الحلقة الثانية عشرة: محاضرة الواقعية الديمقراطية

 محاضرة: الواقعية الديمقراطية

في الحلقة السابقة تكلمت عن تشارلز كروثامر، في هذه الحلقة سأتكلم عن محاضرة هامة له تلخص السياسة الأمريكية الحالية مع تنامي النفوذ اليهودي والصهيوني عليها وعلى العالم.

تكريم تشارلز كروثامر بجائزة ايرفينج كريستول والذي القى فيه محاضرة الواقعية الديمقراطية

الواقعية الديمقراطية Democratic Realism

سياسة خارجية أمريكية من أجل عالم أحادي القطبية  An American Foreign Policy for a Unipolar World

ملخص الحلقة

هذه المحاضرة ألقاها تشارلز كروثامر Charles Krauthammer في الإحتفال بجائزة إيرفينج كريستول Irving Kristol عام 2004 م. يوم 10 فبراير

يبدأ كروثامر بإعلان إنتصار أمريكا على العالم بعد تحولها الى قوى عظمى وحيدة مسيطرة على العالم، ثم يبدأ في إستعراض رد فعل ذلك الأمر على السياسة الأمريكية

بالطبع هناك كم كبير من المغالطات مثل زعم كروثامر أن هذا الإنتصار تحقق بالصدفة نتيجة أخطاء الآخرين، وهو زعم كاذب. هذا الإنتصار السياسة الأمريكية تعمل على تحقيقه منذ ميثاق الأطلنتي Atlantic Charter في 14 أغسطس 1941 والذي وضع أسس سيطرة أمريكا على العالم ووراثتها للإستعمار الغربي القديم.

ثم إستمر هذا السعي من خلال مؤتمر يالتا Yalta Conference (من 4 إلى 11 فبراير 1945)

ثم في الحرب الباردة وسياسة الإحتواءContainment  التي وضعها الرجال الحكماء The Wise Men الذي وضعوا أسس السياسة الخارجية الأمريكية: دين آتشسون Dean Acheson (وزير الخارجية في عهد هاري ترومان)؛ الدبلوماسي نشارلز بوهلن Charles E. Bohlen؛ أفيريل هاريمان W. Averell Harriman (المبعوث الخاص لفرانكلين روسفلت)؛ الدبلوماسي جورج كينان George F. Kennan؛ روبرت لوفيت Robert A. Lovett (وزير الدفاع في عهد هاري ترومان)؛ جون ماكلوي John J. McCloy (مساعد وزير الحرب خلال الحرب العالمية الثانية والرئيس الثاني للبنك الدولي في الفترة من 1947 إلى 1949، والمفوض السامي الأمريكي لألمانيا بعد الحرب، ورئيس مجلس إدارة بنك تشيس مانهاتن ومجلس العلاقات الخارجية)

وكذلك توقيع خطة مارشال قي 3 أبريل 1948 كانت من ضمن خطوات هيمنة أمريكا على أوروبا

يجب ان نعترف أن جهود أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية، وخوضها الناجح للحرب الباردة إنتهت بإنتصارها الحاسم: في البداية سيطرت على اوروبا ثم دخلت في مواجهات الحرب الباردة مع الإتحاد السوفييتي والتي إنتهت بهزيمته في أفغانستان وامريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وأخضعت دول العالم الثالث وسيطرت على منطقة الشرق الأوسط وكانت آخر مرحلة في صراع أمريكا للسيطرة على العالم هي الصراع مع الإسلام، آخر عقيدة موجودة يمكن أن تقاوم وتعترض سبيل أمريكا.

كروثامر يعتبر أن 11/9 هي بداية إعلان الإنتصار على الإسلام، ويحدد الخطوات التي يجب إتباعها حتى يكون هذا الإنتصار نهائياً، (والامريكيون لا يعتبرون الإنتصار نهائي إلا بعد القضاء على خصمهم تماماً، مثلما فعلوا مع الشيوعية حاربوها حتى قضوا عليها تماماً بالديمقراطية) يجب ان تستمر. الحرب مع الإسلام يجب أن تستمر حتى يُقضى عليه تماماً كعقيدة وقيم واخلاق، هذه الحرب مع الإسلام تسارعت خطواتها بعد إنتهاء الحرب السوفيتية في افغانستان وبلغت ذروتها في 11/9 وبدأت تؤتي ثمارها ويضع كروثامر في محاضرته هذه أسس إنتهائها، والإجهاز على العالم العربي الإسلامي العدو الوجودي للغرب، ويؤسس للسياسة الأمريكية بعد ذلك حتى تستمر في هيمنتها على العالم.

في هذا السياق يستعرض كروثامر الإختيارات السياسية المختلفة للسياسة الخارجية الأمريكية، ليقودنا في النهاية إلى إختيار يجمع بين الواقعية والديمقراطية، ولكنها ليست الديمقراطية الليبرالية التي نعرفها ولكن واقعية ديمقراطية، ديمقراطية تحولت الى عقيدة إلى لاهوت واقعي، حتى تستطيع أن تسحق الإسلام في صراع من النوع العقائدي، الديمقراطية والواقعية يجب ان يمتزجا في عقيدة قادرة على التعامل مع عقيدة الإسلام وسحقها، عقيدة لها قيمها ومنظومتها الأخلاقية وثمارها الإقتصادية والإجتماعية التي تحقق في النهاية مصالح أمريكا وتؤسس لعالم يؤمن بها ويقاتل من أجلها ويستفيد من ثمارها، عالم تسيطر عليه أمريكا الكاهن الاكبر أو ربما الإله المنشيء لهذه العقيدة.

وكروثامر وأمثاله هم رجال اللاهوت هم الكهنة الذين يصنعون لاهوت الواقعية الديمقراطية. لاهوت قادر على سحق الإسلام كعقيدة.

honor.png

نبدأ الآن إستعراض محاضرة كروثامر:

عالم أحادي القطبية A Unipolar World

الأمريكيون لديهم نفور صحي من السياسة الخارجية. ناشيء من إحساس بالإقتصاد: من يحتاج إليها؟ نحن محميون بمحيطين ضخمين. لدينا هذه القارة عملياً لنا. ونتقاسمها فقط مع جارتين، كلتاهما صديقتين، واحدة منهما صداقتها شديدة لنا حتى ان مواطنيها يبدون كانهم يرغبون الإنتقال إلينا.

ثلاثة عمالقة من القرن العشرين جرونا الى معاركه الكبرى: ويلسون في الحرب العالمية الأولى، روزفلت في الحرب العالمية الثانية، وترومان في الحرب الباردة. ثم إنتهى الامر بواحد من أكبر حالات الهبوط الحاد في التاريخ. بدون رصاصة أُطلقت، بدون ثورة، بدون الكثير من البيانات الصحفية، إستسلم الإتحاد السوفياتي وإختفى ببساطة.

كانت نهاية كل شيء- نهاية الشيوعية، نهاية الإشتراكية، والحرب الباردة، والحروب الاوروبية. ولكن نهاية كل شيء كانت أيضاً بداية. في 26 ديسمبر 1991، مات الإتحاد السوفياتي ووُلد شيء جديد، شيء جديد تماماً – عالم أحادي القطب تهيمن عليه قوة واحدة عظمى لا يردعها أي منافس ولديها قدرة على البلوغ الحاسم إلى أي ركن من أركان العالم.

هذا تطور مذهل جديد في التاريخ، لم يُرى له مثيل منذ سقوط روما. جديد تماماً، وغريب تماماً، بحيث أننا ليس لدينا فكرة عن كيفية التعامل معه.  رد فعلنا الأول – في تسعينات القرن العشرين – كان إرتباك تام. رد الفعل الثاني كان رعب.

