الحلقة الاولى : ليو ستراوس

شتراوس والشتراوسيون والحركة المحافظة الجديدة

ملخص الحلقة

هذه الحلقة تحتوي على الكثير من النقاط الهامة التي يحتاج تناول كل منها الى حلقات ولكني سأحاول تلخيصها في هذه المقدمة ثم سأعلق عليها في نهاية الحلقة:

الوهم الواهب للحياة بدلاً من الحقيقة المميتة

نهاية التاريخ ونهاية الفلسفة او نهاية الأيديولوجيا (الغربية)

التعاليم الظاهرية (الجماهيرية) والتعاليم الباطنية (السرية)

الباطنية الكلاسيكية هي الوسط المناسب للتعلم الفلسفي (وممارسة السياسة)

التواصل الباطني: من الضروري نقل الرسائل بطريقة ملتوية

الأكاذيب النبيلة والكبيرة يقوم عليها أو يسقط سلطان القلة على الكثيرين. الشتراوسيون يجيزون استخدام الأكاذيب النبيلة : الأساطير المستخدمة من القادة السياسيين الساعين الى الحفاظ على تماسك المجتمع (الأمن الوطني National Security)

يجب الاهتمام أكثر بالتفوق الإنساني وليس الحرية (إلى أي مدى يمكن ان تتعايش الحرية مع التفوق الانساني)

الانسان بطبيعته شرير ولذلك فهو في حاجة الى أن يكون له سيادة وسلطان والسلطان لا يمكن إقامته إلا بتوحيد ناس ضد ناس آخرين

الليبرالية تؤدي الى نوعين من العدمية: العدمية الأولى متوحشة (النازية والماركسية) والعدمية الثانية رقيقة (الديمقراطيات الليبرالية الغربية)

الحكومة العالمية المستبدة والأنظمة الشمولية والشمولية المتخفية تحت الديمقراطية

تبني فائدة المُعتقد الديني – الدين ليس حقيقة ولكنه أداة نافعة عملياً

المواطنون في حاجة الى الخداع من الطبقة الحاكمة لأنهم في حاجة الى من يقودهم وفي حاجة الى حُكام أقوياء يخبروهم بما فيه خير لهم

احترام التقاليد يقوض العقل والعولمة

اليمين يستخدم كليشيهات كان يستخدمها اليسار، والحركة المحافظة الجديدة تستخدم عقائد يستخدمها المسيحيون المتطرفون والمسلمون الأصوليون

الشتراوسيون والحركة المحافظة الجديدة تستخدم نسخة هجومية عدائية من الوطنية (احيانً يكون العداء موجه خارج الوطن وأحياناً داخله مثل الحالة في سوريا ومصر) برسالة لا دينية ولكن مشيحانية (مشيحانية يُقصد بها ان حركتهم ومشيئتهم وافعالهم وانتصارهم مٌقدر ومحتوم مثل ظهور المهدي المنتظر في آخر الزمان وانتصار الشيعة انتصار نهائي دائم او ظهور المسيح عند اليهود والمسيحيين وانتصارهم ايضاً انتصار نهائي ودائم مع اهلاك وإبادة المخالفين)

اليسار عبارة عن خليط من الدعاة الى والمدافعين عن حقوق العمال ومساواة المرأة والشعبويين ودعاة العولمة والمعادين للعولمة (خليط غير متجانس معظم طلباته مثالية لا يمكن تحقيقها ولكنها أدوات جيدة يستخدمها اليمين من الحركة المحافظة الجديدة للسيطرة على الجماهير). ولكن اليساريون الدوغمائيون ليس لهم قوة الآن للإضرار بالتنوير الذي يحتقرونه ولا يمكنهم فعل شيء لأمريكا ولا للغرب (ولكن الحركة المحافظة الجديدة وامريكا والغرب يمكنهم استخدامهم وتوظيفهم لخدمة مصالحهم كما رأينا في انقلاب العسكر في مصر من إستخدام الشيوعيين وحمدين صباحي وانصاره)

الشيوعية والفاشية والفرودية طريقاً جديداً للنخب المثقفة الذين تحرروا من وهم الوطنية بنفس الطريقة التي تحرر بها أجدادهم من وهم الكهنة والملوك

الأنظمة العقائدية المقدمة في النصف الأول من القرن العشرين تطالب بولاء كلي كامل وتبرر بروز وصعود أوليغارشيات إلزامية مُصرح لها أن تفسر الحقائق وتفرضها وترفض الخضوع للمساءلة ، وتفرض قادة عظام غير مُعرضين للمساءلة لا شيء صحيح غير مشيئتهم وتنظر الى المخالفين على أنهم أعداء يجب إبادتهم. نفس هذه السمات تنطبق على الشتراوسيين والحركة المحافظة الجديدة

الحركة المحافظة جمعت بين رجال أعمال براغماتيين وليبرتاريين وباتريسيين (النخب الحكومية) وديسكراتيين ودعاة الى الانعزالية. يجمعهم الولاء الى قيم تاريخية تتضمن ارتياب شديد في التغيير

الحركة المحافظة الجديدة تجمع بين فرق مختلفة فيما بينها ولكنها تتفق على الاشتعال باستياء شديد من الأعداء الثقافيين وتمكنت من السيطرة على الفروع الثلاثة للحكومة (التنفيذي والتشريعي والقضاء) بالإضافة الى الاعلام والمراكز الفكرية والجامعات وغيرها من مؤسسات واعضاؤها على اختلافهم يؤمنون بأنفسهم وبفضائلهم وتميزهم ويثقون بأن النهاية المُقدرة الحتمية لصالحهم. المحافظون الجدد او الافلاطونيون الجدد، يدفعون المجتمع الى وطنية علمانية مثالية شرسة ونسخة عدائية من السلام الأمريكي Pax Americana تقوم على تبعية مخلصة معلنة وصريحة من كل العالم للحضارة الغربية (الأمركة). الافلاطونيون الجدد يؤمنون بتبعية مخلصة لنظام أعلى من المعتقدات المنظمة جيداً تفضل براغماتية علمانية حازمة (علمانية مقدسة) بدلاً من التقسيم الثنائي للعالم الى مجالين (علماني ومقدس مثل المسيحية القديمة) او تقديس القيم الإلهية كما في الإسلام. الوطنية والعلمانية والعولمة الامريكية تحولت الى عقيدة الزامية يجب ان يؤمن بها العالم بدرجات متفاوتة. فالوطنية والعولمة يتعارضان ولكن الوطنية بمفهوم المحافظين الجدد مفروضة بدرجات ومعاني مختلفة فبينما في أمريكا والغرب الوطنية تفرض على الشعوب الايمان بفرض العولمة على الشعوب الأخرى، فالشعوب الأخرى مطالبة بالإيمان بوطنية تفرض عليها قبول العولمة الأمريكية الغربية. في نفس الوقت الايمان بالوطنية يجب تجاوزه عند تعارضه مع المصالح الغربية العامة مثل حالة الدول الأوروبية التي تفرض المصلحة الامريكية الغربية العامة على شعوبها الاتحاد في اطار أوروبي أكبر من أوطانها. بينما في نفس الوقت فكرة الاتحاد في إطار اكبر محرمة تماماً على الشعوب العربية والإسلامية والتي يُفرض عليها التمسك ليس فقط بالوطنية ولكن التفتت الى قوميات وقبائل والتحارب فيما بينهم. كما انهم يروجون لمعارضة عدائية لأساليب الثقافة الغير غربية خارج الولايات المتحدة (خاصة ضد الاسلام) من السمات المهمة للحركة المحافظة الجديدة ان اطماعهم لا يمكن إشباعها فكلما سلمت لهم الشعوب طالبوها بالمزيد وكلما نالوا سلطة زادت اطماعهم في المزيد من السلطات. ولكن السمة التي لا يمكن انكارها هي فاعليتهم الجمعية ومهاراتهم العالية التي مكنتهم من السيطرة على العالم داخل بلادهم وخارجها.

من بين المحافظين الجدد من يعجل بآخر الزمان. بتدمير الأرض الزمنية لاستبدالها بمملكة السماء وهم يتشابهون في ذلك مع الشيعة. ومن بينهم من يتمسك بقيم التنوير وأن الديمقراطية ستصنع عالم علماني أغنى وأفضل وأكثر حكمة يفتح إمكانيات أمام جنس بشري مُحسن ويؤمنون بدور السلام الأمريكي Pax Americana في مساعدة البشرية على تحقيق أهداف عليا الى ما لا نهاية في عالم زمني أوسع ومستمر (الديمقراطية هنا غطاء لنظام شمولي غربي مستتر) لا يجب ان نتعجب من هذا التناقض فهو في الحقيقة ليس تناقض ولكن فدرة كبيرة للافلاطونيين او المحافظين الجدد على عقلنة وتبرير أي شيء والنفاق والتستر والتخفي والخداع وراء شعارات وتوجهات تبدو ظاهرياً انها متعارضة او تتعارض مع أهدافهم النهائية.

الشتراوسيون يحتقرون العوام ويستخدمون الأكاذيب النبيلة أو الأعذار المُسوغة لترسيخ مكانتهم وإحكام قبضتهم ويستخدمون اللغة الرؤيوية Apocalyptic language

الغرب في خطر كبير من رومانسيين آخرين يتبعون سيد قطب والوهابيين على أمل تحفيز مليار مسلم على الجهاد ضد الغرب (نفس الزعم الذي يردده السيسي في مصر وسأرد عليه في آخر الحلقة)

جورج أورويل وصف عالم مستقبلي مُقسم الى مناطق معادية كل منها تهيمن عليها أوليغارشية دوغمائية متحررة من التعرض للمساءلة، تُبقي وطنها في حرب دائمة عقيمة بحيث تظل البروليتاريا مُضللة عن عدوها الحقيقي الذي هو الأوليغارشية نفسها. هذا ما يفعله المحافظون الجدد ضد الليبرالية والعالم الإسلامي. وهذا ما تفعله الأنظمة العميلة للغرب في سوريا وفي مصر مع شعوبها ايضاً.

