الحلقة الثانية عشرة : فوكوياما

ملخص الحلقة

في الحلقات السابق تناولت الحركة المحافظة الجديدة والمنظمات المتفرعة منها مثل مشروع القرن الأمريكي الجديد الذي كان ومازال له تأثير كبير على سياسة الولايات المتحدة الخارجية تلك التأثيرات التي أثرت على مجتماعتنا وعانينا منها ومازلنا نعاني منها حتى اليوم.

بدأت بدراسة الشخصيات والمنظمات المرتبطة بها تلك الشخصيات

تناولت شخصية ريتشارد بايبس وولده دانيال بايبس (يهود) ومنظمات مثل “لجنة الخطر القائم”، “مجلس العلاقات الخارجية”، ومنتدى الشرق الأوسط” في الحلقات السابقة

في هذه الحلقة سأتناول شخصية مهمة من شخصيات مشروع القرن الأمريكي الجديد

فرانسيس فوكوياما وهو من أشهر المفكرين في العصر الحديث ومن الذين يؤمنون بضرورة تفوق وهيمنة أمريكا على العالم.

 فهم فكره وتأثيره سيوفر لنا فهما للمشروع الامريكي ومستقبله ومستقبلنا معه، كيف ينظر لنا الغرب وكيف تنظر لنا أمريكا وما هي حدود المسموح لنا به من حريات واستقلال وتطور وتنمية؟ هل مسموح لنا نحن العرب أو المسلمين إقامة ديمقراطية وحكم مستقل وتحقيق تنمية وإزدهار؟ كل هذه الأسئلة سنعرف إجاباتها وسنعرف أسباب ما يحدث لنا من أحداث مؤلمة بعد أن نتعرف على شخصية من الشخصيات المهمة التي شاركت في صياغة الحياة الأمريكية والعالمية في عصرنا الحالي.

كلام فوكوياما يجب أن يُقرأ ويُحلل بعمق لأنه يؤثر على حياتنا في الشرق الاوسط بشكل مباشر، لأننا نحن المسلمون والعرب أكبر المتأثرين بالعداء الغربي ووحشية الحضارة الغربية ومكر وخبث السياسة الأمريكية، التي يُعتبر إنقلاب السيسي مجرد وجه لها.

فوكوياما يعبر عن وحشية الحضارة الغربية، التي وصلت بعد الحرب الباردة الى مفترق طرق، تمكن الغرب باستخدام وسائل عديدة منها التلاعب بوهم الديمقراطية واقتصاد السوق وحقوق الانسان من تحطيم الشيوعية وبرزت أمريكا من هذه الحرب الباردة قوة عظمى وحيدة، ولكن في خلال هذه الحرب أيضاً طورت أمريكا أنواع مدمرة من الأسلحة الغير عسكرية، أسلحة إستخبارية، قدرات عالية من إختراق الشعوب والتلاعب بها، أصبحت أمريكا مثل الميكروبات الخبيثة والسرطانات التي تتمكن من إختراق الجسم وخداع أجهزة المناعة والتحكم في أجهزته ثم تدميره بشراسة.

وهنا برز السؤال، ماذا بعد أن أصبحت أمريكا قوة عظمى وحيدة للعالم وماذا بعد إكتسابها لهذه الخبرة الغير مسبوقة في الاستخبارات والاختراق والخداع واستخدام الديمقراطية وحقوق الانسان كأسلحة تعجز المجتمعات عن التصدي لها بل تحلم بها وتسعى اليها كل الشعوب وهي لا تدري أنها مجرد مصيدة للايقاع بها في شباك أمريكا، مصيدة لا يمكن تفاديها لما تقدمه من إغراءات تتمناها كل الشعوب التي ذاقت القهر في أنظمة شيوعية أو ديكتاتورية مستبدة مثل شعوب أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية سابقاً وشعوبنا العربية الإسلامية حاليا.

هل ستسمح أمريكا بالفعل بديمقراطية حقيقية واقتصاد رأسمالي حر لهذه الشعوب التي تحررت من الشيوعية أو التي تريدان تتحرر من الديكتاتوريات العربية الاسلامية (التي فرضتها عليهم امريكا)، هذا الاختيار يبدو أمام الغرب أنه إنتحار، أو كما يقول فوكوياما، أنه يجب على الأقل ان يكون خياراً مقيداً وبحقوق نسبية وليست مطلفة ومثالية، لانه إختيار مثالي بعيد عن الواقع. الواقع هو أن امريكا لم تساعد ولن تساعد غيرها من الشعوب على التحرر والتساوي معها وتهدبدها بالتنافس معها والتفوق عليها.