عندما شاهد بول كنيدي الذي كان قد عمم وأشاع من قبل فكرة “الإنحدار الأمريكي” ما فعلته أمريكا في الحرب الأفغانية – إستعراض لتعبئة كاملة، لقوة أحادية القطب مركزة بغضب على مسافة 8000 ميل – لم يكتفي بالتراجع فقط، ولكن وقف أيضاً مندهشا، فكتب: “لم يتواجد أبداً مثل هذا التفاوت في القوة” ، “لا توجد دولة أخرى قريبة … إمبراطورية شارلمان كان ما بلغته فقط في أوروبا الغربية. الإمبراطورية الرومانية إمتدت إلى مناطق أبعد، ولكن كان هناك إمبراطورية كبرى أخرى في فارس، وواحدة أخرى في الصين. ولذلك ليس هناك مقارنة”

حتى روما ليست نموذج لما عليه أمريكا اليوم. أولاً، لأننا ليس لدينا الثقافة الإمبريالية التي كانت موجودة في روما. نحن جمهورية آثينية، بل أننا أكثر جمهورية وديمقراطية من آثينا. وهذه الجمهورية الأمريكية إكتسبت أكبر إمبراطورية ظاهرة في تاريخ العالم – إكتسبت إمبراطورية أكبر من الامبراطورية البريطانية في نوبة من الغفلة. ولم تكن مجرد نوبة من الغفلة، كانت غفلة بحتة. وصلنا هنا الى هذه المكانة بسبب إنتحار أوروبا في حروب القرن العشرين، ثم موت خليفتها الأوراسي، روسيا السوفيتية، لإتخاذها نظاماً سياسياً وإقتصاديا غير إنساني الذي مات في نومه مثل العضو المعيب جينياً. وأخلوا لنا المكان للهيمنة على العالم.

ثانياً: نحن لسنا مثل روما، ولا بريطانية ولا فرنسا ولا أسبانيا ولا كل الإمبراطوريات الكلاسيكية الأخرى في العصر الحديث، نحن لسنا مشتهين للسيطرة على الأراضي مثلهم. إستخدام الكلمة “إمبراطورية” في السياق الأمريكي مثير للسخرية. فمن السخف تطبيق الكلمة على ناس غريزتهم الأولى عند الوصول إلى أرض أحد ما هي المطالبة بإستراتيجية خروج. أؤكد لكم أنه عندما ذهب الرومان إلى بلاد الغال والبريطانيون إلى الهند، لم يكونوا يبحثون عن إستراتيجيات خروج. ولكن كانوا يبحثون عن إستراتيجيات دخول.

في فيلم “لورنس العرب” للمخرج ديفيد لين، يقول الملك فيصل للورنس: “أعتقد أنك من هؤلاء الإنجليز المحبين للصحراء… الإنجليز لديهم شهوة كبيرة للأماكن المنعزلة” بالفعل على مدى خمسة قرون، كان لدى الأوروبيين شهوة للصحراء والغابات والمحيطات والقارات الجديدة.

الأمريكيون لم يكونوا كذلك. نحن نحب مكاننا هذا. نحب ماكدونالد خاصتنا. نحب كرة قدمنا. نحب الروك والرول خاصتنا. لدينا الغراند كانيون والجريسلاند. لدينا وادي السليكون والشاطيء الجنوبي. لدينا كل شيء. وإن لم يكن ذلك كافياً، فلدينا فيغاس – التي هي عبارة عن صورة طبق الأصل من كل شيء. ما الذي من الممكن أن نحتاج له من أي مكان آخر؟ نحن لا نحب المناخ الغريب. نحن لا نحب اللغات الغريبة – الكثير من الانحرافات والحالات النفسية. نحن لا نعلم حتى ما هي الحالة النفسية. نحب ذرة إيوا وهوت دوجز نيويرك، وإن كنا نريد طعام صيني أو هندي أو إيطالي، نذهب إلى الفود كورت. لا نرسل مشاة البحرية لإقتطاع الأراضي.

وذلك لأننا لسنا قوة إمبريالية. نحن جمهورية تجارية. نحن لا نستولى على الطعام، ولكن نتاجر حتى نحصل عليه . وذلك ما يجعلنا شيئاً فريداً في التاريخ، شيء مخالف للعادة، شيء هجين: جمهورية تجارية تتمتع بقوة عالمية كونية ساحقة. جمهورية تجارية بمحض الصدفة التاريخية، أُختيرت لتكون حارسة للنظام العالمي. عيون كل المتضرعين من تيمور الشرقية إلى أفغتنستان، من العراق الي ليبيريا؛ عرب وإسرائيليين، إيرلنديين وبريطانيين، من شمال وجنوب كوريا كلها علينا.

هذا هو نحن

والآن السؤال هو: ماذا سنفعل؟ ماذا ستفعل القوة الأحادية القطب؟

الإنعزالية Isolationism

الإجابة الجليلة الأقدم هي إدخار هذه القوة والإنسحاب. وهو ما يُسمى بالإنعزالية. من بين كل مدارس السياسة الخارجية في أمريكا، فهي الأقدم، ليس من المفاجيء في القوة الوحيدة الكبرى في التاريخ ان تكون معزولة بمحيطين كبيرين.

الإنعزالية نشأت في الأصل من النظر إلى أمريكا باعتبارها متفوقة روحياً عن العالم القديم. نحن صالحون بدرجة كبيرة ولا نريد ان تفسدنا دسائس العالم القديم الدنيئة، ولا أن نتورط في تحالفاته المشؤومة.

ولكن اليوم، الإنعزالية عبارة عن إيديولوجية للخوف. الخوف من المهاجرين. الخوف من الآخر. الإنعزاليون يريدون قطع التجارة والهجرة، والإنسحاب من إلتزاماتنا العسكرية والإستراتيجية حول العالم. حتى الإنعزاليون لا يعارضون الحرب في أفغانستان، لأنها بوضوح شديد عمل للدفاع عن النفس – فقط غبي أو وغد أو سوزان سونتاغ Susan Sontag  يمكن أن يعارضوا ذلك. ولكن أي شيء خلاف ذلك يعارضه الإنعزاليون. هم يريدون تخندق جذري للقوة الأمريكية – – يريدون سحب الجسر المتحرك لقلعة أمريكا.

الإنعزالية تاريخياً مدرسة مهمة للفكر، ولكن ليس اليوم.  ليس فقط بسبب إختزاليتها الفكرية الوحشية، ولكن لأنها بوضوح لا تناسب عالم اليوم – – عالم إقصاده تقوده الصادرات، عالم التدفقات السكانية الجماعية، عالم 11/9، الإثبات النهائي أن الدمج بين التكنولوجيا المعاصرة والبدائية العابرة للحدود أزالت الحاجز بين هنا وهناك.

الإنعزالية الكلاسيكية ليست فقط باطلة فكرياً؛ ولكنها أيضاً مفلسة سياسياً. من أربع سنوات، أكثر مناصر علني لها، وهو بات بوكانان، دخل الانتخابات الرئاسية للولايات المتحدة واستحوذ على أصوات بالم بيتش صدفة.

الإنعزالية الكلاسيكية محتضرة ومهمشة. من إذاً يحكم أمريكا؟

الأممية الليبرالية liberal internationalism

في تسعينات القرن العشرين، كانت الأممية الليبرالية liberal internationalism. وهي السياسة الخارجية للحزب الديمقراطي وديانة نخبة السياسة الخارجية. لها تاريخ خاص. تعود أصولها الى طوباوية utopianism وودرو ويلسون، ومعاداة هاري ترومان للشيوعية anticommunism ، والشمولية العسكرية militant universalism لجون كنيدي. ولكن بعد حرب فيتنام، تحولت الى إيديولوجيا سلبية، الى معاداة للتدخل anti-interventionism مذعنة وتقريباً إرتدادية.

