الحلقة السابعة عشرة : محاضرة اوروبا والاسلام

 

محاضرة أوروبا والإسلام

محاضرة اوروبا والاسلام في حفل عشاء جائزة ايرفينج كريستول عام 2007م.ريستول 

هذه المحاضرة ألقاها برنارد لويس عام 2007 في الإحتفال بجائزة إيرفينج كريستول

 

أوروبا والإسلام Europe and Islam

أحياناً يُتناسى أن محتوى التاريخ – عمل المؤرخ – هو الماضي، وليس المستقبل. أتذكر وجودي في إجتماع دولي في روما جلست خلاله مجموعة منا وناقشت المسألة التالية: هل يجب على المؤرخين التنبؤ بالمستقبل؟ ناقشنا الموضوع من كل الجوانب، مع الوصول الى أجوبة مختلفة، ومتضادة في بعض الأحيان. كان ذلك عندما كان الإتحاد السوفياتي مازال حياً وحالته جيدة. واحد من زملائنا السوفييت تدخل في النهاية وقال: “في الإتحاد السوفياتي، المهمة الأكثر صعوبة للمؤرخ هو التنبؤ بالماضي.”

لا أعتزم تقديم أي نبؤات عن مستقبل أوروبا أو الإسلام، لكن هناك شيء واحد يمكن توقعه بشكل شرعي من المؤرخ، وهو تحديد النزعات والسيرورات processes – للنظر في النزعات في الماضي، وما هو مستمر منها في الحاضر، وبالتالي رؤية الإمكانيات والخيارات التي ستواجهنا في المستقبل.

في التعامل مع العالم الإسلامي هناك سبب خاص للإهتمام بالتاريخ – أنه مجتمع من الوعي التاريخي الفطن الإستثنائي. بخلاف ما يحدث في أمريكا وبدرجة أكبر أوروبا، في الأراضي الإسلامية، وخاصة في الشرق الأوسط، المعرفة التاريخية، بالعودة الى الوراء حتى ظهور الإسلام في القرن السابع، منتشرة وواسعة وإن لم تكن دائماً دقيقة، إلا انها حية ومفصلة. خلال الحرب التي دارت بين قوتين إسلاميتين هما العراق وإيران ما بين 1980 حتى 1988 م.، الدعاية الحربية من كلا الطرفين، التي كانت تخاطب كل منها شعبها والعدو، كانت ممتلئة بالتلميحات التارخية – ليست روايات تروى من التاريخ، ولكن تلميحات سريعة عابرة، أحياناً ليس أكثر من إسم شخص أو مكان أو حدث. هذه التلميحات كانت تُستخدم بالمعرفة المؤكدة أنها ستُلتقط وتُفهم، حتى من هذا الجزء الغير مثقف من المستمعين. الكثير من التلميحات كانت تشير إلى أحداث من القرن السابع الميلادي – أحداث مازالت تُتذكر بحيوية وأهمية عميقة.  بعض معرفة التاريخ ضرورية لو كان على الفرد أن يفهم الخطاب الشعبي للزعماء المسلمين في زمننا الحاضر – سواء في الوطن أو المنفى، سواء في الحكم أو المعارضة. من المواضيع المفضلة لدى المؤرخ، تقسيم التاريخ إلى فترات. وهذا غالباً ما يكون مناسباً للمؤرخ لأغراض الكتابة أو التعليم. لكن مع ذلك، هناك أوقات في التاريخ الطويل للمغامرة البشرية عندما يكون لدينا نقطة تحول حقيقية، تغيير كبير – نهاية حقبة، بداية حقبة جديدة. تزداد قناعتي أننا في مثل هذا العصر في زمننا الحاضر – (مقبلون على) تغير في التاريخ يشبه سقوط روما، ظهور الإسلام، إكتشاف امريكا.

إصطلاحياً، التاريخ المعاصر للشرق الأوسط يبدأ في نهاية القرن الثامن عشر، عندما تمكنت قوة فرنسية صغيرة بقيادة قائد شاب يُسمى نابوليون بونابارت من غزو مصر وحكمها بحصانة (الإفلات من العقاب). كانت صدمة كبرى أن أحد معاقل الإسلام يمكن أن تُغزى وتُحتل بدون مقاومة فعالة واقعياً. الصدمة الثانية جاءت بعد ذلك بسنوات مع رحيل الفرنسيين، والذي لم يحدث بسبب المصريين أو سادتهم، الأتراك العثمانيين، ولكن بسبب أسطول صغير من البحرية الملكية البريطانية بقيادة أدميرال شاب يُسمى هوراتيو نلسون، والذي طرد الفرنسيين من مصر وأعادهم إلى فرنسا.

هذه الأحداث كانت ذات أهمية رمزية عميقة. منذ بداية القرن التاسع عشر، لم تعد لحكام الإسلام سيطرة كاملة على معاقل الإسلام. فقد خضعت لنفوذ أو الأكثر تكراراً سيطرة خارجية مباشرة أو غير مباشرة من أجزاء مختلفة من أوروبا، أو كما كانوا يرونها، من العالم المسيحي.

في ذلك الوقت فقط بدأ إستخدام الإسم “أوروبا” الذي لم يكن معروفاً من قبل من المسلمين في الشرق الأوسط – تغيير في المصطلح أكثر منه في الدلالة.

القوى المهيمنة في أراضي المسلمين أصبحت قوى خارجية. ما أصبح يشكل حياتهم هي الأفعال والقرارات الخارجية. من يعطيهم خيارات هم المتنافسون الأجانب. اللعبة السياسية التي أصبح بإمكانهم لعبها – الوحيدة المتاحة أمامهم – كانت محاولة الإستفادة من التافس بين القوى الخارجية، محاولة إستخدامهم ضد بعض. نرى ذلك مراراً وتكراراً في خلال القرنين التاسع عشر والعشرين وحتى في بداية القرن الحادي والعشرين. على سبيل المثال نرى في الحرب العالمية الأولى والثانية والحرب الباردة كيف لعب زعماء الشرق الأوسط هذه اللعبة بدرجات مختلفة من النجاح.

لوقت طويل، كان المتنافسون على الهيمنة هي القوى الإمبريالية الأوروبية المتنافسة – بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، روسيا، إيطاليا. في المرحلة الأخيرة من القرن العشرين، إكتسبت هذه المنافسات محتوى إيديولوجي صريح – في الحرب العالمية الثانية، الحلفاء ضد المحور؛ في الحرب الباردة، الغرب مقابل السوفييت. على مبدأ “عدو عدوي صديقي” كان من الطبيعي لناس تحت حكم أو هيمنة أجنبية أن يتوجهوا الى المنافسين الإمبرياليين – وفيما بعد الإيديولوجيين أيضاً—لسادتهم. الأحزاب (العربية) الموالية للنازيين وبعد ذلك للسوفييت، وفي بعض الأحيان كان لها نفس الزعماء، من بين الشعوب الخاضعة للامبراطوريات البريطانية والفرنسية تبين ذلك جيداً.