لن تسمح أمريكا بالتمتع بالديمقراطية واقتصاد حر رأسمالي قوى لكل البلاد حتى تكون مساوية لها وتنافسها القوة، وإنما إستخدمت أمريكا هذه الوسائل بحساب حتى تسيطر على الدول وتخضعها لامبراطوريتها الضخمة. الواقع هو أن أمريكا تريد أن تحتفظ بصدارتها وتفوقها وحكمها المطلق للعالم بدون منافس، وهذا مطلب امريكي حتمي لا يمكن التنازل عنه.

هنا يتصور فوكوياما الديمقراطية المطلقة قيمة مثالية بعيدة عن الواقع ستؤدي إلى فوضى ما بعد الحداثة، لذلك يرى أن الحل هو ان تبقى أمريكا قوة وحيدة مسيطرة على العالم وتتمسك بالمحافظة على تفوقها الامبريالي. وهذه هي لحظة إنتهاء التاريخ وبالرغم من المظاهر السلبية التي ستصاحب نهاية التاريخ إلا أنه في النهاية هو الإختيار الحتمي لفوكوياما وغيره من المحافظين الجدد الذين يرون أن تفوق امريكا وأحادية حكمها للعالم أعلى من أي قيمة أخرى، وأن الديمقراطية يجب ان تظل ديمقراطية واقعية ونسبيةوليس ديمقراطية مثالية ولا مطلقة. ديمقراطية تستخدمها أمريكا لصالحها وبطريقة نسبية وليست مطلقة تحقق لها هي وحدها أعلى إستفادة من السيطرة على الشعوب والتحكم في مصائرها.

فوكوياما يتصور أن غاية الانسان منذ ان خُلق هو الوصول للحرية والإزدهار وهو ما يتحقق فقط من خلال الديمقراطية الغربية واقصاد السوق الرأسمالي، ولكن عند إقتراب الشعوب من تحقيق الغاية الانسانية الخالدة أدرك هو والمحافظون الجدد أن هناك تعارض بين ذلك وبين رغبة أمريكا في الاحتفاظ بتفوقها الذي حققته في خلال خوضها لحروب عسكرية في الحرب العالمية الثانية ثم الحرب الباردة وهو الهدف المقدس الذي يجب ان يحافظ عليه كل امريكي.

فوكوياما يدرك أيضاً أن نهاية التاريخ، يعني سيطرة أمريكا على العالم كقوة عظمى وحيدة وهو الأمر الذي سينهي كل الصراعات والتنافسات بسبب إختفاء أو إنعدام وجود أي قوة أخرى منافسة أو قريبة حتى منها، وعلى أي امل مستقبلي حتى في ظهور قوة منافسة، لأن أمريكا ستحافظ دائماً على تفوقها وستمنع أي قوة أخرى من مجرد محاولة الإقتراب منها، وبالتالي سينتهي التاريخ بانتهاء الصراع، وسيكون العالم به سيد واحد أبدي لا يمكن بلوغ غيره الى مستوى قوته أو حتى مجرد الحلم بتحقيق ذلك في يوم منالأيام (أو على الأقل يجب على أمريكا العمل على الإبقاء على هذا الوضع المتفوق الذي حققته وعلى الفارق الضخم بينها وبين ثاني قوة تاتي بعدها في الترتيب)، وباقي العالم يكون تابع بدرجات متفاوتة، هذا الوضع سيمنع الصراعات سيمنع التنافس وبالتالي سيوقف التاريخ، لأن التاريخ الانساني مبني في الأساس على التنافس والصراعات التي تبني الحضارات وتصنع التاريخ الانساني.

انتهاء التاريخ يعني انتهاء الانسان، الانسان سيتحول الى مجرد آلة تتحكم القوة العظمى الوحيدة، فيه تخضعه للهندسة الإجتماعية والسياسية، تحدد له قيمه وحياته ومصيره بل وصفاته البيولوجية، تتحكم في كل شيء فيه.