الليبراليون اليوم ينسبون لأنفسهم فضل أدوار ترومان وكنيدي في إحتواء الشيوعية، ولكنهم يفضلون نسيان ذلك، في النصف الأخير من الحرب الباردة، إستخدم الليبراليون “المحارب البارد” كصفة. في أوائل ثمانينات القرن العشرين، أعطونا حركة التجميد النووي، التي كانت نوعاً من نزع التسلح أحادي الجانب في مواجهة التقدم النووي السوفييتي. اليوم يتفاخر جون كيري بمعارضة ما أسماه “حرب رونالد ريغان الغير شرعية في وسط أمريكا” في ثمانينات القرن العشرين-  ويعراض ما فعله والذي كان في الحقيقة ثورة أهلية ضد الشيوعية نجحت في النهاية في إسقاط حكم الساندينيستا Sandinista  وإعلان الديمقراطية في كل وسط أمريكا.

هذا التفاخر يذكرنا كيف كيف كان نضال السلبية الليبرالية في النصف الأخير من الحرب الباردة. ولكن هذه السلبية عمرت أطول من الحرب الباردة. عندما تعرضت الكويت للغزو، السؤال كان: هل يجب على الولايات المتحدة الذهاب الى الحرب لتمنع سقوط الخليج الفارسي في أيدٍ معادية؟ إنضم الحزب الديمقراطي الى الانعزاليين البوكانانيين في قول “لا”. الديمقراطيون صوتوا بلا – 2 الى 1 في مجلس النواب، وأكثر من 4 الى 1 في مجلس الشيوخ.

ولكن المثير للدهشة أنه عندما وصلت الأممية الليبرالية المتمثلة في إدارة كلينتون الى الحكم بعد عامين فقط، تحولت تقريبا الى سياسة تدخلية مفرطة. أدخلتنا أربعة مرات في أعمال عسكرية: عمقت التدخل في الصومال، غزت هاييتي، ضربت البوسنة بالقنابل، وذهبت للحرب على كوسوفو.

كيف نفسر التحول العجيب من حمائم الحرب الباردة وحرب الخليج الى صقور هاييتي والبلقان؟ الفرق الواضح والحاسم في ذلك: أن هاييتي والبوسنة وكوسوفو كانت معارك إنسانية للحق والباطل، خالية من المصالح الوطنية الأولية.  هذا التدخل الإنساني الغير مهتم بالتدخل الخالي من المصالح الوطنية  — يكون أصلياً أخلاقياً بقدر كافي لتبرير إستخدام القوة. تاريخ التسعينات من القرن العشرين يدحض المفهوم الخامل أن الليراليون لديهم نفور من إستخدام القوة. هم لديهم نفور من إستخدام القوة لأسباب المصالح الوطنية المحضة فقط.

لا أقصد من “المصالح الوطنية” الدفاع البسيط عن النفس. كل شخص يؤمن بالدفاع عن النفس كما حدث في أفغانستان. ولكني أتكلم عن المصالح الوطنية التي تعرفها قوة عظمى: تشكيل البيئة الدولية باستعراض القوة في الخارج من أجل تأمين المصالح الإقتصادية والسياسية والإستراتيجية.

الأممية الليبرالية تجد أن التدخل العسكري بهذا الشكل من أجل المصالح الوطنية غير مقدس وغير محتمل. ترى أن هذا النوع من المصالح الوطنية مجرد مصلحة ذاتية كبرى، شكل من الأنانية الوطنية الكبرى. ولذلك كانت “لا” للتدخل في الكويت و”نعم” للتدخل في كوسوفو.

السمة الأخرى المحددة لسياسة كلينتون الخارجية كانت التعددية multilateralism، التي تعبر عن نفسها في هوس من المعاهدات. تفاوضت إدارة كلينتون على مجموعة متلاحقة من الوعود الحمقاء حول الأسلحة البيولوجية والكيماوية، والاختبارات النووية، والإنبعاثات الكربونية، والصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية. إلخ.

لماذا؟ لا يمكن لكائن واع أن يصدق أن معاهدات التسلح الكيميائية والبيولوجية ممكن أن تكون أي شيء أكثر من عديمة النفع بوضوح. السيناتور جوزيف بايدن Joseph Biden  الذي دافع من قبل عن معاهدة الأسلحة الكيماوية، التي أقر حتى مؤيدوها أنها غير قابلة للتنفيذ، على أساس أنها ستوفر لنا أداة قيمة – “الإقناع الإخلاقي لكل المجتمع الدولي”

الإقناع الأخلاقي؟ ماذا كان الإقناع الأخلاقي الذي جعل القذافي يرى الحكمة في التخلي عن أسلحة الدمار الشامل لديه؟ أو موافقة إيران لأول مرة بوضع مفتشين نوويين؟

لقد كان إقناع الحربة. لقد كان السقوط المخزي لصدام – ورغبة المتفرجين المهتمين ألا يكونوا التالين في القائمة. النقطة الكلية في هذه المعاهدة كانت منع الدول المتشردة من تطوير أسلحة كيماوية. الدول المتشردة هي تلك الغير منفذة للإقناع الأخلاقي.

الإقناع الأخلاقي مهزلة. لماذا إذاً هواجس المعاهدات والبروتوكولات والتقيد بالقانون legalisms هذه؟ تأثيرها المحض الواضح هو تخفيف القوة الأمريكية. من الذي بعد كل شيء كان سيكون أكثر قيداً بهذه المعاهدات ؟ تعديلات معاهدة الصواريخ المضادة للباليستية كانت موجهة مباشرة للدفاعات الإستراتيجية والتقدم الأمريكي، وليس ضد روسيا، المتخلفة في الوراء بدون أمل. بروتوكول كيوتو إستثنى الهند والصين. حظر الإختبار النووي خفض بدرجة كبيرة الترسانة النووية الأمريكية. ومعاهدة الألغام الأرضية (التي قضت إدارة كلينتون شهور تتفاوض حولها، ولكن في النهاية لاقت الكثير من المعارضة من البنتاغون بحيث أن كلينتون لم يستطع أن يبدأ بها) كان تأثثيرها سيكون هداماً على القوات التقليدية للولايات المتحدة، خاصة المنطقة المنزوعة السلاح  DMZ في كوريا.

ولكن تلك كما ترون هي النقطة الكلية للمشروع التعددي: التقليل من حرية التصرف لأمريكا  بجعلها تابعة لـ، ومعتمدة على، ومقيدة بإرادة الأمم الأخرى. بتقييد جاليفر (العملاق) بألف خيط (من خيوط الاقزام). بإستئناس المصالح الوطنية الأكثر عدم إستئناس، والأكبر في الكوكب—مصالحنا.

اليوم، تبقى التعددية (تعدد الأقطاب في العالم) هي الموضوع المهيمن للأممية اليبرالية. عندما كانت في السلطة في تسعينات القرن العشرين، عبرت التعددية عن نفسها في هوس من المعاهدات. وعندما خرجت من السلطة في هذا العقد، أظهرت نفسها في السعي الصاغر وراء الشرعية الدولية international legitimacy – ومعارضة إتخاذ أي عمل أمريكي بدون مباركة أجنبية عالمية.

لهذا كان الإنتقاد الديمقراطي (الحزب الديمقراطي) لحرب العراق إنتقاداً إجرائياً وليس سياسياً.  المشكلة كانت أننا ليس لدينا إذن من الأمم المتحدة؛ لم يكن لدينا تحالف كبير بما يكفي؛ لم يكن لدينا قرار ثاني من مجلس الأمن. كوفي عنان لم يكن سعيداً والفرنسيون كانوا معارضين.

المرشحون الرئاسيون الديمقراطيون كلهم يقولون أننا كان علينا أن ندول الصراع، نأتي بالأمم المتحدة، نحشد الحلفاء. لماذا؟ لسببين: المساعدة والشرعية. في البداية يقولون، كان بإمكاننا أن نستخدم هذه البلاد الأخرى لمساعدتنا في إعادة البناء.