من المثير للاهتمام، يبدو أنه لم يكن هناك حركات موالية للغرب بين الشعوب المسلمة التي خضعت للحكم السوفييتي. السوفييت، حتى قبيل إنهيارهم كانوا أكثر مهارة adept  في كل من  التلقين indoctrination  والقمع repression  أكثر من الإمبراطوريات الأكثر تفتحاً في الغرب. (ملحوظة مهمة جداً، عندما إكتشف الغربيون قابلية الشعوب المسلمة للتلقين والقمع، إستخدموها ضدهم بكفاءة، في الأنظمة العميلة التابعة لهم حتى اليوم، هذا ظاهر من 60 سنة حكم عسكري ومن سياسة الإنقلاب في مصر، هذه السياسات القمعية من الحكم العسكري والتلقينية من الإعلام الموجه، ليست وليدة أنظمى إستبدادية وإنما مفروضة من أنظمة غربية تعلمتها من التجربة السوفيتية وصقلتها وأجادت إستخدامها وبلا شك أنها مازالت تلقى نجاحاً كبيراً من الشعوب العربية وبمباركة دينية أيضاً)

اللعبة إنتهت الآن. الحقبة التي دشنها نابوليون ونلسون أنهاها ريغان وجورباتشوف. الشرق الأوسط لم يعد يُحكم أو يُهيمن عليه من قوى خارجية (أكذوبة كبيرة طبعاً، ولكن شكل الهيمنة الخارجية هو الذي إختلف وأصبح أكثر خبثاً وشراسة). الشرق أوسطيون واجهوا بعض الصعوبات في تعديل أنفسهم لهذا الوضع الجديد، وفي تولي مسؤولية أفعالهم وعواقبها.

أتذكر سؤال وجهته لي سيدة إيرانية، تنتقد بمرارة حكومة بلدها، “لماذا قررت القوى الإمبريالية فرض نظام حكم إسلامي ثيوقراطي على إيران؟” ولكن البعض بدأوا في تولي المسؤولية الآن، وهذا التغيير تم التعبير عنه من أسامة بن لادن بوضوحه وبلاغته المعتادة.

(هذه هي الخبرة اليهودية في التحريف والتضليل، بديل هيمنة الغرب وترك المسلمين يتولون مسؤولية أنفسهم هي ظهور امثال أسامة بن لادن، طبعاً هناً يعني صورة أسامة بن لادن الإرهابي، هذه رسالة التي يريد برنارد توصيلها وتأكيدها، رسالة مزيفة ومضللة، أن المسلمون غير قادرين على تحمل مسؤولية أنفسهم، ولكن من صنع أسامة بن لادن، سنعرف في الحلقات التالية ان السي آي إي هي التي طلبت الإستعانة بالمقاتلين العرب في أفغانستان هي التي دربتهم وزودتهم بالسلاح هي التي تعاونت معهم لفتح مكاتب في العواصم الاوروبية لتجنيد الشباب وجمع الاموال لدعم المعركة ضد السوفييت، سنعرف ان أسامة بن لادن حاول اللجوء إلى بريطانيا والإستقرار فيها عام 1995 م. ولكن الغرب رفض، بل إن السودان حاول تسليمه لأمريكا عام 1996 ولكن أمريكا رفضت، أمريكا كانت تدفعه للذهاب إلى أفغانستان وتغلق امامه كل الطرق الأخرى، سنعرف ان تفجير مركز التجارة العالمي عام 1993 وتلفيق تهمة التفجيرات والإرهاب للشيخ عمر عبد الرحمن وتفجير السفارات الامريكية عام 1998 وتفجير المدمرة كول وهي الاحداث التي صنعت من خلالها امريكا أسطورة الإرهاب كلها من صناعة وتدبير الإستخبارات الامريكية والبريطانية باستعمال عملاء لها مخترقين للقاعدة ومنظمة الجهاد، أمثال على محمد ولحسين خريشتو وجمال الفضل وعماد سالم وغيرهم، أمريكا صنعت صورة أسامة بن لادن الإرهابي وفرضت عليه لعب الدور وأغلقت أمامه كل الطرق الاخرى، الموضوع تفاصيله كثيرة لكنه واضح فقط يحتاج منا قراءته وإستيعابه، التجربة مريرة والعداوة الغربية شرسة ووحشية ومخادعة وفي منتهى القذارة، بدرجة لا تستطيع عقولنا إستيعابها، وساتناولها في الحلقات القادمة بمشيئة الله )

مع نهاية حقبة الهيمنة الخارجية، نرى عودة ظهور بعض النزعات القديمة والتيارات العميقة في تاريخ الشرق الأوسط، والتي كانت قد غُمرت أو على الأفل أُخفيت خلال قرون الهيمنة الغربية. لآن عادت مرة أخرى. واحدة من هذه النزعات هي الصراعات الداخلية – الإثنية والطائفية والإقليمية – بين القوى المختلفة في الشرق الأوسط.

هذه المظاهر إستمرت بالطبع، ولكن كانت أقل أهمية في الحقبة الإمبريالية. والآن خرجت مرة أخرى وإكتسبت قوة، كما نرى من الصدام الحالي بين السنة والشيعة، على درجة غير مسبوقة منذ قرون. (من الذي يغزي الصراع الشيعي السني ويشجع الحروب الطائفية، برنارد يريد أن يقول أنها طبيعة متأصلة في شعوب الشرق الأوسط ولا دخل للغرب بها وهي أكذوبة كبرى)

تغيير آخر وثيق الصلة بدرجة أكثر مباشرة لموضوعنا الحالي وهو العودة بين المسلمين لما يتصورونه الصراع الكوني بين العقيديتين، المسيحية والإسلام. هناك ديانات كثيرة في العالم، ولكن بقدر ما أعرف هناك ديانتان فقط تزعمان أن حقائقهما ليست فقط كونية (كل الديانات تزعم ذلك) ولكن أيضاً حصرية: أنهما هما المتلقيتان المتميزتان لرسالة الله النهائية للبشرية ومن واجبهما أن لا يحتفظا بتلك الرسالة بأنانية لنفسيهما، مثل أتباع الديانات الإقليمية والإثنية، ولكن تقديمها لباقي البشرية، مع إزالة أي عوائق قد تتواجد في طريقهما، هاتان الديانتان هما المسيحية والإسلام. هذا التصور الذاتي المشترك بين العالم المسيحي والإسلام، أدى إلى صراع طويل دائر منذ أربعة عشر قرن والآن يدخل في مرحلة جديدة. في العالم المسيحي، الآن في بداية القرن الحادي والعشرين من حقبته، هذا الموقف الإنتصاري triumphalist  لم يعد سائداً، وينحصر فقط في مجموعات قليلة صغيرة. في عالم الإسلام، وهو الآن في بداية قرنه الخامس عشر، مازالت الإنتصارية triumphalism  قوة هامة، ووجدت تعبير عنها في الحركات العسكرية الجديدة (يقصد التنظيمات الجهادية مثل الجهاد والقاعدة).

من المثير للاهتمام أن في الأزمان الأولى، رفض كلا الجانبين لوقت طويل الإعتراف بأن هذا صراع بين الأديان – يعني الإعتراف بأن الآخر دين عالمي منافس. بل شاهدوه على أنه صراع بين الدين – يعني عقيدتهم الصحيحة – والكافرين. كل جانب من الجانبين كان يفضل تسمية الآخر بتعبيرات غير دينية. العالم المسيحي أطلق على المسلمين المور Moors، الساراسين Saracens التتار Tatars والترك Turks؛ حتى ان الداخل في الإسلام كان يُقال عليه “أصبح تركياً”. المسلمون من جانبهم كانوا يسمون من في العالم المسيحي: رومان، فرنجة، سلاف، ومثل ذلك. فقط ببطء وتردد بدأوا بتسمية كل طرف للآخر تسميات دينية، وكانت تلك التسميات في غالبية الأحوال غير دقيقة وللتحقير. في الغرب كان من المعتاد تسمية المسلمين: المحمديون، وهو ما لا يسمي به المسلمون أنفسهم أبداً؛ هذا كان بناء على إفتراض زائف تماماً بأن المسلمين يعبدون محمد (صلى الله عليه وسلم) بنفس الطريقة التي يعبد بها المسيحيون المسيح. التعبير المعتاد الذي يطلقه المسلمون على المسيحيين هو النصارى – وهو عبارة محلية لمكان يُسمى الناصرة. (أكذوبة كبيرة أخرى، النصارى هو الإسم الذي أُطلق على المسلمين الذين آمنوا بالمسيح كنبي بشري ولم يؤلهوه وهو وصفهم في القرآن وحتى في المصادر المخطوطية المكتشفة اليوم والمتداولة بين علماء الأديان، هؤلاء النصارى رفضوا تأليه المسيح وقتلهم المسيحيون الذين إتبعوا الدين المحرف الذي أنشأه اليهود والرومان للقضاء على الإسلام، قتلوا منهم ملايين في مذابح إمتدت لقرون، خاصة في الثلاثة قرون الميلادية الاولى، لكن برنارد لويس لا ينسى أبداً انه يهودي ويستغل كل فرصة حتى ولو كانت هامشية للطعن في الإسلام ومصداقية القرآن الذي ذكر كلمة نصارى ليشير بطريقة غير مباشرة وعارضة إلى عدم موثوقيته وتكون فرصة للطعن في مصداقيته، ولكن برنارد لويس كاذب ومفضوح لان ليس القرآن وحده من تكلم عن النصارى ولكن عشرات ومئات المخطوطات المكتشفة ذكرتهم)