ديفيد براين يزعم أن المحافظون الجدد والمسلمون الأصوليون يجمع بينهم احتقار لاذع للميراث الليبرالي والهيوماني البراغماتي القابل للتعرض للمساءلة والمتسامح مع الغير وانهم يشتركون معهم في المطالبة بولاء كلي وكامل وتبرير صعود طبقة أوليغارشية إلزامية مُصرح لها وحدها بتفسير الحقيقة وفرضها ولا تقبل المساءلة وتعتبر المخالفين لها أعداء يستحقون الإبادة. (سأرد على هذه المزاعم في آخر الحلقة)

ديفيد براين يرى حل المشكلة الغربية في أيدي الليبراليين والهيومانيين الذين جعلوا قيم التنوير عقيدة، نوع آخر من الدوغمائية أيضاًز ويقول أن الحرب الثقافية الحقيقية بين الرعب والثقة، الرعب الذي يدعو الى استعباد العقول لعقائد ساذجة والثقة المتمثلة في الذين يعرفون أن الأحرار المتحررين (من أوهام العقائد) يمكنهم المجادلة والتعلم من بعضهم.

في النهاية يقول ديفيد براين كل العقائد مصائد وضيعة، باستثناء عقيدة التنوير (سأرد على هذا الزعم في آخر الحلقة)

موضوع الحلقة

leo-strauss
ليو شتراوس

ليو شتراوس (1899 – 1973م) فيلسوف سياسي الماني امريكي يهودي كلاسيكي تخصص في الفلسفة السياسية الكلاسيكية. كان استاذاً للعلوم السياسية في جامعة شيكاغو ونشر 15 كتاب[1]. في البداية تدرب على التقليد الكانتي الجديد[2] مع ارنست كاسيري[3] وغاص في عمل الفينومينولوجيين ادموند هاسرل[4] ومارتن هايدغر[5]، ولكنه فيما بعد ركز بحثه على النصوص اليونانية لافلاطون وارسطو، مستعيداً ترجمتها عبر الفلسفة الإسلامية واليهودية القر وسطية ومشجعاً على تطبيق هذه الأفكار في النظرية السياسية المعاصرة.[6]

نال الدكتوراه من جامعة هامبورغ عام 1921م وانضم لتنظيم يهودي وعمل في الحركة الصهيونية الألمانية، التي قدمته لمفكرين يهود المان مثل نوربرت الياس Norbert Elias، وليو لوينثال Leo Löwenthal، وحنا ارندت Hannah Arendt وولتر بنيامين Walter Benjamin. جاكوب كلاين Jacob Klein  كان الصديق المقرب لشتراوس ولكنه كان مرتبط فكرياً ايضاً بكارل لويث Karl Löwith، ويوليوس غاتمان Julius Guttman، وهانز-جورج غادامير Hans-Georg Gadamer، وفرانز روزنزويغ Franz Rosenzweig  الذي اهدي اليه شتراوس كتابه الأول، وغيرشوم شوليمGershom Scholem والكسندر التمان Alexander Altmann والمستعرب بول كراوس Paul Kraus، الذي تزوج بتينا شقيقة شتراوس (شتراوس وزوجته فيما بعد تبنيا طفلتهما عندما ماتا في الشرق الاوسط).

بعد تلقيه زمالة روكفلر عام 1932م ترك منصبه في اكاديمية الأبحاث اليهودية في برلين وتوجه الى باريس. في باريس تزوج من ماري برنسون وتبنى ابنها توماس وجيني ابنة شقيقته فيما بعد. توجه الى إنجلترا عام 1935م وعمل في وظيفة مؤقتة في جامعة كامبريدج.

انتقل شتراوس الى الولايات المتحدة عام 1937م تحت رعاية هارولد لاسكي Harold Laski. اصبح مواطناً امريكياً عام 1944م، واصبح عام 1949م استاذاً للعلوم السياسية في جامعة شيكاغو.

فلسفته

بالنسبة لشتراوس الفلسفة والسياسة متشابكين بالضرورة. في كتابه الحق الطبيعي والتاريخ يبدأ شتراوس بنقد نظرية المعرفة epistemology لماكس ويبر Max Weber،  ويتناول نسبويةrelativism  مارتن هايدغر باختصارMartin Heidegger، ويستمر بمناقشة لتطور الحقوق الطبيعية natural rights من خلال تحليل لتوماس هوبز Thomas Hobbes وجون لوك John Locke. ويختتم بانتقاد جون جاك روسو Jean-Jacques Rousseau  وادموند بورك Edmund Burke. في قلب الكتاب نجد مقتطفات من افلاطونPlato، وارسطوAristotle وسيسيروCicero. كثير من فلسفته هي رد فعل لأعمال هايدغر. يقول شتراوس انه يجب فهم ومواجهة فكر هايدغر قبل التمكن من عمل أي صياغة كاملة لنظرية السياسة المعاصرة، وهذا يستوجب على الفكر السياسي ان يشتبك بمواضيع الأنطولوجيا وتاريخ الميتافيزيقيات.

friedrich-nietzsche
فريدريك نيتشة

يقول شتراوس ان فريدريك نيتشة Friedrich Nietzsche كان اول فيلسوف يفهم بشكل صحيح التاريخانية historicism، وهي فكرة ترتكز على قبول عام لفلسفة التاريخ philosophy of history الهيغلية[7].

في نظر شتراوس، هايدغر عقم وسيس نيتشة، فبينما اعتقد نيتشة بأن مبادئنا، بما في ذلك الايمان بالتقدم ستصبح غير مقنعة و غريبة مثلما اثبتت كل المبادئ السابقة والمخرج الوحيد يبدو … ان يختار الفرد طوعاً الوهم الواهب للحياة بدلاً من الحقيقة المميتة، هذا المخرج يبتدع اسطورة.[8] يعتقد هايدغر أن عدمية nihilism  نيتشة المأساوية كانت اسطورة موجهة بمفهوم غربي معيب للوجود Being  يرجعه هايدغر الى افلاطون.

يقول شتراوس ان هيجل كان محقاً عندما افترض ان نهاية التاريخ تتضمن نهاية للفلسفة كما هي مفهومة في الفلسفة السياسية الكلاسيكية.[9]

دراسة شتراوس للفلسفة والخطاب السياسي نشأت من الحضارة الإسلامية، خاصة من الفارابي Al-Farabiوموسى بن ميمون كان له دور أساسي في نظريته للقراءة.

في أواخر ثلاثينات القرن العشرين دعا شتراوس لأول مرة الى إعادة التفكير في التمييز بيم التعاليم الظاهرية (الجماهيرية) والباطنية (أو السرية).[10]في عام 1952م نشر كتاب الاضطهاد وفن الكتابة Persecution and the Art of Writing، زاعماً أن الكتاب المهمين يكتبون باطنياً، يعني بمعاني متعددة او متعددة الطبقات multiple or layered meanings ، غالباً متخفية بالسخرية او إشارات متناقضة ظاهرياً  paradox او غامضة  obscure ، او حتى بتناقض ذاتي متعمدdeliberate self-contradiction. الكتابة الباطنية تنفع في خدمة العديد من الغايات: حماية الفيلسوف من عقاب نظام الحكم، وحماية نظام الحكم من صدأ الفلسفة؛ كما انها تجذب النوع الصحيح من القراء وتطرد النوع الخطأ؛ كما أن التحري عن الرسالة الداخلية في حد ذاته تمرين للتفكير الفلسفي.[11]

بأخذ اتجاهاته من دراسته لموسى بن ميمون والفارابي، ومتوجهاً الى الوراء أكثر إلى حوار افلاطون الموجود في حوار فيدروس Phaedrus، طرح شتراوس فكرة ان فن الكتابة الباطنية الكلاسيكي والقر وسطي هو الوسط المناسب للتعليم الفلسفي: بدلاً من عرض أفكار الفلاسفة سطحياً، النصوص الفلسفية الكلاسيكية والقر وسطية توجه قراءها في التفكير والتعلم بشكل مستقل عن المعرفة المنقولة.

حجة شتراوس العامة الخاصة بالتأويل – المكررة في كل كتاباته اللاحقة (وخاصة في كتاب المدينة والانسان عام 1978م)- هي ان قبل القرن التاسع عشر، الباحثون الغربيون فهموا بشكل شائع ان الكتابة الفلسفية ليست موجودة في أي كيان سياسي، مهما كان متحرراً. بقدر ما تبحث الفلسفة عن الحكمة التقليدية وجذورها، فيجب ان تحمي نفسها خاصة من القراء الذين يظنون أنفسهم لهم حق في التسلط، وحكماء ومدافعون ليبراليون عن الوضع القائم. في البحث في الآراء القائمة او في المبادئ الأخلاقية، وجد الفلاسفة القدماء انه من الضروري نقل رسائلهم بطريقة ملتوية. فن كتابتهم كان فن التواصل الباطني. هذا واضح بشكل خاص في القرون الوسطى، عندما كتب المفكرون السياسيون المبتدعون تحت تهديد محاكم التفتيش او المحاكم المتحجرة نسبياً.

شتراوس متبعاً افرايم ليسينغ[12]، أشار الى أن الفلاسفة السياسيين القر وسطيين، كانوا مثل نظرائهم القدماء  يؤقلمون كلماتهم بعناية مع الآراء الأخلاقية السائدة في أزمنتهم، لئلا تُتهم كتاباتهم بالهرطقة أو بالجور ليس من الكثيرين الذين لا يقرؤون ، ولكن من تلك القلة التي يعتبرها الكثيرون مستقيمين حراسا للفضيلة. هذه الشخصيات المستقيمة تحديداً هي التي كانت تميل في الغالب الى اضطهاد/نبذ أي فرد يسعى الى فضح الكذبة النبيلة أو الكبيرة التي يقوم عليها أو يسقط سلطان القلة على الكثيرين.[13]

يقول شتراوس أن الجزء الظاهري من النص عبارة عن قصة للتغطية والجزء الباطني من النص هو الجزء الحقيقي. بهذه الطريقة ما أطلق عليه افلاطون “الكذبة النبيلة” يعطي بعداً عن الحقائق الغير محبوبة شعبياً في النص الباطني لتكون مقصورة على فئة معينة.