هذا أيسر. أى طرف يتمنى المزيد من المساعدة في إعادة البناء. كان من المستحب ان يساعد الألمان والفرنسيون في إعادة إعمار بغداد. ولكن السؤال موضع نقاش، والبرهان مشؤوم: فرنسا وألمانيا وضحوا تماماً أنهم لن يدعموا أبداً الإطاحة بصدام. وبالتالي فإن إرضاءهم لم يكن طريقاً لإشراكهم في إعادة الإعمار، ولكن كان طريقاً للتأكيد على أن إعادة الإعمار لن تحدث أبداً، لأن صدام كان سيستمر في السلطة.

بالطبع كان سيكون لطيفاً أن يكون لنا حلفاء أكثر. وأيضاً كان سيكون لطيفاً أن نكون قادرين على الطيران. ولكن عندما لا تكون بعض الدول معك في مشروعك، فإدخالهم في تحالفك ليس طريقاً لتوسيعه؛ ولكن لإلغائه.

عند تلك النقطة، الأمميون الليبراليون نقلوا حركتهم ولجأوا الى الشرعية—على أساس أن العمل التعددي له موقف أخلاقي أعلى. ولكني أجد هذا الخط البرهاني غير مفهوم.

بأي حساب أخلاقي يمكن إعتبار التدخل الأمريكي لتحرير 25 مليون إنسان فاقد للشرعية الأخلاقية لأنه يفتقد مباركة جزاري ميدان تياننمن (الحكومة الصينية) أو تشاؤم رصيف أورساي Quai d’Orsay (وزارة الخارجية الفرنسية)؟

لذلك من الصعب أخذ هذه الحجج بقيمة ظاهرية. أنظروا: نعلم لماذا طالب الأمميون الليبراليون موافقة الأمم المتحدة على حرب العراق. كان طريقاً لإيقاف الحرب. كان تأثير جاليفر. قم بدعوة إجتماع لدول ذات مصالح معادية أو مضادة—يعني مجلس الأمن—تكون قد ضمنت لنفسك 12 عام أخرى من الجمود.

تاريخياً، التعددية هي طريق للدول الضعيفة لمضاعفة قوتها بتعليق نفسها بدول أقوى. ولكن التعددية عندما تُفرض على القوى العظمى، وخاصة على القوة أحادية القطب، يُقصد منها تقييد تلك القوة. هذا بالتحديد سبب تحمس فرنسا للتعددية. ولكن لماذا تقبل أمريكا بهذا؟

لماذا في النهاية تريد الأممية الليبرالية تقييد جاليفر (العملاق)، لتجعل تتبع المصالح الوطنية الأمريكية كليلاً وبليداً بجعل الأمريكان خاضعين لعدد لا يُحصى من المصالح الأخرى؟

 في الحقبة التالية لحرب فيتنام مباشرة، هذا النفور من المصلحة الوطنية كان من الممكن نسبته الى الشك في النفس و الاشمئزاز من النفس. لست أدري. ما أعرفه أن اليوم من الخطأ أن نرى السياسة الخارجية الليبرالية تنبع من المعاداة للأمركة أو الإفتقار الى الوطنية أو إنبات متأخر لراديكالية ستينات القرن العشرين.

المثالية idealism

على العكس من ذلك. النفور الليبرالي من المصلحة الوطنية ينشأ من مثالية  idealism، رؤية أوسع لبلد، رؤية لبعض الطموح والنبل—المثل الأعلى لجماعة دولية حقيقية. وهذا هو الحال: لتحويل نظام دولي من العالم الهوبسي Hobbesian  (نسبة الى الفيلسوف توماس هوبس Thomas Hobbes ) الى العالم اللوكي (نسبة الى الفيلسوف جون لوك John Locke). لتحويل حالة الطبيعة الى جماعة تقودها المعايير. لتحويل قانون الغابة الى حكم القانون – للمعاهدات والقوانين وقرارات الأمم المتحدة. بإختصار، إعادة صنع النظام الدولي ليكون على صورة المجتمع المدني الداجن الأليف.

هم يحلمون بعالم جديد، العالم الذي وصفه وزير خارجية امريكا (من 1933 الى 1944) كورديل هال Cordell Hull  (مؤسس الأمم المتحدة ونال بسبب ذلك جائزة نوبل للسلام عام 1945م.) – “عالم لن تكون هناك حاجة فيه لمناطق نفوذ، ولا تحالفات، ولا توازن قوى، أو أي نوع آخر من الترتيبات الخاصة، التي كانت من خلالها تجاهد الأمم في الماضي التعيس من أجل حماية أمنها أو تحسين مصالحها.”

ولخلق هذه الجماعة الدولية الحقيقية، عليك أن تخفف، تتجاوز، وفي النهاية تلغي فكرة قوة الدولة ومصالحها الوطنية. من هنا تنشأ كراهية الهيمنة الأمريكية والقوة الأمريكية.

إن كنتم ستخفضون الحلبة الدولية على قالب المجتمع الداجن الأليف، فعليكم أن تستأنسوا اللاعب الوحيد الأقوى. عليكم أن تلغوا الهيمنة الأمريكية، ليس فقط كإذلال للإنصاف والعدالة، ولكن أيضاً كأكبر عائق على الكوكب كله، لنظام دولي ديمقراطي يعيش فيه الجميع تحت مؤسسات دولية ذاتية الحكم ومعايير دولية ذاتية التطبيق.

الواقعية Realism

هذه الرؤية كلها شديدة الجمال. كلها شديدة النبل. وكلها شديدة الجنون. وهو ما ينقلنا الى مدرسة السياسة الخارجية الكبرى الثالثة: الواقعية.

الواقعي ينظر الى هذا المشروع الليبرالي الكبير ويرى وهماً ميئوساً منه. لأن تحويل العالم الهوبسي Hobbesian  الذي تواجد حتى قبل الحروب البيلوبونيسية Peloponnesian Wars  بزمن طويل الى عالم لوكي Lockean ، تحويل غابة الى ضاحية سكنية، يتطلب ثورة في الطبيعة البشرية. ليس مجرد باني يبني مؤسسات جديدة، ولكن ثورة في الطبيعة البشرية. والواقعيون لا يؤمنون بالثورات في الطبيعة البشرية، ويقللون كثيراً المراهنة بمستقبلهم ومستقبل دولتهم عليهم.

الواقعية تعترف بالمغالطة الأساسية في فكرة نمذجة النظام الدولي على مجتمع داجن كله.

بداية، ما يمسك المجتمع الداجن مع بعضه هو السلطة المركزية العليا المسيطرة على قوة تحتكرها ومعايير تفرض تطبيقها. في الحلبة الدولية ليس هناك شيء كذلك. المجتمع الداجن قد يبدو مثل مكان به معايير ذاتية التنظيم، ولكن لو اقتحم أحد منزلك، تطلب 911، وتصل الشرطة رافعة أسلحتها. هذا ليس تطبيقاً ذاتياً ، ولكن فرض تطبيق القانون.

ثانياً، المجتمع الداجن يرتكز على حسن النية المشترك، والمدنية والقيم العامة لأفراده. ولكن ما هي القيم التي تتقاسمها بريطانيا وكوبا واليمن وزيمبابوي—كل الأعضاء الشكليين لهذا الوهم نسميهم “مجتمع دولي”؟

بالطبع يمكن ان يكون هناك جماعات أصعر ذان مصالح مشتركة – مثل مجموعة اتفاقية التجارة الحرة لشمال امريكا   NAFTA ، والمعاهدة الأمنية بين استراليا ونيوزيلاندا والولايات المتحدة ANZUS، أو الإتحاد الأوروبي.

ولكن الأوروبيون تصوروا أن العلاقات مع كل الدول – بغض النظر عن الايديولوجيا، بغض النظر عن الثقافة، بغض النظر حتى عن العداء المُعلن—يجب أن تُجرى على نموذج إقناع الإتحاد الأوروبي والمعايير والمفاوضات والاتفاقات التعاقدية المقدسة مجرد وهم.