 بالرغم من هذه النتائج الكارثية على الانسان والتي يتوقعها فوكوياما في أعماله، لكنه في النهاية يقبلها لانها نتيجة حتمية لرغبة أمريكا في الإحتفاظ بتفوقها المطلق الذي حققته بعد الحرب الباردة.

هذه هي خلاصة فكر المحافظين الجدد الذين حكموا أمريكا وفرضوا هذه الفكرة على كل من يحكم امريكا سواء كان جمهوري أو ديمقراطي، صنعوا الحرب على الإرهاب كمبرر لسيطتهم الحتمية على العالم فرضوا إعادة تشكيل أجهزة الحكم والقوانين في أمريكا وغيرها من الدول لتتناسب مع فرض سيطرتهم على العالم، أعادوا تشكيل أجهزة الاستخبارات في امريكا والعالم، أعادوا تشكيل القوات المسلحة في أمريكا والدول التابعة لها مثل مصر ودول الشرق الاوسط وحتى دول اوروبا، فرضوا تعاون بين أجهزة الاستخبارات في العالم خاصة في أوروبا والشرق الاوسط، تسيطر عليه أمريكا كما سنرى في الحلقات القادمة، أعادوا تشكيل الانظمة السياسية في أوروبا والشرق الاوسط مع محاولة  التحكم في الباقي من خلال المؤسسات الدولية التي يتحكمون فيها ومن خلال إقتصاد السوق الذي يتحكمون فيه بدرجة كبيرة.

عندما نقرأ الانقلاب في مصر يجب ان نقرأه في هذا السياق حتى نفهمه، أمريكا تعيد تشكيل العالم ومن الطبيعي ان نرى تلك التغيرات في الشرق الأوسط لأنه من أضعف المناطق مناعة ومن أكثرها ضعفاً وتبعية لأمريكا.

موضوع الحلقة 

يوشيهيرو فرانسيس فوكوياما Yoshihiro Francis Fukuyama (وُلد عام 1952 م.)

هو عالم سياسي أمريكي political scientist، وإقتصادي سياسي political economist، ومؤلف. ويشتهر فوكوياما بكتابه “نهاية التاريخ والإنسان الأخير The End of History and the Last Man (1992 م.)، والذي يبرهن فيه أن الانتشار الواسع للديمقراطيات الليبرالية على مستوى العالم ورأسمالية السوق الحر الغربية ونمط الحياة الغربية قد تكون النقطة النهائية للتطور الاجتماعي الثقافي الانساني والشكل النهائي للحكم الإنساني. ولكن كتابه التالي ” Trust: Social Virtues and Creation of Prosperity(1995)”  عدل موقفه السابق للإعتراف بأن الثقافة لا يمكن فصلها تماماًعن الاقتصاد.

trust
غلاف كتابه الثقة: الفضائل الاجتماعية وخلق الازدهار

إرتبط فوكوياما بصعود حركة المحافظين الجدد neoconservative.

فوكوياما كان زميل كبير في مركز الديمقراطية وتنمية وحكم القانون في جامعة ستانفورد منذ يوليو 2010 م. قبل ذلك، عمل كأستاذ ومدير في برنامج التنمية الدولية في مدرسة الدراسات الدولية المتقدمة the School of Advanced International Studiesفي جامعة جونس هوبكينس. سابقاً،

كتاباته

يشتهر فوكوياما بأنه مؤلف “نهاية التاريخ والإنسان الأخير The End of History and the Last Man” ، والذي برهن فيه بأن توالي التاريخ الإنساني كصراع بين الإيديولوجيات بلغ نهايته، مع إستقرار العالم على الليبرالية الديمقراطية بعد نهاية الحرب الباردة وسقوط سور برلين عام 1989 م. تنبأ فوكوياما بالإنتصار العالمي في نهاية الأمر لليبرالية الاقتصادية والسياسية:

“ما قد نشهده ليس مجرد نهاية الحرب الباردة، أو مرور فترة عابرة محددة من تاريخ ما بعد الحرب، ولكن نهاية التاريخ، النقطة النهائية للتطور الايديولوجي البشري وعولمة الديمقراطية الليبرالية الغربية كشكل نهائي للحكم البشري.”