شتراوس في السياسة

max-weber
ماكس ويبر

حسب قول شتراوس، العلوم الاجتماعية الحديثة متصدعة لأنها تأخذ بالتمييز بين الحقيقة والقيمة fact-value distinction، وهو مفهوم يجده شتراوس ملتبساً. ويرجع جذوره في فلسفة التنوير الى ماكس ويبر Max Weber. ويبر أراد ان يفصل القيمة عن العلم ولكنه كان في نظر شتراوس مفكراً ثانوياً متأثراً بعمق بنسبية relativism نيتشة Nietzsche.[14] شتراوس تعامل مع السياسة على أنها شيء لا يمكن دراسته عن بعد. العالم السياسي الذي يعاين السياسة بعين علمية خالية من القيمة  value-free scientific eye، بالنسبة لشتراوس موهوم. الفلسفة الوضعية Positivism، المتوارثة من كل من أوغست كومت Auguste Comte وماكس ويبر في سعيهما لعمل أحكام مزعومة خالية من القيمة  value-free judgments ، فشلت في تبرير وجودها، وهو ما يتطلب حكم له قيمة value judgment.[15]

august-comte
أوغست كومت

وبينما شددت الليبرالية الحديثة modern liberalism على عملها من أجل الحرية الفردية كهدفها الأعلى، شعر شتراوس بأنه يجب أن يكون هناك اهتمام أكبر بمسألة التفوق الإنساني human excellence  والفضيلة السياسية  political virtue. في كتاباته، شتراوس باستمرار يرفع التساؤل حول كيفية والى أي مدى يمكن ان تتعايش الحرية مع التفوق. شتراوس لم يحدد أي قرار واضح لتساؤل سقراط: ما هو الخير للمدينة والانسان؟[16]

المقابلات مع شميت وكوجيف

carl-schmitt
كارل شميت

شتراوس كان له حوارات فلسفية-سياسية هامة مع المفكرين كارل شميت Carl Schmitt وألكسندر كوجيفAlexandre Kojève. شميت الذي سيصبح لفترة قصيرة الفقيه القانوني الرئيسي chief jurist  لألمانيا النازية، كان واحداً من الأكاديميين الألمان المهمين الأوائل الذين راجعوا عمل شتراوس المبكر بإيجابية. إشارة شميت وموافقته الإيجابية لأعمال شتراوس عن هوبز كانت مهمة في فوز شتراوس بالمنحة الدراسية التي اتاحت له مغادرة المانيا.[17]

alexandre-kojeve
الكسندر كوجيف

نقد شتراوس وتوضيحاته لكتاب شميت مفهوم السياسيThe Concept of the Political  جعلت شميت يقوم بعمل تنقيح مهم في الطبعة الثانية. شتراوس كتب الى شميت مجملاً لاهوت شميت السياسي بالتالي: “لأن الانسان بطبيعته شرير، فهو بالتالي يحتاج الى سيادة وسلطان  dominion. ولكن السلطان يمكن إقامته، يعني يمكن توحيد الناس فقط في وحدة ضد – ضد ناس آخرين. كل مجموعة من الناس هي بالضرورة انفصال عن الناس الآخرين… وهكذا يُفهم السياسي بأنه ليس المبدأ التأسيسي للدولة، وللنظام، ولكنه حالة الدولة”[18]

ولكن شتراوس عارض بشكل مباشر موقف شميت. بالنسبة لشتراوس، شميت وعودته الى توماس هوبز Thomas Hobbes  وضح بشكل مفيد طبيعة وجودنا السياسي وفهمنا الذاتي المعاصر. وبالتالي فإن موقف شميت كان دالاً على الفهم الذاتي الليبرالي المعاصر. شتراوس اعتقد أن هذا التحليل، كما في زمن هوبز، كان  “عملاً تحضيرياً preparatory action ” مفيداً يكشف توجهنا المعاصر تجاه المشاكل الأبدية للسياسة (الوجود الاجتماعي  social existence).

thomas-hobbes
توماس هوبز

ولكن شتراوس اعتقد أن أقنمة reification  شميت لفهمنا الذاتي المعاصر لمشكلة السياسة في لاهوت سياسي لم يكن حلاً كافياً. ولكن دعا شميت بدلاً من ذلك الى عودة لفهم كلاسيكي أوسع للطبيعة البشرية وعودة تجريبية للفلسفة السياسية، في تقليد الفلاسفة القدماء.[19]

مع كوجيف، كان لشتراوس زمالة فلسفية حميمة وطويلة العمر. التقيا اول مرة كتلاميذ في برلين. المفكران تقاسما احترام فلسفي لا حدود له لبعضهما.  سيكتب كوجيف فيما بعد “بدون مصادقة شتراوس لم أكن لأعرف أبداً ما هي الفلسفة”[20]. النزاع الفلسفي-سياسي بين كوجيف وشتراوس تركز على الدور الذي يجب أن يكون للفلسفة والذي يمكن السماح لها بأن تلعبه في السياسة.

كوجيف الموظف المدني الكبير في الحكومة الفرنسية كان له دور مهم في إنشاء السوق الأوروبية المشتركة European Economic Community. جادل بأن الفلاسفة يجب ان يكون لهم دور فعال في صياغة الأحداث السياسية. شتراوس على العكس، اعتقد أن الفلاسفة يجب أن يلعبوا دوراً في السياسة فقط بالدرجة التي يمكن بها أن يضمنوا أن الفلسفة التي كان يعتبرها أسمى أنشطة الجنس البشري، يمكن أن تكون حرة من التدخل السياسي.[21]

الليبرالية والعدمية

شتراوس يرى أن الليبرالية في شكلها الحديث كانت تحتوي بداخلها نزعة تتوجهها الى نسبية متطرفة  extreme relativism، والتي بدورها أدت الى نوعين من العدمية nihilism. [22]

النوع الأول عدمية متوحشة عبرت عنها أنظمة الحكم النازية والماركسية. في كتابه “عن الاستبداد On Tyranny “، يقول أن تلك الأيديولوجيات، اللتان تنحدر كلتيهما من فكر التنوير Enlightenment thought ، حاولتا تدمير كل التقاليد، التاريخ والاخلاقيات، والمعايير الأخلاقية واستبدالها بالقوة التي تم إخضاع الطبيعة والجنس البشري تحتها وقهرهم.[23] النوع الثاني هو العدمية الرقيقة التي تم التعبير عنها في “الديمقراطيات الليبرالية الغربية Western liberal democracies” – كان نوع من التشتت الخالي من القيمة value-free aimlessness  و مساوة متساهلة باحثة عن المتعة hedonistic “permissive egalitarianism، والتي رآها متغلغلة لنسيج المجتمع الأمريكي المعاصر.[24]

شتراوس باعتقاده ان نسبية relativism وعلموية scientism وتاريخانية historicism وعدمية nihilism  القرن العشرين تواطأت كلها في تدهور المجتمع الحديث modern society والفلسفة، وسعى الى كشف الطرق الفلسفية التي أدت إلى هذا الوضع.  الدراسة الناتجة قادته الى الدعوة الى عودة تجريبية الى الفلسفة السياسية الكلاسيكية كنقطة انطلاق للحكم على العمل السياسي.[25]

تفسير شتراوس لكتاب الجمهورية The Republic لأفلاطون ليس خطة لإصلاح نظام الحكم. شتراوس يقتبس من سيسيرو قوله :”كتاب الجمهورية لا يركز الضوء على أفضل نظام حكم ولكن على طبيعة الأشياء السياسية – طبيعة المدينة”[26]

شتراوس كان متشككاً باستمرار من أي شيء يزعم انه حل لمشكلة سياسية أو فلسفية قديمة. تحدث عن خطر محاولة حل الجدل بين العقلانية والتقليدية في السياسة نهائياً. وبشكل خاص خشي مع كثيرين من اليمين الألماني قبل الحرب العالمية الثانية من محاولة فرض حكومة عالمية في المستقبل، معتقداً انها حتماً ستصبح مستبدة.[27] لذلك حافظ على مسافة من الأنظمة الشمولية في عصره، الفاشيون اليمينيون والشيوعيون اليساريون.

شتراوس والصهيونية

gershom-scholem
غيرشوم شولم

في شبابه، انتمي شتراوس لجماعة الشباب الصهيوني الألمانية، مع أصدقائه غيرشوم شولم  Gershom Scholem وولتر بنيامين Walter Benjamin. يقول انه عندما كان في عمر 17 سنة تحول الى الصهيونية السياسية كتابع لفلاديمير جابوتينسكي Vladimir Jabotinsky.

وبينما احتفظ شتراوس باهتمام عاطفي بالصهيونية، أشار فيما بعد الى ان الصهيونية معضلة وأصبح خائب الامل في بعض أهدافها.

Walter Benjamin
ولتر بنيامين

يقول شتراوس:

الصهيونية السياسية معضلة لأسباب واضحة. ولكن لا يمكنني ابدأ ان أنسى ما حققته كقوة أخلاقية في حقبة من التفكك الكامل. فقد ساعدت على وقف مد التجريف المتزايد للاختلافات الجليلة المتوارثة من الأجداد؛ فقد أنجزت وظيفة محافظة.[28]

اعتقاداته الدينية

بالرغم ان شتراوس تبنى فائدة المعتقد الديني، الا أن هناك بعض التساؤلات حول حقيقة آرائه.[29] البعض يرى ان اياً كانت آراؤه حول فائدة الدين، إلا أنه هو شخصياً كان ملحداً. ولكن شتراوس كان علانية يحتقر الإلحاد، كما بين ذلك في كتاباته عن ماكس ويبر  Max Weber. وخاصة أنه رفض الكفر العقائدي المعاصر contemporary dogmatic disbelief ، الذي اعتبره متطرف وغير منطقي وشعر أن الفرد يجب ان يكون إما “الفيلسوف المنفتح امام تحدي اللاهوت أو اللاهوتي المنفتح أمام تحدي الفلسفة”[30]. أحد التفسيرات هي أن شتراوس في المبادلة بين القدس وآثينا، أو الوحي والعقل، سعى كما سعى توماس الأكويني Thomas Aquinas، الى الزام الوحي بصرامة العقل، ولكن بينما رأى الأكويني تبادل مستحب، رأى شتراوس حصنين منيعين.[31]

يقول ادوارد فيسر Edward Feser:

“شتراوس لم يكن هو نفسه مؤمناً ارثوذكسياً، ولا كان ملحداً مقتنعاً. بما أن قبول أو رفض الوحي الإلهي في حد ذاته واحد من الأسئلة المستمرة، فإن الأرثوذكسية يجب أن تبقى دائماً خيار ايضاً قابل للدفاع عنه مثل الكفر.[32]

تصريح فيسر يدعو الى الشك في أن شتراوس قد يكون ملحد غير مقتنع، أو أن رحب بالدين على أنه مجرد أداة نافعة عملياً وليس بوصفه حقيقة.