معاهدة مصايد مع كندا هي شيء واقعي. إطار متفق عليه حول إنتاج البلوتونيوم مع أمثال كوريا الشمالية لا يساوي الورق المكتوب عليه.

الواقعي يؤمن بتعريف “السلام” كما قدمه آمبروز بيرس Ambrose Bierce في قاموس الشيطان The Devil’s Dictionary:

“السلام”: إسم، هو في الشؤون الدولية، فترة خداع بين فترتين من القتال”

“Peace: noun, in international affairs, a period of cheating between two periods of fighting.”

ومن هنا كانت مسلمة الواقعي: “الجماعة الدولية” خيال. فهي ليست جماعة، بل هي تنافر – من الطموحات المجهدة، والقيم المتباينة والقوى المتنازعة.

ما الذي يمسك بالنظام الدولي ويجعله متماسكاً؟ ما الذي يحفظه من التفكك الى فوضى شاملة؟ ليس أمن المعاهدات الزائف، ولا أفضل حسن نية بين الدول الطيبة. في عالم القطب الواحد الذي نسكنه، الاستقرار الذي نتمتع به اليوم يعود فضله الى القوة المهيمنة والتهديد الرادع للولايات المتحدة.

لو إعتدى أحد على منزلك، تستدعي الشرطة. ولكن من ستستدعي لو إعتدى أحد على بلدك؟ ستتصل بواشنطن. في عالم القطب الواحد، في عالم أحادي القطبية، أقرب شيء الى السلطة المركزية، الى من يفرض تطبيق المعايير، هو أمريكا – القوة الأمريكية. وللسخرية السلطة هي تحديداً ما تريد الأممية الليبرالية تقييده وتسعى خلف عالم لوكي Lockean  شجاع.

الواقعيون لا يعيشون فقط في أمريكا.لقد وجدت واحداً في فنلندا. خلال مفاوضات أوسلو عام 1997 م. حول معاهدة الألغام الأرضية، واحد من الصامدين النادرين، كان مهتماً بقدر كاف، كان فنلندياً. رئيس وزراء فنلندا عارض بشجاعة حظر الألغام الأرضية. وبسبب ذلك نال توبيخاً من جيرانة الإسكاندينافيين. ولكنه رد عليهم رداً لاذعاً أن ذلك وضع مناسب للبلاد النوردية الأخرى—فبعد كل شيء فنلندا هي حقل ألغامهم.

فنلندا هي حقل الألغام بين روسيا وسكاندينافيا. أمريكا هي حقل الألغام بين البربرية والحضارة.

أين كانت اليوم جنوب أقريقيا بدون أمريكا وحقول ألغامها على طول المنطقة المنزوعة السلاح؟ اين كانت أوروبا اليوم – مع جماعتها المتكبرة العائلية—ألم تنقذها أمريكا من العالم السوفيتي الضخم؟ أين كان الشرق الأوسط اليوم لو لم توقف القوة الأمريكية صدام عام 1991 م.؟

حقل الألغام الذي يحمي الحضارة من البربرية ليس ورق ولكن قوة، وفي عالم أحادي القطبية، القوة الأمريكية –يتم السيطرة عليها وإدارتها من جانب واحد إذا لزم الأمر. وبطريقة إستباقية إن لزم الأمر.

وهؤلاء الغير مرتاحين للسلطة الأمريكية جعلوا هاتين الوسيلتين للسيطرة عليها – الإستباقية والأحادية – مركزاً لنقد قاس. عقيدة الإستباقية، بشكل خاص، تم مهاجمتها على نطاق واسع لإنتهاكها للمعايير الدولية.

ما هي المعايير الدولية؟ تلك التي أُدينت تحتها إسرائيل من الجميع – حتى إدارة ريغان إنضمت إلى الإدانة في مجلس الأمن – لأنها دمرت مفاعل العراق النووي عام 1981 إستباقياً؟ هل يشك أحد اليوم أن هذاالإجراء كان صحيحاً، إستراتيجياً وأخلاقياً؟

في عالم الإرهابيين، الدول الإرهابية وأسلحة الدمار الشامل، الإختيار الإستباقي ضروري بشكل خاص. في العالم الثنائي القطبية في زمن الحرب الباردة، مع غريم غير إنتحاري مستقر، الردع يمكن أن يعمل. الردع لا يعمل ضد ناس يتوقون للسماء. لا يعمل مع المنيعين من الردع. ولا يعمل ضد ما لا يمكن إكتشافهم: الحكومات المعادية الغير إنتحارية التي يمكن أن تهاجم بوسائل خفية – حقيبة بها قنبلة نووية أو أنثراكس مُرسل من مجهول. ضد كل من من لا يمكن ردعه ومن لا يمكن إكتشافه، الضربات الإستباقية هي الإستراتيجية الوحيدة الممكنة.

علاوة على أن العقيدة الإستباقية ضد الدول المعادية التي تسعى لامتلاك أسلحة دمار شامل تُعتبر تحسين للردع الكلاسيكي. تقليدياً كنا نردع إستخدام أسلحة الدمار الشامل بالتهديد بالإنتقام بعد الهجوم علينا – وهذا يكون بعد فوات الأوان؛ النقطة من وراء الضربات الإستباقية هي ردع إمتلاك أسلحة الدمار الشامل في المقام الأول.

سواء كانت العراق تمتلك مخزون كبير من أسلحة الدمار الشامل أم لا، الحقيقة أن الولايات المتحدة أطاحت بحكومة معادية رفضت بشكل متكرر التخلص من أسلحتها فحققت بذلك تحديداً هذا التأثير الرادع. نحن اليوم أكثر أمناً ليس فقط لأن صدام رحل، ولكن لأن ليبيا وأي دولة أخرى غيرها تعتزم التعامل مع أسلجة الدمار الشامل –لأول مرة—رأوا أن ذلك له كلفة، كلفة عالية.

بالطبع، الإستخبارات المعيبة تجعل الضربات الإستباقية معضلة. ولكن هذا ليس إعتراضاً على المبدأ، ولكن إعتراض على الممارسة. الإعتراض بالفعل يسلم بالمبدأ. نحن في حاجة إلى إستخبارات جيدة. ولكننا نبقى بدون دفاع إن نبذنا الإختيار الإستباقي.

الأعتراض الآخر الكبير على الطريقة الأمريكية أحادية القطب للسيطرة على القوة هو أحاديتها. سأجادل في مدى ما نحن عليه من أحادية في الواقع. بناء “تحالفات إرادة coalitions of the willing” خاصة ad hoc  من الصعب وصفها بأنها أحادية فقط لأنها ليس لها سكرتارية في بروكسل أو على الشاطيء الشرقي.

علاوة على أن، الأحادية unilateralism  هي عادة الطريق إلى التعددية  multilateralism. كما تعلمنا من حرب الخليج، فزعامة الولايات المتحدة – إرادتها بالعمل أحادياً إن لزم الأمر – هي التي أوجدت تحالف حرب الخليج. بدون إعلان رئيس الولايات المتحدة حول غزو الكويت “أن ذلك لن يدوم” – وموضحاً أن أمريكا ستذهب وحدها إن كان عليها ذلك— لم يكن من الممكن وجود التحالف الكبير الذي يُثنى عليه اليوم بأثر رجعي ويُضرب به المثل كنموذج للتعددية.

بالطبع علينا العمل بتناغم مع الآخرين إن أمكن. فمن اللطيف أن ينضم إلينا الآخرون وقت حدوث إنتهاك. لا أحد يريد أن يكون أحادي. الأحادية ببساطة تعني عدم السماح بأن نكون رهينة لإرادة الآخرين.