إعلان الحرب جاء تقريباً في بداية الإسلام. حسب رواية قديمة، في السنة السابعة من الهجرة، الموافقة لعام 628 م.، أرسل النبي ستة رسل، معهم رسائل الى أباطرة بيزنطا وفارس ونجاشي الحبشة وحكام آخرين وأمراء، مُعلماً إياهم بظهوره وداعياً لهم بإعتناق عقيدته أو مكابدة العواقب. موثوقية هذه الرسائل النبوية مشكوك فيها، ولكن فحواها دقيق من حيث المعنى الذي يعكس وجهة النظر السائدة بين المسلمين منذ الأزمنة الأولى.

بعد ذلك بقليل أصبح لدينا شواهد صلبة – وأقصد صلبة بالمعنى الحرفي الكامل – في النقوش. من أشهر المشاهد في القدس مبنى قبة الصخرة المشهور. وهو هام من عدة جوانب. فهو مبني على جبل المعبد، وهو مكان مقدس في التقليد يهودي-مسيحي. نمطه المعماري هو نمط الكنائس المسيحية الأولى. وهو أقدم مبنى إسلامي مبني خارج الجزيرة العربية، يعود إلى نهاية القرن السابع وبناه عبد الملك، واحد من الخلفاء الأوائل. ما يمثل أهمية خاصة الرسالة الموجودة في النقوش على المبنى:” إلهاً واحداً، لم يلد، ولم يولد، لم يكن له كفواً أحد” (القرآن 9: 31 – 3؛ 112: 1 – 3). هذا تحدي واضح لبعض المباديء المحورية للعقيدة المسيحية. (أكذوبة أخرى أيضاً أن قبة الصخرة مكان مقدس مسيحي ويهودي، التاريخ تم تزييفه، المسيح جاء بالإسلام وطرد كهنة اليهود الكافرين، من الحرم المقدس ومنعهم من دخوله، وبعد رفع المسيح قامت دولة إسلامية موحدة للحواريين النصارى حاربتها روما بدعم من اليهود الكافرين حتى عام 135 م. بعد أن حطم الرومان دولتهم بعد حروب طاحنة قتلت منهم الملايين فيها وإمتدت سبعين سنة، وبعد أن دخل هادريان القدس حول الحرم إلى معبد وثني وساعده على ذلك اليهود، مساعد هادريان اليهودي آكيلا هو الذي حول الحرم الى معبد روماني وثني، آكيلا هذا نفسه من اليهود الذين حرفوا التوراة والاناجيل لتحل محل التوراة والإنجيل الحقيقيين ومن الذين أنشأوا المسيحية الوثنية لتحل محل الإسلام الحقيقي الذي جاء به عيسى عليه السلام.  لا اليهود ولا المسيحيون كانوا أبداً أولياء الحرم ولن يكونوا، ولكنهم قتلة ومزيفون للتاريخ هذه هي الحقيقة، وهناك حلقات لي بعنوان جرائم اليهود والرومان توضح هذه الحقيقة.)

من المثير للإهتمام أن الخليفة أعلن نفس الرسالة على عملة ذهبية جديدة. حتى ذلك الوقت سك العملات الذهبية كان محصوراً في الرومان، فيما بعد إنتقل هذا الإمثياز الى البيزنطيين، واستوردتها منهم دول أخرى منها الخلافة الإسلامية. الخليفة الإسلامي سك لأول مرة عملات ذهبية، خارقاً الإمتياز السحيق لروما، وواضعاً نفس النقوش (التوحيدية) عليها. الإمبراطور البيزنطي فهم التحدي المزدوج، وذهب إلى الحرب – لكن بدون إنجاز (بدون تحقيق نتائج).

هاجم المسلمون العالم المسيحي والصراع الناتج، الذي نشأ على الأكثر بسبب تشابههم أكثر من إختلافاتهم مر بثلاثة مراحل. الأولى يعود تاريخها الى بداية الإسلام، عندما خرجت العقيدة الجديدة من شبة الجزيرة العربية، حيث وُلدت، إلى الشرق الأوسط وما وراءه. في ذلك الوقت غزت الجيوش المسلمة من الجزيرة العربية سوريا وفلسطين ومصر وشمال أفريقيا – التي كانت كلها في ذلك الوقت جزء من العالم المسيحي – وبدأت عملية الأسلمة والتعريب. ومن هناك تقدموا الى أوروبا، غزوا أسبانيا، والبرتغال وصقلية، والأقاليم المجاورة للبر الإيطالي الجنوبي، وكلها أصبحت جزء من العالم الإسلامي، حتى أنهم عبروا جبال البرانس Pyrenees  واحتلوا أجزاء من فرنسا لبعض الوقت.

بعد معركة طويلة ومريرة، دبر المسيحيون لإستعادة بعض وليس كل الأراضي التي فقدوها. نجحوا في أوروبا، وبمعنى آخر “تحددت أوروبا بحدود نجاحهم”. (تعبير في منتهى الخطورة) ولكنهم فشلوا في إستعادة شمال أفريقيا أو الشرق الأوسط، الذي فُقد من العالم المسيحي، وبشكل خاص فشلوا في إستعادة الأرض المقدسة، في سلسلة الحملات المعروفة بالحروب الصليبية.

لم يكن هذا نهاية المطاف. في نفس الوقت بعد أن فشل العالم الإسلامي في غزو أوروبا في المرة الأولى، تحرك تجاه هجمة ثانية، هذه المرة ليس بقيادة العرب والمور ولكن الترك والتتار. في منتصف القرن الثالث عشر دخل غزاة روسيا المغول في الإسلام. الترك الذين كانوا قد غزوا حتى ذلك الوقت آسيا الصغرى تقدموا إلى أوروبا وفي عام 1453 م. إستولوا على مدينة القسطنطينية المسيحية القديمة. غزوا البلقان وحكموا لبعض الوقت نصف بلغاريا. وصلوا مرتين إلى فيينا، التي حاصروها عام 1529 م. ثم في 1683 م. سفن القراصنة البربر من شمال أفريقيا – المعروفين جيداً لمؤرخي الولايات المتحدة – أغاروا على أوروبا الغربية. ذهبوا إلى إيسلندا – أقصى حد – في 1627 م. ولأماكن عديدة في أوروبا الغربية، ومن ذلك الغارة على بالتيمور (الأصلية في إيرلندا) عام 1631 م. في وثيقة معاصرة لذلك الزمان، لدينا قائمة بها أسماء 107 أسير أُخذوا من بالتيمور إلى الجزائر، منهم رجل إسمه تشيني Cheney.