مؤلفون مثل رالف داهرندورف Ralf Dahrendorf جادلوا بأن العمل سيمنح فوكوياما شهرة مؤقتة قصيرة العمر، ثم يتبعها الانزلاق في عالم النسيان.

raves-postmodernism-3-728.jpg
مقارنة ما بين الحداثة وما بعد الحداثة

أحد الاسباب الرئيسية للنقد الضخم ضد “نهاية التاريخ” هو الموقف العدائي الذي يتخذه ضد “ما بعد الحداثة postmodernism” . فوكوياما يرى أن فلسفة ما بعد الحداثة قوضت الايديولوجيا وراء الديمقراطية الليبرالية، تاركة العالم الغربي في موقف أضعف . حقيقة أن الماركسية والفاشية ثبت عدم صلاحيتهما للتمسك بهما في الاستخدام العملي بينما الديمقراطية الليبرالية مازالت مزدهرة كانت سببا كافياً لاعتناق الموقف المتفائل في الحقبة التقدمية Progressive era ، هذا التفاؤل في المستقبل كان هو ما يجعل كفاح المجتمع للاحتفاظ بها له قيمة. ما بعد الحداثة، التى أصبحت كامنة في الإدراك الثقافي، لا تعطي أي أمل ولا تعطي شيء للإبقاء على معنى ضروري للمجتمع، ولكنها تعتمد فقط على فرضيات فكرية سامية.

كتب فوكوياما عدد من كتب أخرى مثل :

ثقة: الفضائل الاجتماعية وخلق الإزدهار

Trust: The Social Virtues and the Creation of Prosperity

في كتابه نهاية التاريخ والانسان الأخير الذي حقق أفضل المبيعات، جادل فرانسيس فوكوياما بأن نهاية الحرب الباردة قد تعني أيضاً بداية الصراع لنيل مكانة في النظام الرأسمالي المنبثق سريعاً في القرن الواحد والعشرين. فيكتابه ثقة trust،  تقييم ثاقب للنظام الاقتصادي العالميالمنبثق “بعد التاريخ”، يشرح مباديء الحياة الإجتماعية ويخبرنا ما نحتاج معرفته للفوز في الصراع القادم على الهيمنة على العالم. فوكوياما متحدياً للأرثوذكسيات (العقائد الراسخة) لكل من الشمال واليمين، يقوم بفحص نطاق واسع من الثقافات الوطنية من أجل التنبؤ بالمباديء الضمنية التي ترعى الإزدهار الإقتصادي والإجتماعي. مصراً على أننا لا يمكن أن نفصل الحياة الاقتصادية عن الحياة الثقافية، وجادل بأنه في حقبة من الزمان عندما يكون رأس المال الإجتماعي في نفس أهمية رأس المال المادي، فقط المجتمعات التي لها درجة عالية من الثقة الإجتماعية ستكون قادرة على خلق منظمات الأعمال الكبرى المرنة المطلوبة للتنافس في الإقتصاد العالمي الجديد. كتابه “ثقة” دراسة بارعة للترابط بين الحياة الاقتصادية والحياة الثقافية، وهو أيضاً ترياق ضروري للإنجراف المتزايد للثقافة الأمريكية في أشكال من الفردية المتطرفة، والتي إن لم يتم التحكم فيها سيكون لها عواقب وخيمة على الصحة الإقتصادية للأمة.

مستقبل ما بعدالإنسان: عواقب الثورة البيو-تكنولوجية

our-posthuman-future
غلاف كتاب مستقبل ما بعد الانسان

Our Posthuman Future: Consequences of the Biotechnology Revolution.

في هذا الكتاب الأخير، يبرهن أنه بما أن البيو-تكنولوجيا تتيح للبشر بتزايد أن يتحكموا في تطورهم، فقد تتيح للبشر تبديل الطبيعة البشرية، وبالتالي تعريض الديمقراطية الليبرالية للخطر. أحد النتائج المحتملة يمكن أن تكون أن الطبيعة البشرية المُبدلة قد تنتهي إلى تفاوت راديكالي radical inequality.  في كتابه يعادي بضراوة حركة تبديل الطبيعة البشرية transhumanism، وهي حركة فكرية تزعم ان “ما بعد الإنسانية posthumanityهدف مرغوب فيه.