بالطبع نبني تحالفات إن أمكن. عام 2003 م.، جمعنا تحالف إرادة للعراق تضمن حلفاء مهمين مثل بريطانيا، وأستراليا وأسبانيا وإيطاليا والكثير من أوروبا الشرقية. فرنسا وألمانيا وضحتا من البداية أنهما لن تنضما أبداً في تحالف للإطاحة بصدام. لذلك لم يكن الخيار تحالف كبير مقابل تحالف صغير، ولكن تحالف صغير مقابل لا تحالف. كانت هناك إحتجاجات كبيرة ضد حرب العراق – عدم موافقة فرنسا كانت واحدة منها.

إيرفينج كريستول الذي شرح من قبل أنه يفضل منظمة الدول الأمريكية على الأمم المتحدة لأن في منظمة الدول الأمريكية يمكن أن نصوت بثلاث لغات فقط، وبالتالي نوفر رسوم الترجمة. الواقعيون لا يختارون أن يكونوا جاليفر.  في نظام دولي بدون سيد، بدون شرطة، بدون حماية – حيث تكون القوة هي الحكم الأخير والتاريخ أورثنا قوة غير مسبوقة – يجب أن نكون يقظين في الحفاظ على هذه القوة. وعلى حريتنا في العمل على إستخدامها.

ولكن هنا نخرج عن حدود الواقعية: لا يمكنك أن تحيا بالقوة وحدها. الواقعية هي ترياق قيم لأممية تسعينات القرن العشرين الغامضة. ولكن الواقعية يمكنها أن تأخذك بعيد جداً.

مشكلتها الأساسية تتمثل في أن في تعريفها للمصلحة الوطنية كما هي موصفة من كبار منظريها، هانس مورجنتاو  Hans Morgenthau: المصلحة توصف بأنها سلطة. جادل مورجنتاو أن ما يقود الأمم، ما يحفز سياستها الخارجية، هو إرادة السلطة – الحفاظ عليها وتوسيعها.

لغالبية الأمريكيين، إرادة السلطة قد تكون وصفاً صحيحاً للعالم – ما يحفز البلاد الأخرى – ولكنها لا يمكن أن تكون وصفة لأمريكا. لا يمكن أن تكون غايتنا. أمريكا لا يمكن ولن تريد أن تعيش بالسياسة الواقعية وحدها. سياستنا الخارجية يجب ان تُقاد بشيء أبعد من السلطة. إن لم يقدم المحافظون مثل عليا لتحدي المثل العليا الليبرالية المتعلقة بالمجتمع الدولي الداجن، فسيخسرون المناظرة.

ولهذا نشأ بين الأمريكيين المحافظين مدرسة أخرى أكثر مثالية ترى أن المصلحة الوطنية الأمريكية كتعبير للقيم.

العولمة الديمقراطية  Democratic Globalism

وهي المدرسة الرابعة التي وجهت السياسة الخارجية الأمريكية في هذا العقد. هذا البديل المحافظ للواقعية يُسمى بشكل متكاسل وحسود “الحركة المحافظة الجديدة neoconservatism”، ولكن هذا الإسم شديد الغرابة لمدرسة كبار مؤيديها في العالم اليوم هم جورج بوش وتوني بلير – لو كان هؤلاء من المحافظين الجدد فمارجريت تاتشر كانت ليبرالية. ليس هناك شيء جديد حول بوش، وليس هناك شيء سلبي حول بلير.

لكن هناك اليوم مؤيدون رئيسيون لما يمكن تسميته عولة ديمقراطية democratic globalism، وهي سياسة خارجية لا تعرف المصلحة الوطنية كسلطة وقوة ولكن قيم، وتحدد قيمة عليا واحدة، ما يسميه جون كينيدي “نجاح الحرية  the success of liberty”. كما وضح الرئيس بوش في خطابه في وايتهول في نوفمبر الماضي: “الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى يتقاسمان مهمة في العالم وراء توازن القوة أو السعي البسيط وراء المصلحة. نسعى إلى تقدم الحرية والسلام الذي تجلبه الحرية.”

ما وراء السلطة والقوة. ما وراء المصلحة. ما وراء المصلحة  يُعرف أنه السلطة. هذا هي شعار عقيدة  العولمة الديمقراطية. وهو ما يفسر جاذبيتها السياسية: أمريكا دولة فريدة في بنائها، لم تُبنى على الدم، والعرق أو العصب، ولكن على إقتراح – شرفها المقدس مرهون عليه لمدة قرنين. هذه الإستثنائية الأمريكية تفسر لماذا يجد غير الأمريكيين هذه السياسة الخارجية صعبة التصديق؛ لماذا وجد بلير صعوبة متزايدة في جمع التأييد لها في بلده؛ ولماذا تجد أوروبا خاصة هذا النوع من السياسة الخارجية التي تقودها القيمة ميئوس منها ومزعجة أخلاقياً.

العولمة الديمقراطية تُعتبر محرك التاريخ وليس الإرادة لتحقيق السلطة ولكن الإرادة لتحقيق التحرر.  وبينما يتم مهاجمتها كابتداع مثالي حالم، يأتي إلهامها من عقيدة ترومان عام 1947 م.، وخطاب كنيدي الإفتتاحي عام 1961 م.، وخطاب “إمبراطورية الشر” لريغان عام 1983 م. كلهم سعوا إلى إعادة صياغة الصراع على السلطة بين العمالقة الجيوسياسيين إلى صراع بين التحرر وعدم التحرر. بين الخير والشر.

لهذا السبب تم إنتقاد عقيدة ترومان بشدة من واقعيين أمثال هانس مورجنتاو وجورج كينان – وتم تشويه ريغان من مؤسسة السياسة الخارجية كلها: بسبب خطيئة صبغ الحرب الباردة بالإيديولوجية من خلال حقنها بغطاء أخلاقي.

اليوم بعد 11/9، نجد أنفسنا في صراع وجودي مماثل ولكن مع عدو مختلف: ليس الشيوعية السوفياتية، ولكن الشمولية الإسلامية-عربية، سواء العلمانية أو الدينية. هوجم بوش وبلير بسبب صياغتهما لهذا الصراع بسذاجة وفجاجة على أنه صراع بين التحرر وعدم التحرر، الخير مقابل الشر.

الآن،  نظراً لأن المشكلة ليست التحرر فقط ولكن الكرامة الإنسانية تُسحق في كل من أفغانستان والعراق، أكبر معركتين في هذه الحرب الجديدة، فعلينا أن نعطي بوش وبلير مزاعم أخلاقية وهي الميزة الحاسمة لكوننا صادقين بوضوح.

مع ذلك، يمكن لشيء أن يكون صادق ولكن لا يزال خطيراً. الكثير من الناس غير مستريحين مع عقيدة بوش-بلير – الكثير من المحافظين بشكل خاص. عندما أعلن بلير في خطابه للكونجرس: “نشر التحرر.. آخر خط لدفاعنا وأول خط هجوم لنا”، رأوا في ذلك سياسة خارجية توسعية بخطورة، وطوباوية بشكل عدواني. بإختصار رأوا وودرو ويلسون Woodrow Wilson.

الآن، بالنسبة للمحافظ، وودرو ويلسون كلمات محارب. نعم، هذه الرؤيا توسعية وربما طوباوية. ولكنها ليست ويلسونية. ويلسون تصور نشر القيم الديمقراطية من خلال المؤسسات الدولية التي كانت متصورة  في عصره. ولكن يمكن مسامحته في ذلك. عام 1918 م. لم يكن هناك سبيل لمعرفة كيف ستكون تلك المؤسسات فاسدة وعديمة النفع. ثمانية عقود من التجربة المريرة فيما بعد – مع ترؤوس ليبيا للجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة – ليس هناك سبيل لعدم المعرفة.

العولمة الديمقراطية ليست ويلسونية. جاذبيتها تحديداً تتمثل في انها تتقاسم نفاذ بصيرة الواقعية حول مركزية السلطة. جاذبيتها تحديداً هي أنها لديها إزدراء شديد للحرفية القانونية legalisms  الوهمية عند الأممية الليبرالية  liberal internationalism.