في نهاية كتاب المدينة والانسان، يدعو شتراوس قراءه ان يكونوا منفتحين أمام التأثير الكامل للسؤال المهم المعاصر للفلسفة بالرغم أن الفلاسفة لا ينطقون به في كثير من الأحيان – ماذا يمكن أن يكون الله؟. هنا مسألة الدين (ما هو الدين؟) لا تنفصل عن مسألة طبيعة المجتمع المدني، وهكذا الحق المدني، أو الحق الذي له تمثيل متسلط، أو حق قادر على الدفاع عن نفسه. الالحاد سواء كام مقتنعاً (علني) أو غير مقتنع (ضمني)، جزء لا يتجزأ من القراءة التقليدية للسلطة المدنية، وبالتالي من الدين في تكافؤه المدني الأصلي، قراءة جادل شتراوس ضدها في كل كتابه.[33]

الآراء الناقدة لشتراوس

shadia-drury
شادية دروري

بعض الآراء الناقدة اتهمت بأنه نخبوي، معادي لليبرالية ومعادي للديمقراطية.  شادية دروري Shadia Drury تتهمه في كتابها “ليو شتراوس واليمين الأمريكي (1999) بأنه غرس سلالة نخبوية في القادة السياسيين الأمريكيين مرتبطة بالإمبريالية العسكرية imperialist militarism، والحركة المحافظة الجديدة neoconservatism والاصولية المسيحية Christian fundamentalism.

تقول شادية دروري ان شتراوس يقول:

“الخداع الدائم للمواطنين من الموجودين في السلطة مهم لانهم في حاجة الى من يقودهم، وهم في حاجة الى حكام أقوياء ليخبروهم عما فيه خير لهم”

نيكولاس زينوس Nicholas Xenos  يقول:

“شتراوس أراد الرجوع الى حقبة سابقة قبل الليبرالية وقبل البورجوازية حقبة من الدماء والهيمنة الامبريالية والحكم الاستبدادي والفاشية الخالصة”[34]

يقول كلايس رين المنتمي الى المحافظين ان فكر شتراوس المعادي للتاريخانية خلق تبايناً مصطنعاً بين عولمة الاخلاقيات و بين التقليدي و الموروث والتاريخي. شتراوس افترض ان احترام التقاليد يجب ان يقوض العقل والعولمة. شتراوس لم يرى الإمكانية بأن العولمة الحقيقية أصبحت معروفة للناس في شكل خاص متجسد. شتراوس واتباعه علموا بشكل فلسفي متناقض المحافظين الأمريكيين وحتى المفكرين الكاثوليكيين رفض التقليد لصالح تنظير لاتاريخي  ahistorical theorizing ، النزعة التي تطير في وجه مفهوم التجسيد المسيحي المحوري، الذي يشكل تركيبة تجمع بين العالمي والتاريخي. حسب قول رين، ذيوع فكرة مجردة خالصة للعولمة ساهمت في تأييد المحافظين للمبادئ الامريكية العالمية المزعومة، التي يراها المحافظون الجدد تبريراً للتدخل الأمريكي في العالم – جالبين بركات الغرب الى بقية الناس الجاهلين في العالم. فكر شتراوس المعادي للتاريخانية يربطه هو واتباعه باليعقوبيين الفرنسيين، الذين كانوا هم ايضاً يعتبرون التقليد غير متوافق مع الفضيلة والعقلانية.[35]

%d8%b3%d9%8a%d9%85%d9%88%d8%b1-%d9%87%d9%8a%d8%b1%d8%b4
سيمور هيرش

يقول بول ادوارد  Paul Edward Gottfried: ما وصفه رين باليعقوبية الجديدة  newJacobinism في فلسفة المحافظين الجدد هي ايضاً كلام سان جاست Saint-Just وتروتسكي Trotsky، والتي استولى عليها فلسفياً اليمين الأمريكي بهمة طائشة. العاملون من الجمهوريين والمراكز الفكرية يعتقدون ان بإمكانهم جذب الناخبين بمناشدة الكليشيهات التي كان يستخدمها اليسار بالأمس.[36]

سيمور هيرش Seymour Hersh رأى أن شتراوس أجاز الأكاذيب النبيلة noble lies، “الاساطير المستخدمة من القادة السياسيين الساعين الى الحفاظ على تماسك المجتمع”[37]

في كتاب المدينة والانسان، يتكلم شتراوس عن الاساطير الموضوعة في كتاب الجمهورية لأفلاطون والمطلوبة لكل أنظمة الحكم. هذه تتضمن أراضي الدولة مملوكة لها حتى لو تم اكتسابها بطريقة غير مشروعة والمواطنة تقوم على شيء أكبر من حوادث الميلاد.[38]

الشتراوسية تتكلم عن إمكانية ان يكون المفكرون القدماء “قابضين على الحقيقة و ان يكون المفكرون الأحدث مخطئين”[39]

 بعض المقتطفات من مقال للدكتور ديفيد برين[40]. بعنوان:

الحركة المحافظة الجديدة، والإسلام والايديولوجيا: ثقافة الحرب الحقيقية[41]

ستكشف لنا مزيد من جوانب الشتراوسية والحركة المحافظة الجديدة وكذلك فكر الحركة المحافظة والليبراليين واليساريين ورؤيتهم للاسلام

يقول ديفيد برين:

david-brin
ديفيد برين

المحافظون الجدد في القرن الحادي والعشرين شكلوا تحالفاً غريباً بين عدة مجموعات كبرى يجمع بينها القليل جداً من الخلفية الأيديولوجية المشتركة الملحوظة، بخلاف كراهية مشتركة فيما بينهم لليبراليين. يعني فيما يبدو للناظر هناك القليل جداً من الخلفية المشتركة فيما بينهم، حتى يقوم بفحص الأمر بعمق أكبر. ما الذي يمكن ان يوحد هذا التحالف الذي تتكون مكوناته الرئيسية من:

  1. مجموعة فرعية من الأرستوقراطيين الساعين (بنجاح كبير) الى استخدام الحكومة كمصدر حر للثروة الجديدة.
  2. مجموعة فرعية من مسيحية مشيحانية متروكة متعطشة بفاعلية الى مواجهة نهائية بين الخير والشر، تبلغ ذروتها في نهاية درامية مسرحية للعالم كما هي موجودة في النبؤات.
  3. حركة من المفكرين المركزين على العقيدة – الكثير منهم لا هم مسيحيون ولا اريستقراطيون – يدفعون الى نسخة هجومية اعتداءيه من الوطنية مع قاعدة نظرية افلاطونية جديدة وحسها الحماسي الذاتي برسالة لا-دينية ولكن مشيحانية.

بالطبع كان دائما هناك تحالفات للازواج-الغريبة Odd-Couple alliances  في السياسة.[42] اليسار كان دائماً خليطاً يخلط بين الاشتراكيين مع  منظمي العمال من الاتحاد الأمريكي لمؤتمر العمال والمنظمات الصناعية AFL-CIO ، و الدعاة الى المساواة النسائية، والشعبويين، ودعاة العولمة، والمعادين للعولمة الخ. بالتأكيد الإصدارات الأقدم من الحركة المحافظة جمعت بين رجال أعمال براغماتيين pragmatic businessmen  وليبرتاريين[43] libertarians  مع باتريسيين[44] patricians و ديكسيكراتيين [45]Dixiecrats ، ودعاة الى الانعزالية [46] isolationists   وهؤلاء الذين تضمن ولاءهم الى القيم التاريخية ارتياب شديد في التغيير.

ولكن المحافظون الجدد من النظرة الأولى بدوا انهم يصنعون بشكل خاص تحالف ملاءم عجيب بين مجموعات مهووسة بالتلاعب بالسوق market-manipulation و المواجهة الأخلاقية المروعة apocalyptic moral confrontation  والفلسفة الاجتماعية ذات الشراسة الوطنية fiercely nationalistic social philosophy.

ما الذي يشترك فيه الفروع الثلاثة من الحركة المحافظة الجديدة؟ كل فرع يبدو انه مشتعل باستياء جياش تجاه الأعداء الثقافيين، موحدين بتعاويذ طقوسية ritualized incantations، موجهين بكل من الحنين الى الماضي وسخط متغطرس. أعضاء كل حركة فرعية يشعرون بأنهم معززين بإيمان ثابت في فضائلهم بالطبيعة وكطبقة متميزة. كل مجموعة مذكورة سابقاً تعبر عن ضمان مطلق بإحساس اجتماعي او باطني أو من المصير الامبريالي.  هذه السمة المشتركة من الثقة السامية تتجلى في تأكيد للذات بالقوة، مدفوع بعاطفة عميقة وإصرار متصلب للامساك بمحراث التاريخ.

بالتأكيد لا أحد يمكن ان ينكر الفاعلية الجمعية لتحالف المحافظين الجدد، بعد ان سيطروا على الفروع الثلاثة لحكومة الولايات المتحدة وبعد ان قسموا الغنيمة بفاعلية حسب شهية كل مجموعة. ولكن بالطبع، بما ان القناعة ليست من بين سماتهم المشتركة، فلن يطفئ أي انجاز او نصر او ثروة الإصرار الساخط الموصوف سابقاً. الشره قد يكون بالفعل هو اقوى سماتهم المشتركة.[47]

المجموعة الأولى – الارستقراطيون – تعمل بنشاط للوصول الى عجز قياسي، بينما المجموعة الثانية – المسيحيون المتروكون – وُعدوا بالمحكمة العليا الامريكية، والمجموعة الثالثة – المحافظون الجدد – كوفئوا بالقوات المسلحة الامريكية كلعبة خاصة. لكن ولا مجموعة أظهرت علامات الرضا او  أُطفئ جوعها للمزيد.

ولكن لنعيد النظر الى هذه السمات المشتركة فيما بين تلك المجموعات… الاستياء من الأعداء الثقافيين  resentment toward cultural enemies ، التعويذات الطقوسية  ritualized incantations ، الشره  insatiability ، الحنين الى الماضي  nostalgia ، الايمان بفضائلها الذاتية بالطبيعة وبصفتها طبقة متميزة, belief in their own virtue by nature and as a class ، الثقة في المصير المرسوم ordained destiny.

لو أن هذه السمات بدت مألوفة، فهناك حركة أخرى على الأرض تحمل تماثل قوي لكل هذه الفروع من الحركة المحافظة الجديدة الامريكية  American neoconservatism . هذه الحركة المماثلة هي الأصولية الإسلامية.

 بالنسبة لهذه الأيديولوجيات القتالية كلها تتقاسم قائمة طويلة من السمات التي تبدو متجذرة بعمق في الطبيعة البشرية، خاصة الجاذبية المستمرة للعقيدة المثالية.

pax-americana

من اجل ان أوضح تلك النقطة بشكل صارخ سأركز على فرع حركة المحافظين الجدد التي قد تبدو سطحياً الأكثر اختلافاً عن الأصولية الإسلامية. المجموعة الثالثة في القائمة السابقة، المفكرون العلماء – الكثير منهم يبدون ملحدين سطحياً – الذين يدفعون الى وطنية علمانية مثالية شرسة ونسخة عدائية من السلام الأمريكي Pax Americana ، كلها تقوم على تبعية مخلصة معلنة للحضارة الغربية.