مرة أخرى ردت أوروبا الهجوم، هذه المرة بنجاح أكبر وأسرع. نجح المسيحيون في إستعادة روسيا وشبه جزيرة البلقان والتقدم في الأراضي الإسلامية، مطاردين حكامهم السابقين (المسلمين) أينما حلوا. في هذه المرحلة من الهجوم الأوروبي المضاد، تم إبتداع تعبير جديد: الإمبريالية.

عندما غزت شعوب آسيا وأفريقيا أوروبا، هذا لم يكن إمبريالية. ولكن عندما هاجمت أوروبا آسيا وأفريقيا كانت إمبريالية. هذا المفهوم عمل كمصدر مزدوج للإلهام – الإستياء من جانب والذنب من جانب آخر. الغرب بلا شك بسبب ميراثه المسيحي-يهودي لديه تقليداً طويلاً من الاحساس بالذنب والمعاقبة الذاتية.

الإمبريالية، التحيز الجنسي، العنصرية كلها تعبيرات غربية، ليس لأن العرب إخترعوها – هي جزء من ميراثنا البشري المشترك وربما أيضاً الحيواني – ولكن لأن الغرب كان أول من حدد إسمها وأدانها، وشن حرب ضدها، مع بعض النجاح.

هذا الهجوم الأوروبي المضاد بدأ مرحلة جديدة، نقلت الحكم الأوروبي إل قلب الشرق الأوسط. إكتمل بعد نتائج الحرب العالمية الاولى؛ وإنتهى بعد نتائج الحرب العالمية الثانية. في زماننا، رأينا نهاية الهيمنة الأوروبية ومنها الروسية على أراضي الإسلام.

أسامة بن لادن، في بعض تصريحاته وإعلاناته المثيرة للاهتمام، قال رأيه في الحرب الأفغانية (1978 – 1988م.) التي أدت إلى هزيمة وإنسحاب الجيش الأحمر وإنهيار الإتحاد السوفييتي. نميل إلى رؤية ذلك إنتصاراً غربياً، وبتحديد أكثر إنتصاراً أمريكياً، في الحرب الباردة ضد السوفييت. بالنسبة لأسامة بن لادن، لم يكن يراه هكذا. كان يراه إنتصاراً إسلامياً في الجهاد ضد الكافرين.

لو نظرنا فيما حدث في أفغانستان وما تبع ذلك، لم يكن هذا تفسيراً غير مقبول. كما رآه أسامة بن لادن، الإسلام بلغ  مهانته القصوى في صراعه الطويل في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى – عندما تفككت آخر الإمبراطوريات الإسلامية الكبرى، الإمبراطورية العثمانية وتم تقسيم غالبية أراضيها بين الحلفاء المنتصرين، وعندما أُلغيت الخلافة وتم نفي الخليفة على يد الأتراك العلمانيين المتغربين. هذه النقطة بدت أدنى نقطة في التاريخ الإسلامي.

في تصوره، الصراع الألفي بين المؤمنين الصادقين والكافرين مر بمراحل متتابعة، كان المؤمنون فيه تحت قيادة أسر خلافة مختلفة والكافرين تحت القوى المسيحية الإمبريالية المختلفة التي خلفت الرومانيين في قيادة عالم الكافرين—الإمبراطورية البيزنطية، الإمبراطورية الرومانية المقدسة، الإمبراطوريات البريطانية والفرنسية والروسية. في هذه المرحلة الأخيرة، يقول، أن عالم الكفر إنقسم وتنازع بين قوتين عظمتين متنافستين، الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتي. المسلمون لاقوا وهزموا ودمروا الأكثر خطراً وإماتة من الفريقين. التعامل مع الأمريكيين الطريين soft المدللين المخنثين سيكون أسهل.

هذا الإعتقاد بدا مؤكداً في تسعينات القرن العشرين عندما شهد العالم هجوماً بعد آخر على القواعد والمنشآت الأمريكية مع عدم وجود رد فعال فعلياً من أي نوع – فقط كلمات غضب وصواريخ غالية الثمن تُرسل إلى مناطق نائية غير مأهولة. دروس فيتنام وبيروت (1983 م.) تم التأكيد عليها في مقديشيو (1993 م.). في كل من بيروت ومقديشيو، الهجوم القاتل على أمريكيين الذين كانوا هناك كجزء من بعثات برعاية الأمم المتحدة كان يعقبه إنسحاب فوري كامل. الرسالة فُهمت وشُرحت. “إضربهم وسيفرون”. هذا كان مجرى الأحداث التي أدت إلى 11/9. هذا الهجوم قُصد به بوضوح إتمام السلسلة الأولى وبداية السلسلة الجديدة، نقل الحرب الى قلب معسكر الأعداء.

في أعين الأقلية المسلمة المتعصبة والمصممة، الموجة الثالثة للهجوم على أوروبا بدأت بوضوح. لا يجب أن نخدع أنفسنا في ماهيتها وماهية وسائلها. هذه المرة تتخذ أشكالاً مختلفة وبشكل خاص شكلين: الإرهاب والهجرة.

الإرهاب جزء من موضوع العنف الأكبر وإستخدامه في قضية الدين. الاسلام لا يحمل التطلعات السلمية مثل المسيحية  الأولى كما يريد البعض أن نعتقد. اللاهوت والشريعة الإسلامية – مثل الممارسة (وليس النظرية) المسيحية – يعترف بالحرب كواقع حياة وفي بعض المواقف ينصح بها ويأمر بها. من وجهة النظر التقليدية، العالم ينقسم الى إثنين – دار الإسلام حيث يسود الحكم والشريعة الإسلامية، وباقي العالم الذي يُعرف بدار الحرب. فيما بعد، تم إدخال تصنيفات وسيطة، لوصف أنظمة الحكم التي لها حكم ذاتي محدود تحت السيادة الإسلامية.

الحرب لا تعني الإرهاب. التعاليم الإسلامية وبشكل اكثر خصوصية الشريعة الإسلامية، تنظم السلوك الحربي، تأمر بإحترام قوانين الحرب والمعاملة الإنسانية للنساء والأطفال وغير المحاربين. ولا تشجع على أعمال من النوع الموصوف حالياً بالإرهاب. العقيدة الإسلامية والشريعة تنهى عن الإنتحار، الذي يُعتبر خطيئة كبرى، تجلب اللعنة الأبدية.

الإنتحار حسب التعاليم الإسلامية، حتى لو كان المنتحر عاش حياة فاضلة متواصلة، يمنع دخول الجنة ويدخل الجحيم، حيث تكون العقوبة هي التكرار الأبدي للعمل الذي قتل به المنتحر نفسه.

هذه القواعد والإعتقادات كانت محفوظة بشكل عام في العصر الإسلامي القديم. إلا انها تآكلت وأُعيد تفسيرها، وفُسرت تفسيراً بعيداً من المدارس المتنوعة المعاصرة للاسلام الراديكالي. الشباب والصبايا الذين يرتكبون أعمال الإرهاب هذه يجب أن يُبلغوا بشكل أفضل عقائد وتقاليد عقيدتهم. لسؤ الحظ هذا لا يحدث؛ ولكن بدلاً من ذلك أصبح المفجرين لأنفسهم وغيرهم من أنواع الإرهابيين قدوة، يتبعهم عدد متزايد من الشباب والصبايا المحبطين الساخطين.

الشكل الثاني الوثيق الصلة بشكل أكثر مباشرة بأوروبا هو الهجرة.

