسلحة النارية والدبابات والطائرات التي إخترعها الغرب هو ضرورة عسكرية، ولكن الإستخدام المستمر للرداء وغطاء الرأس هو إختيار ثقافي. من الدساتير إلى الكوكاكولا، من الدبابات الى التليفزيون والتي-شيرت، لم يتم فقط الإحتفاظ بالرموز والبدع ومن خلالهما بالأفكار الغربية – ولكن تعزيزها أيضاً – بالإعجاب بها والإنجذاب إليها.

الحركة المسماة أصولية فيي أيامنا هذه ليست هي التقليد الإسلامي الوحيد. هناك تقاليد أخرى، أكثر تسامحاً، أكثر إنفتاحاً، ساعدت على إستلهام الإنجازات الكبرى للحضارة الإسلامية في الماضي، ونحن نتمنى أن تلك التقاليد الأخرى ستسود مع الزمن. ولكن قبل حسم هذا الموضوع سيكون هناك صراع عسير، نحن الغرب لا يمكننا إلا ان نفعل فيه القليل أو لا نفعل شيء. حتى مجرد المحاولة قد تؤذي، لأن تلك المواضيع يجب أن يقررها المسلمون بينهم وبين أنفسهم. في أثناء ذلك يجب أن نحذر حذر كبير من خطر حقبة جديدة من الحروب الدينية، التي تولد من تصعيد الإختلافات وإحياء التعصب والتحامل القديم.

يجب أن نكافح لتحقيق هذه الغاية النهائية، لتحقيق إدراك أفضل للثقافات الدينية والسياسية الأخرى، من خلال دراسة تاريخهم، وآدابهم، وإنجازاتهم. في نفس الوقت، نأمل أن يحاولوا تحقيق فهم أفضل لثقافاتنا، وخاصة أن يفهموا ويحترموا إدراكنا الغربي للعلاقة الصحيحة بين الدين والسياسة، حتى وإن إختاروا عدم تبنيها وإتخاذها لأنفسهم. لوصف هذا الإدراك يحب أن أنهي بما بدأت، بالإستشهاد برئيس أمريكي، هذه المرة ليس بتوماس جيفرسون Thomas Jefferson  الذي يُحتقل به باستحقاق ولكن الرئيس المُهمل بدون حق جون تايلر John Tyler، الذي أعطى في رسالة بتاريخ 10 يوليو 1843 م. تعبيراً بليغاً ونبوئياً لمبدأ الحرية الدينية:

“الولايات المتحدة غامرت بتجربة عظيمة ونبيلة، يُعتقد أنها مجازفة في غياب أي حادثة سابقة – وهي الفصل الكامل بين الكنيسة والدولة. ليس هناك مؤسسة دينية بالقانون متواجدة بيننا. الضمير مترك متحرراً من كل قيد وكل فرد مسموح له بعبادة خالقه حسب تقديره هو. مكاتب الحكومة مفتوحة على سواء للجميع. لا عشور تُجمع لدعم أي هيكيلية مؤسسة، ولا الحكم البشري الغير معصوم مقام كأنه عقيدة الإيمان المعصومة.

المحمدي إن أراد أن يأتي بيننا سيكون له الإمتياز الممنوح له من الدستور للعبادة حسب القرآن؛ والهندي الشرقي يمكنه نصب مزار لبراهما إن كان ذلك يرضيه.  هذه هي روح التسامح المغروسة بدساتيرنا السياسية.. العبري المضطهد والمُداس عليه في الأقاليم الأخرى يقيم مسكنه بيننا ولا أحد يخيفه… ومتوفر له رعاية الحكومة للدفاع عنه وحمايته. هذه هي التجربة العظيمة التي جربناها، وهذه هي الثمار السعيدة التي نتجت عنها؛ نظام حكومتنا الحرة سيكون ناقصاً بدون ذلك.

الجسد قد يكون مضطهداً أو مقيداً ولكن يعيش؛ ولكن إن قُيد عقل الإنسان، فإن طاقاته وقدراته تضمر، وما يبقى من الأرض، أرضي. الذهن يجب أن يكون حراً مثل النور ومثل الهواء.”

#المنظومة_الشيطانية

#ديناميكية_النخب_السياسية

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s