الخلل الكبير: الطبيعة البشرية وإعادة بناء النظام الاجتماعي

51qr8zxmvul-_sx321_bo1204203200_
غلاف كتاب الخلل الكبير

The Great Disruption: Human Nature and the Reconstruction of Social Order

في هذا العمل يستكشف فوكوياما مصادر المعايير الإجتماعية، ويحلل الخلل الحالي في نسيج تقاليدنا الأخلاقية، التي يعتبرها ناشئة من الانتقال من العصر الصناعي إلى العصر المعلوماتي. هذا التحول يعتقد فوكوياما أنه طبيعي وسيثبت قدرته الذاتية على تصحيح مساره، نظراً للحاجة الإنسانية الغريزية إلى المعايير والقواعد الاجتماعية.

أمريكا في مفترق الطرق

41ewymfwhil-_sx321_bo1204203200_
غلاف كتاب أمريكا في مفترق الطرق

America at the Crossroads

في هذا العمل عام 2006 م.، يناقش فوكوياما تاريخ الحركة المحافظة الجديدة، مع تركيز خاص على عقائدها الرئيسية ومضامينها السياسية. يبرز اساسها المنطقي لدعم إدارة بوش، والمواضع التي يعتقد أنها أخطأت فيها.

تخلف: تفسير الفجوة التنموية بين أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة

falling-behind
غلاف كتاب تخلف: تفسير الفجوة التنموية بين أمريكا اللاتينية والولايات المتحدة

Falling Behind: Explaining the Development Gap Between Latin America and the United States

في هذا العمل الذي نتج عن بحث ومؤتمر ممول من مؤسسة جروبو مايان Grupo Mayan عام 2008 م.، لفهم سبب تخلف أمريكا اللاتينية عن التنمية بالرغم أنها كانت أكثر ثراءاً من أمريكا الشمالية، يبرز فوكوياما إعتقاده أن عدم المساواة في دول أمريكا اللاتينية عائق رئيسي أمام النمو. ويقول أن  التوزيع الغير عادل للثروة، أدى إلى إضطرابات إجتماعية، تسببت في إعاقة النمو.

 

الحركة المحافظة الجديدة Neoconservatism

the-end-of-the-cold-war-6-638
عقيدة ريغان

فوكوياما الذي كان من المساهمين الرئيسيين في إدارة ريغان في صياغة عقيدة ريغان Reagan Doctrine، يُعتبر شخصية مهمة في صعود الحركة المحافظة الجديدة neoconservatism، بالرغم أن اعماله تأتي بعد عمل إيرفينج كريستول Irving Kristol (يهودي)عام 1972 والذي بلور فيه الحركة المحافظة الجديدة. فوكوياما كان من الناشطين في مشروع القرن الأمريكي الجديد Project for the New American Century بدءا من عام 1997 م.، وكعضو في المشروع وقع على خطاب المنظمة عام 1998 م. الى بيل كلينتون الموصي بدعم حركات التمرد العراقية للاطاحة بالرئيس صدام حسين. وكان أيضاً من بين الأربعين الذين وقعوا على خطاب ويليام كريستول William Kristol (يهودي وابن ايرفينج كريستول) في 20 سبتمبر 2001 م. الى الرئيس جورج بوش بعد هجمات سبتمبر 2001 والذي اقترح فيه أن الولايات المتحدة لا يجب أن تكتفي بالإمساك أو بقتل أسامة بن لادن بل يجب أيضاً أن تشرع في عزل صدام حسين عن السلطة في العراق.

في مقال بنيويورك تايمس في فبراير 2006 م.، علق فوكوياما على الحرب العراقية بقوله:

“ما تحتاجه السياسة الأمريكية الخارجية ليس عودةإلى واقعية ضيقة ومتشائمة، ولكن صياغة واقعية ويلسونية توفق الى الأفضل بين الوسائل و الغايات.”

14-points
نقاط وودرو ويلسون الاربعة عشر

الويلسونية تعبير يُقصد به وصف نوع من وجهات النظر الايديولوجية حول السياسة الخارجية. ويُنسب إلى الرئيس وودرو ويلسون Woodrow Wilson (1913 – 1921 م.) وإلى نقاطه الأربعة عشرة الشهيرة التي كان يعتقد أنها ستساعد في خلق سلام عالمي، ومنها:

  • مناصرة نشر الديمقراطية
  • مناصرة نشر الرأسمالية
  • الوقوف ضد الانعزالية isolationism،  وعدم التدخل non-interventionism
  • تأييد الامبريالية Pro-imperialism، لصالح التدخل intervention لتحقيق المزيد من المصلحة الذاتية الوطنية

في عام 1919 م.، وجه ويلسون السياسة الخارجية الأمريكية الى قبول وعد بلفور بدون تأييد الصهيونية بطريقة رسمية.