في الأزمنة القديمة، لم يكن من المتصور أن المسلم يمكن أن ينتقل إلى بلد غير مسلم بإختياره. الفقهاء تناقشوا في مسألة المسلم الذي يعيش تحت حكم غير إسلامي في كتب الشريعة، ولكن بشكل مختلف: هل من المسموح للمسلم أن يعيش في أو حتى يزور بلد غير مسلم؟ ولو فعل، ماذا عليه أن يفعل؟

بصفة عامة، دُرس الامر تحت بعض العناوين المحددة.

الحالة الأولى: حالة الأسير. ومن الواضح أنه ليس له خيار، ولكن يجب عليه المحافظة على عقيدته والعودة الى وطنه في أسرع وقت ممكن.

الحالة الثانية هي حالة الكافر في أرض الكفار، الذي يرى النور ويؤمن بالعقيدة الصحيحة—بمعنى آخر، يصبح مسلم. فيجب عليه أن يرحل في أسرع وقت ممكن ويذهب إلى بلد مسلم.

الحالة الثالثة هي حالة الزائر. لزمن طويل ظلت الغاية الوحيدة التي يمكن إعتبارها شرعية هي فداء الأسرى. لكن فيما بعد تم توسيع هذه الغاية لتشمل البعثات الديبلوماسية والتجارية.

مع تقدم الهجوم الأوروبي المضاد، ظهر موضوع جديد في هذا النقاش الدائر. ما هو موقف المسلم لو تم غزو بلده من قبل الكافرين؟ هل عليه أن يبقى أم يرحل؟ لدينا نقاشات مثيرة للاهتمام لهذا التساؤل، بعد الإجتياح النورماندي لصقلية المسلمة في القرن الحادي عشر، وبشكل خاص أكثر في أواخر القرن الخامس عشر، عندما إكتملت إستعادة أسبانيا، والفقهاء المغاربة كانوا يناقشون هذا التساؤل. تساءلوا هل على المسلم البقاء. الإجابة العامة كانت بلا، لا يمكنهم البقاء. كان هناك سؤال: هل بإمكان المسلمين البقاء لو كانت الحكومة المسيحية متسامحة؟ (هذا السؤال كان نظرياً بحتاً بالفعل) الجواب كان لا أيضاً؛ حتى في تلك الحالة لا يمكنهم البقاء، لإن فتنة الإرتداد ستكون أكبر. عليهم أن يرحلوا ويرجوا من الله إستعادة أوطانهم وإعادتها الى العقيدة الصحيحة.

هذا هو الإتجاه الذي إختاره معظم الفقهاء. ولكن هناك البعض كانوا في البداية أقلية، ثم أصبحوا فيما بعد مجموعة أكثر أهمية، قالوا من الممكن السماح للمسلمين البقاء لكن مع تحقق بعض الشروط، الشرط الأساسي السماح لهم بممارسة عقيدتهم. ولكن ذلك صعد تساؤل آخر: ما هو المقصود بممارسة عقيدتهم؟ هنا يجب أن نتذكر أننا لا نتعامل فقط مع دين مختلف ولكن أيضاً من مفهوم مختلف لماهية الدين، خاصة فيما يتعلق بالشريعة، القانون الإسلامي المقدس، والتي تغطي نطاق واسع من الأمور التي تُعتبر علمانية أو مدنية في العالم المسيحي حتى خلال القرون الوسطى، وخاصة فيما يُطلق عليه ما بعد الحقبة المسيحية في العالم الغربي.

كل هذه النقاشات تتعلق بمشاكل المسلم الذي يجد نفسه لسبب أو لآخر تحت حكم الكافرين. الإحتمال الوحيد الذي يبدو أنه لم يخطر على بال الفقهاء القدماء هو أن المسلم يترك دار الإسلام بمشيئته الحرة ويذهب ليعيش بشكل دائم في أرض كافرة، دار الحرب، تحت حكم كافر. ولكن ذلك  ما يحدث، بدرجة متزايدة في الزمن الحاضر.

من الواضح أن هناك الآن الكثير من الجاذبية تشد المسلمين إلى أوروبا، وخاصة بالنظر إلى الإفقار الإقتصادي المتزايد في كثير من العالم الإسلامي ولصوصية وإستبداد الكثير من حكامه. أوروبا تقدم فرصاً للتوظيف ومكاسب حتى لغير الموظفين. المهاجرون المسلمون أيضاً يتمتعون بحرية التعبير ومستويات في التعليم يفتقرون إليها في وطنهم. حتى الإرهابيون لديهم حرية كبرى في الإعداد والعمل في أوروبا – وبدرجة ما في أمريكا – أكثر من التي يجدونها في أغلب الأراضي الإسلامية.

هناك بعض العوامل الأخرى الهامة في الموقف الآن. أحدها هو الأصولية الجديدة في العالم الإسلامي، والتي تتمثل في عدة أنواع: الاصولية السنية، خاصة الوهابية، والشيعية الإيرانية، التي تعود إلى الثورة الإيرانية. كلاهما أصبحا عاملين هامين بشكل هائل. لدينا المفارقة العجيبة أن خطر الأصولية الإسلامية أو الإرهاب الأصولي أكبر بكثير في أوروبا وأمريكا من خطورته في معظم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لأن حكام المسلمين في تلك المناطق ماهرين وأقل كبحاً في السيطرة على المتطرفين لديهم عن نظرائهم الغربيين. (ملحوظة مهمة وسبب برنامج التسليم الغير عادي Extraordinary rendition الذي سنتكلم عنه في الحلقات القادمة، وطبعاً سبب مهم لتمسك الغرب بالحكام العملاء ودعمهم) مع ذلك فإن الأعداد المتزايدة من المسلمين بدأوا يرون خطورة الأصولية الإسلامية أكبر على الاسلام من خطورتها على الغرب.

النوع السني هو في الأساس الوهابي وهو نسخة أصولية للإسلام ظهرت لأول مرة في منطقة نجد النائية في شبه الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر. أسرة سعود الزعماء القبليون المحليون كانت من بين التابعين للوهابية. مع الغزو السعودي للحجاز في منتصف عشرينات القرن العشرين وتشكيل المملكة العربية السعودية، ما كان من قبل هامش متطرف في بلد هامشية أصبح قوى كبرى في كل أراضي الإسلام وما وراءها.

إستفادت الوهابية بقدر كبير من مهابة ونفوذ أسرة سعود كمتحكمين في الأماكن المقدسة للإسلام، ولموسم الحج السنوي، ومن الثروة الهائلة التي وضعها البترول تحت تصرفهم.

الثورة الإيرانية شيء مختلف. التعبير “ثورة” يُستخدم كثيراً في الشرق الأوسط. وهو فعلياً عنوان الشرعية الوحيد المقبول. ولكن الثورة الإيرانية كانت ثورة حقيقية بالمعنى الذي نستخدم به التعبير في الثورات الفرنسية والروسية. فمثل الثورات الفرنسية والروسية في أيامها، كان للثورة الإيرانية تأثيراً هائلاً في المنطقة كلها التي يتقاسم فيها الإيرانيون عالم مشترك من الخطاب (الخطاب الإسلامي)—يعني العالم الإسلامي أجمع، الشيعي والسني، في الشرق الأوسط وما وراءه.