كيف اربط بين المحافظين الجدد الافلاطونيين بالإسلام الاصولي؟

في مايو 2003م، نشرت النيويورك تايمس مقال بعنوان “ميراث كلاسيكي: البناة الجدد للإمبراطورية”[48]  لجيمس أطلس[49].

straussbush

المقال يصف تأثير البروفيسور ليو شتراوس على كثير من المحافظين الجدد القياديين، المسؤولين في إدارة بوش، وصحفيين ومفكرين مثل بول ولفوفيتس[50]، وريتشارد بيرلي[51]، وإبرفينغ كريستول[52]، وبيل كريستول[53]، وغاري شميت[54]، وفرانسيس فوكوياما[55]. شتراوس اللاجئ خلال الحرب العالمية الثانية كان يدرس النظرية السياسية الكلاسيكية في جامعة شيكاغو مشدداً على المفهوم بأن الفلسفة الاغريقية والرومانية الكلاسيكية هي مفتاح الحكمة السياسية اليوم كما كانت بالأمس.[56] منذ ذلك الوقت روج اتباعه للأفلاطونية الجديدة – التبعية المخلصة لنظام أعلى من المعتقدات المنظمة جيداً، في تفضيل لبراغماتية علمانية حازمة.

في مارس 2003، نشرت النيويورك تايمس مقال بعنوان “فيلسوف الإرهاب الإسلامي”[57] لبول بيرمان[58]، يصف فيها كتابات سيد قطب، واحد من أكثر الفلاسفة تأثيراً وراء الأصولية الإسلامية الحديثة. تعاليم قطب تدعو الى حركات سياسية واجتماعية ستنشئ مجتمع جديد، وتهزم الحداثة الفاسدة وخاصة الثنائية – تقسيم العالم بين مجالين مقدس وعلماني. هذه التعاليم وجدت أرضاً خصبة في شبكة من المدارس الإسلامية أُسست تحت حماية الطائفة الوهابية، وشُحمت بعائدات بيع بترول السعودية العربية.

ما هي السمات المشتركة التي يمكن أن آراها بين الأصولية الإسلامية وحركة المحافظين الجدد الامريكية اليوم؟

انا أقول ان هاتان الحركتان هما أكثر الحركات الأيديولوجية نشاطاً وأكثرها جوهرية في عصرنا. الحنين الى الماضي، الاستياء، التأسيس على تعاليم طقوسية أساسية، كل منهما مدفوعة بإحساس من المصير والقدر واحتقار للمختلفين معها.

الآن بالطبع سيبدو من النظرة الأولى ان الحركتان أضداد قطبية. وبالفعل هذا التضاد الظاهري يروج له كلا الحركتين. الكثير من المحافظين الجدد يتكلمون عن الصراع – حتى الحرب بين العالمين المسيحي والإسلامي – كما يفعل اتباع سيد قطب. يدعون الى عودة الى صناعة قرار تقوم على القيم في المجتمع الأمريكي، مع تجذر هذه القيم بوضوح وصراحة في التقاليد الدينية الأساسية. وبينما يؤكدون على الصراع الثقافي مع الليبراليين[59] والهيومانيين[60] داخل الحضارة الغربية، فهم يروجون لمعارضة عدائية لأساليب الثقافة الغير غربية في خارج الولايات المتحدة.

مدمنون على العقلنة: النفاق والمحافظون الجدد.

tim-lahaye

جانب المواجهة الدينية في الحركة المحافظة الجديدة يتمثل في تيم لاهاي[61]، المؤلف المشارك لسلسلة كتب left behind.[62]  وهو قيادي سابق في حملات الجمهوريين المحافظة الجديدة، كتب لاهاي عن التعجيل بآخر الزمان عندما سيتم تدمير الأرض العلمانية الزمنية واستبدالها بمملكة السماء الموصوفة المثالية والروحية.[63]

بالطبع الكثير من المحافظين الجدد الشتراوسيين ليسوا مسيحيين مرتكزين على النبؤات. هناك البعض من بين الشتراوسيين يزعمون انهم متمسكون بما اصفه “بقيم التنوير” – بما في ذلك اعتقاد بأن الديمقراطية ستساعد في صنع عالم علماني أغني وأفضل وأكثر حكمة، يفتح إمكانيات لا حدود لها لجنس بشري محسن. تصريحاتهم الفلسفية الأكثر اتساعاً تتحدث عن دور السلام الأمريكي Pax Americana  في مساعدة كل البشرية في تحقيق أهداف عليا الى ما لا نهاية في عالم زمني واسع ومستمر.

البعض يجد أنه من الغريب أن يكون المفكرون السياسيون الافلاطونيون الذين يعلنون مثل هذه الاعتقادات متحالفون تحالف شديد القرب مع اصوليين من محبي النبوءات مثل لاهاي، والذين قد يبدو تصويرهم للمستقبل معاكس تماماً لهم. ولكن هؤلاء الذين يجدون تحالف هاذين الفريقين غريباً لا يفهمون ببساطة الافلاطونيين الذين يمكنهم عقلنة أي شيء.

عدم التوافق المتنافر[64] هذا تم التغاضي عنه لان كلتا المجموعتين لا تريد وضعه في الاعتبار – وكذلك أي من المواضيع العميقة الموضوعة (على سبيل المثال) في استطلاعي عن الأيديولوجيا. ولكن تحالفهم قائم على العاطفة الأكثر إثارة من بين كل الدوافع القديمة، الاشمئزاز من عدو مشترك. في هذه الحالة الليبراليون الشريرون الملعونون.

أهدافهم التي يعترفون بها علنا واستراتيجياتهم التي يصفونها عبارة عن تعويذات ينفثونها، تفتقر لاي إخلاص حقيقي لروح التنوير الكامنة. على سبيل المثال غالبية المحافظون الجدد الشتراوسيين يحتقرون بوضوح (كما كان يفعل كل من شتراوس وأفلاطون) الانسان العادي (العوام) الذين يعلنون انهم معجبون به. بالمثل رغبتهم المتكررة التواقة لاستخدام أكاذيب افلاطون النبيلة (أو الاعذار المسوغة)، لدعم مكاناتهم المميزة كطبقة قيادية فلسفية حكيمة، تكشف احتقار حقيقي للجماهير.

كما ان رومانسية[65] الشتراوسيين يمكن سماعها عندما ينزلقون الى نسختهم من اللغة الرؤيوية  apocalyptic language. ليس بصيغ الكتاب المقدس، ولكن باستخدام لهجة مركزة على انتصار مُقدر في اختبار أخير لجواهر خالصة متعارضة.

ولكن الأكثر كشفاً لهم هو تنفيذهم الغير كفء  والقصير النظر لهذه الأهداف، بطريقة تضر كل من أمريكا والسلام الأمريكي Pax Americana  على كل المستويات تقريباً.

ما يبدو مثيراً للدهشة بالنسبة لي كيف ان عدد قليل أشاروا الى القواسم المشتركة العميقة بين الحركة المحافظة الجديدة والاصولية الإسلامية وكل عقيدة مفروضة دمرت واصابت القرن العشرين. الموضوع المشترك الذي يوحد كل هذا الأنظمة القائمة على الأيديولوجيا هو الاحتقار اللاذع للميراث العلماني البراغماتي المعرض للمساءلة والمتسامح للتنوير. خاصة ترويجه للشكوكية[66] تجاه الألعاب الذهنية[67] الذاتية المغرورة التي تسمح لكل واحد منا بالاحتيال على انفسنا.

سلالات الأيديولوجيا

دعوني أوضح السلالة، التي توحد كل هذه الحركات الشبه أصولية المتفاوتة. للبدء سنعود الى الوراء في الزمن.

hegel
هيجل

كل من الشيوعية[68] والفاشية[69] نسبتا أسسها الفلسفية الى الافلاطوني الألماني هيجل Hegel، الذي إن كان أسلوبه يبدو شبه علمي الا انه ليس له علاقة بالعلم.[70] هذه الشبه ديانات – مع الفرودية[71] — بدت أنها تقدم طريق جديد للنخب المثقفة في الغرب الذين تحرروا من وهم الوطنية[72]، بنفس الطريقة التي تحرر بها اجدادهم من (وهم) الكهنة والملوك.

كل من الأنظمة العقائدية المقدمة خلال النصف الأول من القرن العشرين دارت حول خطوط عريضة ساذجة للطبيعة البشرية، يبشر بها ملوحين للاذرع[73] مقنعين، بدون الاشارة الى أو التعريض لتحقق تجريبي لصحتها. كل منهم تطالب بولاء كلي أو لا شيء. كل منها بررت صعود اوليغارشيات الزامية obligate oligarchies  مُصرح لها بأن تفسر الحقائق في نفس الوقت الذي تهدر فيه أنظمة التنوير المعرضة للمساءلة. فوق كل شيء ، كل منها ترفض الممارسة العلمية لعمل تصريحات قابلة للاختبار قد تفشل أو تحيا في تجريب فعلي.

هذا هو نفس النمط الذي نراه اليوم في اتباع ليو شتراوس. وفي الأصولية الإسلامية.

بالطبع الأصولية الإسلامية لا ترتبط بقرابة مباشرة مع الشيوعية والفاشية والفرودية أو حركة المحافظين الجدد، فكلها غربية وأفلاطونية. سيد قطب والاسلاميون الآخرون يزعمون احتقار هذه العقائد الهيجلية الأوروبية. ولكن هناك جذور عميقة مشتركة، وصارخة بحيث يمكن وصفهم بانهم أبناء عمومة.

كل تلك حركات رومانسية، تؤسس مفاهيمها للحقيقة الخالصة على تعويذات مكتوبة للحقيقة الأساسية، بدلاً من العلم المشروط والمتطور. كلها تقدم وصفات ساذجة للطبيعة البشرية ووصفات أكثر سذاجة لتحقيق كل من السعادة والمجتمع المثالي. كلها تقوم على شكل من “العصر الذهبي الماضي” بينما تشدد على أشكال متنوعة من الحنين الى الماضي nostalgia.

كل هذه الحركات الرومانسية تدفع في اتجاه رؤى أبوكاليبسية apocalyptic visions  لمواجهة نهائية مقدرة  ordained, final confrontation، تستقطب العالم الى معسكرات “هم مقابلنا نحن”، أداة لتعزيز الدعم تحت قادة عظام غير معرضين للمساءلة. لا شيء صحيح غير مشيئتهم (أو مشيئة السماء). الأعداء لا يُنظر اليهم كشركاء محتملين في تفاوض براغماتي، ولكن كأهداف مستحقة للإبادة.