كما أن العولمة الديمقراطية عبارة عن تحسين للواقعية. ما يمكن أن تفهمه لنا الواقعية هو أن نشر الديمقراطية ليس مجرد غاية ولكن وسيلة، وسيلة لا غنى عنها لتأمين المصالح الأمريكية.  السبب بسيط. الديمقراطيات بطبيعتها أكثر وداً مع الولايات المتحدة، أقل محاربة لجيرانها، وبشكل عام أكثر ميلاً للسلام. الواقعيون محقون في أنه لحماية مصالحك يجب عليك عادة أن تذهب حول العالم ضارباً  الأشرار فوق رؤوسهم. ولكن هذا التكنيك، بغض النظر عن مدى كفايته، له حدوده. في بعض النقاط، عليك أن تزرع شيئاً، شيئاً عضوياً وذاتي التنمية. وهذا الشيء هو الديمقراطية.

ولكن أين؟ الخطر من العولمة الديمقراطية هو عالميتها أو شموليتها، إلتزامها المطلق بالتحرر الإنساني، إغراءها بغرس راية الديمقراطية في كل مكان. يجب أن تتعلم قول “لا” ولكن عندما تقول لا لليبريا، أو الكونغو أو بورما أو تحالفات التأييد مع حكام مستبدين في أماكن مثل باكستان، أو، لهذا الشأن، روسيا، تقف موقف المتهم بالنفاق. ولهذا يجب أن نوضح المعايير بقول “نعم”. أين يجب أن نتدخل؟ أين نحدث الديمقراطية؟ أين نساعد على بناء الدولة؟ أنا أقترح معيار واحد:  حينما يكون ذلك ضروريا وله أثر where it counts.

سميها الواقعية الديمقراطية. وهذه مُسلمة بديهية: سندعم الديمقراطية في أي مكان، ولكننا سنتعهد بالدم والمال فقط في أماكن تكون فيها ضرورة إستراتيجية – يعني أماكن أهميتها مركزية للحرب الأكبر ضد العدو الوجودي، العدو الذي يضع تهديداً عالمياً مميتاً للتحرر (هذا الوصف ينطبق بشكل حصري على الإسلام فقط، الفاشية الإسلامية).

We will support democracy everywhere, but we will commit blood and treasure only in places where there is a strategic necessity–meaning, places central to the larger war against the existential enemy, the enemy that poses a global mortal threat to freedom.

اين يكون تدعيم الديمقراطية ضرورياً؟ منذ خمسين عام، في ألمانيا واليابان. لماذا؟ لأنهما كانا بذور التهديد العالمي الأكبر للتحرر في منتصف القرن—الفاشية—ثم تحولا من خلال بناء الدولة الى حصون ضد التهديد التالي للتحرر، الشيوعية السوفياتية.

اليوم أين يكون تدعيم الديمقراطية ضرورياً؟ حيث تكون الإطاحة بالراديكالية (الأصولية) وبدايات الديمقراطية يمكن أن يكون لها تأثيراً حاسماً في الحرب ضد التهديد العالمي الجديد للتحرر، العدو الوجودي الجديد، الشمولية العربية-إسلامية التي هددتنا في كل من شكلها العلماني والديني على مدى ربع قرن منذ ثورة الخوميني عام 1979 م. (هذا الزعم بعداء أمريكا لإيران سأكشف زيفه في الحلقات القادمة التي سأتكلم فيها عن التعاون الإسرائيلي الإيرايني والأمريكي إيراني الذي تمثل في فضيحة إيران كونترا، الحرب الحقيقية ضد الإسلام الحقيقي فقط، ضد السنة، أما إيران فهي حليف إستراتيجي للغرب ولإسرائيل في هذه الحرب ضد الإسلام، هذا سيظهر واضحاً في الحلقات القادمة بمشيئة الله)

إقامة نظم سياسية متحضرة محترمة غير محاربة، مناصرة للغرب في أفغانستان والعراق وفي النهاية عند البلدان الرئيسية المجاورة سيكون مثل قلب ألمانيا واليابان في أربعينات القرن العشرين، تغيير التوازن الإستراتيجي في الحرب ضد الأصولية العربية-إسلامية Arab-Islamic radicalism.

نعم، قد يكون جسراً بعيداً. الواقعيون يحذرون من غطرسة التفكير بأننا يمكن أن نحول ثقافة أغراب بسبب إرادة بشرية عالمية وطبيعية مسلم بها تتوق الى التحرر. وقد يكون لهم حق. ولكن كيف يعلمون مسبقاً؟ منذ نصف قرن سمعنا نفس التحذيرات الواثقة حول مناعة الثقافة الكونفوشية للديمقراطية. ولكن ذلك ثبت خطؤه بشكل مذهل. اين كُتب أن العرب غير قادرين على الديمقراطية؟

نعم، التعهد بالتجربة هائل وطموح ومتغطرس، مثلما كانت حالة ألمانيا واليابان. قد تفشل. ولكننا لا نستطيع تجنب المحاولة. ليس هناك إستراتيجية واحدة بديلة مقبولة للهجوم على الوحش الواقف وراء 11/9. ليس أسامة بن لادن؛ لكن غلاية القمع السياسي، عدم التسامح الديني، والإفلاس الإجتماعي في العالم العربي-إسلامي – القمع تحول وإنحرف من خلال أنظمة حكم لا شرعية لها، (هذه الانظمة التي لا شرعية لها يقف الغرب وراءها بكل قوة ويفرضها علينا) الى معاداة للأمركة خبيثة وقاتلة. ليس رجل واحد (أسامة بن لادن) ولكن حالة. من اللطيف أن نجد هذا الرجل ونشنقه، ولكن هذا سيكون نموذج الشرطة واللصوص لفرض تطبيق القانون، لمحاربة الإرهاب الذي نجربه من عشرين سنة والذي أوصلنا إلى 11/9. هذه حرب، وفي الحرب القبض على القتلة شيء جيد. ولكنك تحقق النصر بالإستيلاء على الأرض – وترك شيء وراءك.

11 سبتمبر

نحن القوة أحادية القطب وماذا نفعل؟

في أغسطس 1900 م.، ألقى ديفيد هيلبرت خطاباً في المؤتمر الدولي للرياضيين تحت عنوان 23 مشكلة رياضية ما زالت بدون حل متوارثة من لقرن التاسع عشر الى القرن العشرين. لو كان قدم المشاكل الجيوسياسيية الكبرى الغير محلولة المتوارثة الى القرن العشرين، كانت مشكلة ستبرز فوق الجميع– صعود ألمانيا وتكيفها مع نظام الدول الاوروبية.

بالمثل اليوم، في مطلع القرن الحادي والعشرين، يمكننا أن نرى بوضوح أكبر تحديين جيوسياسيين في الأفق: الصعود الصيني المتعنت والإنهيار الديموغرافي الوشيك في أوروبا، كليهما سيفقد توازن النظام الدولي بشكل نهائي لا يمكن الرجوع فيه.

ولكن هذه المشاكل ستأتي لاحقاً. ستواجهنا في نصف القرن، ستواجه الجيل التالي. وهذا الجيل (القادم) لن يصل حتى الى هذه المشاكل إلا إذا تعاملنا نحن أولاً مع مشكلتنا.