تساؤل آخر يدور حوله نقاش في أيامنا هو “الإندماج assimilation”. إلى أي مدى من الممكن أن يكون المسلم  المهاجر الذي استقر في أوروبا وشمال أمريكا، وأي مكان آخر، جزء من البلاد التي إستقر فيها، بنفس الطريقة التي فعلتها موجات كثيرة أخرى من المهاجرين؟

هناك عدة نقاط يجب أخذها في الإعتبار. واحدة منها هي الإختلافات الأساسية حول المقصود بدقة والمفهوم من الإندماج. هنا هناك تباين مباشر وواضح بين الأوضاع الأوروبية والأمريكية. لكي يتحول المهاجر إلى أمريكي فذلك يعني تغيير في الولاء السياسي. لكي يتحول المهاجر الى فرنسي أو ألماني فذلك يعني تغيير في الهوية الإثنية. تغيير الولاء السياسي بالتأكيد أسهل وأكثر عملية من تغيير الهوية الإثنية، سواء في إحساس الفرد أو معايير قبوله. لزمن طويل إحتفظت إنجلترا بالطريقتين. المهاجر المتجنس يصبح بريطانيا ولكنه لا يصبح إنجليزياً.

ذكرت فيما قبل أهمية الإختلاف فيما يعنيه الدين عند الأطراف المختلفة. بالنسبة للمسلمين، الدين يغطي نطاق كامل من الأشياء المختلفة، عادة قوانين الأحوال الشخصية؛ الزواج والطلاق والميراث هي النماذج الواضحة. منذ القدم، في العالم الغربي الكثير من هذه الأمور أصبحت أمور مدنية علمانية. التفريق بين الكنيسة والدولة، الروحي والدنيوي، الكنسي والعلماني، هي فكرة مسيحية ليس لها مكان في التاريخ الإسلامي وبالتالي من الصعب تفسيرها للمسلمين، حتى في أيامنا الحالية. حتى الأزمان الحديثة، لم يكن لديهم حتى مفردات للتعبير عنها. ولكن الآن لديهم.

ماذا كان رد فعل الأوروبيين على هذا الموقف؟ في أوروبا، مثلما هو الحال في الولايات المتحدة، رد الفعل المتكرر هو المعروف بأشكال متنوعة بالتعددية الثقافية multiculturalism  والصواب السياسي political correctness. في العالم الإسلامي لا توجد مثل وسائل الكبح هذه. هم مدركون بشدة لهويتهم. هم يعرفون من هم وماذا يريدون، وهي صفة تبدو مفقودة عند كثيرين في العالم الغربي بدرجة كبيرة. هذا الأمر شكل مصدر قوة عند طرف وضعف عند الآخر.

رد غربي شائع آخر هو ما يُسمى أحياناً “بالمشاركة البناءة constructive engagement” – فالنتكلم معهم، لنجتمع سوياً ونرى ماذا يمكننا عمله. هذه الطريقة تعود إلى الأزمان القديمة. عندما فتح صلاح الدين القدس وأماكن أخرى في الأرض المقدسة، سمح للتجار المسيحيين من أوروبا بالبقاء في المواني التي أقاموا فيها تحت الحكم الصليبي. يبدو أنه شعر بحاجته لتبرير ذلك، وكتب رسالة إلى الخليفة في بغداد مفسراً لفعلته. فقال “التجار نافعون بما أنه ليس هناك أحد بينهم إلا وهو يجلب ويبيع لنا أسلحة، تضر بهم وتنفعنا”.

إستمر ذلك خلال الحروب الصليبية وبعدها. حتى أثناء تقدم الجيوش العثمانية إلى قلب أوروبا، كان بإمكانهم دائماً العثور على تجار أوروبيين راغبين في أن يبيعوهم أسلحة، ومصرفيين أوروبيين راغبين في تمويل مشترياتهم. الموردون المعاصرون للأسلحة الحديثة لصدام حسين بالأمس وحكام إيران اليوم يواصولن نفس التقليد (القديم). المشاركة البناءة لها تاريخ طويل.

المحاولات المعاصرة للحوار تتخذ أشكالاً أخرى. رأينا في أيامنا المشهد الرائع للبابا وهو يعتذر للمسلمين عن الحروب الصليبية. لا أرغب في الدفاع عن سلوك الصليبيين، الذي كان وحشياً من الكثير من الجوانب. ولكن دعونا يكن لدينا إحساس قليل بالتناسب. المتوقع منا الآن أن نصدق أن الحروب الصليبية كانت عملاً عدائياً غير لائق ضد عالم إسلامي مسالم. لكن بالكاد، أول دعوة باباوية للحرب الصليبية كانت عام 846 م. عندما أبحرت حملة بحرية من صقلية التي يحكمها العرب تُقدر بثلاثة وسبعين سفينة وعشرة آلاف رجل في نهر التيبرTiber  وهاجمت روما. إحتلت الحملة لوقت قصير أوستيا وبورتو، ونهبت باسيليكا القديس بطرس في روما وكاتدرائية القديس بولس على الضفة اليمنى للتيبر. وكرد على ذلك، أصدر مجمع في فرنسا مناشدة للملوك المسيحيين للحشد ضد “أعداء المسيح” وقدم البابا ليو الرابع جائزة سماوية لهؤلاء الذين يموتون وهم يقاتلون المسلمين – أقل تحديداً من الوعد الإسلامي (بدخول الشهداء الجنة) و ربما كان إنعكاساً له. من الممارسة الشائعة في الحرب التعلم من العدو، وإتخاذ أكثر أدواته فعالية إن أمكن. قرنين ونصف والكثير من المعارك اللاحقة، الصليبيون وصلوا بالفعل الى الشرق الأوسط عام 1096 م. الحروب الصليبية كانت محاكاة متأخرة وغير ناجحة ومحدودة للجهاد—محاولة لإستعادة ما فُقد في الحروب المقدسة بالحروب المقدسة. ولكنها فشلت وإنقطعت متابعتها.

نموذج ضارب للطريقة الحديثة جاء من فرنسا. في 8 أكتوبر 2002 م. ألقى جون بيار رافاران Jean-Pierre Raffarin الذي كان وقتها رئيس وزراء فرنسا خطاباً في المجلس الوطني الفرنسي متناولاً الوضع في العراق. في حديثه عن صدام حسين، علق بأن أحد أبطال صدام حسين هو مواطنه صلاح الدين، الذي أتى من نفس المدينة العراقية “تكريت”. ولمزيد من التوضيح في حالة عدم دراية أعضاء المجلس بهوية صلاح الدين، شرح رافاران لهم بأنه هو الذي تمكن من “هزيمة الصليبيين وتحرير القدس”.

عندما يصف رئيس وزراء فرنسي كاثوليكي إستيلاء صلاح الدين على القدس من الصليبيين الفرنجة بدرجة كبيرة بأنه تحرير  liberation، فهذا يبدو أن إشارة على حالة متطرفة من إعادة ترتيب الولاءات أو على الأقل الإدراكات. حسب السجل البرلماني، عندماإستخدم رافاران الكلمة “يحرر liberate” صرخ عضو مستنكرا ” تحرير؟ (Libérer?)” ومضى رئيس الوزراء مباشرة في كلامه. هذه كانت حالة المقاطعة الوحيدة، وإلى حد علمي لم تكن هناك تعليقات بعدها.

الأصوليون المسلمون يتمكنون من العثور على بعض الحلفاء في أوروبا. في وصفهم سأستخدم التعبيرات “يمين” و”يسار”، وهي تعبيرات أصبحت بتزايد مضللة. الترتيب في الجلوس في أول مجلس وطني فرنسي بعد الثورة ليس هو قانون الطبيعة، ولكننا أصبحنا معتادين على إستخدامه. حتى أن هذه الأوصاف تصبح مربكة عندما تُطبق على الغرب في أيامنا. وهي هراء كامل عندما تُطبق على الأنواع المختلفة من الإسلام الأصولي. ولكن هذه هي التعبيرات التي يستخدمها الناس. وبالتالي فسنضطر لإقتفاء هذا الطريق.