دعونا نكن صادقين ومتزنين. البعض من اليسار المعاصر يشترك في كل السمات السابقة. من الحنين الى الماضي والاستقطاب الى الدوغمائية والنماذج الساذجة للطبيعة البشرية. يتبعون تأثير الرومانسية البشرية، التي لها جذور عميقة في ماضينا ومن الممكن حتى جيناتنا أكثر من غموض التنوير البراغماتي الأقل إرضاء.

اليسار له شياطنه الخاصة – الشيوعية مرض مميت – وهو لقاح مثير للجدل لجناح اليسار للافلاطونية انبعث في الأرض، لدغ أعين الناس الذين كانوا يحاولون حل مشاكلهم.

لذلك دعونا نختار معاركنا بعناية. الرومانسيون الأفلاطونيون في اليسار كانوا خطرين خلال مملكة الشر القديمة الاتحاد السوفيتي. ولكن هذا الجناح مثير للشفقة الآن. فهم يبصقون ويتبجحون، ولكن اليساريون الدوغمائيون ليس لهم قوة الآن للإضرار بالتنوير الذي يحتقرونه. لا يمكنهم فعل شيء لأمريكا والغرب.

الآن نحن في خطر أكبر من رومانسيين آخرين. من الذين يتبعون سيد قطب والوهابيين، على أمل تحفيز مليار مسلم على الجهاد ضد الغرب.

وهؤلاء الذين يدافعون عن الغرب باستخدام المسلمين والليبراليين كبعبع. مبعدين أمريكا عن طريق بن فرانكلين. يوجهوننا الى الوراء الى كآبة وفشل افلاطون، وهيجل وشتراوس. هؤلاء الذين يحولون الحرية من موضوع تحفظ مركب وأداة عملية للحياة الى تعويذة دافئة/غامضة ساذجة تقف في صفنا.

george-orwell
جورج اورويل

وصف جورج أورويل[74] George Orwell  في كتابه [75]1984 ، عالم مستقبلي مُقسم الى مناطق معادية، كل منها تهيمن عليها أوليغرشية دوغمائية متحررة من التعرض للمساءلة، تبقي وطنها في حرب دائمة عقيمة بحيث تظل البروليتاريا مُضللة عن عدوها الحقيقي، الذي هو الاوليغارشية الدوغمائية نفسها.[76] المستفيدون الوحيدون من هذه العداوة المصطنعة هم الاوليغارشيات نفسها. هذا بالضبط ما يفعله المحافظون الجدد بحربهم الثقافية ضد الليبرالية وضد العالم الإسلامي.

يجب ان نتعلم كيف نتعرف على هذه الخدعة – أكثر الخدع الأساسية التي يستخدمها الطغاة منذ جلجامش[77]. يمكننا التعرف عليها ثم العودة الى ترسانتنا. ساعين الى العثور على طرق جديدة لإنقاذ العالم، وهجر الوسائل الفاشلة. مبتعدين عن الحنين الى الماضي وعبادته، لصالح تحسين الغد، خطوة خطوة. بالإضافة الى تكريس انفسنا لطبيعة الحقيقة التجريبية، كما هي مشاهدة من البشر المعرضين للخطأ، لا أحد منهم سيرى الصورة الكاملة بوضوح أبداً.

ولكن سوياً، حضارتنا يمكن ان تشهد الأفضل، يوم بعد يوم.

الحرب الثقافية الحقيقية

هناك حرب ثقافية جارية. ولكنها ليست بين الشرق والغرب. أو الشمال والجنوب. او الإسلام والمسيحية. او اليسار ضد اليمين. ولا حتى الايمان ضد الهيومانية. كل هذه تضليلات لصرفنا عن الحرب الحقيقية.

الصراع هو بين الرعب والثقة. بين هؤلاء الذين – في كل من اليسار واليمين – يدعوننا الى استعباد عقولنا لعقائد ساذجة، وهؤلاء الذين يعرفون ان الأحرار يمكنهم المجادلة والتعلم من بعضهم، مستخدمين كل الأدوات المتاحة لإخراج جيل من البشر أكثر ذكاء منا وأفضل منا.

هذه أسباب أساسية لماذا كل العقائد – حتى أفضلها – هي مصائد وضيعة.

لو ان الأطفال أمكنهم أن يكونوا أكثر حكمة من آبائهم، فسيكون هذا هو الهدف الوحيد الجدير بالاهتمام. ولو أصبحوا أكثر ذكاء وحكمة منا، فسيجدون عقائدنا طفولية. ولن يكونوا في حاجة إليها.

سيكونون أذكياء بما يكفي ليكتشفوا ما هو جدير بهم أن يؤمنوا به.

وهذه باختصار هي رؤيتي لعقيدة التنوير Dogma of Enlightenment.

التعليق على الحلقة

اول تعليق لي سيكون على مواضيع الاساطير والأكاذيب النبيلة. الاساطير سمة أساسية في كل العقائد الوثنية نجدها في الهندوسية والديانات الاغريقية والرومانية ومنها انتقلت الى اليهودية والمسيحية، فهي سمة أصيلة في الحضارة الغربية المسيحية اليهودية.

أما الأكاذيب النبيلة فنجدها في التراث اليهودي المسيحي جزء لا يتجزأ منه. مئات المخطوطات من الكتب المقدسة ومئات الكتب الخفية المواعظ والتعرف الكليمنتية.[78] في هذه الكتب التي تعود كتابتها الى القرن الثالث الميلادي نجد اعترافاً من كاتبها ان الكتب المقدسة مزورة وانها زورت عن عمد للتمييز بين الصالحين والطالحين اما الصالحين فيدركون الرسالة الضمنية بين السطور واما الطالحين فيتم تضليلهم بالكتابة الظاهرية. ويقر الكتاب ان كل الكتابات المكتوبة عن القديس بطرس والمنسوبة له مزيفة. وفي العصر الحديث عندما تم اكتشاف مخطوطات البحر الميت في زمن الحرب العالمية الثانية ارسل الفاتيكان الكاردينال رولاند دي فو[79] ليكون مشرفاً على استخراج المخطوطات وتقديمها للعالم. . الكاردينال رفض اشراك أي جهة غيره في الاطلاع على المخطوطات وترجمتها ونشر ما بها وحتى اليوم المخطوطات محبوسة في إسرائيل ولم يتم الوفاء بوعد تصويرها في ميكروفيلم وإطلاع العلماء عليها. من العلماء من فسر ذلك بأن الفاتيكان وإسرائيل الشريكة لها يخفيان الأكاذيب النبيلة التي بُنيت عليها الديانات اليهودية والمسيحية والحضارة الغربية ويخشيان من أثر افتضاحها على تدمير الحضارة الغربية التي قامت على أكاذيب نبيلة.

التعليق الثاني سيكون عن التعاليم الظاهرية والتعاليم الباطنية، كما أشرت في النقطة السابقة هذه حقيقة ترتبط بالديانة اليهودية والمسيحية والحضارة الغربية القائمة عليها. في كتب المواعظ والتعرف الكليمنتية يُشر الى هذه الحقيقة بوضوح في مناظرة بين القديس يعقوب وكهنة اليهود حيث يشير بشكل خاص الى اسفار الملوك وكيفية قراءتها واستنباط الحقائق منها. كما أن الكتب تشير بطريقة رمزية الى الصراع بين القديس بطرس والقديس بولس، حيث تم الترميز للقديس بولس بشخصية سمعان الساحر. تجنب الحديث المباشر عن بولس يمكن فهمه من كتابات أخرى تلمح ان بولس كان عميل لجهاز استخباري روماني وحتى الجنود الرومانيون كانوا يخافون منه كما هو مذكور في اعمال الرسل وانه سلم إثنين من اتباعه فكرا في التخلي عن اتباعه الى الشيطان (الشيطان رمز للأجهزة الاستخبارية في كل العصور بما فيها عصرنا الحالي) كما ورد في الرسالة الأولى الى تيموثاوس. ولكن الهروب الى الكتابة الرمزية كان في القدم لسببين للتضليل او الخوف. اما شتراوس فيستعين بهذه التجربة اليهودية الرومانية الناجحة من أجل تضليل العوام. ويوسعها لكي لا تشمل الكتابة فقط ولكن تشمل الممارسة السياسية والاجتماعية كلها.

التعليق الثالث عن الحقيقة المميتة، الى هذه الدرجة يرى التيار الصهيوني او حركة المحافظين الجدد ان الحقيقة مميتة وأن الوهم هو الذي يهب الحياة. التعبير يعلق على نفسه ولا يحتاج الى مزيد من التعليق

التعليق الرابع يختص بجملة “الانسان بطبيعته شرير ولذلك هو في حاجة الى سيادة وسلطان والسلطان لا يمكن إقامته إلا بتوحيد ناس ضد ناس آخرين” هذه الجملة تبين نظرة الغرب او الحركة المحافظة الجديدة لحقيقة الانسان وحقيقة عداء الحضارة الغربية لغيرها من الأمم والحضارات، ايضاً التعبير يعلق على نفسه لا يحتاج مزيد من التعليق.

 التعليق الخامس يتعلق بالحكومة العالمية المستبدة والأنظمة الشمولية. فبينما ابعد شتراوس نفسه عن الحكومات المستبدة الشمولية الظاهرية التي تسعى الى فرض سيطرتها على العالم ، الا انها باطنياً كان يسعى الى نفس أهدافها ولكن بطريقة مستترة. شتراوس يؤمن بالتحرك الباطني وليس الظاهري، فبينما ترفع حركة المحافظين الجدد الديمقراطية ظاهرياً الا انها تسعى الى الشمولية والاستبداد باطنياً فهي حركة شمولية مستترة وراء غطاء ديمقراطي.

التعليق السادس يتعلق باستخدام الدين كأداة. في الحقيقة تلاعب شتراوس واتباعه من المحافظين الجدد بالظاهر والباطن يمكنهم من اللعب بمهارة بالكثير من الأدوات. يمكنهم استخدام الدين، المسيحي والإسلامي والبوذي، يمكنهم ايضاً توظيف الشيوعيين واليساريين والقوميين والاشتراكيين والوطنيين والليبراليين والأقليات على مختلف توجهاتهم.