فوكوياما ذهب الى القول تأييداً للحركة المحافظة الجديدة: “ما هو مطلوب الآن هي أفكار جديدة، لا هي محافظة جديدة ولا هي واقعية، عن كيفية إرتباط أمريكا بباقي العالم – أفكار تبقي على إعتقاد المحافظين الجدد في عالمية وشمولية حقوق الإنسان، ولكن بدون أوهامها حول فاعلية القوة الأمريكية وهيمنتها لتحقيق هذه الغايات”

آراء فوكوياما الحالية

بدأ فوكوياما في النأي بنفسه عن الآجندة المحافظة الجديدة لإدارة بوش، مستشهداً بأساسها العسكري المفرط وإحتضانها لتدخل مسلح أحادي الجانب خاصة في الشرق الأوسط. في أواخر عام 2003 م.، عبر فوكوياما عن معارضته المتزايدة لحرب العراق ودعا إلى إستقالة دونالد رامسفيلد من وزارة الدفاع.

في عشاء سنوي في مؤسسة المشروع الأمريكي في فبراير 2004 م.، أعلن ديك تشيني وتشارلز كروثامر Charles Krauthammer (صحفي يهودي) بداية عصر أحادي القطب تحت الهيمنة الأمريكية. يصف فوكوياما هذا الموقف متذكراً: “كل هؤلاء الناس حولي ابتهجوا بشراسة”. فوكوياما كان يعتقد أن حرب العراق قد تم توجيهها إتجاهاً خاطئاً. ومن وقتها وقع خصام بينه وبين بول وولفويتز Paul Wolfowitz بالرغم أنهما كانا صديقين حميمين قبلها.

أعلن فوكوياما أنه لن ينتخب بوش، وأن إدارة بوش ارتكبت ثلاثة أخطاء كبرى:

  • ضخمت تهديد الإسلام الأصولي للولايات المتحدة
  • فشلت في التنبؤ برد الفعل السلبي العنيف على “هيمنتها الخيرية benevolent hegemony “. فمن البداية أظهرت موقفاً سلبياً تجاه الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الحكومية الدوليةintergovernmental organizationsولم ترى أن ذلك سيزيد من معاداة الأمركة anti-Americanismفي البلدان الأخرى
  • أساءت الحكم على ما هو مطلوب لتحقيق السلام في العراق وكانت مفرطة التفاؤل حول نجاح تطبيق الهندسة الاجتماعيةsocial engineering للقيم الغربية في العراق والشرق الاوسط عامة.

يعتقد فوكوياما أن الولايات المتحدة لها الحق في تعزيز قيمها في العالم، ولكن من خلال ما أسماه “الواقعية الولسونية realistic Wilsonianism” بحيث لا يكون اللجوء للتدخل العسكري إلا كملاذ أخير وفقط بالإضافة لإجراءات أخرى. القوة العسكرية الكامنة أو المستترة تكون فرصتها للتأثير أكبر من النشر الحقيقي للقوات المسلحة.

بدلاً من ذلك الولايات المتحدة عليها أن تحفز التنمية السياسية والاقتصادية وتكتسب فهماً أكبر لما يحدث في البلدان الأخرى. الأدوات الأفضل هي وضع نماذج جيدة وتوفير التعليم وفي كثير من الحالات المال. سر التنمية سواء كانت إقتصادية أو سياسية، هو أنها لا تأتي أبداً من أطراف خارجية، ولكن دائماً من ناس من نفس البلد. من الأشياء التي أثبتت الولايات المتحدة فيها تفوقها في أعقاب الحرب العالمية الثانية تشكيلها للمؤسسات الدولية. العودة إلى دعم هذه الهياكل سيدمج بين القوة الأمريكية مع الشرعية الدولية. ولكن مثل هذه الإجراءات يتطلب قدراً كبيراً من الصبر. هذا الموضوع كان جوهر كتابه”أمريكا في مفترق الطرق America at the Crossroads

فوكوياما أعلن نهاية لحظة الحركة المحافظة الجديدة وجادل من أجل عدم عسكرة الحرب على الارهاب:

“الحرب هي المجاز الخاطيء للصراع الأكثر إتساعاً، بما أن الحروب تُحارب بشدة كاملة ولها بدايات ونهايات واضحة. مواجهة التحدي الجهادي هو على  الأكثر صراع طويل ومظلم جوهره ليس حملة عسكرية ولكن نزاع سياسي على قلوب وعقول المسلمين العاديين حول العالم.