المسلمون الأصوليون لديهم جاذبية جناح-اليسار عند العناصر المعادية للأمريكان في أوروبا، والذين إستبدلوهم بالسوفييت. ولهم جاذبية جناح-اليمين للعناصر المعادية لليهود في أوروبا، الذين يستبدلونهم بالنازيين. وبالتالي تمكن المسلمون الأصوليون من إكتساب دعم هام تحت هذين العنوانين، وغالباً من نفس الناس.  لأن الأحقاد عند بعض الناس في أوروبا ترجح الولاءات.

هناك إختلاف هام في ألمانيا، حيث يشكل الأتراك غالبية المسلمين. هناك يميلون عادة إلى مساواة أنفسهم باليهود، ليروا أنفسهم كأنهم حلوا محل اليهود كضحايا للعنصرية والإضطهاد الألمانيين. أتذكر إجتماعاً في برلين دُعي إليه لمناقشة الأقليات المسلمة الجديدة في أوروبا. في المساء سُئلت من مجموعة من المسلمين الأتراك أن أنضم إليهم وأسمع ما لديهم لقوله حول الموضوع، وكان ذلك أمر مهم. الجملة التي علقت بذهني بشكل أكثر حيوية كانت قول أحدهم: “في ألف سنة لم يتمكن الألمان من قبول 400000 يهودي. أي أمل هناك في أن يقبلوا مليونين من الأتراك؟” أحياناً يستخدمون هذا الخط، يلعبون على الإحساس الألماني بالإثم، ليقدموا آجندتهم.  هذا الموضوع صعد التساؤل الأكبر، “التسامح الديني”.  في ختام المرحلة الأولى من الإستعادة المسيحية لأسبانيا والبرتغال، المسلمون – الذين كانوا وقتها عددهم كبير جداً في الأرض المستعادة—خُيروا بين التعميد أو النفي أو الموت. في الاراضي التي كانت من قبل عثمانية في جنوب شرق أوروبا، كان قادة ما يمكن تسميته معركة الاستعادة الثانية أكثر تسامحاً نوعاً ما، ولكن ليس كثيراً. بعض السكان المسلمين بقوا في بلاد البلقان، مع استمرار الإضطرابات حتى يومنا هذا.

كوسوفو والبوسنة نماذج جيدة لذلك. مسألة التسامح الديني تصعد مشاكل جديدة وهامة. في الماضي، خلال الصراع الطويل بين المسلمين والمسيحيين في كل من أوروبا الشرقية والغربية، كان من الممكن وجود قليل من الشك بأن المسلمين أكثر تسامحاً من المسيحيين مع الديانات الأخرى ومع الإختلافات الموجودة داخل دينهم.

في العالم المسيحي الغربي في القرون الوسطى، كانت المذابح، والطرد ومحاكم تفتيش والضحايا أمور شائعة؛ ولكن تلك الأمور في العالم الإسلامي كانت غير مألوفة ونادرة. حركة اللاجئين في ذلك الوقت كانت بشكل ساحق من الغرب إلى الشرق وليست كما في الأزمان المتأخرة من الشرق إلى الغرب. من الصحيح أن العناصر الغير مسلمة في الدول الإسلامية تعرضوا لأنواع من الإعاقة، ولكن أوضاعهم كانت أحسن بكثير من غير المؤمنينunbelievers  أو المؤمنين بشكل مضلل misbelievers  في أوروبا المسيحية.

هذه الإعاقات التي كانت مقبولة في الماضي، أصبحت بتزايد محل للصراع مع مفاهيم التعايش المشترك المتمدن civilized co-existence الديمقراطية. في عام 1689 م. الفيلسوف الإنجليزي جون لوك John Locke، في رسائله المتعلقة بالتسامح الديني  Letters Concerning Toleration، سجل أن “لا الوثنيون ولا المحمديون ولا اليهود يجب أن يُستثنوا من الحقوق المدنية للدولة بسبب دينهم”، في عام 1790 م.، في رسالة من جورج واشنطن إلى زعيم جماعة يهودية في نيوبورت برود آيلند، مضى إلى ما هو أبعد من ذلك، فنبذ فكرة التسامح الديني نفسها لأنها غير متسامحة في الأساس، “كما لو كان الأمر أنه بتسامح فئة من الناس يمكن لفئة أخرى أن تتمتع بممارسة حقوقها الطبيعية الفطرية”.

في أواخر القرن السابع عشر كان الموقف العملي في أوروبا الغربية أفضل منه في الأراضي الإسلامية. ومنذ ذلك الوقت الى الآن يزداد الموقف في أوروبا تحسيناً وفي العالم الإسلامي سوءاً. التمييز والإضطهاد لم يختفيا من الغرب، ولكن مع الإستثناء الصارخ للفترة النازية في قارة أوروبا، موقف الأقليات الدينية كان أحسن عند الغرب المتقدم الواثق من الشرق المهدد المتراجع.

المسلمون وأيضاً المثير من شركائهم في الوطن من غير المسلمين لا يرون الأمر كذلك، ولكن يرون التسامح بطريقة مختلفة نوعاً ما. عندما يأتي المهاجرون المسلمون ليعيشوا في أوروبا يكون لديهم بعض التوقعات، الإحساس بأنهم سيُسمح لهم على الأقل بدرجة من التسامح التي منحوها لغير المسلمين في الامبراطوريات الكبرى الإسلامية في الماضي. ولكن  كلا من توقعاتهم وتجاربهم تختلف بشدة.

عندما أتوا الى البلاد الأوروبية حصلوا على أكثر وأقل مما توقعوا. أكثر فيما حصلوا عليه نظرياً وعادة عملياً من حقوق سياسية متساوية، ووظائف حرفية متساوية، ورفاهية وحرية تعبير وغيرها من المنافع. وأقل بشكل كبير مما كانوا يعطونه لغيرهم في الدول الإسلامية التقليدية. في الإمبراطورية العثمانية والدول الإسلامية الأخرى قبلها – ذكرت هنا الإمبراطورية العثمانية لأنها الأحدث—الجماعات الغير مسلمة كانت لها منظمات منفصلة وكانت تدير شؤونها. كانت تجمع ضرائبها وتطبق قوانينها بشكل ذاتي. كانت هناك عدة جماعات مسيحية، معترف بها من الدولة، تعيش كل منها تحت قيادتها الذاتية. تلك الجماعات كانت تدير مدارسها وأنظمتها التعليمية الخاصة بها، وتطبق قوانينها مثل قوانين الزواج، والطلاق والتوريث والشعائر الدينية الخاصة بها. اليهود كانوا يتمتعون بنفس الميزات.

وبالتالي أصبح هناك وضع نجد فيه ثلاثة أشخاص يعيشون في نفس الشارع وإذا ماتوا توزع ثرواتهم بثلاثة طرق قانونية مختلفة إن كان واحد منهم يهودي، وواحد مسيحي وواحد مسلم. اليهود يمكن أن توقع عليه عقوبة من محكمة حاخامية ويُسجن بسبب إنتهاكه للسبت أو الأكل في يوم عيد يوم كيبور Yom Kippur. المسيحي يمكن أن يُقبض عليه ويُسجن بسبب زواجه من إمرأة ثانية. فتعدد الزوجات جريمة مسيحية؛ ولكنها ليس جريمة إسلامية أو عثمانية. لنفس الأسباب، كان اليهود والمسيحيون معفيين من القوانين الإسلامية الخاصة بالمسلمين. فكان مسموحاً لهم الأكل علانية خلال شهر رمضان المقدس. وكان مسموحاً لهم صناعة وبيع وشرب النبيذ، طالما يقومون بهذه الأعمال بينهم وبين بعضهم. بعض الوثائق في الأرشيفات العثمانية تناقش مشكلة كانت فيما يبدو تقلق السلطات القضائية: كيفية منع شرب الضيف المسلم للنبيذ في الأفراح المسيحية واليهودية. الحل الواضح والبسيط – فرض حظر الكحوليات على الجميع – لم يكن مطروحاً.