النقطة السابعة تتعلق بالسلام الأمريكي Pax Americana السلام الأمريكي مستمد من السلام الروماني Pax Romana ، ويكفي ان نعلم معنى السلام الروماني نرى ما فعلته روما مع قرطاجة. القرطاجيون كان تجار ومزارعون مسالمون وناجحون زرعوا خمسة ملايين شجرة زيتون في اسبانيا. لم يكونوا يعتدون على جيرانهم ولكنهم لم يكونوا خاضعين للرومان. حاربهم الرومان ودمروا بلدهم حتى انهم نثروا ملح على الأرض حتى لا تنبت وزعموا انهم هم من زرع شجر الزيتون في اسبانيا. هذا هو السلام الروماني: غير مسموح بوجود قوة أخرى على الأرض الا روما كل العالم يجب ان يخضع لروما وكل الحضارات يجب تدميرها والكل يجب ان يخضع للحضارة والهيمنة الرومانية. وهذا هو نفس مفهوم السلام الأمريكي، العالم كله يجب ان يخضع لأمريكا من يحاول الخروج من الهيمنة الامريكية يعرض بلده للدمار والحرب والفوضى. اذا فقد أمريكا مكانتها وهيمنتها على العالم فيجب أن يسقط العالم في فوضى.

التساؤلات

  1. هل يريد أتباع سيد قطب والوهابيون تحفيز مليار مسلم على الجهاد ضد الغرب؟

  1. هل يتشابه المسلمون الأصوليون مع المحافظين الجدد في إحتقار الميراث الليبرالي والهيوماني ورفض المساءلة وعدم التسامح مع الغير وهل يشتركون معهم في المطالبة بولاء كلي وكامل لطبقة أوليغارشية مُصرح لها وحدها بتفسير وتعريف الحقيقة وفرضها وتعتبر المخالفين لها أعداء يجب إبادتهم؟

  1. هل حل المشكلة الغربية والعالمية في أيدي الليبراليين والهيومانيين؟

  1. هل الحرب الثقافية بين رعب الدعاة الى استعباد العقول لعقائد ساذجة وبين ثقة المتحررين من العقائد؟

  1. هل العقائد مصائد وضيعة باستثناء عقيدة التنوير؟

الإجابات كما أراها:

الإجابة على التساؤل الأول: هل يريد أتباع سيد قطب والوهابيون تحفيز مليار مسلم على الجهاد ضد الغرب؟

المسلمون يريدون التحرر من هيمنة الغرب عليهم وعلى بلادهم ولكن لا يريدون الاعتداء عليه. ولكن الغرب يعتبر الجهاد للتحرر من هيمنته جريمة. الغرب هو الذي يخشى المسلمين ويظن انهم سيعتدون عليه انتقاماً على ما فعله بهم وببلادهم. هناك حقيقة أخرى ايضاً اذا تحرر المسلمون من سيطرة الغرب فمن الممكن او بمعنى آخر من المرجح أن يتقدم المسلمون ويتقدم فكرهم ومكانتهم في العالم وهذا ما لا يريده الغرب.

الإجابة على التساؤل الثاني: هل يتشابه المسلمون الأصوليون مع المحافظين الجدد في النقاط التالية:

احتقار الميراث الليبرالي والهيومان، المحافظون الجدد يرون ان الليبرالية والهيومانية عدمية رقيقة للحضارة الغربية. يرفضون بعض الجوانب في الليبرالية مثل التحرر من الاخلاقيات والدين ولكن لا يرفضون الليبرالية بمجملها مثلما يفعل المحافظون الجدد مع العلم ان المحافظين الجدد بالرغم من رفضهم لليبرالية الا انهم يوظفونها لخدمة أهدافهم وهذا ما لا يفعله المسلمون. من حيث رفض المساءلة، المحافظون الجدد يعتبرون انفسهم طبقة ونخبة متميزة لا يجب مساءلتها عن سلوكها ولا قرارتها وهم في ذلك يشبهون الكهنوت المسيحي واليهودي والشيعي، ولكن في الإسلام ليس هناك كهنوت حتى الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين معرضين للمساءلة الاستبداد الذي وقع في المجتمعات الإسلامية ليس من الإسلام ولا يطالب به الإسلام أبداً، من حيث التسامح مع الغير الواقع يشهد ان المسلمين هم وحدهم المتسامحون مع الغير، المسيحيون واليهود وحتى الطوائف الإسلامية مثل الشيعة والدروز والعلويين يعيشون مع المسلمين في سلام منذ قرون بينما المسلمون اختفوا من أوروبا بعد ضياع الاندلس واليوم نرى كيف تستقبل أوروبا اللاجئين السوريين. من حيث الولاء الكلي والكامل لطبقة أوليغارشية تفسر وتعرف الحقيقة وتعتبر المخالفين لها أعداء يجب ابادتهم، هذا الامر موجود في الكنيسة المسيحية وعند الشيعة ولكن لا يوجد في الإسلام طبقات اوليغارشية كهنوتية كما سبق، التاريخ كله شاهد على ذلك الإسلام به فقهاء وآراء متعددة وحريات موجودة في كل جوانبه

التساؤل الثالث: هل حل المشكلة الغربية والعالمية في ايدي الليبراليين والهيومانيين؟ الليبراليون والهيومانيون يتمسكون بقيم تبدو نبيلة ولكنها شديدة المثالية قيم ترفض الالتزام بعقائد، شعارات تعجب الجماهير ولكن يستحيل تطبيقها عملياً

التساؤل الرابع: هل الحرب الثقافية الحقيقية بين رعب الدعاة الى استعباد العقول لعقائد ساذجة وبين ثقة المتحررين من العقائد؟ هل هناك فعلاً تحرر من العقائد؟ حتى الليبراليون الذين يزعمون انهم تحرروا من العقائد يتمسكون بعقيدة التنوير. فبالتالي عملياً يجب ان تكون هناك عقائد. فهل وصف الليبراليين للعقائد الأخرى المخالفة لعقيدة التنوير بالساذجة حقيقي؟ هل تتماثل عقيدة المحافظين الجدد بعقيدة الإسلام؟ هل عقيدة الإسلام ساذجة؟ هذه التساؤلات الرد عليها يجب ان يكون بالعمل، ليس عمل فرد ولكن عمل أمة، بلا شك ان المسلمين مقصرين فيه، هناك تقصير إسلامي في التصدي لهذه المزاعم بتوضيح قيم الإسلام وعقائده، هذا المجهود مطلوب من الجميع وليس من فرد أو مجموعة ومطلوب منا كذلك الالتزام بعقائد وأخلاقيات الإسلام لانها افضل وسيلة لتوضيحه للغير والرد عليهم.

التساؤل الخامس: هل العقائد مصائد وضيعة باستثناء عقيدة التنوير؟ العقائد لا يمكن تجميعها كلها تحت مظلة واحدة مقابل عقيدة التنوير التي هي عقيدة التحرر من العقائد والاخلاقيات، عقيدة الفوضى والعدمية. وكما قلت في الإجابة السابقة، الرد يتطلب مجهود إسلامي لتوضيح الإسلام وعقيدته وتوضيح انها مخالفة لغيرها من العقائد وان الإسلام هو الدين الحق، ليس الدين الحق لأنه دين طائفة نخبوية تريد فرض رؤيتها وتحقيق مصالحها ولكن دين الحق لأنه دين الله المنزل من السماء للبشر جميعا دين يتم تطبيقه على المؤمنين وعلى الكافرين بعدل ومساواة بدون تمييز. وان هناك فرق كبير بين المسلمين الخطائين والإسلام دين الحقيقة الذي يحتاج اليه العالم لاخراجه من الظلمات الة النور فالإسلام في النهاية هو الذي أخرج أوروبا من ظلمات القرون الوسطى الى نور المعرفة والحضارة حتى وإن أنكر كثير من الأوروبيين ذلك.

#المنظومة_الشيطانية

#ديناميكية_النخب_السياسية

الملحوظات السفلية

[1]  The Leo Strauss Center website bio section

[2] neo-Kantian

[3] Ernst Cassirer

[4] Edmund Husserl

[5] Martin Heidegger

[6] The Leo Strauss Center website ‘About’ section

[7] https://en.wikipedia.org/wiki/Georg_Wilhelm_Friedrich_Hegel

[8] Leo Strauss, “Relativism”, 13–26 in The Rebirth of Classical Political Rationalism, ed. Thomas L. Pangle, (Chicago: University of Chicago Press) 25.

[9]  Leo Strauss’s Classic Natural Right Teaching, S. B. Drury, Political Theory magazine, Vol. 15, No. 3 (August 1987), pp. 299–315

[10]  “Exoteric Teaching” (Critical Edition by Hannes Kerber). In Reorientation: Leo Strauss in the 1930s. Edited by Martin D. Yaffe and Richard S. Ruderman. New York: Palgrave, 2014, p. 275.

[11] Smith, Steven (2007). Reading Leo Strauss. University of Chicago Press.ISBN 0226763897. excerpt entitled “Why Strauss, Why Now?”;  Mansfield, Harvey (1975). “Strauss’s Machiavelli”Political Theory. Retrieved2013-05-10. . . . a book containing much that is appreciably esoteric to any reader stated in a manner either so elusive or so challenging as to cause him to give up trying to understand it.; Damon Linker (October 31, 2014). “What if Leo Strauss was Right?”The Week. Retrieved 2014-11-04.

[12] https://en.wikipedia.org/wiki/Gotthold_Ephraim_Lessing

[13]  Jew and Philosopher: The Return to Maimonides in the Jewish Thought of Leo Strauss p. 25

[14]  Allan Bloom, “Leo Strauss”, 235–55 in Giants and Dwarfs: Essays 1960–1990 (New York: Simon and Schuster, 1990) 238–39.

[15]  Faith and Political Philosophy: The Correspondence Between Leo Strauss and Eric Voegelin, 1934-1964, p. 193

[16] Political Philosopher and Jewish Thinker, p. 3

[17] Carl Schmitt and Leo Strauss: the hidden dialogue, Heinrich Meier, University of Chicago Press 1995, 123

[18] Carl Schmitt and Leo Strauss: the hidden dialogue, Heinrich Meier, University of Chicago Press 1995, 125

[19] Carl Schmitt and Leo Strauss: the hidden dialogue, Heinrich Meier, University of Chicago Press 1995

[20] Lilla, Mark (2001), “Alexandre Kojève””., The Reckless Mind. Intellectuals in Politics, New York: New York Review Books, p. 131, ISBN 0-940322-76-5

[21] Strauss, Leo, Gourevitch, Victor; Roth, Michael S., eds., On Tyranny

[22] Thomas L. Pangle, “Epilogue”, 907–38 in History of Political Philosophy, ed. Leo Strauss and Joseph Cropsey, 3rd ed. (Chicago: University of Chicago Press, 1987) 907–8.