ملحوظة عن الهندسة الاجتماعية والهندسة السياسية

هو مجال من العلوم الاجتماعية يشير إلى الجهود المصممة للتأثير على المواقف الشعبية والسلوك الاجتماعي على نطاق كبير، سوء كان من الحكومات، وسائل الإعلام أو المجموعات الخاصة. يقول الدكتور إينغثورسون أن الكائن البشري يكون مخلوقاً بيولوجياً عند ميلاده ولكنه بعد ذلك يتم تشكيله الى شخص من خلال التأثيرات الإجتماعية وهو بهذا المعنى بنية إجتماعية.

social-engineering
الهندسة الاجتماعية

المهندس الإجتماعي هو من يحاول التأثير على المواقف الشعبية والسلوك الاجتماعي وإدارة الموارد على نطاق واسع. المهندسون الإجتماعيون يستخدمون وسائل علمية لتحليل وفهم النظم الاجتماعية، للوصول الى القرارات المناسبة كعلماء، في المجال السياسي تكون الهندسة السياسية هي النظير للهندسة الاجتماعية .

الهندسة السياسية، باستخدام وسائل أو معايير دون المستوى، يمكن أن تؤدي الى نتائج كارثية كما في حالة محاولة هندسة مشهد سياسي في بلد ديمقراطي سابق بمثل تلك الوسائل، على سبيل المثال الانقلاب العسكري.

54286208-democratic-america-factory-donkey-democrat-democrats-production-political-automated-line-for-industr
الهندسة السياسية

 المجلس العسكري اليوناني Greek military junta of 1967-1974استخدم وسائل الهندسةالسياسية مستخدماً انقلاب عسكري لحل النظام الديمقراطي لليونان مع نتائج كارثية.

ملحوظة عامة :

التشابه بين الانقلاب في مصر والانقلاب في اليونان الذي قام به المجلس العسكري بمساعدة الاستخبارات الامريكية، وتشابه حالة الفوضى التي سبقت الانقلاب بما كانت تقوم به وحدات الكوماندوز التي كانت جزء من شبكة غلاديو التي كان دورها إشاعة الفوضى والاغتيالات والتمهيد للانقلاب،يكشف لنا أن إنقلاب المجلس العسكري في مصر وحالة الفوضى التي سبقته كان من تدبير وتوجيه الاستخبارات الامريكية وأن كل ما يجري في مصر من أحداث من بعد الانقلاب هو بإدارة إستخبارية أمريكية مباشرة.

من أوجه التشابه أيضاً إستخدام المجلس العسكري اليوناني لوسائل الهندسة الاجتماعية والسياسية لتغيير طبيعة الشعب وعاداته وقيمه حتى يقبل الديكتاتورية. وهو نفس ما يقوم به اليوم السيسي وعصابته في مصر، من محاولات لتغيير القيم الدينية والعادات الاجتماعية واستخدام الترويع والقتل والاعتقال وغلق المساجد وفرض الخطبة على المنابر ومراقبة الصحف ووسائل الاعلام ونشر الأكاذيب والأساطير ومنع الآذان وإغلاق المساجد وتقييد الدعاء في صلاة التراويح وتغيير المناهج التعليمية، ومصادرة الاموال وإغلاق الجمعيات الخيرية، ونشر التشيع والتصوف والتنصير والشذوذ والإباحية،  كل هذه الوسائل هي من وسائل الهندسة الإجتماعية والسياسية لفرض التغيير على المجتمع، إستخدمها من قبل المجلس العسكري اليوناني بعد إنقلابه، بمساعدة الاستخبارات الامريكية. هذا التشابه في التجربة يوحي، بأن نفس الجهة التي أدارت إنقلاب اليونان من قبل وساعدت في تطبيق تلك الوسائل هي التي نقلت التجربة في مصر وتدير الحكم من خلال الانقلاب ومن خلال وسائل الهندسة الاجتماعية والسياسية، هذا الاختراع الغربي والذي سبق لهم ان طبقوه من قبل في اليونان واليوم يطبقونه علينا في مصر والعالم العربي.

#المنظومة_الشيطانية

#ديناميكية_النخب_السياسية

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s