المسلمون ليس لهم هذه الدرجة من الإستقلالية في حياتهم القانونية والإجتماعية المعاصرة، في الدولة العلمانية. بلا شك ليس واقعيا منهم أن يتوقعوا هذه الدرجة نظراً لطبيعة الدولة الحديثة، ولكن ليست هذه هي نظرتهم لها. فهم يشعرون أنهم يحق لهم أن ينالوا ما كانوا يعطونه من حقوق. يُفال أن مسلم في أوروبا تندر قائلاً: “نحن سمحنا لكم ممارسة وتطبيق الزواج الأحادي؛ لماذا لا تسمحون لنا ممارسة تعدد الزوجات؟”

مثل هذه التساؤلات – خاصة تعدد الزوجات – يصعد مشاكل هامة ذات طبيعة أكثر عملية. أليس مسموحاً للمهاجر الذي يأتي إلى فرنسا أو ألمانيا أن يحضر معه أسرته؟ ولكن من من تتكون أسرته بالضبط؟ فهم يطالبون بتزايد ويحصلون على تصاريح لإحضار زوجات متعددات. نفس الحكم تم توسيعه ليشمل مدفوعات الرعاية الإجتماعية والمنافع الأخرى. التباين في وضع النساء في المجتمعين المحددين دينياً تمثل مشكلة حساسة، خاصة في عصر هزيمة وتراجع المسلمين. بهزيمته في المعركة، اُعلم المسلم علماً تاماً أنه فقد سيادته على العالم. وبتنامي السيطرة أو النفوذ الأوروبي بما في ذلك إعتاق رعاياه من غير المسلمين، فقد سيادته في بلده نفسها. وبالإعتاق الملهم من الأوروبيين للنساء، شعر بأنه في خطر فقدان سيادته حتى داخل منزله.

قبول أو رفض حكم الشريعة بين المسلمين في أوروبا يصعد التساؤل الهام حول نطاق السلطة القضائية. من وجهة النظر الشرعية السنية التقليدية، الشريعة كانت جزءاً من السيادة والسلطة القضائية الاسلامية وبالتالي كانت تُطبق فقط في دار الإسلام، يعني في البلدان التي تخضع لحكم المسلمين. ولكن هناك أقلية سنية وغالبية شيعية تتخذ وجهة النظر أن الشريعة أيضاً تُطبق على المسلمين خارج دار الإسلام، ويجب فرض تطبيقها إذا كان الأمر ممكناً.

ولكن لم يحدث في أي وقت حتى الزمن الحديث، أن طرحت أي سلطة إسلامية أن الشريعة يجب أن يُفرض تطبيقها على غير المسلمين في بلاد غير المسلمين. الحالة  الأولى لهذا المدخل الجديد عندما أصدر آية الله خوميني حكماً بالموت على جريمة إهانة الرسول، ليس فقط ضد المؤلف المسلم سلمان رشدي الذي كان يعيش وقتها في لندن، ولكن أيضاً ضد كل من إشترك في إعداد وإنتاج وتوزيع الكتاب – يعني المحررين الذين من المفترض أنهم غير مسلمين، وبائعي الكتاب. هذه الحالة تبعتها حالات أخرى متزايدة من محاولات فرض قوانين الشريعة في أوروبا وفي الوقت الأكثر حداثة في أماكن أخرى يعيش فيها المسلمون. نموذج مشهور على ذلك : رد الفعل الإسلامي على الكرتون الدنماركي الشهير أو غير شهير. والذي لا يقل شهرة كانت تلك ردود الأفعال الأوروبية المختلفة على الغضب الإسلامي والمطالبة بالعقاب والتي تراوحت بين التوبيخ الخفيف والإذعان المتهافت.

أين تقف أوروبا الآن؟ هل ستكون محظوظة للمرة الثالثة؟ ليس من المستحيل. المسلمون لديهم بعض الإمتيازات الواضحة. لديهم حماس وقناعة، تلك الصفات الضعيفة أوالمفقودة في معظم البلاد الغربية. غالبية المسلمين مقتنعين بعدالة قضيتهم، بينما يقضي الغربيون الكثير من وقتهم في الحط من قدرهم وتحقير أنفسهم. المسلمون لديهم ولاء وإنضباط، وربما الأهم من كل ذلك لديهم ديموغرافية – الجمع بين الزيادة الطبيعية والهجرة ينتج تغييرات سكانية كبرى، والتي يمكن أن تؤدي في المستقبل المنظور إلى أغلبيات مسلمة هامة على الأقل في بعض المدن أو حتى البلدان الاوروبية.

الفيلسوف السوري صادق العظم علق بأن التساؤل الباقي حول مستقبل أوروبا هو:

“هل ستكون أوروبا المسلمة، أو الإسلام أوروبي؟ “

     “Will it be an Islamized Europe, or a Europeanized Islam?”

الصيغة مقنعة، والكثير سيعتمد على الإجابة.

ولكن الغرب أيضاً لديه بعض الإمتيازات، أكثرها أهمية هي المعرفة والحرية. جاذبية المعرفة المعاصرة الأصيلة في مجتمع كان له في الماضي البعيد سجلاً طويلاً من إنجازات علمية وبحثية واضحة. المسلمون اليوم مدركون بشدة وبألم بتخلفهم النسبي مقارنة بكل من ماضيهم وحاضر منافسيهم، والكثيرون سيرحبون بفرصة تصحيحه. الأقل وضوحاً ولكنها قوية هي جاذبية التحرر. في الماضي، في العالم الإسلامي لم تكن الكلمة حرية مستخدمة بالمعنى السياسي. الحرية كانت مفهوم قضائي. الفرد كان حراً إن لم يكن عبداً. المسلمون لم يكونوا يستخدمون الحرية والعبودية كإستعارات للحكومات الجيدة والسيئة، كما فعلنا لزمن طويل في العالم الغربي. التعبيرات التي يستخدمونها للدلالة على الحكومة الجيدة والسيئة هي العدل والظلم. الحكومة الجيدة هي مجرد حكومة، يُطبق فيها القانون المقدس بحسم بما في ذلك تقييده للسلطة السيادية.

التقليد الإسلامي، نظرياً وحتى بداية عصر التحديث، يرفض بدرجة كبيرة عملياً بشكل مؤكد الحكومات المستبدة. النمط الحديث للديكتاتورية الذي يزدهر في الكثير من البلدان الإسلامية هو إبتداع، وبدرجة كبيرة مستورد من أوروبا – في البداية بدون أي سوء نية خلال عملية التحديث، لتقوية السلطة المركزية وإضعاف تلك العناصر في المجتمع التي قيدته من قبل؛ ثانياً، من خلال المراحل المتتالية للتأثيرات والنماذج النازية والسوفييتية.

العيش تحت العدل، بالمقياس التقليدي للقيم، هو المدخل الأقرب لما يمكن للغرب أن يسميه “تحرر”. ولكن مع إنتشار النمط الديكتاتوري الأوروبي، تقدمت أبضاً فكرة التحرر بتفسيرها الغربي في العالم الإسلامي. أصبحت متفهمة بشكل أفضل، وتلقى تقديراً على نطاق أوسع، والرغبة المتحمسة فيها أصبحت أكثر.  ربما تكون على المدى البعيد هي أفضل آمالنا، وربما أيضاً أملنا الوحيد، للنجاة من هذه المرحلة الحديثة – التي تبدو  المرحلة الأخطر من بعض الجوانب—من معركة عمرها أربعة عشر قرن من الزمان.

#المنظومة_الشيطانية

#ديناميكية_النخب_السياسية

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s