[23] Leo Strauss, On Tyranny (New York: Free Press, 1991) 22–23, 178.

[24] Leo Strauss, “The Crisis of Our Time”, 41–54 in Howard Spaeth, ed., The Predicament of Modern Politics (Detroit: University of Detroit Press, 1964) 47–48.  Leo Strauss, “What Is Political Philosophy?” 9–55 in Leo Strauss, What Is Political Philosophy? and Other Studies (Glencoe, IL: The Free Press, 1959) 18–19.

[25] Leo Strauss, The City and Man (Chicago: Rand McNally, 1964) 10–11.

[26] Leo Strauss, “Plato”, 33–89 in History of Political Philosophy, ed. Leo Strauss and Joseph Cropsey, 3rd ed. (Chicago: University of Chicago Press, 1987) 68.

[27] On Tyranny, p. 143

[28] Green, K. H. (editor), Strauss, L., Jewish Philosophy and the Crisis of Modernity : Essays and Lectures in Modern Jewish Thought, 1997, State University of New York Press, pp. 413–14

[29] Dannhauser, Werner J. Leo Strauss in His Letters in Enlightening revolutions: Essays in Honor of Ralph Lerner, edited by Svetozar Minkov and Stephane Douard, p. 360 (2007 Lexington Books)

[30] Deutsch, Kenneth L. and Walter Nicgorski Leo Strauss: Political Philosopher and Jewish Thinker pp. 11–12, 1994 Rowman & Littlefield

[31] Schall S.J., James V. A Latitude for Statesmanship: Strauss on St. Thomas in Leo Strauss: Political Philosopher and Jewish Thinker, ed. Kenneth L. Deutsch and Walter Nicgorski, pp. 212–15, 1994 Rowman & Littlefield. For an early treatment of Aquinas’ understanding of the relation between philosophy and sacred, revealed law, see Strauss’s early Philosophy and Law (Philosophie und Gesetz), where Christian medieval theology testifies to a less than amicable opposition between pagan (though not necessarily Platonic or political) philosophy and Biblical morality.

[32] Feser, Edward, “Leo Strauss 101” (a review of Steven B. Smith’s Reading Leo Strauss: Politics, Philosophy, Judaism), National Review Online, May 22, 2006. Archived November 15, 2006, at the Wayback Machine.

[33] Natural Right and History, p. 119

[34] Nicholas Xenos, “Leo Strauss and the Rhetoric of the War on Terror,”Logosjournal.com

[35] Claes G. Ryn, “Leo Strauss and History: The Philosopher as Conspirator,” Humanitas, Vol. XVIII, Nos. 1 & 2 (2005).

[36] Paul Gottfried, “Strauss and the Straussians”LewRockwell.com, April 17, 2006. Retrieved February 16, 2007.; Cf. Paul Gottfried, “Paul Gottfried: Archives”Lewrockwell.com. Retrieved February 16, 2007.

[37]  Seymour M. Hersh“Selective Intelligence”The New Yorker, May 12, 2003. Retrieved June 1, 2007.; Brian Doherty, “Origin of the Specious: Why Do Neoconservatives Doubt Darwin?”Reason Online, July 1997. Retrieved February 16, 2007.

[38] The City and Man, p. 104

[39] Mark C. Henrie (May 5, 2011). “Straussianism”. First Principles – ISI Web Journal.

[40] https://en.wikipedia.org/wiki/David_Brin

[41] http://www.davidbrin.com/neoromantics.html

[42] ODD-COUPLE ALLIANCES: No civilization has lacked conspirators at all levels who strove to augment their power. (Hence the common theme in most of our modern myths — Suspicion of Authority.)

Moreover, in most cultures aristocrats would strive to further enhance their high position by grasping the reins of government for their benefit. From a historical perspective, what could be more unsurprising? (Can you find an era when it did not happen?) Moreover, odd couple alliances were common. Caesar and other patricians allied themselves with leading plebians for mutual benefit. In Weimar Germany, the Junker aristocratic class nurtured the Hegelian-mystical National Socialist Party, despite mutual loathing, in order to join forces against the Communists.

[43] https://en.wikipedia.org/wiki/Libertarianism

[44] https://en.wikipedia.org/wiki/Patrician_(post-Roman_Europe)

[45] https://en.wikipedia.org/wiki/Dixiecrat

[46] https://en.wikipedia.org/wiki/Isolationism

[47] STRONGEST SHARED ATTRIBUTE: For example, the relentless effort to both reduce taxes on the rich and reduce accountability standards for the small but potent CEO/Board-level executive class. Top percentile tax cuts that are right for economic down-turns (“stimulus”) were also right for times of prosperous surplus (hand it out quickly, instead of paying off the debt), or for times of increasing deficit (“deficits now will spur greater revenues later”), and even in time of war. Since there are no circumstances under which advocates can perceive halting the push for more such benefits for their own elite class, and then more, “insatiability” is an applicable term, whatever overlying rationalizations they use.

[48] http://www.nytimes.com/2003/05/04/weekinreview/the-nation-leo-cons-a-classicist-s-legacy-new-empire-builders.html

[49] https://en.wikipedia.org/wiki/James_Atlas

[50] http://rightweb.irc-online.org/profile/wolfowitz_paul/

[51] http://rightweb.irc-online.org/profile/perle_richard/

[52] http://rightweb.irc-online.org/profile/kristol_irving/

[53] http://rightweb.irc-online.org/profile/kristol_william/

[54] http://rightweb.irc-online.org/profile/schmitt_gary/

[55] http://rightweb.irc-online.org/profile/fukuyama_francis/

[56] TODAY AS MUCH AS IN THE PAST: How can anyone, reading Thucydides, Plutarch or Gibbon, imagine the Greeks, Hellenists or Romans had anything to teach us about political wisdom, except as cautionary warnings? Few figures in the annals, other than Pericles — and maybe Cincinnatus — behaved with the level of maturity we now demand from Cub Scouts.

[57] http://www.nytimes.com/2003/03/23/magazine/the-philosopher-of-islamic-terror.html

[58] https://en.wikipedia.org/wiki/Paul_Berman

[59] https://en.wikipedia.org/wiki/Liberalism

[60] https://en.wikipedia.org/wiki/Humanism

[61] https://en.wikipedia.org/wiki/Tim_LaHaye

[62] https://en.wikipedia.org/wiki/Left_Behind

[63] Washington Report on Middle East Affairs, and Unknown News

[64] JARRING INCOMPATIBILITIES: Among those who have successfully blurred this boundary are Tom Delay, Bill Frist, Zell Miller, Trent Lott, Rick Santourum, and Justice Antonin Scalia. All have closely associated themselves with Christian Reconstructionists AKA Dominionists while at the same time staying close to the Straussians.

Again, this remains possible only because the long range future is either banished from discussion or dismissed as unimportant compared to a shared, near term political agenda. Glossed over is the fact that they are on record simultaneously supporting visions of a desired/imminent apocalypse and notions of a burgeoning, space-faring and ever-richer humanity, led toward an ongoing golden tomorrow of Platonic excellence by Pax Americana and its class of philosopher kings.

If these two visions of tomorrow are compatible, no one ever seems to think it necessary to explain how. What this shows is that rationalization trumps vision. The future, which should be the core focus of ideology, is — as it was under Marx — relegated to window dressing. What truly matters is one thing: The near-term cultural war.

[65] https://en.wikipedia.org/wiki/Romanticism

[66] https://en.wikipedia.org/wiki/Skepticism

[67] https://en.wikipedia.org/wiki/Mind_games

[68] https://en.wikipedia.org/wiki/Communism

[69] https://en.wikipedia.org/wiki/Fascism

[70] NOTHING WHATSOEVER TO DO WITH SCIENCE: See The Open Society and its Enemies, by Karl Popper, or my own The Transparent Society: Will Technology Force Us to Choose Between Freedom and Privacy?

[71] https://en.wikipedia.org/wiki/Sigmund_Freud

[72] https://en.wikipedia.org/wiki/Nationalism

[73] التعبير معناه محاولة الظهور كأشخاص يقدمون شيئاً هاما وأنهمً ذوي مصداقية وفعالية بينما هم في الحقيقة لا يفعلون شيء فعال او هام

[74] https://en.wikipedia.org/wiki/George_Orwell

[75] https://en.wikipedia.org/wiki/Nineteen_Eighty-Four

[76] http://www.davidbrin.com/1984.html

[77] https://en.wikipedia.org/wiki/Gilgamesh

[78] https://en.wikipedia.org/wiki/Clementine_literature

[79] https://en.wikipedia.org/wiki/Roland_de_Vaux

Advertisements

تعليقات

6 comments on “الحلقة الاولى : ليو ستراوس”
  1. Ashraf كتب:

    الحلقة غير ظاهرة

    إعجاب

  2. omran كتب:

    الحلقة غير متوفرة

    إعجاب

  3. walid كتب:

    سيدي الكريم ، اني معجب و منبهر جدا بالمستوى العالي لمقالاتك و حقيقة مرت مدة طويلة لم ارى فيها مثل هذه المقالات باللغة العربية ، اشكركم على مجهودكم و نشركم للمقالات على الانترنات و ارجو منكم ان تكملوا وضع بقية المقالات لان الاجزاء الثانية و الثالثة و الرابعة و الخامسة تحتوي على عناوين الحلقات فقط و ارجو منكم ايضا جمع الروابط و تنظيمها خاصة ما تنشره علىfacebook وشكرا لكم من جديد

    إعجاب

  4. حبيب كتب:

    سيدي انا لا اعرفك …الا ان مقالك عذا يعرفنا بك ..تشرفنا و احتراماتنا سيدي .
    سمعت عن هذه المنظمة الخفية التي تقود العالم منذ كنت في الثانوية ..لمح اليها استاذ التاريخ.
    ما اريد قوله هو
    انت نبيه بما لتجمع كل هذه المعلومات …لكنك لست ذكيا ..
    فصاحبها اراد لك ان تجمعها كما اراد لنا قرائتها
    لا يمكننا كشف اسرارهم لسبب او لاخر …ربما لسنا بمستواهم الفكري و العلمي
    لكن وهو الاهم يتوجب وينبغي معرفة انفسنا ..من نحن ؟…وما ينبغي لنا وما يتوجب علينا فعله ؟ … حتى يتسنى لنا النهوض بامتنا
    كلامك مفيد في معرفة الاخرين وما يفكرون به لكن من نحن ؟؟؟؟

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s