ومشكلتنا هي 11/9 وجذور العدمية العربية-إسلامية Arab-Islamic nihilism. 11 سبتمبر يبدو كأنه مشكلة جديدة، ولكن الصدمة والمفاجئة الكلية هو مشكلة قديمة بوجه جديد. (العدمية العربية الإسلامية، هكذا يرانا اليهود ويريدون الغرب أن يرانا، تعبير في منتهى الخطورة، يبين لنا نواياهم ضدنا)

11 سبتمبر يبدو كانه بداية لتاريخ جديد، ولكنه إعادة للتاريخ، تاريخ القرن العشرين للإيديولوجيات الأصولية والأعداء الوجوديين. (سنرى في الحلقات القادمة من صنع 11/9 حتى يصلوا الى تلك اللحظة لحظة إتهام الإسلام بالعدمية وإعلان الحرب عليه)

الشيء الشاذ ليس عالم اليوم. الشيء الشاذ كان تسعينات القرن العشرين، عندما أخذنا عطلة من التاريخ. بدت كأنها سلام، ولكنها كانت فترة فاصلة من الأحلام بين فترتين من الواقع.

تلك العطلة أو الغفلة أيقظتنا منها أحداث 11/9. روعتنا وجعلتنا نفكر أن كل شيء كان جديداً. ولكنه لم يكن. ما كان جديداً هو ما لم يحدث في 11/9، ولكن قبل تلك الأحداث بعشرة سنين في 26 ديسمبر 1991 م.: بروز الولايات المتحدة كقوة أحادية القطب في العالم (بروز الولايات المتحدة كقوة أحادية القطب عام 1991 ارتبط بالانتصار على السوفييت في أفغانستان، والانتصار في أفغانستان ارتبط بالمجاهدين المسلمين وخاصة العرب الذين كانت السي آي اي في ذلك الوقت تتعامل معهم وراضية عنهم في العملية سايكلون، لذلك رأيت أن أبلغ رد على كروثامر هو إستعراض حقائق العملية سايكلون وتوابعها). ما هو فريد هو أفضليتنا في هذا الصراع، أفضلية  لم تتحقق لنا خلال صراعاتنا في القرن العشرين. التساؤل في زماننا هو كيف نطبع هذه الأفضلية، كيف نستغل قوتنا وسلطتنا أحادية القطب، كيف نوظفها للفوز في الحرب القديمة/جديدة التي إنفجرت فينا في 11/9.

ماذا على القوة والسلطة أحادية القطب أن تفعل؟

أربعة مدارس، أربعة إجابات

الإنعزاليون يريدون ببساطة أن يتجاهلوا الأحادية القطبية، ويسحبوا الجسر المتحرك، ويدافعوا عن قلعة أمريكا. ولكن للأسف القلعة ليس لها خندق مائي – ليس بعد الطائرة، والغواصة، والصاروخ الباليستي—وأما الجسر المتحرك، فقد فُجر في 11/9.

ثم هناك الأمميون الليبراليون. هؤلاء يحبون أن يحلموا، وبدرجة ما هم مدركون لقوتنا أحادية القطب، إلا انهم لا يحبونها. يرون أن إستخدامها يجب ان ينحصر فقط في الإنسانيات أو الدفاع الذاتي الإرتدادي كتعبير للأنانية الوطنية. هم لا يكتفون فقط بتجاهل قوتنا الفريدة، بل يريدون أن نتنازل عنها قطعة قطعة، تصنيف أنفسنا  في بناء عالمي جديد لا تصبح فيه أمريكا الحكم للأحداث الدولية ولكن مجرد مواطن دولي أليف وطيب.

ثم هناك الواقعية، والتي تمتلك أوضح فهم للأحادية القطبية الجديدة وإستخداماتها – الأحادية والإستباقية (الضربات الإستباقية التأديبية للمتمردين المحتملين أو المشكوك فيهم أنهم ممكن أن يتحولوا الى متمردين محتملين على الهيمنة الامريكية والكفر بعقيدة الديمقراطية الامريكية، مثل ضرب صدام حسين على سبيل المثال ليكون مثلاً لكل العرب والمسلمين الذين بحلمون بالتمرد على الديمقراطية الامريكية، ومثل الضربات والإعتقالات الإستباقية للإسلاميين لمجرد الشك فيهم او تأديبهم، نفس السياسة التأديبية التي يتبعها الإنقلاب في مصر مع معارضيه الكافرين به – نلاحظ هنا أن المسألة عقائدية فرفض الهيمنة الامريكية مثل رفض الإنقلاب كفر عقائدي وليس مجرد إختيار سياسي مقبول) إذا لزم الأمر. ولكن في النهاية، تفشل لأن ليس لها رؤية. كلها وسائل وليس لها غايات. لا يمكنها أن تصف مهمتنا بدرجة وافية.

(نلاحظ هنا الفرق الجوهري بين واقعية فرض القوة في المدرسة السابقة والعولمة الديمقراطية في المدرسة التالية: الفرق الجوهري هو تحول واقعيىة فرض القوة والهيمنة الامريكية إلى عقيدة ديمقراطية، وهنا تظهر أهمية اللاهوت والكهنة في تجميل الوحشية الغربية وإحكام الخداع والتضليل)

لهذا كانت المدرسة الرابعة: العولمة الديمقراطية. في هذا العقد هي التي حشدت الشعب الأمريكي لصراع على القيم. تسعى إلى تبرير الفكرة الأمريكية بنشر الديمقراطية، ونجاح الحرية، وغايات ووسائل السياسة الخارجية الأمريكية.

أنا أدعم ذلك، أنا أصفق لذلك. ولكني أعتقد أنه يجب أن يُخفف من حيث طموحاته العالمية وخطابه من عولمة ديمقراطية إلى واقعية ديمقراطية. يجب ان تكون موجهة لأهداف، ومحصورة. نحن أصدقاء الجميع، ولكننا نذهب إلى الشاطيء فقط عندما تكون هناك ضرورة حقيقية. والضرورة اليوم التي تستحق توجهناهو الهلال الإسلامي الممتد من شمال أفريقيا إلى أفغانستان.

في أكتوبر 1962 م.، خلال أزمة الصواريخ الكوبية، وصلنا إلى حافة الهاوية. ثم مصحوبين مع خصمنا المهزوز مثلنا، تراجعنا بحكمة كلانا. في 11 سبتمبر 2001 م.، رأينا وجه هرماغدون Armageddon  مرة أخرى، ولكن هذه المرة مع عدو لم يتراجع. هذه المرة العدو لا يعرف العقل.

إن كان هذا هو الاختلاف الوحيد بين الآن وذي قبل، وضعنا سيكون ميئوساً منه. ولكن هناك إختلاف آخر بين الآن وذي قبل: تفرد قوتنا، ليس لنا منافس، ليس فقط اليوم ولكن إلى الأبد. ذلك يسوي الصعاب.  عقلانية العدو هو شيء خارج سيطرتنا (الخصم الغير عقلاني الإنتحاري هو الإسلام، على عكس السوفييت الذين كانوا خصما ولكن عقلاني، ولذلك يدعو كروثامر الى تغيير وسائل الحرب لان العدو هذه المرة مختلف، عدو إنتحاري جهادي إستشهادي، غير عقلاني لا تعمل معه وسائل الردع التقليدية ولا توقفه، هذا يبين لنا نوع الحرب الشرسة الخبيثة التي بررت أمريكا والغرب من ورائها إستخدامها ضدنا، هذا هو ما نعيشه اليوم من تخريب لمواردنا وإنقلابات ومؤامرات وسجون وقتل وتعذيب وإغتصاب وحكام عملاء وتشجيع للإلحاد والتنصير ما نعيشه هو التنفيذ لوصايا أمثال كروثامر، وترجمة عملية لكلامهم). ولكن إستخدام قوتنا تحت سيطرتنا. ولو تم إستخدام هذه القوة بحكمة، غير محصورة بالاوهام والخيال ولكن بحدود مهمتنا – التي هي جلب قدر من التحرر كترياق للعدمية (حتى لا ننسى العدمية هي الإسلام، شيطنة الخصم شيء مهم جداً في الصراع وضرورة للتغلب عليه)—يمكن أن نسود.

#المنظومة_الشيطانية

#ديناميكية_النخب_السياسية

 

Advertisements